اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [3] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [3] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
اشتملت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم على أحكام مهمة ذكرها الفقهاء في بيان ما ينبغي أن يلتزم به الخطباء، وبعضهم جعلها من أركان الخطبة، ومن ذلك: البدء بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع الصوت، والإرشاد إلى الهدي الصحيح، والتحذير من البدع والضلالات.
شرح حديث جابر في صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فيقول المصنف رحمه الله: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله..) ].
 قوله: (وكل بدعة ضلالة)
قوله: (وكل بدعة ضلالة):هناك جملة تأتي في بعض الروايات، وهي: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ليتم التركيب المنطقي كما يقولون، فتكون كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فينتج أن كل محدثة في النار، فهذا التركيب اختصره الراوي في هذه العبارة، وأسقط الجملة الوسطى: (كل محدثة بدعة)، وهذا يتوافق مع المعنى اللغوي؛ لأن الشيء الذي أحدث لم يكن موجوداً، أي: ابتدع. والبدعة مأخوذةٌ من الإبداع، والإبداع: إيجاد الشيء على غير هيئة سابقة، كما في قوله سبحانه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، أي: خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق حاكاه، ومنه قوله تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] أي: ما أنا أول من جاء بالرسالة، بل سبقني بالرسالات أنبياءٌ عديدون، وأنا جئت على أثرهم.ويستوقفنا هنا مجيء الحديث الآخر: (من سنة سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فقالوا: كيف يسن إنسان سنة حسنة؛ إذ يمكن أن يسن سنة سيئة، ولكن كيف يسن سنة حسنة؟والجواب: إن معنى (سن سنة حسنة)، أحيا سنة تركها الناس، أو أتى بعملٍ له أصلٌ في الإسلام.وأصل هذا الحديث أنه لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ليتصدقوا على الذين جاءوا مجتابي النمار وعليهم أثر الفاقة، وكان يوم الجمعة، فندب الناس ليتصدقوا فجاء بعضهم بالسويق وجاء بعضهم بثوب، وجاء بعضهم بالدرهم، إلى أن جاء رجلٌ بكيس يحمله في يده وألقاه بين يدي رسول الله وقد كادت يده تعجز عن حمله، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وتتابع الناس بالمبالغ الكبيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة)، أي: صاحب هذا الكيس سن سنة حسنة للمتصدقين، ونقلهم عن السويق والثياب وغير ذلك إلى المبالغ الكبيرة، فهذا له أصل وهو الندب إلى الصدقة، والناس مشوا على القليل فسن لهم سنة حسنة، فكان ممن سن سنة حسنة.وقد جاء في الحديث أنه أحيلت الصلاة ثلاث مرات، ومما أحيلت فيه أنه كان المسبوق يأتي ويسأل الرجل في الصف: كم صليتم؟ فيشير إليه أنهم قد صلوا واحدة أو اثنتين، فيأتي بالركعتين أو بالركعة التي فاتته، ويلحق الإمام في الصلاة، ويسلم مع الإمام؛ لأنه أتم صلاته، فما كان فاته فقد أتى به ثم أدرك الإمام ومشى معه، فقال معاذ : لن أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالة إلا وتابعته عليها، فجاء وقد صلوا بعض الصلاة، فدخل حالاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف معاذ ما الذي بقي عليه من صلاته فقام وأتمه، فقال صلى الله عليه وسلم : (إن معاذاً قد سن لكم في الصلاة سنة فاتبعوها)، فهذه سنة أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهنا يأتينا خبر عمر رضي الله عنه لما رأى الناس يصلون التراويح أوزاعاً، فكل قارئ خلفه عدد من الناس، وكل قوم يتبعون أحسن الناس صوتاً وقراءة، فقال عمر رضي الله عنه : (أرى لو جمعتهم على إمام واحد لكان خيراً)، فجمعهم على إمام واحد، ثم ذهب إلى المسجد بعد ذلك فرآهم مجتمعين على إمام واحد فقال: (نعمت البدعة)، فكيف يقول عمر: نعمت -وهو وصف مدح- لبدعة وفي الحديث: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؟ فهل المعنى: نعمت الضلالة؟ حاشا وكلا. ونقول: إن عمر رضي الله عنه سن سنة لها أصلٌ، وذلك أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة من العشر الأواخر في رمضان، وصلى في المسجد بعد أن انصرف الناس من صلاة العشاء، فكان يوجد بعض الناس فصلوا خلفه ثم انصرفوا، فسمع الناس بصلاة بعضهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا في الليلة الثانية عدداً كثيراً، فلما خرج صلى الله عليه وسلم صلى كما صلى في الليلة الأولى، فصلى وراءه العدد الكثير ثم انصرف، ثم في الليلة الثالثة تسامع أهل المدينة، فلما صلوا العشاء مكثوا في مكانهم، فقال صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (ما بال الناس؟ ألم يصلوا العشاء؟ قالت: بلى. قال: وما شأنهم؟ قالت: ينتظرون خروجك لتصلي فيصلون بصلاتك كما صلى الناس من قبل، قال: قومي واطوي عنا حصيرك) وكانت تفرش له حصيراً في الروضة، فما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك حتى الصبح.فهنا وقعت صلاة التراويح جماعة بإمام واحد وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما منعه من الاستمرار في ذلك إلا ما صرح به صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (ما خفي عليَّ صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً -لأنهم كانوا يتنحنحون، ويأخذون الحصباء ويرمون بها باب الحجرة، كأنهم يقولون: نحن هنا فاخرج إلينا- وما منعني إلا أني خشيت أن أخرج إليكم فتفرض عليكم)، فترك الخروج من أجل العلة، وهي الشفقة عليهم من أن تفرض عليهم فلا يقدرون عليها.فلما انتهى عهد الفرض ونزول الوحي والتشريع من جديد وأمن ذلك، جاء عمر ، فما زاد على أن جمعهم على إمام واحد كما صلوا خلف إمامٍ واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فهي سنة، ولكن عمر سماها بدعة من حيث اللغة، أي أنه أول من جمع الناس على إمامٍ واحد، فكانت صورة مبتكرة، وإن شئت قل: مبتدعة، أي: لا نظير لها من قبل، فلم ينصب رسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً للناس فيها، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، وكذلك عمر في أول خلافته، ولكنها في تلك اللحظات وجدت، لعدم وجود نظيرها من قبل.ومن هنا قيل: إن عمر حينما قال: (نعمت البدعة) أراد المعنى اللغوي، أي: العمل الجديد الذي وجد، ولا يريد معنى البدعة التي استحدثت في الدين.إذاً: كل محدثة أو كل أمرٍ محدثٍ بدعة، وتنصب على البدعة التي تقابل هدي النبي صلى الله عليه وسلم.وهناك مبحث طويل تكلم عنه صاحب الاعتصام وغيره في درجات البدع، فهناك بدع مكفرة وهي التي تتعلق بالعقائد، وهناك بدع مفسقة وهي التي تتعلق بالعبادات، وهناك بدع مخلة بالمروءة وهي ما كانت مغايرة للمندوب؛ فهي متفاوتة عند الفقهاء بحسب موضوعها الذي يتعلق بها، فمن أراد التوسع في ذلك فليرجع إليه.
خلاف العلماء فيما لو أتى الخطيب بمقدمة فيها معنى الحمد والثناء
قال رحمه الله تعالى: [ وفي رواية له: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه) ].يقولون: إن عبارات النحت هي التحميد والتسبيح والتهليل والحوقلة، فالتسبيح: سبحان الله، والتحميد: الحمد لله، والتهليل: لا إله إلا الله، والحوقلة: لا حول ولا قوة إلا بالله.ويبحث الفقهاء فيما لو أن الخطيب أتى بلفظ سوى الحمد يؤدي معناه الشكر لله والثناء عليه، فالأئمة الثلاثة على أنه لا يجزئ، وعند الإمام أبي حنفية رحمه الله أن أي عبارة تفيد الثناء فهي مجزئة، كالحال في تكبيرة الإحرام (الله أكبر) حيث لا تنعقد الصلاة إلا بهذا اللفظ، عند الثلاثة خلافاً له.فقوله: (يحمد الله)، أي: يقول: (الحمد لله)، وأحب أن أنبه على شيء كثر استعماله، حيث نسمع كثيراً من الخطباء يقولون: (إن الحمدَ لله)، وهنا ورد: (الحمدُ لله)، فهل جاء في القرآن (إن الحمدَ لله) أم أن كل الصيغ (الحمدُ لله) كالتي في الفاتحة والكهف ونظائرهما؟ يقول العلماء: إن (أل) في (الحمد) للاستغراق، فاستغرقت جميع المحامد، وحينما تقول: (الحمد لله) فهي إنشاء منك بحمدك لله، وحينما تقول: (إن الحمدَ لله) فإن (إن) تدخل على الجملة الخبرية، فالمبتدأ اسمها والخبر خبرها، فكأنك حين تقول: (إن الحمدَ لله) تخبر بأن الحمد لله، فهل الذي يخبر بأن الحمد لله يثبت له أنه حمد الله أم أن ذلك مجرد إخبار فلا يتناسب مع تقديس المولى سبحانه ولا مع أداء المعنى المطلوب، فكونهم يجدون هذا اللفظ مستجداً ويستسيغونه لا يخرجه عن أن يكون مغاير للمعنى الأصلي المراد بحمد الله سبحانه.فقول: (إن الحمدَ لله) لا تؤدي المعنى الذي جاء في كتاب الله والذي جاء في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو (الحمدُ لله).وبجانب الحمد يأتي بذكر الثناء والشكر، فهن ثلاث كلمات، أما الشكر فهو في مقابل النعمة، وفي الحديث: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وفي الحديث: (من صنع لكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى ترون أنكم كافأتموه).أما الثناء فهو امتداح شخص فعل خيراً ولو لم يكن للذي يثني عليه، كما لو سمعت بطبيب ماهر أجرى عملية جيدة لإنسان لا يتصل بك بصلة من الرحم ولا من القرابة ولا غيرها، فإنك تثني على هذا الطبيب لمهارته في فنه بأنه أجاد العمل، فأنت تثني عليه لمهارته في عمله.أما الحمد فإنه امتداح لكمال ذات المحمود، لا لخيرٍ جاءك منه ولا لضرٍ دفعه عنك، ولا مقابل جميل أو معروف أسداه لغيرك ومهر فيه، إنما هو لكمال الذات ولو لم يصدر منها شيء، ولا يكون كمال الذات إلا لله سبحانه، ومن هنا قيل: إن (أل) في الحمد للاستغراق، وتستغرق جميع المحامد التي تحتويها لغات العالم، وتدركها قلوب الناس، فكلها مجموعة لله سبحانه، لكمال ذاته وتنزهه سبحانه وتعالى.
 قوله: (وكل بدعة ضلالة)
قوله: (وكل بدعة ضلالة):هناك جملة تأتي في بعض الروايات، وهي: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ليتم التركيب المنطقي كما يقولون، فتكون كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فينتج أن كل محدثة في النار، فهذا التركيب اختصره الراوي في هذه العبارة، وأسقط الجملة الوسطى: (كل محدثة بدعة)، وهذا يتوافق مع المعنى اللغوي؛ لأن الشيء الذي أحدث لم يكن موجوداً، أي: ابتدع. والبدعة مأخوذةٌ من الإبداع، والإبداع: إيجاد الشيء على غير هيئة سابقة، كما في قوله سبحانه: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، أي: خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق حاكاه، ومنه قوله تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:9] أي: ما أنا أول من جاء بالرسالة، بل سبقني بالرسالات أنبياءٌ عديدون، وأنا جئت على أثرهم.ويستوقفنا هنا مجيء الحديث الآخر: (من سنة سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فقالوا: كيف يسن إنسان سنة حسنة؛ إذ يمكن أن يسن سنة سيئة، ولكن كيف يسن سنة حسنة؟والجواب: إن معنى (سن سنة حسنة)، أحيا سنة تركها الناس، أو أتى بعملٍ له أصلٌ في الإسلام.وأصل هذا الحديث أنه لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ليتصدقوا على الذين جاءوا مجتابي النمار وعليهم أثر الفاقة، وكان يوم الجمعة، فندب الناس ليتصدقوا فجاء بعضهم بالسويق وجاء بعضهم بثوب، وجاء بعضهم بالدرهم، إلى أن جاء رجلٌ بكيس يحمله في يده وألقاه بين يدي رسول الله وقد كادت يده تعجز عن حمله، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وتتابع الناس بالمبالغ الكبيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة)، أي: صاحب هذا الكيس سن سنة حسنة للمتصدقين، ونقلهم عن السويق والثياب وغير ذلك إلى المبالغ الكبيرة، فهذا له أصل وهو الندب إلى الصدقة، والناس مشوا على القليل فسن لهم سنة حسنة، فكان ممن سن سنة حسنة.وقد جاء في الحديث أنه أحيلت الصلاة ثلاث مرات، ومما أحيلت فيه أنه كان المسبوق يأتي ويسأل الرجل في الصف: كم صليتم؟ فيشير إليه أنهم قد صلوا واحدة أو اثنتين، فيأتي بالركعتين أو بالركعة التي فاتته، ويلحق الإمام في الصلاة، ويسلم مع الإمام؛ لأنه أتم صلاته، فما كان فاته فقد أتى به ثم أدرك الإمام ومشى معه، فقال معاذ : لن أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالة إلا وتابعته عليها، فجاء وقد صلوا بعض الصلاة، فدخل حالاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف معاذ ما الذي بقي عليه من صلاته فقام وأتمه، فقال صلى الله عليه وسلم : (إن معاذاً قد سن لكم في الصلاة سنة فاتبعوها)، فهذه سنة أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهنا يأتينا خبر عمر رضي الله عنه لما رأى الناس يصلون التراويح أوزاعاً، فكل قارئ خلفه عدد من الناس، وكل قوم يتبعون أحسن الناس صوتاً وقراءة، فقال عمر رضي الله عنه : (أرى لو جمعتهم على إمام واحد لكان خيراً)، فجمعهم على إمام واحد، ثم ذهب إلى المسجد بعد ذلك فرآهم مجتمعين على إمام واحد فقال: (نعمت البدعة)، فكيف يقول عمر: نعمت -وهو وصف مدح- لبدعة وفي الحديث: (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؟ فهل المعنى: نعمت الضلالة؟ حاشا وكلا. ونقول: إن عمر رضي الله عنه سن سنة لها أصلٌ، وذلك أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة من العشر الأواخر في رمضان، وصلى في المسجد بعد أن انصرف الناس من صلاة العشاء، فكان يوجد بعض الناس فصلوا خلفه ثم انصرفوا، فسمع الناس بصلاة بعضهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا في الليلة الثانية عدداً كثيراً، فلما خرج صلى الله عليه وسلم صلى كما صلى في الليلة الأولى، فصلى وراءه العدد الكثير ثم انصرف، ثم في الليلة الثالثة تسامع أهل المدينة، فلما صلوا العشاء مكثوا في مكانهم، فقال صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (ما بال الناس؟ ألم يصلوا العشاء؟ قالت: بلى. قال: وما شأنهم؟ قالت: ينتظرون خروجك لتصلي فيصلون بصلاتك كما صلى الناس من قبل، قال: قومي واطوي عنا حصيرك) وكانت تفرش له حصيراً في الروضة، فما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك حتى الصبح.فهنا وقعت صلاة التراويح جماعة بإمام واحد وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما منعه من الاستمرار في ذلك إلا ما صرح به صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (ما خفي عليَّ صنيعكم البارحة، وما بت بحمد الله غافلاً -لأنهم كانوا يتنحنحون، ويأخذون الحصباء ويرمون بها باب الحجرة، كأنهم يقولون: نحن هنا فاخرج إلينا- وما منعني إلا أني خشيت أن أخرج إليكم فتفرض عليكم)، فترك الخروج من أجل العلة، وهي الشفقة عليهم من أن تفرض عليهم فلا يقدرون عليها.فلما انتهى عهد الفرض ونزول الوحي والتشريع من جديد وأمن ذلك، جاء عمر ، فما زاد على أن جمعهم على إمام واحد كما صلوا خلف إمامٍ واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فهي سنة، ولكن عمر سماها بدعة من حيث اللغة، أي أنه أول من جمع الناس على إمامٍ واحد، فكانت صورة مبتكرة، وإن شئت قل: مبتدعة، أي: لا نظير لها من قبل، فلم ينصب رسول الله صلى الله عليه وسلم إماماً للناس فيها، وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، وكذلك عمر في أول خلافته، ولكنها في تلك اللحظات وجدت، لعدم وجود نظيرها من قبل.ومن هنا قيل: إن عمر حينما قال: (نعمت البدعة) أراد المعنى اللغوي، أي: العمل الجديد الذي وجد، ولا يريد معنى البدعة التي استحدثت في الدين.إذاً: كل محدثة أو كل أمرٍ محدثٍ بدعة، وتنصب على البدعة التي تقابل هدي النبي صلى الله عليه وسلم.وهناك مبحث طويل تكلم عنه صاحب الاعتصام وغيره في درجات البدع، فهناك بدع مكفرة وهي التي تتعلق بالعقائد، وهناك بدع مفسقة وهي التي تتعلق بالعبادات، وهناك بدع مخلة بالمروءة وهي ما كانت مغايرة للمندوب؛ فهي متفاوتة عند الفقهاء بحسب موضوعها الذي يتعلق بها، فمن أراد التوسع في ذلك فليرجع إليه.
ارتفاع صوت الخطيب وعلاقته باتخاذ المبلغين
قوله: (ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته) وفي رواية له: (من يهد الله فلا مضل له).
 قيام مكبرات الصوت مقام المبلغ
وقد يقول قائل: لقد وجدت هذه الأجهزة وهي مبلغة عن الإمام في قراءته وفي تنقله وحركات انتقاله، فلماذا نحتاج إلى المبلغ؟ ونقول: في بادئ الأمر كان يقع في الموسم أنه قد ينقطع التيار، وقد يتعطل الجهاز فيقع ارتباك في الصلاة في هذا المسجد بالذات، فوجود المبلغ أقل ما يقال فيه: إنه سنة سابقة، وإذا وجد هذا الجهاز فيكون عن طريقه أيضاً وقع هذا التبليغ، وعدم تغيير الشيء الثابت وعدم تغيير ما عليه الناس هو الأولى، كما قال مالك رحمه الله: إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار، وكلٌ قد ذهب بما سمع من رسول الله، وتغيير أو انتقال الناس عما كانوا عليه ثقيل، فلا بأس بإمرار ذلك.ولكن إذا كان الصوت مزعجاً، ومعنى الإزعاج أن يصدر فيه تشويش، فيعالج، وقد جاء عن أحمد رحمه الله وعند المالكية تعدد المؤذنين للأذان الواحد للفريضة الواحدة، وقد أنشأ عثمان رضي الله عنه الأذان الأول للجمعة لحاجة الناس إليه، كما كان قد شرع أذان أول في صلاة الفجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يرجع القائم ويتسحر الصائم، فكأن الأذان الأول في الفجر وجد بعد أن لم يكن؛ لحاجة الناس إليه، وعثمان رضي الله عنه خليفة راشد، وفي الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، فرأى من المصلحة أن يزيد أذاناً قبل الوقت وفي السوق؛ ليعلم الناس بقرب الوقت.فإذا دعت الحاجة إلى تعدد المؤذنين للوقت الواحد في المسجد الواحد فلا مانع، حتى قيل: يجوز التعدد إلى سبعة أشخاص يؤذنون. وأما كيف يؤذنون فقالوا: إن كان المسجد فسيحاً والبلدة منتشرة وقف كل واحد في جانب، ويؤذن كل واحد إلى الجهة التي تليه.وبعضهم يقول: يؤذن الأول، ثم الثاني ثم الثالث، إلا إذا كانت صلاة المغرب فإنهم يؤذنون في وقت واحد ما لم يكن فيه تشويش، فإذا لم يكن تشويش فلا مانع.ونحن نقول أيضاً: إذا نظمت هذه الأجهزة بحيث لا يقع منها تشويش بعضها على بعض، أو فيما كان مداه أبعد، فلا مانع في هذا.وما يوجد الآن من بعض المساجد التي لها أجهزة تبليغ -وفي يوم الجمعة بالذات- فلا ينبغي رفع الأصوات في تلك المساجد حتى تصل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الأصل، وبها يقع التشويش على الناس.فاتخاذ هذه الأجهزة له أصل في السنة، وكان صلى الله عليه وسلم يرفع صوته.وأما إذا كان المستمعون لا يبلغهم صوت الإمام لكثرتهم، فالقول بأن عليه أن يبلغ الجميع فوق طاقته.وأما هل يتخذ مبلغين، فإنه لا يتخذ مبلغين، وما حدث ذلك في إبلاغ الخطبة قط، ولكن: من كان يستمع فعليه الإنصات إلى ما يسمع، ومن لم يبلغه صوت الخطيب فلم يسمع شيئاً فهناك من يقول: يصغي حتى لا يشوش على غيره. وهناك من يقول: له أن يشتغل بالتلاوة بدلاً من ضياع الوقت.فهناك حاجة إلى إبلاغ الصوت لجميع المستمعين، فاتخاذ هذه الأجهزة إنما هو لإسماع وإبلاغ جميع الحاضرين خطبة الإمام، ولأن الخطبة إنما هي إبلاغ وبيان لما ينبغي عليه بيانه، وفيها تلقي الموعظة والإرشاد في أمر ديني أو دنيوي من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكان ذلك في مسجده صلى الله عليه وسلم أم في أي منبر في العالم؛ فإنه تابع لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: امتدادٌ لسنته في بقاع الأرض. فإن الإنسان إذا سمع الموعظة، وسمع التوجيه من بيت من بيوت الله، وعلى منبر يحكي سنة رسول الله، كان أدعى إلى قبولها، وكان أرجى إلى سماعها وتنفيذها، والله تعالى أعلم.
الهداية وتعلقها بإرادة الله سبحانه وتعالى
قال المصنف رحمه الله: [وفي رواية: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له)، وللنسائي : (وكل ضلالة في النار)].يؤيد قوله: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:28-29]، فمن هداه الله سبحانه وتعالى فلا مضل له، ومن أراد الله إضلاله فلا هادي له. فإن هداه فبحكمته وفضله، وإن ضله فبحكمته وعدله، وليس لإنسان أن يقف يتساءل لماذا فعل هذا؟ ولماذا فعل هذا؟ فهذه قضية منتهية في أمر العقائد؛ لأنه إن هدى إنساناً فذلك فضل منه عليه، وإذا حرم إنساناً من الهداية فإنما أمسك عنه حقه، أي: حق الله سبحانه، وليس لمخلوق أن يعترض على الله، وليس لك حق في هذا، فالمسألة تبقى على عمومها: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له).فـأبو جهل وأبو لهب ما أراد الله هدايتهما، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـأبي طالب : (يا عم! قل كلمة أحاج لك بها عند الله )، ولو بذل كل جهده ما وسعه ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.
 قيام مكبرات الصوت مقام المبلغ
وقد يقول قائل: لقد وجدت هذه الأجهزة وهي مبلغة عن الإمام في قراءته وفي تنقله وحركات انتقاله، فلماذا نحتاج إلى المبلغ؟ ونقول: في بادئ الأمر كان يقع في الموسم أنه قد ينقطع التيار، وقد يتعطل الجهاز فيقع ارتباك في الصلاة في هذا المسجد بالذات، فوجود المبلغ أقل ما يقال فيه: إنه سنة سابقة، وإذا وجد هذا الجهاز فيكون عن طريقه أيضاً وقع هذا التبليغ، وعدم تغيير الشيء الثابت وعدم تغيير ما عليه الناس هو الأولى، كما قال مالك رحمه الله: إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار، وكلٌ قد ذهب بما سمع من رسول الله، وتغيير أو انتقال الناس عما كانوا عليه ثقيل، فلا بأس بإمرار ذلك.ولكن إذا كان الصوت مزعجاً، ومعنى الإزعاج أن يصدر فيه تشويش، فيعالج، وقد جاء عن أحمد رحمه الله وعند المالكية تعدد المؤذنين للأذان الواحد للفريضة الواحدة، وقد أنشأ عثمان رضي الله عنه الأذان الأول للجمعة لحاجة الناس إليه، كما كان قد شرع أذان أول في صلاة الفجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يرجع القائم ويتسحر الصائم، فكأن الأذان الأول في الفجر وجد بعد أن لم يكن؛ لحاجة الناس إليه، وعثمان رضي الله عنه خليفة راشد، وفي الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، فرأى من المصلحة أن يزيد أذاناً قبل الوقت وفي السوق؛ ليعلم الناس بقرب الوقت.فإذا دعت الحاجة إلى تعدد المؤذنين للوقت الواحد في المسجد الواحد فلا مانع، حتى قيل: يجوز التعدد إلى سبعة أشخاص يؤذنون. وأما كيف يؤذنون فقالوا: إن كان المسجد فسيحاً والبلدة منتشرة وقف كل واحد في جانب، ويؤذن كل واحد إلى الجهة التي تليه.وبعضهم يقول: يؤذن الأول، ثم الثاني ثم الثالث، إلا إذا كانت صلاة المغرب فإنهم يؤذنون في وقت واحد ما لم يكن فيه تشويش، فإذا لم يكن تشويش فلا مانع.ونحن نقول أيضاً: إذا نظمت هذه الأجهزة بحيث لا يقع منها تشويش بعضها على بعض، أو فيما كان مداه أبعد، فلا مانع في هذا.وما يوجد الآن من بعض المساجد التي لها أجهزة تبليغ -وفي يوم الجمعة بالذات- فلا ينبغي رفع الأصوات في تلك المساجد حتى تصل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الأصل، وبها يقع التشويش على الناس.فاتخاذ هذه الأجهزة له أصل في السنة، وكان صلى الله عليه وسلم يرفع صوته.وأما إذا كان المستمعون لا يبلغهم صوت الإمام لكثرتهم، فالقول بأن عليه أن يبلغ الجميع فوق طاقته.وأما هل يتخذ مبلغين، فإنه لا يتخذ مبلغين، وما حدث ذلك في إبلاغ الخطبة قط، ولكن: من كان يستمع فعليه الإنصات إلى ما يسمع، ومن لم يبلغه صوت الخطيب فلم يسمع شيئاً فهناك من يقول: يصغي حتى لا يشوش على غيره. وهناك من يقول: له أن يشتغل بالتلاوة بدلاً من ضياع الوقت.فهناك حاجة إلى إبلاغ الصوت لجميع المستمعين، فاتخاذ هذه الأجهزة إنما هو لإسماع وإبلاغ جميع الحاضرين خطبة الإمام، ولأن الخطبة إنما هي إبلاغ وبيان لما ينبغي عليه بيانه، وفيها تلقي الموعظة والإرشاد في أمر ديني أو دنيوي من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكان ذلك في مسجده صلى الله عليه وسلم أم في أي منبر في العالم؛ فإنه تابع لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: امتدادٌ لسنته في بقاع الأرض. فإن الإنسان إذا سمع الموعظة، وسمع التوجيه من بيت من بيوت الله، وعلى منبر يحكي سنة رسول الله، كان أدعى إلى قبولها، وكان أرجى إلى سماعها وتنفيذها، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة [3] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net