اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [3] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [3] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
من النوافل التي حث الشارع على المداومة عليها صلاة الليل التي هي أفضل الصلوات بعد الفريضة، ولا يداوم عليها إلا المجاهدون الصابرون، الطامعون بما عند الله سبحانه من الرضا والنعيم المقيم، وما من عبد داوم على قيام الليل إلا أظهر الله ذلك في جوارحه وعلى صفحة وجهه، وكان ممن يناديه الله في كل ليلة ليتوب عليه ويغفر له.
مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فيقول المصنف رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) رواه البخاري.وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه].هذه المسألة لها عند الأئمة رحمهم الله منزلة من حيث المنهج في البحث فيها ، فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا صلى ركعتي الفجر -أي : قبل الفريضة- اضطجع على شقه الأيمن) وهذا حديث صحيح متفق عليه.بعدما ساق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من فعله صلى الله عليه وسلم -والفعل قد يكون خاصاً به- جاء بالحديث الذي يعم الأمة بصيغة الأمر: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع) هذه صيغة من صيغ الأمر، والأمر يقتضي الوجوب. ومن خلال هذين الحديثين نجد الخلاف عند العلماء ، ونجد منهج البحث:أولاً : من حيث الفكرة نجد من السلف من يقول بذلك ويفعله، ومنهم -وهم الأكثر- من لا يقول بذلك وينكره ، وجاء عن ابن مسعود أنه قال: (ما بال أحدكم إذا صلى ركعتين تمعك كما يتمعك..) وذكر حيواناً من الحيوانات يضرب به مثل الخسة، ولا حاجة لذكره ، وهذا مبالغة في الإنكار.
 

تقسيم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبلية وتشريعية
ونجد الأئمة رحمهم الله تتبلور عندهم المسائل الخلافية؛ لأنهم رحمهم الله يأخذون النصوص ويمحصونها ويجمعون أطرافها، وينظرون ما هي النتيجة، فما وصل إلى الأئمة الأربعة يكون هو خلاصة ما وجد وقيل من خلاف أو وفاق قبلهم.فنجد عند الشافعي أنه يستحب فعل ذلك، ونجد عند الحنابلة كذلك الاستحباب، ونجد عند غيرهم من ينكرها بالكلية كالأحناف، ومنهم من يفصل وهم المالكية فيقولون: إن فعلها استناناً كره، وإن فعلها جبلة فلا بأس، وسنرجع إليها إن شاء الله.وقد أبعد ابن حزم رحمه الله فأوجبها، قال: يجب ويتعين على الإنسان ما لم يكن به عذر أن يضطجع على شقه الأيمن، وإذا لم يضطجع فصلاته باطلة، ثم قال: إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يضطجع على الأيمن لا يضطجع على الأيسر؛ لأنه لا يجزئه، ولكن ويومئ إيماء.
 تحقيق الخلاف في حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
عندما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وبعدها اضطجع، هل هذه الضجعة تابعة للسنة فنتأسى به فيها، أم أنه فعلها لمطلب الجبلة عنده صلى الله عليه وسلم؟ يقول الشوكاني : فيها خمسة أقوال:من الأقوال التي جاءت فيها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل، وإلى متى يمتد قيامه؟ كما تبين أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليصل ركعة توتر له ما قد صلى)، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل، ثم يوتر، ثم يضطجع حتى يأتيه المؤذن، ثم يقوم يصلي كما جاء في حديث أم المؤمنين: (كان ينام حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي، فأقول له: أتصلي وقد نمت ولم تتوضأ؟ فيقول: يا عائشة ! تنام عيناي ولا ينام قلبي) أي: أنه صلى الله عليه وسلم جعل النوم مظنة انتقاض الوضوء؛ لأنه قال: (العين وكاء السه) والسه: حلقة الدبر، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فالنائم يخرج منه الريح وهو لا يدري، لكن إذا كان القلب مستيقظاً فإنه إذا حدث منه حادث أدركه، ومن هنا كان لا يتوضأ لنومه.وكان أبو موسى الأشعري عندما كان في الكوفة أميراً عليها يقيل في المسجد بعد صلاة الظهر، وكان عنده إخوانه، فإذا جاء وقت العصر أيقظوه، فيقول لهم: أسمعتم شيئاً أو شممتم شيئاً؟ فيقولون: لا، فيقوم يصلي. أي: أنه لم يخرج منه شيء.والفقهاء يقولون: من قعد متمكناً ثم نعس وهو على تلك الحال فلا وضوء عليه، وجاء في الحديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)، والمالكية يقولون: إذا نام وهو راكع فلا وضوء عليه، وإذا نام وهو ساجد فعليه وضوء؛ لأنه وهو راكع متوازن، وحافظ لتوازنه، فإذا خرج منه شيء أدركه، أما الساجد فإنه ينام ولا يدرك شيئاً.فهنا تقول عائشة رضي الله تعالى عنها عنه إنه كان يقوم الليل، فإذا كانت نهاية الليل في طول القيام فإنه يحتاج إلى راحة، فقالوا: تلك الضجعة للارتياح بعد قيام الليل، من قال: إن كل من قام الليل فتعب فاضطجع فلا مانع، لكن هل اضطجاعه سنة أو اضطجاعه جبلة؟ والله لا تقدر أن تحكم بشيء، أقول للإخوة: ارجعوا في هذه المسألة إلى كلام الشوكاني في نيل الأوطار، فقد روى هناك حديثاً عن أم المؤمنين عائشة - أعتقد أنه الفيصل في القضية - تقول: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة جلس يحدثني، وإن كنت نائمة اضطجع)، ومن هنا أجمع العلماء -ما عدا ابن حزم فيما انفرد به -على أن هذا الاضطجاع ليس بواجب، ويختلفون هل هو مباح أو مكروه أو سنة أو جبلة. ولكن وجدنا من ينقل عن الخلفاء الراشدين الأربعة النهي عن فعلها، ومن ينقل عن بعض السلف كـابن عمر أنه كان يفعلها، ومنهم من يروي أنه كان لا يفعلها. والخلاف موجود على هذا النحو المتقدم، فمن فعلها جبلة فلا بأس، لكن لا يكون ذلك في المسجد فيؤذي الناس، ويأخذ مكان ثلاثة أو أكثر، لأنه لا ضرر ولا ضرار، فإذا في بيته، وكان البيت قريباً من المسجد فكيفما شاء، أما في المسجد فإن فعلها يكون فيه تضييق على الناس، والله سبحانه وتعالى أعلم.فعله صلى الله عليه وسلم على منهج البحث العلمي دائر بين الجبلة والتشريع، ووجدنا ترجيح جانب الجبلة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه تارة يحدثها، وتارة يضطجع.أما حديث الأمر الموجه للأمة: (فليضطجع) وجدنا أن هذه صيغة أمر، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب مالم تجد صارفاً، ووجدنا حديث عائشة رضي الله عنها فيه الصارف عن الوجوب، بأنه صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليه، وإنما كان يفعله تارة ويتركه أخرى، فانتفى الوجوب بصيغة الأمر الموجه للأمة. والله تعالى أعلم.
صفة صلاة الليل
قال المؤلف: [ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق عليه. وللخمسة -وصححه ابن حبان - بلفظ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وقال النسائي: هذا خطأ]. في سياق هذا الحديث الأول: (صلاة الليل مثنى مثنى) معروف في اللغة أن (مثنى مثنى) معدول عن اثنين اثنين، مثنى وثلاث ورباع وخماس وسداس معدول بها عن الأصل، ولذا يقولون: إنها ممنوعة من الصرف للوصفية والعدل. والمراد هنا:( مثنى مثنى )أي: كل ركعتين معاً، ويتفق العلماء على هذا الحديث، وربما وقع خلاف في الزيادة، ونريد أن نجعل البحث في مطلق صلاة الليل دون التعرض للوتر؛ لأن الوتر له بحث مستقل. البحث الآن في مطلق قيام الليل وهو التهجد، لنعرف كيف يقوم الليل من وفقه الله سبحانه لذلك! ثم ننتقل من صلاة الليل إلى صلاة النهار، فقيل: الحديث المذكور كان جواباً لسؤال، سأله رجل: كيف أصلي الليل يا رسول الله؟! قال: (صلاة الليل مثنى مثنى) أي: ركعتين ركعتين، ولهذا قالوا: لا ينبغي لأحد أن يزيد في صلاة الليل عن ركعتين دون أن يسلم.
 المفاضلة بين ركعتي الفجر وصلاة الليل
إذاً: أفضل الصلاة بعد الفريضة -يعني: أفضل النوافل- صلاة الليل، وعندنا حديث أنه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تحرياً لصلاة بعد الفريضة من سنة الفجر والوتر، فهل تكون صلاة ركعتي الفجر آكد من صلاة الليل؟ الآكد شيء، والفرضية شيء، والفضيلة شيء، فكما قالوا: الخصوصية لا تقتضي التفضيل، فمثلاً: زيد بن ثابت قال فيه رسول الله عليه وسلم: (أفرضكم زيد) ومعاذ بن جبل أعلمهم بالحلال والحرام، أبو عبيدة أمين هذه الأمة، هذه خصائص لأشخاص وأفراد، فهل تخصيصهم بهذه الخصائص فضلهم على أبي بكر وعمر؟ ما فضلوا عليهم.فهنا خصيصة صلاة الليل تبعد عن صلاة النهار، وليس معنى ذلك أنها أفضل مما أكد عليه صلى الله عليه وسلم، أو يقال: هذه سنة راتبة مرتبطة بفريضة فهي تدعو إليها، أما قيام الليل فليس براتب، وليس مربوطاً بفريضة، إنما هو عبادة مستقلة؛ ولهذا عظم شأنها، وفضلت في الأجر على غيرها، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع [3] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net