اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [15] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [15] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
هذا الدين يسر، وليس فيه طريق مسدود أبداً، ومن القواعد الفقهية أن المشقة تجلب التيسير، ومن فروع هذه القاعدة صلاة المريض وطهارته، والصلاة في أرض المعركة، وقد جاء بيان ذلك كله من طريق أهل العلم.
شرح حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله، وبعد: [ وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، رواه البخاري]. كأن المؤلف رحمه الله اكتفى بما أورده من النصوص بما يتعلق بالأذكار عقب الصلاة، وهذا الباب باب واسع، والأولى لكل مسلم فضلاً عن طالب علم أن يعنى بهذا الباب، وهو الأذكار والأدعية؛ لأنها غذاء القلوب، وهي تكسي الروح برداء يستطيع به أن يكون دائماً على صلة مع المولى سبحانه وتعالى، وإذا تأمل الإنسان في الأدعية والأذكار يجدها تخاطب الأرواح دون الأشباح، ولهذا عني بعض العلماء بجمع ما يتعلق بالأذكار في مؤلفات أذكار اليوم والليلة، والصباح، والمساء، والأسفار، واللباس، والطعام، والنوم، والاستيقاظ، ولبس الثياب، وخلعها.. كل حركة تجد فيها دعاء أو ذكراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ليكون الإنسان دائماً في كل شئونه مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي [الأنعام:162]، كل حركة في حياته صلى الله عليه وسلم فيها ذكر لله، إن شربت الماء سميت الله، إن رفعت الكأس حمدت الله، إن اضطجعت في فراشك ذكرت الله، إن نهضت أثناء نومك بالليل ذكرت الله... وضعت قدمك في نعلك أو خلعتها.. لبست ثوباً جديداً.. حتى دخول الخلاء تستعذ بالله، وتكف عن ذكر الله في الخلاء؛ فكل حركة للإنسان في هذه الحياة يجد لها ذكراً وارداً، والأولى أن يتقيد بذلك بقدر المستطاع. وبعد أن أنهى المؤلف ما اختاره من تلك النصوص جاء إلى حديث جامع شامل يعتبر أصلاً من أصول الدين وقاعدة ترجع إليها أعمال الصلوات كلها، وهو التعليم العملي، قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وكما قال في الحج: (خذوا عني مناسككم). إذاً: التطبيق العملي منه صلى الله عليه وسلم هو أعلى وسيلة في التعليم، وأعتقد أن علماء التربية يتفقون على ذلك؛ ونحن نشاهد الطفل الصغير وهو لا يعرف أن يتكلم .. وهو يحبي ينظر أمه قامت للصلاة فيأتي أمامها ويصلي مثلما تصلي، هو لا يعرف أنها صلاة ولا قبلة ولا أي شيء، ولكن يأخذها تلقائياً وتلقيناً. وأصل هذا الحديث كما جاء في بعض رواياته: أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى المنبر -ونعلم بأن المنبر ما صنع إلا في السنة الثامنة من الهجرة- وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب اتكأ على جذع من جذوع النخل التي كانت بداية لبناء المسجد، وبعد خيبر وسع النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، وبنى جدرانه من الحجر والطين، وصنع له المنبر فتحول إليه -وقصة الجذع معروفة- وكان من ثلاث درجات، والكبرى عريضة، فوقف على الثالثة واستقبل القبلة وكبر وهو مستقبل القبلة، فقرأ وركع ورفع من الركوع وهو على المنبر، ثم نزل القهقرى عن الدرجتين الأخريين حتى كان في أصل المنبر ووسع لنفسه قدر السجود فسجد في أصل المنبر، ثم جلس ثم سجد ثم نهض فرقى المنبر وقرأ ورفع، ثم نزل القهقرى وسجد وجلس وسجد وتشهد وسلم، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). هل يحتاج أحد بعد هذه الصورة والمشاهدة أن يسأل عن كيفية الصلاة؟ لا يحتاج. ومن هنا يقول العلماء: هذا الحديث أصل في الصلاة، فكل ما روي عنه صلوات الله وسلامه عليه في كيفية تلك الصلاة المنبرية -إن صح أن نسميها كذلك- أو غيرها من أحوال الصلاة، والمنبر ليس شرطاً، فما رأيتموني أفعله في الصلاة فافعلوا مثله، فيقولون: كل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته فهو واجب، اللهم إلا إذا جاء ما يرفع الوجوب إلى الندب، والقاعدة الأصولية: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم له سبع حالات كما هو مذكور في مذكرة الأصول وتسهيل الوصول إلى علم الأصول، وكتب الأصول كلها تقول: إذا كان الفعل بياناً لمجمل في كتاب الله فحكم الفعل حكم الحكم المجمل في كتاب الله، إن كان مُبيناً لواجب فالبيان واجب، وإن كان مبيناً لمندوب فالبيان مندوب، والصلاة واجبة، وهذا العمل مُبين للمجمل هناك في قوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، أقيموا الصلاة على أي صفة؟ هناك أشياء: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] .. طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، ولكن: نسجد أولاً أم نركع أولاً؟ وكيفية الركوع والسجود ما هي؟ وكم نصلي ركعات؟ جاءت السنة وبيّنت لنا الأوقات والعدد والهيئة والكيفية وما نقول فيها، إذاً: البيان الذي جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حق الصلاة يكون حكمه حكم الصلاة ما لم يكن هناك صارف عن الوجوب. ورأينا للنبي صلى الله عليه وسلم مغايرات بين الفرض والنافلة؛ قد نجده يصلي النافلة جالساً ولا يصلي الفرض إلا قائماً، قد نجده في حالات السفر يخفف الصلاة أو يطيلها، ويدخل بالجماعة بنية التطويل ثم يخفف رحمة بقلوب الأمهات. إذاً: قراءته، تسليمه، كل ما جاء ونقل لنا عنه صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ فهو واجب ما لم يأت صارف يصرفه عن الوجوب. وبعض العلماء يربط بين هذا الحديث في عمومه وبين حديث المسيء في صلاته في جملته، وأعتقد أنه لا حاجة إلى الربط بينهما، والقاعدة العامة: كل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في أفعال الصلاة يجب أن نأخذها بالوجوب، فإذا كان يبدأ الصلاة بالله أكبر، فافتتاحية الصلاة بالتكبير، ولا يجوز غيرها؛ لأنه افتتحها بها، وإن كان يسكت هنيهة بعد التكبير والقراءة أحياناً ويترك السكوت، إذاً: السكتة الهنيهة ليست بواجبة إنما يمكن أن يأخذ بها ويمكن أن يتركها؛ لأنها غير مضبوطة، وقد يطول أو يقصر، بعد هذا كان يقرأ الفاتحة، إذاً: الفاتحة واجبة، وكان يقرأ السورة من القرآن إذاً: هي واجبة، ولكن وجدنا الصارف عنها، ثم اقرأ ما تيسر، وما تيسر هذا يصرف عن الوجوب، وإذا لم يتيسر فلا شيء عليك، إذاً: وجدنا هناك مفارقة بين الفاتحة وبين ما يقرأ معها في ركعة، إذاً: الركوع واجب، رفع من الركوع، إذاً: الرفع واجب، اطمأن في الركوع اطمأن في الرفع، إذاً: الطمأنينة واجبة، وجاء عنه ذكر في رفعه وركوعه، وجاءت روايات أخرى متعددة من الأذكار، إذاً: تتخير منها ما شئت، وهكذا إلى أن تسلم من الصلاة.
 

شرح حديث: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً..)
قال رحمه الله: [وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، وإلا فأومئ)، رواه البخاري]. هذا الحديث النبوي الشريف يعتبر أصلاً في صلاة أهل الأعذار بصفة عامة، والعذر قد يكون مرضاً، وقد يكون خوفاً، وغير ذلك، وفي الحديث التدرج في كيفية الصلاة، وهو يُبيّن لنا إلى أي مدى وصلت سماحة الإسلام في خفة التكليف، وفي بعض روايات هذا الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286])، ونحن جميعاً في حاجة ماسة إلى دراسة هذا الحديث بتوسع إلى حد ما يشمله من أصناف الناس في صلاتهم، فقد يكون العذر يعتري الإنسان بنفسه، وقد يكون يعتري إنساناً يخصه، وقد يكون إنسان مسئولاً عن جماعة، وفي الجملة بعد هذا كله تأتي النتيجة الحتمية؛ لأن فريضة الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال، والأصل في القيام: (صل قائماً) كما جاء في قوله سبحانه: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، والقنوت يكون بمعنى الخشوع، ويكون بكثرة الدعاء؛ فالقيام ركن في الصلاة، فإذا عجز الإنسان عن إتيان ركن القيام انتقل إلى ما بعده، فإذا عجز عما بعده انتقل أيضاً إلى بعد ما بعده، وهكذا نجد في أركان الإسلام جميعاً.نجد في الصيام مَنْ كَانَ مَرِيضاً ، أي: لا يستطيع الصوم، أَوْ عَلَى سَفَرٍ ، يشق عليه، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]. والزكاة لا تجب إلا على من ملك النصاب بغنى؛ بحيث أنه يبقى عنده حتى يحول عليه الحول وهو لا يحتاج منه إلى شيء. والحج من استطاع إليه سبيلاً. والجهاد يسقط عن الأعمى والأعرج وأصحاب الأعذار، وهكذا نجد التكليف في كل أركان الإسلام بقدر المستطاع، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] .. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286].
 صلاة المتترس في خندقه ونحوه
ومما ينبغي أن نتعلمه، ما يحدث لإخواننا وأبنائنا الجنود في الميادين، فهناك من يكون في خندقه أو دبابته أو آليته أو في مخفر يرقب العدو مستتراً، وجاء وقت الصلاة، إن خرج من الخندق انكشف للعدو، وإن أراد أن يصلي لا يستطيع أن ينهض قائماً، ماذا يفعل؟ هل يمكن العدو من نفسه ويدل العدو على جنده وجيشه أو يُصلي على الحالة التي هو عليها على الحالة التي هو عليها؟ ولو قُدر أنه في ذلك المكان لا يجد ماء يتوضأ: سقط عنه الوضوء بالماء وتيمم بالتراب في الخندق، ولو كان في مصفحته أو آليته ولا ماء عنده، والماء الذي عنده للشرب، ولا يجوز أن يتوضأ به ويعطش، يبقيه، وإن كان ليس عنده ما يتيمم به يصلي على حالته وهو في كرسيه أو عليه رباط أو على أي حالة من حالاته .. إنسان خائف وجاء واستتر وراء حجر.. خائف من حيوان، أو إنسان يتتبعه قطّاع طريق أو لصوص أو عدو ... إلخ، إن قام يصلي قائماً انكشف، فله إن يبقى في مكانه ويصلي على حالته، إنسان يُطارد العدو في معركة الكر والفر، ونحن نعلم جميعاً: أن صلاة الخوف في القتال إن لم توجد مسايفة فهي كر وفر، فهم يصلون في مواضعهم في حالة طبيعية، لكن إذا كانت الحركة قائمة، والدبابات تمشي، والمصفحات والمشاة و.. و.. إلى آخره، هل عليه استقبال القبلة؟ هل عليه ركوع وسجود ويركع ويسجد والعدو وراءه؟ لا، بل يصلي وهو على حالته، كيف يصلي؟ يغمض عينيه، ويستحضر في قلبه تكبيرة الإحرام، وينطقها: الله أكبر، ويده على الزناد، والحمد لله رب العالمين، وهكذا يطارد العدو أو من أمامه ويقول: الله أكبر، على هيئة الركوع، ويستحضر معنى الركوع في ذهنه، وبعد ذلك: سمع الله لمن حمده، وهو يجري ويركض، وهكذا في حالة الخوف يفعل هذه الحالة، سواء كان يطرد فريسة له أو كان مطروداً من غيره يخاف منه. وهكذا صلاة أهل الأعذار، الأصل في الصلاة القيام، ولكن إذا طرأ على الإنسان عذر فإنه يسقط عنه القيام، وينتقل إلى غيره، وهناك حالة: ربما بعض الناس يطرأ له مرض وعذر يبيح له الصلاة قاعداً، أو يُجهد نفسه ويكلفها ويتحمل فوق طاقته فيقف قليلاً ثم يسقط، أو يزيد عليه الألم فيمتنع من قبول الرخصة، ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه حينما أصيبت عينه، جاءه طبيب يهودي أو نصراني وقال له: أستطيع أن أعالجك وأتوقع لك البرء إن مكنتني منك أسبوعاً لا تجلس وتكون مستلقياً على ظهرك، فـابن عباس فكر في الصلاة، وسأل أم المؤمنين عائشة وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهم: هل يجيب الطبيب لذلك أم لا؟ فقالا له: إذا أتاك الموت وأنت في الأيام السبعة هذه ماذا تفعل في صلاتك؟ فامتنع، نقول: ابن عباس حبر الأمة، ولكنه تورع من أن يترك القيام لأمر شخصي، ويعتذرون عن ذلك بأن الذي أخبره ليس بطبيب مسلم مؤتمن، ولعله لكون الطبيب غير مسلم لم يثق بكلامه، فلم يقبل منه، فبعضهم يقول: لعله طبيب واحد، مع أن الفقهاء يتفقون في باب الجنايات لو أن طبيباً واحداً ولو غير مسلم قدّر جناية في جراح يُقبل قوله، ويقولون: بأن الطب مهنة إنسانية لا دينية ولا سياسية ولا إقليمية؛ لأن موضوع الطب هو الإنسان، والإنسان من حيث هو هيكل بشري لا أثر للهيكلية في أمر الدين ولا السياسة ولا الموطن ولا.. ولا.. إلى آخره، ولو جئت بأسير حرب أو عبد أو بأضعف خلق الله وأعلى إنسان على وجه الأرض ما اختلف تركيبه الجسماني، إذاً: الطب مهنة إنسانية، يؤخذ بقول من عرف الأمانة فيها. وعلى هذا لو أن إنساناً جاء إلى المستشفى وقيل له: يلزمك عملية، هل يسأل: العملية كم يوم، وكيف أصلي؟ نحن لا نعلم، الطبيب يقول: اسأل العلماء، أنا عليّ أن أجري العملية، وأنت عن صلاتك اسأل العلماء، فقال العلماء: نعم، إذا عملت العملية صلِّ وأنت جالس إن استطعت؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك، وإن لم تستطع فمستلقياً و.. و.. إلى آخره، أعتقد أن هذا هو الإنصاف، وهو من حق بدنك عليك، (إن لبدنك عليك حقاً) فيقبل الرخصة كما أخبر صلى الله عليه وسلم (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك وإلا فأومئ)، وبالله تعالى التوفيق.
شرح حديث: (صل على الأرض إن استطعت..)
قال رحمه الله: [وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمريض صلى على وسادة فرمى بها وقال: (صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه].تتمة لحديث صلاة صاحب العذر جاء المؤلف رحمه الله بأثر جابر رضي الله تعالى عنه، سواء أكان موقوفاً على جابر أو مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول جابر: (إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً عجز عن السجود إلى الأرض، فجاء بوسادة وسجد عليها، فأخذ الوسادة وألقى بها وقال: صلِّ على الأرض، وإلا فأومئ واجعل سجودك أخفض من ركوعك)، هنا يبحث العلماء: هذا المريض الذي عجز عن القيام وصلى وهو جالس، إذا كان لا يستطيع أن يصل إلى الأرض في سجوده، ويستطيع أن يأتي بالوسادة أو ما في معناها من مسند أو كرسي، فهل يكون موضوعاً على الأرض ويسجد عليه أو يرفع الوسادة إلى جبهته؟ ستجدون من الفقهاء من يُجيز السجود على وسادة أو ما هو مرتفع من الأرض كحجر ونحوه، والحديث هنا يقول: (رمى بها). وتفصيل القول: إن رفع الوسادة لجبهته ليسجد عليها، وتكون الوسادة على يده وليست على الأرض؛ فالجمهور يمنعون من ذلك، ويذكر ابن قدامة في المغني من يقول بهذا، لكن من غير الأئمة الأربعة، ولا علماء السنن الستة، وإذا كانت الوسادة على الأرض متصلة بها، ثم هو في سجوده يضع جبهته عليها، فلا بأس، ويذكرون عن أحمد والشافعي وأبي حنيفة ورواية عن مالك : أن هذا يصح. إذاً: الحديث هنا: (فأخذها وقال: صلِّ على الأرض؛ فإن لم تستطع فأومئ)، على أن الوسادة -على رأي الأئمة- قد رفعها، وما هو المانع من كونها على يده؟ قالوا: إذا سجد على الوسادة وهو يحملها يكون ساجداً على ما هو محمول له متحرك بحركته، ولو أخذ كفيه ورفعهما ووضع جبهته على كفيه، فما الفرق بين الوسادة والكفين أو شيء مرفوع إلى الجبهة لكي تصل إليه؟ وهذا بالاتفاق لا يجوز. إذاً: الخلاف بين كون الوسادة أو ما شابهها على الأرض وهو يسجد عليها، وكون الوسادة وما شابهها يرفعه على يده ليصل به إلى جبهته، فالأخير ممنوع عند الجميع، والأول مشهور أو أكثر الأئمة يقول به. يقول أحمد : لأن يسجد على شيء يصل إليه أولى من أن يومئ بدون شيء، ولكن النفس فيها شيء من هذا، والله سبحانه وتعالى هو الذي أمر بالصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أُمر ببيانها وأخذ الوسادة وألقاها؛ سواء كانت على يده أو على الأرض، وذكروا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت تصلي على الوسادة المطروحة في الأرض، ومن هنا جاء الخلاف، يهمنا في هذا أن من رأى إنساناً يسجد على شيء مرتفع أمامه ثابتاً على الأرض لا يُنكر عليه، ومن رأى من يصلي على شيء رافعاً إياه بيده فلا يقره عليه، وبالله تعالى التوفيق.
 صلاة المتترس في خندقه ونحوه
ومما ينبغي أن نتعلمه، ما يحدث لإخواننا وأبنائنا الجنود في الميادين، فهناك من يكون في خندقه أو دبابته أو آليته أو في مخفر يرقب العدو مستتراً، وجاء وقت الصلاة، إن خرج من الخندق انكشف للعدو، وإن أراد أن يصلي لا يستطيع أن ينهض قائماً، ماذا يفعل؟ هل يمكن العدو من نفسه ويدل العدو على جنده وجيشه أو يُصلي على الحالة التي هو عليها على الحالة التي هو عليها؟ ولو قُدر أنه في ذلك المكان لا يجد ماء يتوضأ: سقط عنه الوضوء بالماء وتيمم بالتراب في الخندق، ولو كان في مصفحته أو آليته ولا ماء عنده، والماء الذي عنده للشرب، ولا يجوز أن يتوضأ به ويعطش، يبقيه، وإن كان ليس عنده ما يتيمم به يصلي على حالته وهو في كرسيه أو عليه رباط أو على أي حالة من حالاته .. إنسان خائف وجاء واستتر وراء حجر.. خائف من حيوان، أو إنسان يتتبعه قطّاع طريق أو لصوص أو عدو ... إلخ، إن قام يصلي قائماً انكشف، فله إن يبقى في مكانه ويصلي على حالته، إنسان يُطارد العدو في معركة الكر والفر، ونحن نعلم جميعاً: أن صلاة الخوف في القتال إن لم توجد مسايفة فهي كر وفر، فهم يصلون في مواضعهم في حالة طبيعية، لكن إذا كانت الحركة قائمة، والدبابات تمشي، والمصفحات والمشاة و.. و.. إلى آخره، هل عليه استقبال القبلة؟ هل عليه ركوع وسجود ويركع ويسجد والعدو وراءه؟ لا، بل يصلي وهو على حالته، كيف يصلي؟ يغمض عينيه، ويستحضر في قلبه تكبيرة الإحرام، وينطقها: الله أكبر، ويده على الزناد، والحمد لله رب العالمين، وهكذا يطارد العدو أو من أمامه ويقول: الله أكبر، على هيئة الركوع، ويستحضر معنى الركوع في ذهنه، وبعد ذلك: سمع الله لمن حمده، وهو يجري ويركض، وهكذا في حالة الخوف يفعل هذه الحالة، سواء كان يطرد فريسة له أو كان مطروداً من غيره يخاف منه. وهكذا صلاة أهل الأعذار، الأصل في الصلاة القيام، ولكن إذا طرأ على الإنسان عذر فإنه يسقط عنه القيام، وينتقل إلى غيره، وهناك حالة: ربما بعض الناس يطرأ له مرض وعذر يبيح له الصلاة قاعداً، أو يُجهد نفسه ويكلفها ويتحمل فوق طاقته فيقف قليلاً ثم يسقط، أو يزيد عليه الألم فيمتنع من قبول الرخصة، ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه حينما أصيبت عينه، جاءه طبيب يهودي أو نصراني وقال له: أستطيع أن أعالجك وأتوقع لك البرء إن مكنتني منك أسبوعاً لا تجلس وتكون مستلقياً على ظهرك، فـابن عباس فكر في الصلاة، وسأل أم المؤمنين عائشة وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهم: هل يجيب الطبيب لذلك أم لا؟ فقالا له: إذا أتاك الموت وأنت في الأيام السبعة هذه ماذا تفعل في صلاتك؟ فامتنع، نقول: ابن عباس حبر الأمة، ولكنه تورع من أن يترك القيام لأمر شخصي، ويعتذرون عن ذلك بأن الذي أخبره ليس بطبيب مسلم مؤتمن، ولعله لكون الطبيب غير مسلم لم يثق بكلامه، فلم يقبل منه، فبعضهم يقول: لعله طبيب واحد، مع أن الفقهاء يتفقون في باب الجنايات لو أن طبيباً واحداً ولو غير مسلم قدّر جناية في جراح يُقبل قوله، ويقولون: بأن الطب مهنة إنسانية لا دينية ولا سياسية ولا إقليمية؛ لأن موضوع الطب هو الإنسان، والإنسان من حيث هو هيكل بشري لا أثر للهيكلية في أمر الدين ولا السياسة ولا الموطن ولا.. ولا.. إلى آخره، ولو جئت بأسير حرب أو عبد أو بأضعف خلق الله وأعلى إنسان على وجه الأرض ما اختلف تركيبه الجسماني، إذاً: الطب مهنة إنسانية، يؤخذ بقول من عرف الأمانة فيها. وعلى هذا لو أن إنساناً جاء إلى المستشفى وقيل له: يلزمك عملية، هل يسأل: العملية كم يوم، وكيف أصلي؟ نحن لا نعلم، الطبيب يقول: اسأل العلماء، أنا عليّ أن أجري العملية، وأنت عن صلاتك اسأل العلماء، فقال العلماء: نعم، إذا عملت العملية صلِّ وأنت جالس إن استطعت؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك، وإن لم تستطع فمستلقياً و.. و.. إلى آخره، أعتقد أن هذا هو الإنصاف، وهو من حق بدنك عليك، (إن لبدنك عليك حقاً) فيقبل الرخصة كما أخبر صلى الله عليه وسلم (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك وإلا فأومئ)، وبالله تعالى التوفيق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [15] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net