اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [2] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [2] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
ورد في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث، ومن أجمعها وأشملها حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، فقد ذكر فيه دقائق صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، سواء في القيام أو الركوع أو السجود أو حتى الجلوس للتشهد الأخير. ثم أتى المصنف رحمه الله بحديث علي في دعاء الاستفتاح للصلاة، وهو حديث عظيم يحمل معالم الاستسلام والتوحيد لله عز وجل.
شرح روايات حديث المسيء صلاته
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.المؤلف رحمه الله أتى بروايات أخرى لحديث المسيء صلاته، فقال: [ ولـابن ماجة بإسناد مسلم : (حتى تطمئن قائماً).ومثله في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان : (حتى تطمئن قائماً). ولـأحمد : (فأقم صلبك حتى ترجع العظام) ].أي: حتى ترجع العظام إلى مواقعها، فقد كان راكعاً والظهر معتدلاً، فإذا ما تحرك للرفع تحركت العظام؛ فيجب أن يظل قائماً حتى ترجع العظام إلى أماكنها مستقرة، لأنها مفاصل والمفاصل قابلة للحركة عدة درجات، فإذا اعتدل يجب أن يظل قائماً أو معتدلاً -على حسب الروايات- حتى ترجع العظام في أماكنها وفقراتها.قال: [ وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع : (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) ].في الحديث المتقدم قضية وهي : أن رجلاً رآه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على حالة لا تجزئ، ويحكى في بعض الروايات: (لو مت على ذلك لم ترح رائحة الجنة)، وفي بعضها: (دخلت النار)؛ ولهذا يقول العلماء: إن هذا الحديث أشد ما يكون تحذيراً من التراخي والتهاون في أداء الصلاة، والصلاة التي لا يتم ركوعها وسجودها تلف كما يلف الثوب الخرق ويرمى بها في وجه صاحبها، ولا تفتح لها أبواب السماء.إذاً: يلزم كل إنسان في أداء صلاته أن يطبق هذا الحديث، وكله يدور على الطمأنينة، وقراءة ما تيسر من القرآن. وفي رواية النسائي توجيه الخطاب للعموم: (إنها لا تتم صلاة أحدكم)، وقوله: (أحدكم)، تشمل الجميع بسبيل البدلية من الأحدية، أحد، أحد، أحد.. أحدكم: كل واحد منكم.وقال: (حتى يسبغ الوضوء)؛ لأن الوضوء هو مفتاح الصلاة، وعليه تنبني، فإذا كان الوضوء غير سليم بأن كان الماء متنجساً، أو مغصوباً -كما عند الحنابلة- أو كان الغسل غير سابغ للأعضاء -كما عند الجمهور- فليس هناك فائدة من صلاته حتى يسبغ الوضوء.وقوله: (حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى)، بم أمره الله؟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، وهذا الحديث نص صريح في قضية يتنازع فيها العلماء: هل الترتيب شرط في صحة الوضوء أم لا؟ الشافعي يرى أن الترتيب واجب، وأخذ ذلك من إدخال الممسوح بين مغسولين في الآية إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6]، فـالشافعي قال: إذا كانت المسألة ليس فيها ترتيب كان سيجعل الممسوح على حدة بعد أن يكمل المغسولات؛ وذكر غسل الرجلين أنسب مع اليدين، ثم يذكر مسح الرأس، أو يقدم مسح الرأس مع الوجه؛ لأنه أقرب إلى الوجه، ثم يأتي باليدين وينزل إلى الرجلين، فلما أدخل مسح الرأس بين اليدين والقدمين وهما مغسولان وجب أن نضع المسح في مكانه، ومن هنا وجب الترتيب.وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى)، وبماذا أمر الله؟ وجوهكم، وأيديكم، ورءوسكم وأقدامكم، إذاً: من غير هذا الترتيب لم يتوضأ كما أمره الله، ولا حاجة إلى ذكر ما روي عن علي على خلاف: (لا أبالي إن غسلت قدمي قبل أو وجهي قبل)، ولو صح هذا ونقل فيكون شاذاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته ما توضأ إلا كما أمره الله، يبدأ بالوجه ويختم بالقدمين.(ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه)، ثم يكبر الله تعالى ويحمده بقوله: الحمد لله، ويثني عليه، والثناء هو مدح المثنى عليه، ويقولون: هناك فرق بين الحمد والثناء، وبعض العلماء يفسر الحمد لغة بالثناء، لكن الحمد شيء، والثناء شيء آخر، فالحمد هو: ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، أما الثناء على المحمود أو على المثنى عليه فلحسن صنيع صدر منه، ولو لم يصل إليك، والشكر: ثناء عليه في مقابل نعمة أسداها إليك، فتحمد وثني وتشكر.فالحمد لا يكون مطلقاً إلا لله، ولذا يقولون: (ال) في قوله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2] للاستغراق، فقد استغرقت جميع المحامد لله؛ لكمال ذاته وصفاته، ولو لم يصل إلى الخلق منه شيء، فهو في ذاته كامل الذات والصفات، فكان الحمد كله إليه.أما الثناء في اللغة فهو لحسن صنيع ممن يثنى عليه ولو كان غير مسلم، مثلاً: سمعت بطبيب ماهر عالج المرض الفلاني، أو اخترع الدواء الفلاني، ونفع الله به الخلق، وهو غير مسلم، هل تثني عليه أم تسبه؟ لاشك أنك تثني عليه؛ لأنه صنع صنيعاً حسناً، سواء كان مسلماً أم كافراً.إنسان صنع لك معروفاً وأوصله إليك فعلاً، ضاع ولدك مثلاً وأتاك به، سقط منك شيء مهم وجاء إليك به، دفع عنك ضراً، ولو كان غير مسلم تشكره على هذا الصنيع أم تجحده؟ تشكره.طبيب يهودي أو نصراني، وعندك مرض خطير، وليس في العالم أحد يعالج هذا النوع من المرض إلا هذا الطبيب، وهو على دينه الذي هو عليه، فعالجك، وأجرى الله لك الشفاء في علاجك على يديه، هل تذكره بالخير أم بالسوء؟ تذكره بالخير، وتدعو الله له بالإسلام. إذاً: الحمد والثناء والشكر كلها أعمال في مقابل، فالحمد المقابل لكمال الذات والصفات، والثناء لإحسان وإجادة فعل، والشكر لمن أسدى إليك معروفاً وصل إليك عنه، فاحمد الله واثن عليه، وهل المراد بهذا في الفاتحة؟الفاتحة فيها حمد وثناء لأنك تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4]، وكل هذا ثناء على الله.وقوله : (وإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره)، هذا التفسير في رواية النسائي : (إن كان معك قرآن)، وقرآن يشمل ما بين دفة المصحف الأولى إلى دفته الأخيرة، من فاتحة الكتاب إلى سورة الناس، معك شيء من هذا القرآن ولو آية اقرأ بها، ولو لم يكن معك شيء من القرآن؛ فيجزئك أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتذكر الله بالتسبيح والتحميد إلى أن تحفظ الفاتحة.ولـأبي داود : (ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء الله)، اقرأ بأم الكتاب إن كنت تحفظها، وإن كانت معك، وليس هناك معارضة مع ما قبلها: (إن كان معك من القرآن)، والفاتحة إن كان يحفظها فهي من القرآن. ولـابن حبان : (ثم بما شئت)، ثم بما شئت بعد الفاتحة من آية أو سورة صغيرة.
 

شرح حديث أبي حميد في صفة صلاة النبي
قال رحمه الله: [ وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه) ]. حديث أبي حميد الساعدي هذا يكاد يكون أجمع الأحاديث في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ساقه ابن القيم رحمه الله تحت قوله: صفة صلاة رسول الله من أول استقباله القبلة إلى أن يسلم كأنك تراها. وساقه بزيادة على بعض الألفاظ الموجودة هنا نوعاً ما، لكن بروايات أخرى.
 قدر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة
يقول أهل العلم: إن حديث أبي حميد هو أوفى وأوسع حديث في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العلماء يجمعون في ذلك أطراف الأحاديث، وابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة -وهو كتيب صغير- يقول: وإليك صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول استقباله القبلة إلى أن يسلم، وما ترك جزئية ترد في الصلاة إلا وذكرها، وذكر سندها، واعتمد في عرضه على حديث أبي حميد هذا، وعند كل حركة يأتي بما أتى فيه، فيأتي عند استقبال القبلة، والتكبير ورفع اليدين، ثم ينتقل إلى الأذكار، ودعاء الافتتاح ... إلخ.ومعلوم أن أي صيغة افتتحت بها الصلاة أجزأت، والمؤلف هنا لم يذكر لنا في حديث أبي حميد صيغة من صيغ افتتاح الصلاة، وإنما أتى في ذلك براوية عن علي وعمر رضي الله تعالى عنهما، ثم بعد التكبير وفي حالة الافتتاح يأتي ابن القيم أيضاً وغيره بما ورد عنه، وقد ألفت كتب في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أدعية الافتتاح حديث أبي هريرة أنه سأل رسول الله: ما هذه السكتة بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة؟ لأنه إذا كانت الصلاة جهرية فكبر لم يباشر القراءة بعد التكبير بل هنا سكتة، فيقول: سألت رسول الله عن هذه السكتة، فقال: أقول...، وذكر دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، وقبل أن يبدأ بالقراءة، ثم يذكر الركوع، وأنواع القراءة، وينبه على أنه صلى الله عليه وسلم في غالب أحيانه لا يأتي بآية من نصف السورة ويركع، ولكن إما أن يقسم السورة بين الركعتين، وإما أن يبتدأ بأول السورة، ويقول: لم يأت عنه أنه أخذ آيات من آخر أي سورة، إما من أولها وينتقل إلى أخرى من أولها، أو يقسم السورة بين الركعتين، أو يأخذ سورة من سور المفصل بكاملها في الركعة، وهذا عند مالك هو الأحب: ألا يجتزئ ببعض الآيات، ويقول: الأولى أن يأخذ سورة كاملة.وهذه في الواقع نظرة دقيقة جداً؛ لأن السور الصغار تجدها موضوعية في ذاتها، وانظر مثلاً إلى (لإيلاف قريش)، موضوعها مطالبتهم بعبادة رب البيت في مقابل أنه أطعمهم وآمنهم، يعني قضية مستقلة بأدلتها، وكذلك: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1]، قضية في قصة مكتملة في هذه السورة، وخذ مثلاً: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، موضوعها توحيد الباري سبحانه وتعالى، خذ (الفلق) ، (الناس)، (الكوثر)، (التكاثر)، (القدر)، كل سورة من السور الصغيرة تجدها تشتمل على موضوع مستقل مكتمل، ولكن لما تأتي وتأخذ من سورة الرحمن ستأخذ وصفاً جزئياً، وتأتي إلى سورة الواقعة ستأخذ مثله أيضاً، وتأتي إلى سورة البقرة وتأخذ أيضاً قضية جزئية؛ ولذلك مالك رحمه الله استحب أن المصلي يقرأ مع الفاتحة سورة كاملة، فكونه وحده يأخذ سورة طويلة أو إمام يأخذ سورة صغيرة، فهذا أولى عنده من أن يأخذ بعض آيات من بعض السور.ويذكر ابن القيم رحمه الله وغيره أن قراءته صلى الله عليه وسلم لم تكن على وتيرة واحدة، ولم يلتزم سورة معينة في صلواته الخمس، ولكن ربما أخذ شكلاً معيناً في صلاة الصبح يوم الجمعة: (السجدة، وهل أتى)، ويقولون: المناسبة أن يوم الجمعة هو اليوم الذي فيه خلق آدم، وأسكن فيه الجنة، وأنزل إلى الأرض، وتاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وسورة السجدة فيها تذكير بيوم القيامة، وكذلك سورة هل أتى على الإنسان فيها تذكير بحياة الإنسان ابتداءً ومنتهاه في يوم القيامة، فتناسب الزمان مع موضوع القراءة، وكذلك يمكن في الجمعة قراءة سورة ق وغيرها، وفي العيدين سبح والغاشية، وهذا كان يتكرر منه صلى الله عليه وسلم.أما في الصلوات الخمس فلم يكن يعتاد قراءة سورة بعينها ويكثر من إيرادها في الصلاة، وسورة (ق) كان يقرؤها صلى الله عليه وسلم في الخطبة يوم الجمعة، وبعض الصحابيات تقول: ما أخذت (ق) إلا من رسول الله على المنبر، تعني يوم الجمعة، وكان كثيراً ما يقرأ بالطور في المغرب، لكن لا يلزمها في كل الصلوات.إذاً: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على وتيرة واحدة، بل جاء عنه قوله: (كنت أدخل في الصلاة بنية الإطالة فأسمع بكاء الأطفال فأخفف شفقة بالأمهات)؛ لأن الأم إذا سمعت طفلها يبكي لم يعد يبق في الصلاة.إذاً: مما يذكرونه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: موضوع القراءة. ثم يركع، والذكر الوارد في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده. ربنا لك أو ربنا ولك. ويناقش بعض العلماء: هل هما سواء، أم أن زيادة الواو تدل على زيادة معنى؟ فبعضهم يقول: الواو عاطفة على جملة محذوفة: (سمع الله لمن حمده) ربنا اغفر لي ولك الحمد، ما دام يسمع من حَمِده فنحمده ويسمعنا، وهناك من يزيد بعض الألفاظ الأخرى، وكل هذا مدون ومذكور في كتب الحديث والأدعية: (حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ...) مما يشعر بأن الرفع من الركوع يستغرق زمناً لمثل هذا الدعاء، وفي هذا رد على من يقول: إنه ركن خفيف بمجرد الاعتدال منه يمكن أن يهوي للسجود.
شرح حديث: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً..)
قال رحمه الله: [ وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، إلى قوله: من المسلمين) ]. هذا يذكره علي رضي الله تعالى عنه إذا قام إلى الصلاة، وهل يقوله في الصلاة أم خارجها؟ يقوله: في الصلاة بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام. و(فطر) أو (خلق) كلاهما ورد في الشرع، وفطر بمعنى: أوجد على غير مثال: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام:14]، وكذلك: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:117]، بأن أوجد الشيء على غير مثال يحاكيه، فطر السماوات والأرض، وفي هذا تعظيم لله واعتراف بربوبيته وقدرته سبحانه وتعالى.. وجهت وجهي لمن يستحق أن أتوجه إليه بسبب عظمته وقدرته. حنيفاً: أي: مائلاً عن الشرك مسلماً لله، (وما أنا من المشركين) يتبرئ من الشرك في هذا المقام: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، والنسك كل العبادات، ومحياي، أي: مدة حياتي وما أتصرف به في الحياة ... إن بعت، أو اشتريت، أو كافأت، أو عاملت.. يكون كل تعاملي لله، بمعنى: أن أراعي فيه ما شرع الله، وأقصد فيه رضا الله، وأتبع فيه ما شرع الله.. حياتي لله، العالم كله لله رب العالمين، فهذا الإنسان يجدد الإقرار والشكر لله. (محياي) مصدر ميمي أو اسم زمان أيضاً، وحياة الإنسان كلها لله، إن نام لله، وينوي بذلك شكر الله على نعمة الصحة والعافية، والاستعانة على ما سيأتي من عمل آخر، وإن قام وسعى لله، وإن اكتسب لله؛ لأنه يصرفه في سبيل الله.ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه، فمر شاب فتى قوي، فقال أحد الحضور: لو كان هذا النشاط في سبيل الله؟! يعني: بقوته ينكأ في العدو، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله -أي: خير من أن يتكفف الناس السؤال- وإن كان خرج يسعى على أبويه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على زوجه وعياله فهو في سبيل الله).إذاً: معنى محياي: أنني ما تحركت حركة ولا اكتسبت مكسباً إلا لله، ولأجل أن يصرف في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكذلك مماتي مرده لله رب العالمين لا شريك له.وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163] .. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وبذلك أمرت بأن تكون حياتي كلها لله، كما في الحديث: (حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها)، هل الله سبحانه وتعالى سيحل في الإنسان، ويكون عينه وسمعه وبصره ويده ورجله؟! حاشا لله! لكن المعنى: أنه لا يسمع إلا ما يرضيني، فلا يتصنت إلى ما لا يجوز له، ولا يستمع إلى ما حرم الله، ولا يشارك في غيبة ولا نميمة، وبصره لا ينظر به إلى الحرام، بل ينظر نظرة اعتبار وتأمل في خلق الله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا [آل عمران:191]، فإذا عرض له محرم غض بصره، وكذلك يده لا تمتد إلى ما حرم الله، ولكن تعمل وتسعى فيما هو لله، وكذلك محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين أو وأنا أول المسلمين، إن قال: أول المسلمين فلا بأس تبعاً للنص، وإن قال من المسلمين على العموم فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.هذا من صيغ الافتتاح ولك أن تأخذ بهذه الصيغة، أو أن تكتفي في افتتاح صلاتك بما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه.وفي رواية: (إن ذلك في صلاة الليل)، وسواء في صلاة الليل، أو النهار أو أي حالة من الحالات فإن هذا نوعاً من الدعاء الذي يأتي به الإنسان في افتتاح صلاته.والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه وحبيبه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 قدر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة
يقول أهل العلم: إن حديث أبي حميد هو أوفى وأوسع حديث في بيان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العلماء يجمعون في ذلك أطراف الأحاديث، وابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة -وهو كتيب صغير- يقول: وإليك صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول استقباله القبلة إلى أن يسلم، وما ترك جزئية ترد في الصلاة إلا وذكرها، وذكر سندها، واعتمد في عرضه على حديث أبي حميد هذا، وعند كل حركة يأتي بما أتى فيه، فيأتي عند استقبال القبلة، والتكبير ورفع اليدين، ثم ينتقل إلى الأذكار، ودعاء الافتتاح ... إلخ.ومعلوم أن أي صيغة افتتحت بها الصلاة أجزأت، والمؤلف هنا لم يذكر لنا في حديث أبي حميد صيغة من صيغ افتتاح الصلاة، وإنما أتى في ذلك براوية عن علي وعمر رضي الله تعالى عنهما، ثم بعد التكبير وفي حالة الافتتاح يأتي ابن القيم أيضاً وغيره بما ورد عنه، وقد ألفت كتب في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أدعية الافتتاح حديث أبي هريرة أنه سأل رسول الله: ما هذه السكتة بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة؟ لأنه إذا كانت الصلاة جهرية فكبر لم يباشر القراءة بعد التكبير بل هنا سكتة، فيقول: سألت رسول الله عن هذه السكتة، فقال: أقول...، وذكر دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، وقبل أن يبدأ بالقراءة، ثم يذكر الركوع، وأنواع القراءة، وينبه على أنه صلى الله عليه وسلم في غالب أحيانه لا يأتي بآية من نصف السورة ويركع، ولكن إما أن يقسم السورة بين الركعتين، وإما أن يبتدأ بأول السورة، ويقول: لم يأت عنه أنه أخذ آيات من آخر أي سورة، إما من أولها وينتقل إلى أخرى من أولها، أو يقسم السورة بين الركعتين، أو يأخذ سورة من سور المفصل بكاملها في الركعة، وهذا عند مالك هو الأحب: ألا يجتزئ ببعض الآيات، ويقول: الأولى أن يأخذ سورة كاملة.وهذه في الواقع نظرة دقيقة جداً؛ لأن السور الصغار تجدها موضوعية في ذاتها، وانظر مثلاً إلى (لإيلاف قريش)، موضوعها مطالبتهم بعبادة رب البيت في مقابل أنه أطعمهم وآمنهم، يعني قضية مستقلة بأدلتها، وكذلك: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1]، قضية في قصة مكتملة في هذه السورة، وخذ مثلاً: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، موضوعها توحيد الباري سبحانه وتعالى، خذ (الفلق) ، (الناس)، (الكوثر)، (التكاثر)، (القدر)، كل سورة من السور الصغيرة تجدها تشتمل على موضوع مستقل مكتمل، ولكن لما تأتي وتأخذ من سورة الرحمن ستأخذ وصفاً جزئياً، وتأتي إلى سورة الواقعة ستأخذ مثله أيضاً، وتأتي إلى سورة البقرة وتأخذ أيضاً قضية جزئية؛ ولذلك مالك رحمه الله استحب أن المصلي يقرأ مع الفاتحة سورة كاملة، فكونه وحده يأخذ سورة طويلة أو إمام يأخذ سورة صغيرة، فهذا أولى عنده من أن يأخذ بعض آيات من بعض السور.ويذكر ابن القيم رحمه الله وغيره أن قراءته صلى الله عليه وسلم لم تكن على وتيرة واحدة، ولم يلتزم سورة معينة في صلواته الخمس، ولكن ربما أخذ شكلاً معيناً في صلاة الصبح يوم الجمعة: (السجدة، وهل أتى)، ويقولون: المناسبة أن يوم الجمعة هو اليوم الذي فيه خلق آدم، وأسكن فيه الجنة، وأنزل إلى الأرض، وتاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وسورة السجدة فيها تذكير بيوم القيامة، وكذلك سورة هل أتى على الإنسان فيها تذكير بحياة الإنسان ابتداءً ومنتهاه في يوم القيامة، فتناسب الزمان مع موضوع القراءة، وكذلك يمكن في الجمعة قراءة سورة ق وغيرها، وفي العيدين سبح والغاشية، وهذا كان يتكرر منه صلى الله عليه وسلم.أما في الصلوات الخمس فلم يكن يعتاد قراءة سورة بعينها ويكثر من إيرادها في الصلاة، وسورة (ق) كان يقرؤها صلى الله عليه وسلم في الخطبة يوم الجمعة، وبعض الصحابيات تقول: ما أخذت (ق) إلا من رسول الله على المنبر، تعني يوم الجمعة، وكان كثيراً ما يقرأ بالطور في المغرب، لكن لا يلزمها في كل الصلوات.إذاً: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على وتيرة واحدة، بل جاء عنه قوله: (كنت أدخل في الصلاة بنية الإطالة فأسمع بكاء الأطفال فأخفف شفقة بالأمهات)؛ لأن الأم إذا سمعت طفلها يبكي لم يعد يبق في الصلاة.إذاً: مما يذكرونه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: موضوع القراءة. ثم يركع، والذكر الوارد في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وإذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده. ربنا لك أو ربنا ولك. ويناقش بعض العلماء: هل هما سواء، أم أن زيادة الواو تدل على زيادة معنى؟ فبعضهم يقول: الواو عاطفة على جملة محذوفة: (سمع الله لمن حمده) ربنا اغفر لي ولك الحمد، ما دام يسمع من حَمِده فنحمده ويسمعنا، وهناك من يزيد بعض الألفاظ الأخرى، وكل هذا مدون ومذكور في كتب الحديث والأدعية: (حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ...) مما يشعر بأن الرفع من الركوع يستغرق زمناً لمثل هذا الدعاء، وفي هذا رد على من يقول: إنه ركن خفيف بمجرد الاعتدال منه يمكن أن يهوي للسجود.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [2] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net