اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الطهارة - باب التيمم [4] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الطهارة - باب التيمم [4] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
من المسائل المتعلقة بالتيمم: أن الإنسان إذا كان واضعاً جبيرة على جرح أو كسر جاز له المسح عليها لخوف ضرر الماء، وإذا كان به جرح يخشى ضرره من استعمال الماء فيتيمم ويعصب على جرحه ويمسح عليه.
شرح حديث علي بن أبي طالب في المسح على الجبائر
[وعن علي رضي الله عنه قال: (انكسرت إحدى زندي، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر) رواه ابن ماجة بسند واه جداً ]. يذكر الفقهاء أن من أشكل مسائل الفقه على طلبة العلم مسألتين: المسألة الأولى: المبتدئة في الحيض التي لم تستقر حيضتها، ولذلك يقول الشوكاني: جاءوا بالمتحيرة فتحيروا فيها. والمتحيرة: هي المبتدئة في حيضها التي لم تستقر حيضتها، فتارة تحيض خمسة أيام، وتارة تحيض ثلاثة أيام، وتارة تحيض عشرة أيام، وتحيرت في مدة حيضتها، فماذا تفعل؟ المسألة الثانية: المسح على الجبيرة، ويبحث موضوع المسح على الجبيرة من عدة جهات، وفيها المكثر والمقل. يقول: علي رضي الله تعالى عنه: (انكسرت إحدى زندي) والزند: عظم، فاليد من المرفق إلى الرسغ فيها عظمان يسميان الزندان، فيقول علي رضي الله تعالى عنه: انكسرت إحدى زندي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم (فأمرني أن أمسح على الجبائر). ومعنى ذلك: أن علياً رضي الله تعالى عنه وضع جبيرة على الكسر، ومعالجة الكسر بالجبيرة أمر طبي معروف من قديم، وهذا من خصائص طب العرب أنهم يجبرون الكسر، وقد يكون هناك شخص متمرس في ذلك عملياً أحذق من طبيب متخرج في غرفة العمليات، وطالما جاء إنسان إلى المستشفيات وأعطي العلاج اللازم، وعملت له الجبيرة على أحسن ما يكون في الطراز الحديث، فيلتئم الكسر على غير مثال، فيأتي إلى شخص تعلم الطب العربي، فيكسر ذلك العظم مرة أخرى، ويعيده ويجبره، فيصبح على أحسن ما يكون.
  الجبيرة التي يمسح عليها
ما نوع الجبيرة التي يمسح عليها؟ هل تعتبر الجبيرة مجرد رباط شاش طبقة واحدة على الجرح، أم أن الجبيرة تكون سميكة كما يجعل الآن أجزاء من الخشب أو من الجريد، ومعها أنواع من الجبس كما هو معروف في المستشفيات، أو تلف بخرق من الصوف، أو يجعل معها مثلاً من البيض والنورة ومن المواد الأخرى كما في الطب العربي؟فإذا كانت سميكة بالجبس أو بالخشب ولفافات الصوف وتلك المتانة فهي التي يمسح عليها، أما إذا كانت خفيفة والجرح والعضو بين، فهذه قالوا: لا يمسح عليها؛ لأنها لا تحتمل المسح، وإذا كان الجرح لا يقوى أن يباشر بالماء فهل يمسح؟ قالوا: إذا كان الجرح خفيفاً كأن يكون في اليد، ويمكن أن يمر يده على الجرح بدون تألم فليفعل، وإذا احتاج إلى الجبيرة بالوضع الذي تقتضيه حالة الجرح فيمسح على الجبيرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
شرح حديث جابر في الرجل الذي شج فاغتسل فمات
[وعن جابر رضي الله عنه -في الرجل الذي شج فاغتسل فمات- قال: (إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)، رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته].
 ماذا يفعل من أصيب بجرح وأراد أن يغتسل أو يتوضأ؟
لقد دعا صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الناس، ثم بين فقال: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة) أي: يتيمم للموضع الذي لا يستطيع أن يغسله، وليست عليه جبيرة يمسح عليها، إنما يضع خرقة للجرح لمداواته ودفع الماء عنه، ولهذا قالوا: إذا كان في عضو من أعضاء الوضوء جرح ليست عليه جبيرة، ولا يستطيع أن يسمح عليه، فيغسل السليم ويتيمم للجرح ويصلي بذلك، فيأتي بما يستطيع له. فهذا الذي شج يتيمم لموضع الشجة التي لا جبيرة عليها تمسح، ولا يمكن إمرار الماء عليها، ثم يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، إن كانت الخرقة سميكة صالحة للمسح، (ثم يغسل سائر جسده) أي: الموضع السليم الذي يقبل الغسل وإمرار الماء عليه، والله تعالى أعلم.
شرح حديث ابن عباس في عدد الصلوات التي تصلى بالتيمم الواحد
[وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جداً.]في نهاية باب التيمم يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: (من السنة)، وإذا قال الصحابي: من السنة فإنه يصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاسيما إذا كان الموضع ليس موضع اجتهاد، ولا تقبل فيه آراء الرجال؛ لأن كون الصلاة تصح أو لا تصح، وصحة الصلاة وعدمها لا يحكم به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.فقوله: (من السنة): أي: المعروفة عندنا، والتي عليها العمل عندنا، أن المتيمم لا يصلي بتيممه إلا صلاة واحدة، ويتيمم للصلاة الأخرى التي تأتي.
 مباحث متعلقة بالنية في التيمم
مسألة: لو أن إنساناً بعد ما صلى الفريضة في مكانه تذكر صلاة فائتة عليه، نسيها بالأمس وأراد أن يقضيها الآن، فهل يصليها بتيمم الفريضة التي صلاها الآن أم يتيمم لها؟ قالوا: يتيمم لها؛ لأنه لا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة، وهناك تفريعات على هذه المسائل في هذا الأثر وغيره، فهم مجمعون على أن النية في التيمم ركن، وكذلك في الوضوء، إلا الإمام أبا حنيفة رحمه الله فإنه يقول: النية ليست شرطاً في الوضوء؛ لأن الوضوء نظافة، أمر معقول المعنى، فكيفما غسلت أعضاء وضوئك تم الوضوء، والجمهور يقولون: الوضوء عبادة، والعبادة لابد فيها من النية: (إنما الأعمال بالنيات)؛ لأنك قد تغسل أطرافك، وقد تغتسل ولم تنو طهارة، وقد تتبرد من الحر.إذاً: يمكن غسل الأعضاء والجسم بدون إرادة الطهارة، والنية هي التي تميز بين الطهارة والعادة، والنافلة والفريضة، ففي صلاة الصبح السنة ركعتان، والفريضة ركعتان، وما الذي يفرق بينهما؟ النية هي التي تعين النافلة من الفريضة، وإن اختلفت الصورة، ففي الفريضة يجهر بالقراءة، وفي النافلة يسر بها، لكن عدد الركعات سواء، فالنية هي التي فرقت.إنسان عليه قضاء من رمضان، وجاء يوم الإثنين، وأراد أن يصوم، فصام يوم الإثنين على أنه نافلة ونسي القضاء الذي كان عليه، فهل يجزئ صومه بنية يوم الإثنين عن القضاء الذي عليه سابقاً؟ لا يجزئ. إذاً: إذا اتحدت صورة العمل بين الفرض والنافلة، وبين العبادة والعادة، فالذي يفرق في ذلك هو النية، فالأئمة الثلاثة قالوا: النية فرض في الوضوء والغسل والعبادات، والإمام أبو حنيفة رحمه الله قال: إنما هي أعمال معقودة المعنى بالنظافة، فإذا حصلت ولو لم ينو أجزأت.لكن التيمم حتى عند الإمام أبي حنيفة تتعين فيه النية؛ لأنه ليس نظافة، وليس تبرداً كما في الوضوء، فقال: تتعين النية في التيمم، وتكون النية للصلاة، والنية للطواف، والنية لقراءة القرآن، والنية لحمل المصحف، والنية للمكث في المسجد، كل هذه من الأمور التي يشرع لها الطهارة، فهناك من يعتبر قاعدة: (إذا نوى الأعلى جاز له به الأدنى، وإذا نوى الأدنى لا يصح له به الأعلى)، فإذا بحث عن الماء فلم يجد ماء، ويريد أن يقرأ في المصحف، فتيمم لمس المصحف، فهل يطوف بهذا التيمم؟ وأيهما أقوى في مشروعية الطهارة الطواف أم مس المصحف؟ لاشك أن الطواف أقوى؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، والطهارة لصلاة النافلة أقوى من الطهارة لمس المصحف؛ لأن الصلاة منصوص عليها، وإذا أراد أن يصلي الفريضة في الوقت، قالوا: إن نوى الظهر مثلاً جاز له ما كان دون الفريضة بنوافلها، كمس المصحف، والطواف بالبيت، والمكث في المسجد، والصلاة على الجنائز؛ لأنها في مرتبة أدنى من مرتبة الفريضة في الطهارة، أما إذا تيمم لما هو أقل كما ذكر مالك ، كأن تيمم وصلى ركعتي الفجر، فركعتا الفجر أقل من الفريضة، فلا يصلي بهذا التيمم الفريضة، وعليه أن يتيمم للفريضة؛ لأنها أقوى من النافلة، وإذا تيمم للطواف فلا يصلي به الفريضة؛ لأن الفريضة أقوى من الطواف.. وهكذا. إذاً: لابد من النية في التيمم، وهل تكون النية برفع الحدث أو باستباحة الصلاة؟ من اعتبره وضوءاً فيكون عنده بنية رفع الحدث، ومن لم يعتبره وضوءاً فينوي به استباحة الصلاة، ولذا يقول صاحب المغني: من تيمم بنية رفع الحدث فإن التيمم باطل؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ فـأحمد عنده التيمم لا يرفع الحدث.إذاً: ينوي في التيمم استباحة ما يتيمم من أجله، كأن يستبيح به الطواف، أو مس المصحف، أو المكث في المسجد، أو الصلاة على جنازة، هذه كما قيل رخصة يستبيح بها هذا العمل الممتنع عنها بدون طهارة، إذاً لا ينوي بتيممه رفع الحدث؛ لأن الحدث باقٍ.ووجدنا الإمام أبا حنيفة رحمه الله يعتبر التيمم والوضوء سواء، يفعل بهذا ما يفعل بذاك، ولا ينتقض التيمم إلا بنواقض الوضوء أو وجود الماء.ووجدنا مالكاً رحمه الله يقول: إنما التيمم مبيح لفريضة وقتها، ونافلتها التي بعدها، أما التي قبلها فلا.ووجدنا الشافعي رحمه الله يزيد على مالك : النافلة التي قبلها.وبالله التوفيق، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الطهارة - باب التيمم [4] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net