اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [4] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الجنائز [4] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
من إكرام الميت أن يغسل بعد موته، فلا يدخل قبره إلا طيباً، وهذا التغسيل واجب على الأحياء بالقدر الذي يطهر به بدن الميت، ويكون على الصفة الواردة في السنة في الرجل أو المرأة.
غسل الميت المحرم
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي سقط عن راحلته فمات (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه) متفق عليه.
 المحرم الميت يبعث ملبياً يوم القيامة
في الحديث أن هذا الميت قد مات وهو متلبس بهذه العبادة، فإذا بعث يوم القيامة بُعث ملبياً، وفي ذلك إشعار بأنه إظهار لعمله يكون ذلك كرامةً له، وامتداداً لعمله في الدنيا، ويكون في ذلك إمتاعاً له بأنه يلبي كما كان يلبي في الدنيا.وقد يقول قائل: التلبية عبادة، والعبادة تكليف، والآخرة ليست فيها عبادة ولا تكليف، فكيف يلبي؟ ويجاب عن ذلك: أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى أهل الجنة في الجنة ما تشتهيه الأنفس، فلو أن إنساناً في الجنة اشتهى أن يصلي ركعتين فإن الله يعطيه الصلاة؛ لأنه من توابع إرضائه وإكرامه لعبده، ولو أن إنساناً تمنى أو اشتهى أن يقرأ القرآن فإن الله يعطيه أيضاً قراءة القرآن، وقد يؤيد ذلك ما جاء في الحديث: (يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق) (اقرأ) (ارق) هذا تكليف، لكن الغرض منه ليس القراءة، ولكن إلى حيث ينتهي في قراءته ينتهي رقيه في درجاته في الجنة.إذاً قد تكون هناك قراءة قرآن أو صلاة في الجنة، لا على التكليف بالثواب والعقاب في الامتناع، ولكن تتمةً أو إرضاءً أو إكراماً أو تحقيقاً لما تشتهيه الأنفس، حتى قال بعض العلماء: لو اشتهى الفلاحون أن يزرعوا لمكَّنهم الله من أن يزرعوا ويحصدوا ... إلى غير ذلك من الأقوال.إذاً المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً إكراماً له وإتماماً لعمله وقد يكون إرضاءً له فيما تشتهيه نفسه أن يكمل نسكه، وإن كانت بقية المناسك قد انتهت، وليس هناك مكانٌ لها. والله تعالى أعلم.
تغسيل رسول الله بعدما قبض

 أولى الناس بتغسيل الميت
من أولى الناس بتغسيل الميت: نجد هناك من يقول: إن كان قد أوصى بأن يغسله شخصٌ بعينه لا مانع، والفكرة العامة أن يكون أولى الناس به آمنهم وأتقاهم؛ لأن الميت بين يديه أمانة، وقد يوجد من الميت ما لا يحب الميت لو كان حياً أن يرى منه، فينبغي على من يغسل الميت أن يكون أميناً لا يفشي سر الميت، وهذا لا يكون إلا ممن كان أولى الناس به.ومن الناحية التكليفية، أو ناحية الجواز قالوا: أولى الناس بتغسيل الميت الزوجان أحدهما للآخر، الزوج يغسل زوجته، والزوجة تغسل زوجها، على خلاف عند الأحناف، وأما الحنابلة فقالوا: هو يغسلها وهي لا تغسله؛ لأنها لو قدر بأنها في الحياة وفارقها فإنها في العدة، وفي العدة تكون تابعة للزوجية، والآخرون قالوا: العكس، والأحناف قالوا: إنه بالموت انقطعت الصلة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة نقلية وعقلية.أما انقطاع الصلة فليس بصحيح؛ لأن الميراث عقب الوفاة بصلة الزوجية، ولأنه جاء عنه صلى الله عليه وسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رجع النبي صلى الله عليه وسلم من جنازة بـالبقيع فمر عليَّ فقلت: وارأساه، قال: بل أنا يا عائشة وارأساه، وماذا عليكِ لو مت قبلي فقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ ودفنتكِ) فهذا نصٌ صحيح صريح في أنه صلى الله عليه وسلم يغسل زوجه، وجاء عنها رضي الله تعالى عنها قالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا نساؤه). وجاء عن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر رضي الله تعالى عنهما لما توفي وغسلته هي وخرجت على الناس في يومٍ شديد البرد فقالت: (ماذا ترون، هل عليَّ من غسلٍ وقد غسلت أبا بكر ؟ قالوا: لا. ليس بواجبٍ عليكِ) وقد جاء في ذلك حديث متكلم فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) فـأسماء أخبرت بأنها غسلت زوجها، وهذه أم المؤمنين تقول: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا زوجاته) وهو صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة (وماذا عليكِ لو متِ قبلي وقمتُ عليكِ فغسلتكِ وكفنتكِ وصليتُ عليكِ) فهذا منه صلى الله عليه وسلم لزوجه.إذاً: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى غسله خواص آل بيته. ابنا عمه علي رضي الله تعالى عنه، والفضل ، وأسامة حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، والعباس عمه كان حاضراً، ولهذا قالوا: يغسل الميت أولى الناس به، وإذا لم يكن من أهل الميت من يحسن تغسيل الميت؛ لأنه في بعض البلاد لا تجد في القرية بكاملها من يحسن تغسيل الميت إلا شخصاً واحداً أو شخصين، والبقية لو مات عندهم ميت لا يعرفون كيف يغسلونه، وهذه من المشاكل.إذاً: يتعين على كل مسلم ما دام أنه واجب كفائي أن يتعلم تغسيل الميت؛ لأنه قد يصادف أنك تجد ميتاً فيكون متعين عليك أنت غسله، أو كان هناك ميت ولا أحد يحسن التغسيل، فكن أنت متعلماً عارفاً، وعلى هذا سيأتي بيان كيفية تغسيل الميت في تغسيل ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب كيفية غسل الميت
.
 استحباب البداية في غسل الميت بالميامن ومواضع الوضوء
وقال في الحديث (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها) التيامن مطلوب في كل شيء، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي تعالى عنها (أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في كل شيء) فكان يتيامن في لبس النعلين، ويتيامن في لبس القميص فيدخل يده اليمنى، ويتيامن في أول نومه فينام على شقه الأيمن، ويتيامن في أكله الطعام وتناول الشراب بيده اليمنى، ثم قالت (وفي شأنه كله) وهنا قال صلى الله عليه وسلم (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها) وهذه سنة -أيضاً- في غسل الجنابة والحيض، فقد تقدم معنا في باب الغسل أن الإنسان لا يفيض الماء على جسمه مرة واحدة، ولكن يبدأ -كما في غسل الجنابة- بغسل فرجه، ثم يضرب يده بالتراب في الأرض، ثم يتوضأ، وجاء في بعض الروايات (وضوءه للصلاة) وجاء في بعض الروايات: ويؤخر غسل قدميه حتى ينتهي من إفاضة الماء، ثم يتحول من مكانه الذي هو فيه إلى مكان آخر؛ فيغسل قدميه.إذاً: الوضوء مقدمةٌ للغسل، فهنا أمرهن أن يوضئنها، أي: يبدأن في تغسيلها بالوضوء، وعند الغسل يبدأن بالميامن، ثم يكملن الغسل على ما بين لهن، ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر، قال: (إن رأيتن ذلك) .ثم قال (فإذا فرغتن فآذنني) من آذن يؤذن، والإذن كله راجع في اللغة إلى مادة الأذن؛ لأن اللغة أول ما توضع توضع للمحسوسات المادية، ثم تنقل إلى المعنويات.قالت (فلما فرغنا آذناه، حقوه) أي: الإزار الذي على الحقو، والحقو هكذا، محل عقد الإزار، ثم قال (أشعرنها به) وهذا منه صلى الله عليه وسلم عطفاً عليها، وشفقة بها، والتماساً لبركته معها؛ لأن هذا الحقو قد خالطه، وقد يكون مس من عرقه أو غير ذلك... إلخ، على ما سيأتي في أمر بن أبي ، وهذه ابنته رضي الله تعالى عنها زينب ، وعطفه على ابنته لا شك فيه، ففعلن وأشعرنها، أي: اللباس يكون قسمين: شعارٌ ودثار، كما جاء في حديث الأنصار لما رجعوا من فتح مكة ، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئاً، فبلغته مقالة؛ فجمعهم، ثم قال (ما مقالة بلغتني عنكم يا معشر الأنصار؟! أتأخذون عليَّ في لعاعة من الدنيا أتألف بها قلوب أقوامٍ، إني لأعطي أقواماً أتألفهم على الإسلام، وأترك أقواماً لما وقر في قلوبهم من الإيمان، والله يا معشر الأنصار! لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، لو سلك الناس وادياً وطريقاً، وسلك الأنصار وادياً وطريقاً، لسلكت وادي الأنصار وطريقها) فقوله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار شعار) . الشعار: هو الثوب الذي يلاصق شعر الجلد على الإنسان، والدثار هو ما يتدثر به فوق الثياب، كالمشلح، أو العباية، أو البالطوا، أو أي شيء آخر، هذا دثار يتدثر به، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] أي: المتغطي، والدثار هو الغطاء فوق اللباس.فأشعرنها إياه، وكما أشرنا أن هذا من رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته ورغبته في إنالة ابنته البركة...

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [4] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net