اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحديد[2] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة الحديد[2] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
الصدقة من أعظم أعمال البر، لكنها لا تقبل إلا بشروط يجب توافرها، والمؤمنون يحرصون على تحقيق هذه الشروط، ولذا فأعمالهم الصالحة يقبلها الله منهم، ويكون لهم بذلك نور يوم القيامة، بخلاف المنافقين الذين ينطفئ نورهم على الصراط، وهم في أمس الحاجة إليه، فيقعون في جهنم وبئس المصير.وقد رغب الله عباده في الخشوع، وعاتبهم على ضعفه في قلوبهم، وحذرهم من قسوة القلوب، ومن كمل إيمانه فهو من الخاشعين الصديقين، والصديق أعظم رتبة من الشهيد، فعلى المسلم أن يتعاهد قلبه بأسباب الخشوع.
تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11].هذه الآية فيها حث وترغيب على الإنفاق في سبيل الله، فيقول الله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي أي: من هو هذا الرجل؟ ومن هو هذا الشخص الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ؟
 شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!)، وفي مطلع هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264].وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله سبحانه وتعالى، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة. وفيهم يقول ربنا سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وإني أشهدك -يا رسول الله!- أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه. فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح)، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي عز وجل هذا الحائط. فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ .والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله سبحانه وتعالى قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم)، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه ، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
تفسير قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم)
قال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12]، وهذا يكون يوم القيامة كما قال جمهور المفسرين، فأهل الإيمان يتقدمهم نورهم إلى الأمام وعن الأيمان، وهذا النور على قدر الأعمال، فمن كانت أعماله الصالحة كثيرة فإن النور يشتد له، ويمر بهذا النور على الصراط، ويجتاز بهذا النور الظلمات، ومن قلّت أعماله قلّ نوره، ومنهم من يطفأ نوره مرة. ويضيء أخرى، فالله سبحانه يقول: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8]، ومعنى: (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي: أمامهم، ودعاؤهم بقولهم: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إذا تدبرته وعلمت ملابساته، لم تفارق الدعاء به في حياتك الدنيا، فمتى يصدر هذا الدعاء من أهل الإيمان؟ ومتى يقول أهل الإيمان هذا الدعاء؟ما ذكر المفسرون في هذه الآيات أن النور يقسم على كل من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، في مكانٍ ما، وكلٌ يأخذ حظه من هذا النور على قدر أعماله، وينطلق بهذا النور كي يجتاز به الظلمات، ويمر به على الصراط، فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يمر على الصراط كالريح، ومنهم من يمر على الصراط كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر مسرعاً، ومنهم من يمر ماشياً، ومنهم من يمر بطيئاً، ومنهم من يمر زاحفاً، ومنهم من يتعثر مرة ويمر مرة، ومنهم من يسقط مكدوساً في جهنم والعياذ بالله، فهذا النور على قدر الأعمال، فهناك مكان تقسم فيه الأنوار، وكلٌ يأخذ نوراً على قدر عمله، فينطلق أهل الإيمان ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وينطلق معهم أيضاً من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) بلسانه من أهل النفاق، ففجأة تطفأ أنوارهم، فيقولون لإخوانهم من أهل الإيمان -كما حكى الله تعالى عنهم- انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قد فقدنا الأضواء التي كنا نستضيء بها. وفي قراءة: (انظرونا)، وفي قراءة: (أمهلونا)، وفي ثالثة: (ارقبونا نقتبس من نوركم).قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13].اختلف العلماء في القائل: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً)؟من أهل العلم من قال: إن الله هو القائل. ومنهم من قال: إن الملائكة هم الذين يقولون. ومنهم من قال: إن أهل الإيمان هم الذين يقولون. لكن أُبهم القائل في السياق، فلا معنى للبحث عن القائل، وعلى كلٍ لا يقال شيء بغير أمر الله سبحانه وتعالى.قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فيذهب أهل النفاق إلى حيث كانت الأنوار تقسم فلا يجدون أنواراً، فيرجعون مسرعين إلى أهل الإيمان؛ كي يستضيئوا بنورهم مرةً ثانية، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: تجاه أهل الإيمان وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:13-14] ، فهذه الخدعة يخدع الله بها أهل النفاق، كما قاله كثيرٌ من أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، فهذه أكبر خدعةٍ يخدع بها أهل النفاق في الآخرة والعياذ بالله، فلما يرى أهل الإيمان أن أنوار أقوام أطفئت يتوسلون إلى ربهم، ويتجهون إلى ربهم، ويجأرون إلى ربهم بالدعاء قائلين: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].فقوله تعالى: يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى أي: أهل النفاق ينادون أهل الإيمان: (ألم نكن معكم)؟ قَالُوا بَلَىوَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ أي: شككتم في البعث وشككتم في التوحيد، قال تعالى: وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ، أي: تلك الأماني الكاذبة التي تضل أهلها، قال تعالى: حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ.قال تعال: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد:15]، أي: فـداء، وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:15].
 شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!)، وفي مطلع هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264].وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله سبحانه وتعالى، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة. وفيهم يقول ربنا سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وإني أشهدك -يا رسول الله!- أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه. فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح)، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي عز وجل هذا الحائط. فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ .والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله سبحانه وتعالى قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم)، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه ، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
تفسير قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)
ثم قال تعالى حاثاً عباده المؤمنين على الإيمان، ومستبطئاً لهم في عدم مبادرتهم إلى الخشوع: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16]، أي: ألم يحن لهذه القلوب القاسية أن تلين لذكر الله وما نزل من الحق؛ فإن هذا الذي نزل من الحق، يليّن الحجارة إذا نزل عليها، كما قال سبحانه: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74] ، وكما قال سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].فيقول الله لأهل الإيمان: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وبهذا يكتشف المؤمن نفسه، ويعرف المسلم نفسه، وقد قدمنا أنه لم ينزل عليك وحيٌ يفيدك أنك على خير، ولكن ثم نصوصٌ تستطيع بها قياس نفسك ومعرفة أمرها، فالله ذكر أهل الإيمان فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، فقس نفسك على هذا، فهل أنت من هذا الصنف الذي قال تعالى فيه: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] ، أم أنك لست منهم؟كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأهل الجنة ثلاثة -وممن ذكر منهم-: رجلٌ رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، فانظر هل أنت هذا الرجل الرحيم رقيق القلب، تحزن إذا أصيب أخوك المسلم بمصيبة، وتحزن إذا حلت بأخيك المسلم فضيحة، أم أنك لست من هذا الصنف؟ فهذه مقاييس تقيس بها نفسك، قال الله سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23]، فانظر إلى نفسك واكتشفها في حياتك الدنيا، فهل دمعت عينك لله سبحانه؟ وهل رقّ قلبك لذكر الله سبحانه؟ وهل رق قلبك للأيتام وللأرامل وللمساكين؟ أم لست من هذا الصنف؟قس نفسك فأنت بها أخبر، وأنت لها طبيبٌ بإذن الله، قال الله سبحانه: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].وفي قوله تعالى: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ قولان مشهوران لأهل العلم:أحدهما: طال عليهم الأمد في النعيم، فلما طال عليهم الأمد في النعيم نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً. أي: نعّموا وأغدقت عليهم النعم، فلما نعّموا وأغدقت عليهم النعم كفروا ربهم وخالقهم سبحانه، فلم يقوموا بشكره، ولم يتضرعوا إليه، كما قال الله سبحانه: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وكما قال تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [الإسراء:83]، إلى غير ذلك من الآيات.فعلى هذا القول يكون المعنى: طال عليهم الزمن في النعيم، فمتعوا متاعاً طويلاً، ولم يصابوا بالمصائب، ولم يبتلوا بالبلايا، ولم يتضرعوا إلى الله، ولم يشعروا بحال الضعفاء وبحال المساكين وبحال المرضى؛ فإن المصائب وأنواع الفقر وأنواع البلايا التي يصاب بها الإنسان تردّ الإنسان رداً جميلاً إلى الله سبحانه وتعالى، وتذكره بأحوال إخوانه الجائعين، وبأحوال إخوانه العارين، وبأحوال الأيتام، وبأحوال المساكين، وقد قال ربنا جل ذكره: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27].فهذا هو المعنى الأول في تفسير قوله تعالى: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ أي: فطال عليهم العمر في النعيم، كقوله تعالى: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [الأنبياء:44]، فطال عليهم العمر في النعيم؛ فنسوا ذكر الله، ولم يرفعوا أيديهم إلى الله سبحانه، ولم يسألوه ولم يرجوه.والمعنى الثاني في قوله تعالى: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ أي: طال عليهم زمن البعد عن التذكير، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبيٌ خلفه نبيٌ آخر)، فكان الأنبياء من بني إسرائيل يذكرون بني إسرائيل إلى أن جاء عيسى عليه الصلاة والسلام، فرفع الله عيسى صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بين عيسى صلوات الله وسلامه عليه وبين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنبياء، فهذه المدة التي لم يأت فيها أنبياء بين عيسى عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قل فيها المذكرون بالله، فطال على بني إسرائيل وعلى أهل الكتاب الأمد -وهو الزمن- وبعدوا عن التذكير وعن الذكرى، فلما طال عليهم الأمد في البعد عن التذكير قست قلوبهم. فيؤخذ من هذا أن الذي يبتعد عن التذكير، ويبتعد عن مواعظ الذكر يقسو قلبه، ولذلك يتعين على كل مسلم أن يحافظ على الواعظ التي فيها تذكير بالله سبحانه، وفيها تذكير بلقاء الله، وفيها تذكيرٌ بالموت، وبذلك وعلى ذلك حثنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب ربنا الحث على ذلك، وقد قال تعالى: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] ألا وهي تذكر الدار الآخرة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام (يتخول أصحابه بالموعظة كراهية السآمة عليهم) أي: يعظهم بين الحين والآخر، قال العرباض بن سارية رضي الله عنه: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون)، وفي الحديث (أن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فوعظهم موعظةً بليغة حتى أبكاهم)، وقال سبحانه وتعالى: وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء:63]، فينبغي أن يحافظ المرء منا على المواعظ التي فيها وعظ وفيها تذكير بالله وفيها فوائدٌ، وفيها تذكير بلقاء الله وبالموت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات)، فينبغي أن تحافظ في هذا الجانب بين الحين والآخر، واستمع إلى المواعظ حتى يرق قلبك؛ فإن الله سبحانه ذكر سبب قسوة القلب في هذه الآية فقال: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي: لما ابتعدوا عن الذكر قست هذه القلوب؛ فإن التذكير يطهر القلوب ويحييها، وكذلك المصائب تحيي القلوب، فلذلك هذه الآية الكريمة جمعت المعنيين معاً، فطال عليهم زمن البعد عن التذكير، وطال عليهم الأمد في النعيم، فقلت عليهم المصائب، فماتت قلوبهم لقلة البلايا والمصائب، والبلايا والمصائب قد تحرك القلب، فقد لا يتحرك القلب أحياناً بموعظة ولكنه يتحرك بابتلاء، وقد لا يتحرك القلب بسماع آية من كتاب الله أو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا فوجئ الشخص -مثلاً- أن المصباح قطع فإنه حينئذٍ يبدأ بالتضرع والرجوع واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، وقد لا يتحرك الشخص من موعظة، ولكنه لما يرى أولاده مرضى أو جياعاً أمام عينيه يتحرك قلبه! قال تعالى: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] أي: خارجون عن الطاعة. وقد روي أن هذه الآية كانت سبباً في هداية طائفةٍ من السلف، ومن أشهرهم الفضيل بن عياض العابد المشهور في تاريخ المسلمين، كان يقطع الطرق، ويسطو على البيوت، ويغازل النساء، ويفعل المحرمات والموبقات، ويرعب الناس المارة في الصحاري وفي البراري وفي القفار، فسطا يوماً على منزل من المنازل، وبينما كان يصعد الجدران للسطو على منزل لإيذاء أهله سمع تالياً يتلو هذه الآية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]، وأراد الله له الهداية، فقال: بلى -يا رب!- قد آن أن يخشع قلبي لذكرك. وعاهد الله ألا يعصي بعد ذلك، ولا يسفك دماً، ولا يقطع طريقاً، فنزل عازماً على التوبة، فمر به قومٌ وهو مستترٌ عن أعينهم فقالوا: أسرعوا في المسير؛ فإن هذا المكان به قاطع الطريق المشهور الفضيل بن عياض ، فازداد حسرةً وندامة على ما صنع، وعندما سمع منهم هذه المقالة عزم على العكوف في بيت الله الحرام يتلو آيات الله آناء الليل ويركع ويسجد، واستقام على ذلك إلى أن قبضه الله سبحانه وتعالى، وثم قصص لغيره أيضاً.
 شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!)، وفي مطلع هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264].وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله سبحانه وتعالى، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة. وفيهم يقول ربنا سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وإني أشهدك -يا رسول الله!- أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه. فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح)، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي عز وجل هذا الحائط. فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ .والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله سبحانه وتعالى قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم)، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه ، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
تفسير قوله تعالى: (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها)
قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17].اختلف العلماء في وجه الربط بين قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا؟فمن أهل العلم من قال: لا يلزم أن يكون هناك ربطٌ بين الآية والآية التي تليها، لكن أحياناً يكون هناك ارتباطٌ وثيق، وهنا ارتباط وثيق بين هذه الآية والتي تقدمتها، فالله يقول: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أي: فكما أن الأرض يحييها الله سبحانه وتعالى بالماء الذي ينزل من السماء فكذلك القلوب يحييها الله سبحانه وتعالى بالوحي الذي ينزل من السماء. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل عليه بالغيث في قوله: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً)... الحديث، فكما أن الأرض يحييها الله سبحانه وتعالى بالماء فكذلك القلوب يحييها الله سبحانه وتعالى بالإيمان، ويحييها الله بالوحي وبالقرآن، قال الله سبحانه: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أي: أحياها الله سبحانه بهذا الوحي، قال جبير بن مطعم : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة الطور، وكنت آنذاك مشركاً، فلما قرأ قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35] كاد قلبي أن يتصدع، وفي الرواية الأخرى: أن يطير، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:17].
 شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!)، وفي مطلع هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264].وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله سبحانه وتعالى، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة. وفيهم يقول ربنا سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وإني أشهدك -يا رسول الله!- أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه. فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح)، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي عز وجل هذا الحائط. فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ .والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله سبحانه وتعالى قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم)، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه ، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
تفسير قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً)
قال تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:18].اشتملت الآية على ذكر النساء أيضاً لحثهن على الصدقة، وكان يكفي أن يقال: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ) ويدخل فيهم النساء، لكن نص على ذكر النساء أيضاً لحاجتهن إلى التصدق، فقد خصهن رسول الله أيضاً بذلك، وبعد أن خطب خطبة العيد اتجه إلى النساء فقال: (يا معشر النساء: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قلن: بم يا رسول الله؟! قال: تكثرن اللعن، وتكفرنّ العشير ...).
 شروط القرض الحسن
والقرض الحسن ضبطه العلماء بضوابط، فقالوا: كي يكون القرض حسناً ينبغي أن تتوافر فيه شروط: منها: أن يكون هذا القرض من كسب طيب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لمثل ذلك؟!!)، وفي مطلع هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فمن شروط القرض الحسن أن يكون من كسب طيب.ومن شروط القرض الحسن: أن يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].ومن شروط القرض الحسن: ألا يتبعه منٌ ولا أذى؛ فإن المنّ والأذى يبطلان الصدقات، قال الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة:264].وأيضاً: ألا يكون مع هذا القرض الحسن هتك ستر ولا فضيحة لمن تُصدق عليه، ولذلك جاءت الأوامر بإخفاء الصدقات، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فللقرض الحسن شروط، وقد فهم هذه الآية الكريمة صنفان من الناس، فصنف فهمها على الوجه اللائق بها، وعلى مراد الله سبحانه وتعالى، وصنف آخر جاهل فهمها على وجه آخر، وهذا الصنف الغبي الجاهل هم اليهود، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد! إن ربك فقير يسألنا الصدقة. وفيهم يقول ربنا سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].والصنف الآخر الذي فهمها على الوجه اللائق بها هم أهل الإيمان، فلما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله تعالى عنه هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وإني أشهدك -يا رسول الله!- أن حائطي -أي: بستان له كان به نخل كثيرة- صدقة لله ورسوله أرجو برها وذخرها عند الله سبحانه. فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله: (ربح البيع أبا الدحداح)، فانطلق هذا الرجل إلى زوجته وأولادهما في البستان، فقال لهم: إني قد أقرضت ربي عز وجل هذا الحائط. فخرجت تجمع عليها ثيابها وتأخذ بين يديها أولادها، مثنية على فعل زوجها، راضية بهذا الفعل، وتركوا الحائط لله ورسوله! فالله سبحانه يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ .والتضعيف قد يصل إلى سبعمائة ضعف، وقد يزيد على السبعمائة ضعف، وقد يكون إلى عشرة أضعاف فقط، فإن الله سبحانه وتعالى قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261]، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من تصدق بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها منه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم)، ولا اعتراض على أفعال الله سبحانه، ولا على رزق الله سبحانه، فقد تتصدق بجنيه واحد، ويتصدق أخ لك بجوارك بجنيه ، وثالث يتصدق بجنيه، لكن ربنا يضاعف لهذا صدقته إلى ملايين، ويضاعف لذاك صدقته إلى سبعمائة، ويضاعف لهذا صدقته إلى عشر أمثالها، وذلك كله مرده إلى الله سبحانه وتعالى، فجدير بمن تصدق أن يطلب من الله سبحانه تضعيف الأجر ومزيد الثواب.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون)
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .في هذه الآية يقال: هل الوقف على قوله تعالى: (الصِّدِّيقُونَ) أم على قوله: وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فهل يقال: إن الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ثم جاء أجرٌ آخر للجميع: فقال تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، أم يقال: إن الوقف عند قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ، وتم المعنى، ثم قال تعالى: وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ، ثم ذكر صنفاً ثالثاً فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .فالوقف كثيراً ما يكون للعلماء فيه وجهان، ولذلك نقول: إن علامات الوقف الموضوعة في المصاحف لا تؤخذ -فقط- من أهل التجويد ومن أهل القراءات، بل أيضاً من علماء التفسير، فعلماء التفسير يستطيعون ضبط المعاني، ومن ثم ضبط علامات الوقف، فأحياناً يكون عالم من علماء القراءات -مثلاً- يفهم الآية على معنىً من المعاني، ويكون في التفسير متسع، فيقول بوضع علامة الوقف على كلمة، ويخالفه آخرون في موضع الوقف لفهمهم الآية على معنى آخر.مثال ذلك: علامة الوقف اللازم عند قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26]، فمن العلماء من يضع فوق قوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ، علامة الميم التي تعني: الوقف اللازم، وهذا ينبني على أن الذي قال: (إني مهاجرٌ إلى ربي)، هو إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ لأنك إذا وصلت فقرأت: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ، فالضمير يرجع إلى أقرب مذكور وهو لوط صلى الله عليه وسلم، فيكون القائل: إني مهاجرٌ إلى ربي، وهو لوط صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء على أن الذي قال: إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ، هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99] ، لكن هذا أيضاً ليس بنافٍ أن يقول لوط عليه الصلاة والسلام: (إني مهاجر إلى ربي)، خاصةً أن لوطاً صلى الله عليه وسلم كان في بلدة ليست له فيها قبيلة، وهذا أحد الأقوال في تفسير قول لوط: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، قال فريق من المفسرين: لم تكن له قبيلة في هذه البلدة؛ فقال هذه المقالة، والله سبحانه وتعالى أعلم.وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ، يقال: هل كل مؤمن بالله ورسله يعد صديقاً من الصديقين، أم أن في هذا الأمر تفصيلاً؟والجواب لاشك أنه لا يقال: إن كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يعد صديقاً من الصديقين. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام وصف بعض أصحابه فقط بالصديقية، فقال عليه الصلاة والسلام لما صعد جبل أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: (اثبت أحد؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء. قالوا: تلك منازل الأنبياء -يا رسول الله- لا يبلغها أحد غيرهم! قال: كلا. والذي نفسي بيده. رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).والمؤمنون في الجنة، لكنهم في درجات دون هذه الدرجات العلى. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، ففيه إشعار بأنه لا يكتب كل شخصٍ صديقاً، إنما الذي يصدق ويتحرى الصدق، يؤول به التحري للصدق إلى أن يكتب عند الله صديقاً، وكذلك قال الله سبحانه: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، فوصفت مريم عليها السلام بالصديقية، فلا يقال يقيناً: إن كل من قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) صديق من الصديقين.فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ؟ قلنا: المعنى: والذين كمل إيمانهم بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم. ويؤيد هذا المعنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، وذكر منهن مريم عليها السلام)، فقد كمل إيمانها فكانت صدّيقة ، وأبو بكر رضي الله عنه لما كمل إيمانه، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام في خبر الإسراء والمعراج بلا تردد وصف بالصديقية.فيقال في قوله تعال: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ أي: الذين كمل إيمانهم بالله ورسله أولئك هم الصديقون.
 أيهما أرفع الصديق أم الشهيد؟
جاء ذكر الشهداء فقال تعالى: وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ، فهل الصدّيق أرفع درجة أم الشهيد؟والظاهر من سياق الآيات أن الصديق دائماً يقدم على الشهيد في الذكر، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، وقال تعالى هنا: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ، وقال عليه الصلاة والسلام: (اثبت أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وقد وصف في القرآن يوسف صلى الله عليه وسلم بالصديقية، وهو نبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد أنه قُتل شهيداً عليه الصلاة والسلام، قال تعالى حكاية عن رسول الملك إلى يوسف: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46]، ووصفت مريم بالصديقية وهي كاملة الإيمان عليها السلام، فأحياناً قد يفوق الشخص الشهداء وهو لم يقتل في سبيل الله، فإذا كان الإيمان في قلبه كبيراً هائلاً فقد يفوق الشهداء في الرتبة. وإن لم يقتل فـأبو بكر رضي الله عنه لم يقتل شهيداً رضي الله عنه، فلم يقتل بضربة سيف ولا بطعنة رمح، ومع ذلك فـأبو بكر -باتفاق أهل السنة- أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل من الصحابة الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرتبة أبي بكر أعلى من مراتبهم، بدليل حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (أبو بكر وعمر سيدا شيوخ أهل الجنة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم) رضي الله تعالى عنهما، وفي الحديث: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله: هذا خير. فإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد)... الحديث، وفيه أن أبا بكر يدعى من تلك الأبواب جميعها.فهذا يفيد أن أعمال البر -سواء أعمال القلوب أو أعمال البدن- قد تدخل الشخص عالي الجنان وإن لم يقتل شهيداً، بل ويفوق مراتب الشهداء، فهذا لا بد أن يوضع في الاعتبار، فلا تأخذ الأحاديث الواردة في فضل الشهيد في سبيل الله وتترك سائر الأحاديث الواردة في أصناف أُخر من الدعاة إلى الخير، ومن القائمين على الأيتام، ومن القائمين على الأرامل، ومن القائمين على مشاريع الخير، ومن العاملين لأعمال البر، فهذه أبواب، (وكلٌ ميسر لما خلق له)، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ . أبهم ذكر أجرهم لعظمته، فلهم أجرهم الذي تكفل به ربنا سبحانه وتعالى. قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ، كأنه قد عقدت صداقة بينهم وبين الجحيم، فقيل عنهم: إنهم أصحاب الجحيم. أي: أصدقاء الجحيم بينهم وبينها صداقة، فهي تتولاهم، وهم نزلاؤها وهم سكانها، وهي مولاهم وبئس المصير. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد.
الأسئلة

 فضيلة العمرة في رمضان
السؤال: ما حكم العمرة في رمضان؟ الجواب: تفاصيل العمرة لا يتسع الوقت لذكرها، لكن ما يصنعه إخواننا المصريون على وجه الخصوص من الذهاب إلى مسجد التنعيم ليأتوا بعمرة أخرى بعد أن يعتمروا عمرتهم التي أهلوا بها من الميقات، وكلٌ يأتي من مسجد التنعيم بعمرة، أو بعمرتين، أو بعشر عمرات عن أمه، أو عن أخته، أو عن خالته.. لم يرد عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي يقول بذلك عليه أن يثبت لنا ذلك بآثار عن الصحابة تفيد ذلك، فما ورد إلا فعل أم المؤمنين عائشة ، وكان لعلة لا تخفى، فإن أم المؤمنين عائشة خرجت حاجة، فلما أهلت بالحج واقتربت من مكة حاضت، فلما حاضت انتظرت، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ، فانتظرت ودخلت عليها أيام الحج، وقد أهلت بعمرة، وقالت في الميقات: (لبيك اللهم لبيك، لبيك عمرة) ومشت، وعلى المعتمرة أن تطوف وأن تسعى، لكنها حاضت، فلما حاضت ونهاها الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطواف حال حيضها لم تطف طواف عمرتها، فدخلت عليها أيام الحج، وجاء يوم التروية فبدأ الناس يهلون بالحج: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك حجاً )، وعائشة رضي الله عنها أهلت بالعمرة، تكن انتهت منها بعد، فإن انتظرت حتى تطهر، فقد لا تطهر إلا بعد يوم عرفة، فيفوتها الحج، فسألت النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا أصنع؟ قال لها عليه الصلاة والسلام: (ارفضي عمرتك)، أي: انقضي عمرتك. وفي رواية أنه قال لها: (أهلي بالحج) ، فرفضت العمرة، أو أقرنت بالحج -أي: أدخلت على عمرتها الحج- فقالت: (لبيك اللهم لبيك، لبيك حجاً) ونقضت العمرة التي لم تنته منها، فذهبت إلى عرفات، ورجعت من عرفات إلى منىً، ورمت الجمار مع المسلمين، وبعد أن طهُرت طافت بالبيت طواف الحج، وبعدها أراد الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن ينصرفوا، فدخل عليها فإذا هي تبكي، فقال: (لم تبكي؟!) .قالت: كل أزواجك يرجعن بحجة وعمرة، وأنا أرجع بحجة يا رسول الله! قال: (اذهب بها يا عبد الرحمن إلى التنعيم فأعمرها من التنعيم)، فذهب بها عبد الرحمن إلى التنعيم، فأعمرها من التنعيم، ولم يرد أن عبد الرحمن نفسه أحرم معها بالعمرة، ولو كان فيه خير لاعتمر معها رسولنا عمرة لنفسه إضافية، فالعمرة مأجور فاعلها، فجاءت عائشة بعمرة أخرى من التنعيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه مكان عمرتك التي نقضتيها) ، فتمسك بهذا بعضهم وقالوا: يشرع أن تعمل عمرة من التنعيم؛ لأن أم المؤمنين فعلت ذلك، ويذهب إخواننا كل يوم -وأنت في المسجد الحرام معتكف- من مكة إلى التنعيم، وبعضهم يأتي في اليوم بخمس أو ست عمرات، أو بعشر عمرات، فبأي دليل هذا؟ ومَن مِنَ الصحابة فعل ذلك؟! وأين الأسانيد إليهم بهذه الأفعال؟! وهل فعلها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أو لم يفعلها؟! والرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع عمرات، فاعتمر عليه الصلاة والسلام عمرة القضية، ويسمونها عمرة القضاء، وهي العمرة التي كانت بعد العمرة التي صد فيها عن المسجد الحرام يوم الحديبية، فصده أهل مكة عند الحديبية، ووقع بينهم الصلح المشهور، واتفقوا أن يأتي من العام القادم بعمرة مكان تلك العمرة التي صد فيها عن المسجد الحرام، وسميت عمرة القضية للمقاضاة التي وقعت بين الرسول وبين أهل الشرك، وسميت عمرة القضاء لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عنها الرسول عليه الصلاة والسلام.والخلاف في هذه التسمية -أي: تسمية عمرة القضية قضاء- ينبني عليه أن يقال: من ذهب إلى عمرة وحيل بينه وبين تمامها، فهل يشرع له أن يعتمر من العام المقبل مكانها، أم لا يشرع؟ فالذين قالوا: سميت بعمرة القضاء لأنها قضاء عن العمرة السابقة. قالوا: يستحب له أن يقضي العمرة التي فاتته.ومن قال من أهل العلم: سميت بعمرة القضية للمقاضاة التي دارت بين رسول الله وبين المشركين قالوا: لا يشرع له القضاء عن التي أحصر عنها، بل يتحلل ولا شيء عليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحديد[2] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net