اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [10] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الجنائز [10] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يتبع جنازته بعد موته، لما في ذلك من إكرام لهذا الميت عند القيام بحمله والسير به إلى المقابر، ومن ثم دفنه وتسوية التراب عليه.والسير مع الجنازة له آداب وقواعد ينبغي للمسلم الإحاطة بها، ومن هذه الآداب السير أمام الجنازة للراجل والسير خلفها للراكب، كما أن من الآداب اللازمة على أهل الطريق القيام عند مرور الجنازة من أمامهم، وغير ذلك من الآداب التي تحفظ كرامة المسلم الميت كما تحفظها للمسلم في حياته
المشي مع الجنازة
وعن سالم عن أبيه رضي الله عنهما: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة) رواه الخمسة وصححه ابن حبان، وأعله النسائي وطائفة بالإرسال.هذه مسألة المشي مع الجنازة؛ فهل الأفضل أن يمشي المشيع أمامها، أو يمشي خلفها، أو على الجانبين، ومن حمل الجنازة فهل الأفضل أن يحملها من الأمام أو من الخلف؟
 عدد من يحملون الجنازة وكيفية ذلك
إذا لم يكن هناك عدد كافٍ، وكان من يحملانها اثنين فقط؛ فإن الذي في الأمام يدخل بين العودين ويحمل من بينهما، والذي في الخلف يدخل بين العودين ويحمل كذلك. وإذا حملها أربعة، فلا ينبغي لإنسان أن يدخل بين الشخصين الأماميين ولا بين الشخصين الخلفيين، بل يترك ما بينهما، فمن أراد أن يساعد، فليحمل من جوانب الجنازة دون أن يزاحم الذين يحملون. والأولى أن يراعى أيضاً التعادل في الطول؛ لأنه إذا كان أحدهما طويلاً والثاني قصيراً، كانت الجنازة غير مستريحة، فيراعى في ذلك ما فيه راحة الميت.وقوله في الحديث: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشيان أمامها) فهذه السنة والأفضل لمن كان ماشياً، وأما إن كان راكباً فليكن خلفها، والماشي أيضاً إن مشى خلفها فلا بأس، وإن مشى في الجانبين فلا بأس. والذي يريد أن يشارك في الحمل إما أن يقتصر على أحد الجانبين: من الإمام أو الخلف، وإما أن يناوب بين الجهات الأربع؛ لكن يكون ذلك براحة وبهدوء وسكينة، دون مزاحمة أو إيذاء، والله تعالى أعلم. ولا يجوز المشي تحت الجنازة، ولا حملها بالرأس من تحت، ما دام يوجد أشخاص يحملونها من أطرافها.
حكم اتباع النساء للجنائز واتباعها بنار
وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) متفق عليه.
 حكم اتباع الجنائز بالنار
وقد جاء النهي أيضاً أن تتبع الجنائز بالنار، بأن يفعلوا ذلك تفاخراً، أما لغرض الإضاءة كما إذا كانوا في الصحراء، أو في مكان ليس فيه سرج، حيث -يحتاجون للاستضاءة بنار- فلا مانع أن يشعلوا سعفة من أجل أن يروا كيفية الدفن؛ لكن أن تتبع الجنازة من باب المفاخرة والمكابرة؛ فإن هذا محرم، ومثل هذا حديث أم عطية رضي الله عنها في أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهن عن ابتاع الجنائز.أما قولها: (ولم يعزم علينا) يقول بعض العلماء: لو كانت هناك حاجة للنسوة، مثل أن يكون في الجنازة فراش ونحوه، فيوجد من النسوة من تأخذه فترجع به إلى بيت أهله فلا بأس، ولكن الأولى ما عليه الجماهير؛ بأنه لا تتبع المرأة جنازة، ويذكرون أشياء عن فاطمة رضي الله عنها حين سألها صلى الله عليه وسلم قال (من أين. قالت: أشيع كذا. قال: وصلت المقابر؟ قالت: لا. قال: لو كنت وصلتيها لكان...) إذاً: لا حاجة إلى اتباع النسوة الجنازة، فهن لن يحملن -كما يقول أبو سعيد الخدري - الميت، ولن تدفن في القبر ولن تبني عليه؛ بل تحدث ازدحاماً في الطريق، وهذا ليس داع.
باب القيام للجنازة
.
 شرح حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا)
وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) متفق عليه.هذا الحديث موضع بحث، من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)؛ فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا مرت جنازة قام، فقام ذات مرة فقيل: يا رسول الله! إنها يهودية! قال: أليست نفساً منفوسة) وهذا القيام كان إعظاماً لأمر الموت والحياة، وإن كان الميت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فإنه لا فرق بينه وبين المسلم في الخِلقة، أما الإسلام والكفر فعقيدة في القلب، أما هذا الهيكل بكامله فهم فيه سواء، لا فرق بينهم.فكونها نفساً منفوسة خلقها الله، فيها القدرة الإلهية، وفيها آية التكوين، وقد قبضت، وتغيرت حالتها، فالذي يقوم؛ فإنما يقوم إعظاماً وإجلالاً لله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه النفس المنفوسة ثم سلبها الروح. قال الفقهاء: ثم ترك صلى الله عليه وسلم القيام بعد ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يجلس، وعليه: من شاء قام ومن شاء جلس، فإن قام فله حق أن يجلس بعد ذلك لظروفه الخاصة، إما إذا كان يريد أن يشيعها؛ فإذا قام فلا يجلس، بل يتبعها حتى يتم تشييعها، والله تعالى أعلم.
باب إدخال الميت القبر من قبل رجليه
وعن أبي إسحاق : (أن عبد الله بن يزيد أدخل الميت من قبل رجليه القبر، وقال: هذا من السنة) أخرجه أبو داود .يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في كتاب الجنائز، ليبين كيفية إدخال الرجل الميت في القبر، وكذلك المرأة، وهو أنه يدخل من قبل رجليه، أي: من الجهة التي تكون فيها رجلا الميت، وبصفة عامة يستقبل بالميت القبلة، فيضجع على شقه الأيمن في القبر.والقبلة هنا في المدينة جهة الجنوب -فيما يقابل الشمال- فتكون رجلا الميت إلى الشرق، ورأسه إلى الغرب، وذكر هذا الأثر أنه يدخل من جهة الرجلين، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: يسل من قبل رجليه.وتقدمت الإشارة إلى ذلك بإيجاز، والحامل أن الجهات التي يدخل فيها الميت إلى القبر ثلاث:إما من جهة الرجلين، فيكون الرأس هو الذي يدخل إلى القبر أولاً، وإما من جهة الرأس فتكون الرجلان هما اللتان تدخلان إلى القبر أولاً، وإما عرضاً أي بعرض القبر، بأن يمدد الميت على حافة القبر من الجهة القبلية؛ لأن اللحد يلحد من الجهة القبلية، ويدخل الميت في اللحد مستقبلاً بوجهه القبلة، ويقف الذي يتناول الميت في القبر مستقبلاً بوجهه القبلة، ويتناول الميت من الحاضرين فوق حافة القبر من القبلة، وينزله حتى يضعه في اللحد.هذه صورٌ ثلاث، أما هذه الصورة التي فيها أنه يدخل من قبل الرِجلين، ففيها هذا الأثر وغيره، وجاءت رواية أخرى تدل للصورة الثانية، وهو أنه يدخل من جهة رأسه، وتكون القدمان هما اللتان تدخلان في القبر أولاً. وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه يدخل عرضاً بعرض القبر كما وصفنا؛ ولكن النووي رحمه الله نقل في المجموع عن الإمام الشافعي رحمه الله إبطال ما ذهب إليه أبو حنيفة ، من أنه يؤخذ الميت عرضاً، قال: فإما أن يسل من جهة الرجلين، وهذا النص عندنا، وإما أن يسل من جهة الرأس، وهذا وارد أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم؛ فقد رأى أناس شعلة في البقيع، فذهبوا، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم في القبر يمد يديه ويقول: (ناولوني ميتكم، وسله من جهة الرأس) فالحاصل أن في كيفية إدخال الميت في القبر هذه الحالات الثلاث:الحالة الأولى المشهورة: من جهة الرجلين.والحالة الأخرى أضعف منها: من جهة الرأس.والحالة الثالثة: ينزل إلى القبر عرضاً.ولكن يمكن أن يقال: تكون صفة الإدخال بحسب ظروف المكان، فقد يكون المكان ضيقاً، ويكون التراب مركوماً إلى جهة، فيتعذر إنزاله من تلك الجهة، ويتيسر من جهة أخرى. وتلك الحالات التي ذكرنا إنما هي في الأفضلية، والله تعالى أعلم.وقبل أن ننتقل إلى مباحث أخرى، ننبه إلى أن بعض العلماء يذكر بعض الآداب فيما يتعلق بقبر الميت، منها: إذا أُدخل ميت في القبر، فعند الإدخال يؤتى بثوب كالخيمة يغطى به القبر، ويمسك من أطرافه، ليستر الميت عند إنزاله القبر عن عيون الناس.قالوا: لأنه قد تحصل حالة من حالات الموتى التي تطرأ بعد الغسل، أو عند الحمل، أو غير ذلك، أو كان الكفن شحيحاً، فيكون هذا الغطاء ساتراً للميت عن أعين الناس.وبعضهم يقول: يفعل هذا بالمرأة فقط، ولا يفعل بالرجل، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك في الرجل فلا مانع، أما بالنسبة للمرأة فهو أمر معقول المعنى. كما ينص بعض العلماء أنه يستحب أن يكون للمرأة نعشاً، بخلاف الرجل، والنعش هو القفص الذي يجعل على خشبة الجنازة، وقيل: إن أول من فعل ذلك هو علي رضي الله تعالى عنه، وضعه لـفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية أن ترى أعضاء جسمها تحت الغطاء على خشبة الجنازة.فعندما يتخذ هذا القفص يكون المرئي جرم القفص، وليس أعضاء المرأة، وإلى الآن صارت متبعة بأن المرأة يجعل لها نعش، أي: هذا القفص المجوف، ويكون حاملاً للغطاء؛ فلا تُرى أعضاء المرأة وهي على الجنازة، بخلاف الرجل.هذا ما يتعلق بإدخال الميت وتغطيته.
 شرح حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا)
وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) متفق عليه.هذا الحديث موضع بحث، من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)؛ فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا مرت جنازة قام، فقام ذات مرة فقيل: يا رسول الله! إنها يهودية! قال: أليست نفساً منفوسة) وهذا القيام كان إعظاماً لأمر الموت والحياة، وإن كان الميت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فإنه لا فرق بينه وبين المسلم في الخِلقة، أما الإسلام والكفر فعقيدة في القلب، أما هذا الهيكل بكامله فهم فيه سواء، لا فرق بينهم.فكونها نفساً منفوسة خلقها الله، فيها القدرة الإلهية، وفيها آية التكوين، وقد قبضت، وتغيرت حالتها، فالذي يقوم؛ فإنما يقوم إعظاماً وإجلالاً لله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه النفس المنفوسة ثم سلبها الروح. قال الفقهاء: ثم ترك صلى الله عليه وسلم القيام بعد ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يجلس، وعليه: من شاء قام ومن شاء جلس، فإن قام فله حق أن يجلس بعد ذلك لظروفه الخاصة، إما إذا كان يريد أن يشيعها؛ فإذا قام فلا يجلس، بل يتبعها حتى يتم تشييعها، والله تعالى أعلم.
ما يقال إذا وضع الميت في القبر
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وضعتم موتاكم في القبور، فقولوا: باسم الله، وعلى ملة رسول الله) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان ، وأعله الدارقطني بالوقف.يبين لنا صلى الله عليه وسلم ماذا يقول الذين يضعون الميت في قبره، أي: الذين يقفون في القبر ليتلقوا الميت، فحينما يتلقونه من الذين على حافة القبر، فإنهم يقولون: (باسم الله، وعلى ملة رسول الله)، وفي بعض ألفاظ الحديث: (وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا الذي ينبغي على المسلم دائماً في كل أعماله، وهو أن يبدأ بذكر اسم الله، وأن يكون الأمر وفق كتاب الله.والملة هي الدين، والسنة هي الطريقة، وبينهما تلازم فملة الإسلام هي طريقة المسلمين، وطريقة المسلمين هي ملة الإسلام؛ لكن هذا كأنه دعاء للميت، ومعناه: أودعناه مكانه باسم الله، وأودعناه على ملة رسول الله.وكأن ذلك يشعر بالشهادة له أنه من أهل هذه الملة، فتكون نوعاً من الدعاء ونوعاً من الشفاعة.والله تعالى أعلم.
 شرح حديث: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا)
وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) متفق عليه.هذا الحديث موضع بحث، من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)؛ فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا مرت جنازة قام، فقام ذات مرة فقيل: يا رسول الله! إنها يهودية! قال: أليست نفساً منفوسة) وهذا القيام كان إعظاماً لأمر الموت والحياة، وإن كان الميت يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فإنه لا فرق بينه وبين المسلم في الخِلقة، أما الإسلام والكفر فعقيدة في القلب، أما هذا الهيكل بكامله فهم فيه سواء، لا فرق بينهم.فكونها نفساً منفوسة خلقها الله، فيها القدرة الإلهية، وفيها آية التكوين، وقد قبضت، وتغيرت حالتها، فالذي يقوم؛ فإنما يقوم إعظاماً وإجلالاً لله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه النفس المنفوسة ثم سلبها الروح. قال الفقهاء: ثم ترك صلى الله عليه وسلم القيام بعد ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يجلس، وعليه: من شاء قام ومن شاء جلس، فإن قام فله حق أن يجلس بعد ذلك لظروفه الخاصة، إما إذا كان يريد أن يشيعها؛ فإذا قام فلا يجلس، بل يتبعها حتى يتم تشييعها، والله تعالى أعلم.
تحريم إيذاء الميت بكسر عظمه أو ما شابه ذلك
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم ، وزاد ابن ماجة من حديث أم سلمة رضي الله عنها (في الإثم)
 حكم الانتفاع بأعضاء الميت
إذا انتهينا من موضوع الجنائز والتغسيل والتجهيز والدفن، في هذه الآونة الحاضرة، رجعوا إلى هذا الحديث في مباحث عصرية حديثة، وهي:إذا مات الميت، وعلى حسب الوضع الحاضر يمكن الانتفاع ببعض أعضائه بالنسبة لحي موجود، فهل نفعل ذلك؟ أعني أنه إذا مات الميت، واحتجنا إلى أخذ الكلية، أو إلى أخذ القلب، أو إلى أخذ القرنية من العين أو.. أو.. إلخ، هل نفعل ذلك، أو أن كسر عظمه ككسره حياً.وهل يرضى حي أن يشق بطنه وتؤخذ الكلية، أو تفقأ عينه وتؤخذ القرنية، أو يشق صدره ويؤخذ القلب؟ الجواب: لا؛ لأن كسر عظمه ميتاً ككسر عظمه حياً، وهكذا جميع الاعتداءات عليه، إذاً: لا يحق لأحد أن يفعل بالميت شيئاً من هذا.هناك مبحث مفيد في مجلة البحوث العلمية، من هيئة كبار العلماء، أو من إدارة الإفتاء، في هذا الموضوع، إذا توقفت حياة إنسان على هذا العضو، وجاء الخبر اليقين من المختصين بأن حياته متوقفة على ذلك، وتحقيق حياته يحتاج إلى مراحل طويلة، لعدم وجود بديل، وعدم إمكان علاج العضو التالي الذي عند الحي. وبعد توافق المأخوذ منه والمعطى في أوجه المطابقة المطلوبة؛ لأنه في حالة عدم التوافق يرفض الجسم المعطى ما كان غريباً بالنسبة له، كما في نقل الدم، فإنه إذا لم تتفق الفصيلة بين الطرفين، فلا يمكن أن يعطى ذلك الدم، وقد يكون فيه وفاة المعطى.إذاً: على فرض وتقدير أن في التبرع بالأعضاء إحياء نفسٍ، وهو أهون وأقرب من تعريض حي للتلف، فيكون في هذه الحالة من باب ارتكاب أخف الضررين، نعم. إن الاعتداء على جسم الميت جريمة، ولكن المحافظة على حياة الحي وتجنيبه التلف من باب قوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، فيكون هذا من باب آخر، مع الاعتراف والإبقاء على القاعدة: (كسر عظم الميت ككسره حياً).والله تعالى أعلم...
باب كيفية اللحد والدفن وما يتبعه
وعن سعد بن أبي وقاص قال: (ألحدوا لي لحداً وأنصبوا عليَّ اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم .
 النهي عن القعود على القبور
قوله: (وأن يقعد عليها) جاء النهي عن القعود على القبر، وعن الاتكاء على القبر، وعن المشي على القبر، وكل ذلك يؤذي الميت في قبره، بل جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى رجلاً لابساً نعلين سبتيتين فقال: يا صاحب السبتيتين قد آذيت) فخلعهما ومشى حافياً. وفي الحديث الآخر: (إن الميت ليسمع حفيف نعالكم) .فبعضهم قال: الأولى: إذا دخل المقبرة أن يخلع نعليه، لئلا يطأ على فتات بعض الموتى عند المشي، أو احتراماً للموتى، وذلك أنا نعلم أنه إذا كان مجموعة من الرجال جلوس، وجاء شخصٌ صغير السن، أراد أن يمر ويجتازهم، وكان لابساً نعلين، فإنه يخلعهما ويحملهما في يديه حياءً من الحضور الكبار، واحتراماً لهم، وكما لو مر على جماعة من كبار الناس وهو راكب، فإنه ينزل ويقود مطيته حتى يتجاوزهم، وهذه عادات وآداب أخلاقية ريفية موجودة حتى الآن، فبعضهم يقول: خلع النعلين احتراماً وتوقيراً وتكريماً. أما النهي عن القعود فباتفاق أن القعود صريح في معنى الجلوس، بقرينة النهي عن الاتكاء عليه، فكانوا في حالة دفن الميت فجلس إنسان واتكأ على القبر، فنهوه عن ذلك فقالوا: لا تؤذِ الميت باتكائك عليه، وهذه القرينة -قرينة النهي عن الاتكاء- تنفي وتمنع تفسير من فسر النهي عن الجلوس على القبر بالجلوس لقضاء الحاجة. فالنهي عن الجلوس على القبر هو القعود للاستراحة، وقد جاء الحديث: (لئن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر) إذاً: النهي عن القعود إنما هو للجلوس والاستراحة، وليس المقصود قضاء الحاجة، وصرفه إليها بعيدٌ جداً؛ لأن هنا نهياً عن الجلوس، ونهياً عن الاتكاء، ونهياً عن المشي، ولكن إذا كان هناك مكانٌ للدفن، ولا طريق إليه إلا أن نتعدى على تلك القبور فماذا نفعل؟ فلابد أن نمشي على تلك القبور لنصل إلى موضع الدفن، قالوا: فحينئذ تكون ضرورة، فيجوز.فعلى هذا لا ينبغي للإنسان إذا أتى إلى البقيع وشيع جنازة، وانتظر دفنها، أن يطأ قبراً، ولا يتكئ عليه، ولا يجلس عليه.تقدم لنا الحديث أنه لا يجلس حتى توضع، أي: توضع عن أكتافهم على حافة القبر، ثم توضع في القبر ويبدءون في الدفن، وبعد ذلك يجلسون، حتى يفرغ الذين يتولون الدفن من عملية الدفن، ثم يتلقى أهل الميت العزاء.أكرر فأقول: تلك الفترة وتلك الجلسة، لا يكون جلوسه على قبر، ولا اتكاؤه إلى قبر؛ فهذا هو محل النهي.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [10] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net