اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الطهارة - باب المياه [5] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الطهارة - باب المياه [5] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
يعتبر حديث الذباب من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر فيه أنه إذا سقط الذباب في الإناء فليغمس، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وهذا هو ما أثبته العلم الحديث، وفي هذا الحديث بيان أنه إذا وقع الذباب في الماء أو الشراب ومات فيه فإنه لا ينجسه.
شرح حديث الذباب
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.وبعد:فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً) أخرجه البخاري وأبو داود وزاد: (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) ].هذا الحديث مشهور عند العلماء بحديث الذباب، ويرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً)، وفي رواية: (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)، والمعنى العام لهذا الحديث: أن الرسول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يرشدنا إلى حكم ما لو وقع الذباب في الشراب؛ لأن جبلة الإنسان تعافه؛ لقذارة الذباب، فإنه بطبيعة حياته يعيش على القاذورات ثم يأتي ويسقط في الشراب، كما قال القائل: إذا وقع الذباب على طعامرفعت يدي ونفسي تشتهيهوتجتنب الأسود ورود ماءٍإذا رأت الكلاب ولغن فيهفالنفس البشرية تعاف أن تتناول الشراب الذي وقع فيه الذباب، فإذا وقع الذباب في الشراب فما مصيره؟ وكيف نتعامل معه؟ بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا حصل هذا، وأردنا الحفاظ على الشراب، فلنغمس الذباب في الشراب، فهو قد سقط ولكنه لم ينغمس إلى الأسفل؛ لأنه خفيف، فنحن نغمسه حتى يغمره السائل ثم ننزعه، وفي بعض الروايات: (فليطرحه) يعني: لا يأكله؛ لأنه مستقذر، ثم بين صلى الله عليه وسلم العلة في غمسه، والنفس تعاف الشراب بمجرد سقوطه، فما الحكمة في هذا العمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: (فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً).
 طعن العقلانيين والمستغربين في حديث الذباب
وأذكر كلمة قالها الدكتور أحمد شاكر - غفر الله له- في تعليقه على هذا الحديث في مسند أحمد، فقد ذكر أنه ناقش بعض زملائه الدكاترة، وحصلت بينهم مكاتبات في هذا الحديث، وكان زميله يتكلم بناحية عقلانية، فقال له الشيخ أحمد شاكر : لسنا بهذا الحديث ندعو إلى التعامل مع الذباب، ولكن الإسلام دين نقاء ودين طهارة ونزاهة، وينبغي لنا أن نحترز من الذباب، ولكن الحديث علمنا الحكم فيما لو وقع الذباب، وليس معنى هذا أننا نستجلب الذباب لطعامنا، أو أننا نترك الأقذار على أبداننا، أو نترك الذباب يسقط على وجوهنا، فالإسلام أرقى الأديان نظافة، ففيه الوضوء خمس مرات، والغسل عند الجنابة، ويوم الجمعة، وغير ذلك.إذاً: ليس الدفاع عن هذا الحديث معناه أننا نتلاءم ونتعاون مع الذباب في حياتنا، إنما هو دفاع عن السنة النبوية؛ لأننا وجدنا في الوقت الحاضر أن بعض الأطباء ينكر هذا، وأحدهم نشر ثلاث منشورات -وهي موجودة عندنا- يتهكم فيها بهذا الأمر، ويستبعده جداً إلى حد بعيد، فإذا كان المثقف والمتعلم والطبيب يصل إلى هذا الحد، ويضل بعض قاصري العقول، ويشككهم في السنة، فهذا أمر مشكل.وكما يقول الشيخ أحمد شاكر : لقد تجرءوا على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فالحديث متفق عليه، ولم يجرءوا أن يطعنوا في البخاري ومسلم ، ولكن قالوا: هذا الحديث لعل أبا هريرة قد أخطأ في هذا الحديث! ثم لو جئنا إلى هذا الحديث فإننا نجد أن أبا هريرة لم ينفرد به، فقد جاء عن أبي سعيد الخدري، وعن أنس بن مالك ، ورواه البيهقي ، ورواه ابن خزيمة وغيرهم، فالحديث من حيث السند من أصح ما يكون، والذين خصوا أبا هريرة بالكلام عليه حسابهم على الله، وأبو هريرة أضبط الصحابة لحديث رسول الله، وفي ذلك معجزة لرسول الله، فإنه اشتكى إلى رسول الله أنه ينسى بعض ما يسمع منه، فقال صلى الله عليه وسلم ذات ليلة: (من أراد أن يحفظ فلا ينسى فليبسط رداءه، فبسط أبو هريرة رداءه أمامه، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديثه قال: ضم إليك رداءك، فضم إليه رداءه، فقال: والله ما سمعت حديثاً ونسيته بعد ذلك أبداً)، إذاً: عنده تأمين على أحاديثه من رسول الله، ليس من شركات التأمين الأوروبية، بل تأمين من رسول الله، فهو إذا سمع الحديث حفظه فلا ينساه بضمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم.فكيف يأتي أشخاص متأخرون يتطاولون على صحابي جليل كـأبي هريرة رضي الله تعالى عنه؟!وهذا الحديث قد أخذ مني وقتاً طويلاً، وسيطر على فكري زمناً طويلاً، وكتبت عنه في مجلة راية الإسلام -التي كانت تصدر في الرياض- في عام (1374 أو 1375) هجرية مقالتين: الأولى: في سند الحديث، وصحة الرواية، والثانية: فيما توصلت إليه، وفيما جمعت من نقول طبية عن المجلة الطبية البريطانية، ومجلة الأزهر، ومجلات أخرى.
شرح حديث: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت)
قال رحمه الله: [ وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) أخرجه أبو داود والترمذي].هذا الحديث ختام هذا الباب المبارك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) ، وفي بعض الروايات: (ما قطع من حي فهو ميت)، وفي رواية: (ما قطع من حي فهو كميتته)، وهذه أعم.قوله: (ما قطع) أي: فصل، كفصل اليد، أو الرجل، أو الأذن، أو أي عضو انفصل من بهيمة فحكمه حكم ميتته، فإن كانت ميتتها حراماً فهو حرام، وإن كانت حلالاً فهو حلال، فمثلاً: صياد السمك إذا أمسك طرف الحوت وقطع منه قطعة، ففلت، فهذا قطع من حي، لكنه حلال؛ لأن ميتة السمك حلال.
 حكم العظم والشعر والصوف المقطوع من البهيمة
يذكر الأصوليون أن قوله: (ما قطع) من صيغ العموم، وقالوا: إن القرآن خصص عموم السنة، فالشعر والصوف والوبر قطع من حي، فهو ميت، ويجوز استعماله، إذاً: ما أبين من حي فهو ميت ما عدا الشعر والصوف والوبر، وهذا نص الله تعالى عليه في قوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل:80]، فالقرآن خصص السنة. وهنا مبحث فقهي وأعتقد أنه من المضايق، وهو مسألة: الأعضاء التي لا تسري فيها الحياة، قالوا: إن الشعر والصوف والوبر لا تسري فيها الحياة؛ لأنك لو قصصته وقطعته فلا تتألم ولا تحس؛ لأن عصب الإحساس مفقود، لكنه في الجلد موجود، وطرف السن من أعلى لو وخزنة بالدبوس فلن تحس، لكن العصب داخل اللثة موجود، فما لم تسر فيه الحياة هل يدخل تحت هذا الحديث.قال الجمهور: إنه لا يأخذ حكم ما قطع؛ بدلالة أنه لم تسر فيه الحياة.لكن يرد عليهم أنه ينمو ويزيد، فكيف قالوا هذا؟قالوا: النمو يكون من حويصلة الشعر داخل الجلد، وليس من طرف الشعر، فلو أخذت شعرة طولها (2سم) وعلّمت في وسطها بلون أبيض، فإذا صار طولها (4سم) ستجد أن العلامة قد ارتفعت إلى أعلى، وليس الجزء الأعلى هو الذي طال، فالنمو ليس من الطرف، بل النمو من أسفل. إذاً: الإحساس في حويصلات الشعر يكون من أسفل، ولهذا لو قلعتها فإنك تحس بالألم، أما إذا قصصتها أو حرقتها بالنار فلا تحس بشيء، وقاسوا على هذا كل عضو لا تسري فيه الحياة، وقالوا: يجوز الانتفاع به ولو أبين من الحي، وذلك مثل ناب الفيل (العاج) فإنه يتخذ منه أمشاط للنساء، ويتخذ منه أدوات زينة، ونحو ذلك، وكذلك أظلاف الحيوانات يتخذون منها مادة الغراء للخشب، وهكذا قرون الحيوانات يتخذون منها مقابض للسلاح أو للسكاكين أو غير ذلك، فهل هذه العظام داخلة في قوله: (ما أبين من حي فهو كميتته) أم أنها خارجة عنه؟الجمهور على أنها خارجة عنه، وذهب الإمام ابن تيمية في المجموع إلى خطوة أوسع، فرجح أن العظام طاهرة حتى التي تكون في الميتة، ونجاسة الميتة لا تؤثر في عظم جاف جامد لا تسري فيه الحياة، فلا تتنجس العظام بالموت.ومسألة: سن الفيل -الذي هو العاج المستعمل الآن- يختلف فيه الناس، والتحقيق: أنه يجوز استعماله؛ لأنه لا تسري فيه الحياة، فهو بمثابة الظفر والشعر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الطهارة - باب المياه [5] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net