اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الطلاق للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة الطلاق - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد شرع الله الطلاق لحكمة، وذلك عند تعذر العشرة الزوجية، والطلاق يندرج تحت الأحكام التكليفية الخمسة، فقد يكون واجباً، وقد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً.والطلاق من الأمور التي تفرح الشيطان الرجيم، فهو يرسل سراياه ليفسدوا بين الناس، فالذي يأتي إليه وقد فرق بين زوجين يقول له: أنت أنت ويلتزمه. وذلك لأن فعل ذلك الشيطان فيه تفكيك للأسر، وضياع للأولاد، وتهديم للبيوت، وغيرها من المفاسد المترتبة على الطلاق.وفي سورة الطلاق أحكام عدة، منها: أحكام العدة، والطلاق للعدة وهو طلاق السنة، وأحكام السكنى والنفقة للمطلقة الرجعية، وكذلك الأجرة للمرضع، والنفقة للمطلقة الحامل، وغيرها من الأحكام.
معنى الطلاق ومشروعيته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:فسورة الطلاق سورة مدينة، تتعلق بالأحكام التي تجري بين المسلمين.ومعنى الطلاق في اللغة: هو الإرسال والترك.وفي الشرع: حل عقدة التزويج.والطلاق قد وردت جملة من الأدلة على إباحته، كقول الله سبحانه وتعالى: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236]، وقال الله سبحانه وتعالى : الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وقال الله سبحانه: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1].فهذه نصوص أفادت مشروعية الطلاق وجوازه، وقد ثبت أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها) ، وقد روي في هذا الحديث: (أن جبريل أمره بمراجعتها وقال له: راجعها فإنها صوامة قوامة).أما كون النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها فثابت، أما مقولة جبريل: (راجعها فإنها صوامة قوامة) ففي إسنادها ضعف، ولكن العلماء قبلوها؛ إذ لا تعارض بينها وبين أصل الحديث عند فريق من أهل العلم، وقد أوصى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولده إسماعيل أن يغير عتبة بابه، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي عمر : طلقها. فأبيت، فرفعني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطع أباك) .فدلت هذه النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل الصحابة مع انعقاد الإجماع؛ كل هذه دلت على مشروعية الطلاق.وفي الحقيقة أن الطلاق يأخذ الأحكام الخمسة، فأحياناً يجب الطلاق، وأحياناً يستحب، وأحياناً يباح، وأحياناً يكره، وأحياناً يحرم.وقد وردت أحاديث في التنفير من الطلاق أكثرها ضعيفة، كحديث: (الطلاق يهتز له عرش الرحمن) ، وحديث: (لعن الله الذواقين والذواقات) ، وحديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، فكل هذه الأحاديث ضعيفة.والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة ذم الطلاق: ما أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه: (أن عرش إبليس على الماء، وأنه يرسل سراياه فيفتنون الناس، فأقربهم وأعظمهم عنده أعظمهم فتنة، فيأتي أحدهم ويقول له: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما فعلت شيئاً. إلى أن يأتيه آخر فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيدنيه منه ويقربه ويقول له: أنت أنت) ، فهذا الحديث يصلح للاستشهاد به على ذم الطلاق والتنفير من الطلاق، مع ما في الطلاق من تفكك للأسر، وتهدم للبيوت، وضياع للأولاد، وقطيعة بين الأقارب، وقطيعة بين المسلمين والمسلمات.لكن أحياناً يندب إليه ويشرع، فقد قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] أي: إن خشيت المرأة هي وزوجها أن لا يقيما حدود الله فيما بينهما فلا جناح عليهما فيما افتدت به، وكذلك قال الله سبحانه: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130] ، فأحياناً يشرع التفريق لعلة وهي عدم إقامة حدود الله بين الزوجين.فالساعي حينئذٍ بالتفريق لعله يؤجر، كالساعي في الإصلاح وكالساعي في التزويج كذلك، وذلك محله إذا خشي الزوجان أن لا تقام بينهما حدود الله، فإن الله قال : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]، وللطلاق أحكام ستأتي في ثنايا السورة إن شاء الله.
 

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ...)
يقول الله سبحانه وتعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق:1] الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يقل: يا أيها النبي إذا طلقت النساء؟ للعلماء على هذا إجابات: الإجابة الأولى: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث أنحاء:الأول: فأحياناً يأتي الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون المراد وحده، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ [الأحزاب:50] إلى قوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50] أي: فهي خاصة بك لا يشاركك فيها أحد.الثاني: أن يأتي الخطاب لرسول الله لكن ليس هو المراد منه قطعاً، كما قال الله سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، فهذا الخطاب وإن كان موجهاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المراد منه الأمة، فأبو الرسول وأم الرسول قد ماتا وهو في الصغر.الثالث: أن يأتي الخطاب لرسول الله ويراد هو وأمته صلى الله عليه وسلم، وهذا من هذا النوع.هذه إحدى الإجابات على قوله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق:1].الإجابة الثانية: أن الآية من باب التحول في الخطاب، والتحول في الخطاب يكون لجذب انتباه السامعين، وله أمثله في كتاب الله كما قال الله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22] فقوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس:22] للمخاطب، ثم قال محولاً الخطاب إلى الغائب: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22].وكذلك في قوله تعالى: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:21-22] تحول الخطاب من الغائب إلى المخاطب، فكذلك هو في قوله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ [الطلاق:1] ثم تحول الخطاب إلى أهل الإيمان، هذه إجابة ثانية.والإجابة الثالثة: أن هنا مقدراً محذوفاً، فالمعنى: يا أيها النبي قل للمؤمنين: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. المحذوف هو: قل للمؤمنين.
 الحكمة من إبقاء الزوجة المطلقة في بيت زوجها
قال تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1]:أي: أن الذي يقلب القلوب هو الله، فقد تدخل على الزوجة المطلقة فتراها حزينة منكسرة، وترى الأولاد بجوارها في حال يرثى له، فحينئذٍ تقرر مراجعتها.وهي الأخرى قد ترى زوجها أصبح مسكيناً لا يجد من يصنع له لقمة العيش، فتجده لا يجيد الطهي، وتجد ثيابه متسخة، فحينئذٍ تفكر هي الأخرى وترجع إلى التنازل عن أخطائها أو التغاضي عن أخطاء زوجها، فالذي يقلب القلوب هو الله سبحانه وتعالى.قال: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1] فهو الرجعة كما قال العلماء.
تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ...)
قوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [الطلاق:2] لا يراد به ظاهره قطعاً، فليس المراد بقوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ [الطلاق:2] أي: إذا بلغن أجلهن فقد بِنَّ من الأزواج، ولكن المعنى: إذا قاربن بلوغ الأجل، وهذا له نظائر في كتاب الله، مثل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1] أي: اقترب.فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [الطلاق:2] أي: إذا قاربن البلوغ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم الخلاء) أي: إذا أراد أن يدخل.فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [الطلاق:2] بلوغ الأجل هو انقضاء العدة.
 حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة وصفة الشهود
يقول الله جل ذكره: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] الإشهاد في الطلاق والرجعة أوجبه كثير من العلماء لهذه الآية.)ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي: من الرجال المسلمين، فلا تجوز شهادة الكفار؛ لأن الله قال: ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] ولا تجوز شهادة الفساق من المسلمين؛ لأن الله قال: ذَوَي عَدْلٍ [الطلاق:2] وكذلك لا تجوز شهادة النساء؛ لما في هذه المسائل من الشبهات؛ ولأن الخطاب في قوله: مِنْكُمْ [الطلاق:2] أي: من رجالكم؛ هذا على رأي جمهور العلماء.قال تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] تحول الخطاب فقوله: وَأَشْهِدُوا [الطلاق:2] خطاب للمطلق، وقوله: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] خطاب للشهود، فتحول الخطاب على ما بينَّاه آنفاً.فقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] أي: يا أيها الشهود لا تشهدوا من أجل الزوج والزوجة، واجعلوا شهادتكم لله سبحانه وتعالى، ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2] وهذا أسلوب من أساليب التهييج والحث على امتثال أمر الله، يعني: إن كنت مؤمناً فافعل كما أمرك الله.وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] أي: إذا طلقت الزوجة على السنة مرة واحدة في طهرٍ، فإنه قد يكون أمامك فسحة بأن تراجعها على السنة، أما أن تطلق وهي حائض فتضطر إلى أن تطلق مرة ثانية، وكذلك لا تطلق ثلاثاً في مجلس واحد، فتقع في مسائل فقهية شديدة، ولا تجد مخرجاً، فافعل ما علمك إياه الرسول عليه الصلاة والسلام.إذا أراد شخص أن يطلق الزوجة وهي حائض وكان منفعلاً، فعليه أن يصبِّر نفسه إلى أن تطهر ثم يمتنع عن جماعها، فلعله إن صبر حتى تطهر ويمتنع عن جماعها يشتاق إليها مرة ثانية وينسى أن يطلقها، والتؤدة في كل شيء خير كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ...)
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] أي: من يجعل الله وكيلاً له فالله كافيه، يعني: اجعل الله وكيلاً عنك في زواجك في طلاقك في كل شئونك اجعل الله وفي كل مسائلك، كما في قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9].فإذا كنت تريد أن تتوظف في وظيفة حكومية، فاجعل الله وكيلك، فهو نعم الوكيل سبحانه وتعالى، هناك ربط بين رب المشرق والمغرب لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9] فإذا كان لك حاجة في المشرق أو حاجة في المغرب فاجعل وكيلك هو الله سبحانه وتعالى، وكذلك في زواجك وفي طلاقك وفي شئونك كلها.وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] أي: فهو كافيه.إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق:3] أي: رب العزة ينفذ الشيء الذي يريده سبحانه وتعالى.قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] فالعدة لها قدر، وكل شيء له قدر كما قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21] وقال : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى:27] كذلك الطلاق والعدد لها مقادير، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3].فقد يقول قائل: ما هي الحكمة في أن المطلقة تعد ثلاثة قروء؟ نقول: قال الله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3]، وهذا أمر الله سبحانه وتعالى.
 حكم الإشهاد في الطلاق والرجعة وصفة الشهود
يقول الله جل ذكره: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] الإشهاد في الطلاق والرجعة أوجبه كثير من العلماء لهذه الآية.)ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي: من الرجال المسلمين، فلا تجوز شهادة الكفار؛ لأن الله قال: ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] ولا تجوز شهادة الفساق من المسلمين؛ لأن الله قال: ذَوَي عَدْلٍ [الطلاق:2] وكذلك لا تجوز شهادة النساء؛ لما في هذه المسائل من الشبهات؛ ولأن الخطاب في قوله: مِنْكُمْ [الطلاق:2] أي: من رجالكم؛ هذا على رأي جمهور العلماء.قال تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] تحول الخطاب فقوله: وَأَشْهِدُوا [الطلاق:2] خطاب للمطلق، وقوله: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] خطاب للشهود، فتحول الخطاب على ما بينَّاه آنفاً.فقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] أي: يا أيها الشهود لا تشهدوا من أجل الزوج والزوجة، واجعلوا شهادتكم لله سبحانه وتعالى، ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2] وهذا أسلوب من أساليب التهييج والحث على امتثال أمر الله، يعني: إن كنت مؤمناً فافعل كما أمرك الله.وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] أي: إذا طلقت الزوجة على السنة مرة واحدة في طهرٍ، فإنه قد يكون أمامك فسحة بأن تراجعها على السنة، أما أن تطلق وهي حائض فتضطر إلى أن تطلق مرة ثانية، وكذلك لا تطلق ثلاثاً في مجلس واحد، فتقع في مسائل فقهية شديدة، ولا تجد مخرجاً، فافعل ما علمك إياه الرسول عليه الصلاة والسلام.إذا أراد شخص أن يطلق الزوجة وهي حائض وكان منفعلاً، فعليه أن يصبِّر نفسه إلى أن تطهر ثم يمتنع عن جماعها، فلعله إن صبر حتى تطهر ويمتنع عن جماعها يشتاق إليها مرة ثانية وينسى أن يطلقها، والتؤدة في كل شيء خير كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ...)
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4] أي: كبيرات السن اللواتي انقطع عنهن الحيض.إِنِ ارْتَبْتُمْ [الطلاق:4] أي: إن شككتم، وللعلماء فهيا تفسيران:أحدها: إن ارتبتم في عدتهن فالعدة هنا هي ثلاثة أشهر.الثاني: إن ارتبتم في الدم الذي ينزل منهن، هل هو دم حيض أو دم فساد أو دم استحاضة ولم تعرفوا، ولم تستطيعوا تحديد الدم، فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر.وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] هذا من المقدم والمؤخر فالمعنى: واللائي يئسن من المحيض إن ارتبتم واللائي لم يحضن أي: من الفتيات الصغيرات اللواتي تزوجن قبل الحيض؛ فهؤلاء عدتهن ثلاثة أشهر، أما أولات الأحمال فأجلهن أن يضعن حملهن، فالحوامل من المطلقات أجلهن أن يضعن حملهن فالآية فيهن، وكذلك أولات الأحمال من المتوفى عنهن الأزواج، أجلهن أن يضعن حملهن.ومن المعلوم أن العلماء في كثير من الأحيان يستدلون بالنصوص العامة؛ وذلك عند غياب النصوص الخاصة، فمثلاً: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر وما فيها من أجر فقال: ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].وسئل ابن عباس عن شراب يصنع باليمن يقال له البتع: أحرام هو؟ قال: قال صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام)، فأحياناً يستدلون بالنصوص العامة عند غياب النصوص الخاصة، لكن أحياناً تستدل بالنصوص العامة ويكون في المسألة نص خاص، فاستدلالك بالعام أحياناً يبتعد عن الصواب، وفي هذه المسألة قد وقع استدلال بالنصوص العامة من صحابيين جليلين فجانبهما الصواب.فقد سئل ابن عباس -وهو رأي علي أيضاً- عن امرأة مات عنها زوجها وهي حامل متى تنقضي عدتها؟ففي شأنها آيتان:الآية الأولى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4].والآية الثانية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]؟.فقال ابن عباس وعلي رضي الله عنهما: تعتد أبعد الأجلين، أي: إذا كانت الحامل في الشهر الأول، فإذا جئنا نطبق عليها قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] فبعد أربعة أشهر وعشر ستكون حاملاً في الشهر السادس، ولا يحل لأحد أن يتزوجها وهي حامل؛ لأنه ستختلط الأنساب، فتعتد بأبعد الأجلين وهو وضع الحمل، وإذا كانت في الشهر الثامن ووضعت فإنها تنتظر حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، فهذا رأي علي وابن عباس فأفتيا بالنصوص العامة.لكن يوجد في المسألة نص خاص احتج به أبو سلمة بن عبد الرحمن رحمه الله -وهو من التابعين- على عبد الله بن عباس وكان أبو سلمة كثير المراجعة لـابن عباس ، فحرم من علم ابن عباس كثيراً.احتج أبو سلمة بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى على عبد الله بن عباس بحديث سبيعة الأسلمية (فـسبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل فما لبثت إلا ليالي ووضعت حملها، فتجملت للخطاب، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما لي أراك متجملة للخطاب؟ والله لا تحلين للنكاح حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر. فحملت عليها ثيابها وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: إنك حللت حين وضعتِ).فاستدل أبو سلمة بما رواه عن أبي هريرة عن رسول الله في قصة سبيعة : على أن المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع حملها، فقوله تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] وإن كان سياقه في المطلقات لكن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن سبيعة يفيد أن المتوفى عنها زوجها أيضاً تنقضي عدتها بوضع الحمل. والله سبحانه وتعالى أعلم.ثَمَّ نساء ليس لهن عدد، وهن المطلقات قبل المسيس، فالمطلقة قبل المسيس، أي: قبل البناء، لا عدة عليها، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:49].كذلك دب النزاع في عدد بعض النساء كالمختلعات، فإذا افتدت امرأة نفسها من زوجها وقالت: لا أريده. فمن العلماء من قال: عدة المختلعة كعدة المطلقة سواءً بسواء، ورأى كثير من أهل العلم رأياً آخر: وهو أن عدة المختلعة حيضة واحدة؛ وذلك لإثبات براءة الرحم شأنها شأن المسبيات فيستبرئن بحيضة، وهذا القول مروي عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه.يقول الله سبحانه وتعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]
 حكم طلاق الغضبان وأقسامه
قال تعالى: ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5] بهذا تقريباً تنتهي أسس مسائل الطلاق. وثم أنواع من الطلاق تجري بين الناس كطلاق الغضبان، فلزاماً أن يُبَيََّن:طلاق الغضبان للعلماء فيه تفصيل: فمن العلماء من يقول: إن طلاق الغضبان على أقسام ثلاثة، وأحكامه تنبني على درجة الغضب: القسم الأول: إذا كان الرجل قد غضب غضباً شديداً جداً، أخرجه عن عقله ولا يدري مع الغضب ما يقول، فطلاقه لا يقع، لأنه أصبح كالمجنون فيأخذ أحكام المجنون، ولا يقع طلاقه على رأي أكثر أهل العلم، بل نقل البعض الاتفاق على عدم وقوعه.القسم الثاني من أقسام الغضب: هو غضب معتاد يجري بين الناس، وأنت في كامل عقلك وفي كامل تفكيرك وفي كامل اختيارك، قلت لها وأنت مغضب منها: أنتِ طالق. قالوا: فهذا طلاقه يقع.القسم الثالث: المرحلة المتوسطة بين الغضبين: وهو الغضب الشديد جداً الذي تدري معه ما تقول وتعلم ما تقول، فأنت تعرف الذي تقوله وتدري ما تقول، ولكنك لا تستطيع أن تمنع نفسك، فغضبت وانفعلت انفعالاً شديداً؛ مثلاً: زوجة جاءت ولطمت زوجها على قفاه لطمة شديدة، فقال لها: أنتِ طالق.هو عارف الذي صدر منه، ولكن لم يستطع أن يمنع نفسه من شدة الغضب، فهذه هي التي اختلف العلماء فيها، فرأى فريق منهم أن مثل هذا الغضبان لا يقع طلاقه؛ لأنه قد حدث على عقله نوع من أنواع الإغلاق، وقد ورد حديث يعله أبو حاتم الرازي في كتابه العلل، وبعض العلماء يحسنه: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) والجمهور يفسرون الإغلاق بالإكراه.ومن العلماء من أطلق القول في تفسير الإغلاق وقال: الإغلاق كل مؤثر يؤثر على العقل ويجعله يتصرف على غير طبيعته وغير هيئته، فقالوا: إن الغضب الشديد يحدث نوعاً من أنواع الإغلاق، والإكراه يحدث نوعاً من أنواع الإغلاق، والضرب الشديد والمرض الشديد كذلك.مثلاً: شخص مصاب بحمى شديدة أثرت على عقله ببعض التأثيرات، فأصبح يتكلم بأشياء لا يستطيع أن يمنع نفسه منها، وإن كان يدري معناها، فهذه هي المرحلة المتوسطة من مراحل الغضب، التي فيها نزاع بين العلماء، ويرى كثير من أهل العلم: أن هذا المطلق لا يقع طلاقه، واستدل هذا القائل بحديث: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) وقد تقدم الكلام على سنده.واستدل أيضاً بفعل موسى صلى الله عليه وسلم لما ألقى الألواح حين وجد القوم يعبدون العجل، وإلقاء الألواح بمنزلة إلقاء القرآن، وهذا كفر، لكن غفر ذلك لموسى صلى الله عليه وسلم، قالوا: فالطلاق من باب أولى، والله سبحانه وتعالى أعلم، هذا بالنسبة لطلاق الغضبان.ففي الحقيقة أن إخواننا الذين يفتون في مسائل الطلاق عندما يأتي الرجل إليهم يقصر في وصف حاله، فيفتيه بعض الأفاضل من العلماء بفتيا، وأحياناً يذهب إلى عالم آخر فيسترسل معه في بيان مسألته ومشكلته ويقول: أنا مريض بالأعصاب، وهذه ورقة فيها علاجي، والجيران يشهدون، فيفتي العالم الذي فُصِّل له بقول آخر غير العالم الذي لم يفصِّل له، أو يأتي الوسيط في مسائل الطلاق ويقصر في النقل أو يحرف في الكلام أحياناً، وأحياناً يأتي الوسيط وينقل بدقة، فترى الأخ يتهم العلماء، وهو المتهم نفسه والمقصر نفسه في الذي نقل. والله أعلم.
تفسير قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ...)
ومن الأحكام الأخر قوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6].(مِنْ وُجْدِكُمْ) أي: من سعتكم، فعلى الزوج لزوجته المطلقة طلاقاً رجعياً النفقة والسكنى، ورأي جماهير أهل العلم أن النفقة على قدر السعة، والسكنى كذلك في بيتها على قدر السعة.أما المطلقة طلاقاً مبتوتاً آخر ثلاث تطليقات، فلا نفقة لها ولا سكنى على رأي جماهير العلماء؛ لما ورد في حديث فاطمة بنت قيس ( أن زوجها أرسل إليها بآخر ثلاث تطليقات من اليمن، وأرسل لها مع وكيله شعيراً فسخطته واستقلته، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترفع أمرها فقال لها: إنه لا نفقة لكِ ولا سكنى) فالمطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى.فقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] في المطلقات الرجعيات.وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6] هذا نهي عن الإضرار كما تقدم في قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231].
 حكم إرضاع الطفل من أمه المطلقة
قال سبحانه: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ [الطلاق:6] بعد وضع الحمل فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] أي: أجر المرضعة، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] هذا خطاب للرجل وللمطلقة، فالله أمرهما أن يتشاورا فيما بينهما في شأن الطفل المولود بالمعروف، فتتشاور الزوجة مع مطلقها في شأن الطفل: ماذا نفعل؟ وما هو الأنسب للطفل؟ وهذا من الخلق الكريم الذي حث عليه ديننا، وحثنا عليه ربنا سبحانه وتعالى.فإن كانت العلاقة الزوجية قد انقطعت فما زالت علاقة الأخوة الإيمانية باقية: (فالمسلم أخو المسلم) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].وإذا تتبعت آيات الطلاق: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2].. وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6].. فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] فستجد أنها كلها تنصب على حسن المعاشرة بين الزوجين.وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] أي: تشاورا فيما بينكما أيها المطلق والمطلقة في شأن الولد، وما هو الأنفع للولد.وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ [الطلاق:6] أي: إن أبت المرأة المرضعة الأجر الذي أعطاها إياه الزوج واستقلته: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6] أي: لا تلزم الأم حينئذٍ بإرضاعه، إلا إذا كان لا يرضع إلا منها، وإذا كان سيضيع بدونها، فحينئذٍ تتجه نصوص أخر لإلزامها بالإرضاع كقوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ...)
ثم قال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] أي: النفقة على المطلقة.وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] فلا يلزم المطلق بنفقة فوق طاقته؛ لكن لخراب الذمم وقلة الأمانات في هذه الأزمان، رأى فريق من أهل العلم أن من المصالح المرسلة الآن تحديد شيء يعطى للزوجة على قدر سعة الزوج، فالمطلقون الآن خربت ذممهم وقلت أماناتهم، فكل زوج مطلق يريد أن يجحف بالزوجة تماماً ولا يعطيها أي شيء.والمطلقة هي الأخرى تريد أن تأخذ منه كل ما تريد من مال، فالرأي أن من المصالح المرسلة أن يتدخل القاضي إذا لم يتم الصلح على شيء معين، وإلا فلا دخل للقاضي آنذاك، لكن إذا امتنع الزوج من الإنفاق وأبت الزوجة إلا أن تجحف بكل مرتباته، فحينئذٍ يتدخل القضاة للفصل بينهما على ما ذكر الله سبحانه: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] وهذه مسألة مردها إلى الأعراف السائدة، وإلى حال الزوج وحال الزوجة كذلك.وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7] أي: ضيق عليه رزقه: فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق:7] وهذه من الآيات التي يرفع فيها الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
 حكم إرضاع الطفل من أمه المطلقة
قال سبحانه: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ [الطلاق:6] بعد وضع الحمل فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] أي: أجر المرضعة، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] هذا خطاب للرجل وللمطلقة، فالله أمرهما أن يتشاورا فيما بينهما في شأن الطفل المولود بالمعروف، فتتشاور الزوجة مع مطلقها في شأن الطفل: ماذا نفعل؟ وما هو الأنسب للطفل؟ وهذا من الخلق الكريم الذي حث عليه ديننا، وحثنا عليه ربنا سبحانه وتعالى.فإن كانت العلاقة الزوجية قد انقطعت فما زالت علاقة الأخوة الإيمانية باقية: (فالمسلم أخو المسلم) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].وإذا تتبعت آيات الطلاق: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2].. وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6].. فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] فستجد أنها كلها تنصب على حسن المعاشرة بين الزوجين.وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] أي: تشاورا فيما بينكما أيها المطلق والمطلقة في شأن الولد، وما هو الأنفع للولد.وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ [الطلاق:6] أي: إن أبت المرأة المرضعة الأجر الذي أعطاها إياه الزوج واستقلته: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6] أي: لا تلزم الأم حينئذٍ بإرضاعه، إلا إذا كان لا يرضع إلا منها، وإذا كان سيضيع بدونها، فحينئذٍ تتجه نصوص أخر لإلزامها بالإرضاع كقوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا...)
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا [الطلاق:8].من العلماء من يقول: إن سور الكتاب العزيز تتعدد فيها أصول الدين، فالسورة الواحدة تأتي الأحكام فيها، ثم تتبع بالتحذير من المعاصي والتحذير من ارتكاب الكبائر وانتهاك حرمات الله، ثم تتبع بتبشير أهل الإيمان بالجنات، وهذا في سورة الطلاق واضح.ذكر الله سبحانه وتعالى قرى عتت عن أمر ربها، أي: بالغت في الطغيان فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الطلاق:8] و(كأين) هنا للتكثير كما في قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [آل عمران:146].وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا [الطلاق:8]، وقد يكون العتو عن أمر الله وعن أمر رسله في مسائل الطلاق كذلك، قد ترفض أمم شرعة الطلاق التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وسنة الطلاق التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلتؤذن حينئذٍ بهذه الآيات: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ [الطلاق:8-10] يا أصحاب العقول! الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق:10-11]، وكلها آيات تقدم معناها.اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12] أي: من الأرض سبع أرضين كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين).يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
 حكم إرضاع الطفل من أمه المطلقة
قال سبحانه: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ [الطلاق:6] بعد وضع الحمل فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] أي: أجر المرضعة، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] هذا خطاب للرجل وللمطلقة، فالله أمرهما أن يتشاورا فيما بينهما في شأن الطفل المولود بالمعروف، فتتشاور الزوجة مع مطلقها في شأن الطفل: ماذا نفعل؟ وما هو الأنسب للطفل؟ وهذا من الخلق الكريم الذي حث عليه ديننا، وحثنا عليه ربنا سبحانه وتعالى.فإن كانت العلاقة الزوجية قد انقطعت فما زالت علاقة الأخوة الإيمانية باقية: (فالمسلم أخو المسلم) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].وإذا تتبعت آيات الطلاق: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2].. وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6].. فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] فستجد أنها كلها تنصب على حسن المعاشرة بين الزوجين.وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] أي: تشاورا فيما بينكما أيها المطلق والمطلقة في شأن الولد، وما هو الأنفع للولد.وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ [الطلاق:6] أي: إن أبت المرأة المرضعة الأجر الذي أعطاها إياه الزوج واستقلته: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6] أي: لا تلزم الأم حينئذٍ بإرضاعه، إلا إذا كان لا يرضع إلا منها، وإذا كان سيضيع بدونها، فحينئذٍ تتجه نصوص أخر لإلزامها بالإرضاع كقوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] إلى غير ذلك من النصوص.
الأسئلة

 حكم من عُقد بها ثم طلقت قبل دخول زوجها عليها
السؤال: تمت خطبتها وعقد قرانها وبعد أسبوع سافر خطيبها للعمل، وبعدها بسبعة شهور حصل خلاف وحصل طلاق، هل عليها عدة؟الجواب: ليس عليها عدة؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] أما بالنسبة لما يخصها من الصداق، فلها نصف الصداق إن كان الصداق قد سمي.إلى هنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الطلاق للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net