اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الواقعة [1] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة الواقعة [1] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
يوم القيامة يوم لا شك في مجيئه، وفي ذلك اليوم ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الواقعة ما أعده للصنفين الأولين من نعيم أبدي سرمدي، وما أعده للصنف الثالث من عذاب أليم.
ضعف أحاديث فضل سورة الواقعة
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:نفسر سورة الواقعة، والواقعة المراد بها من الناحية اللغوية: السقطة العظيمة الشديدة، ومنه قولهم: وقع الشيء، وقولهم أيضاً: واقعة الحرة، فالواقعة: هي السقطة الشديدة العظيمة، لكن المراد بالواقعة هنا: القيامة بلا اختلاف على ما علمته بين أهل العلم.سورة الواقعة ورد في فضلها بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل منها مقال، ومن هذه الأحاديث التي وردت في سورة الواقعة: ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لما دخل عليه عثمان في مرض موته فقال له عثمان: ماذا تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قال: وما ترجو؟ قال: أرجو رحمة ربي، قال: ألا نأتي لك بالطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، منعتني منه في صحتي فتعطيه لي عند موتي! قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: إني لا أخشى على بناتي الفاقة بعد الذي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة)، لكن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكذلك ورد حديث في تصحيحه نزاع، إذ في كل طرقه مقال، ألا وهو الحديث المشهور: (شيبتني هود والواقعة ..) إلى آخر الحديث، فقد تكلم فيه بعض العلماء كذلك.
 

تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة. ليست لوقعتها كاذبة)
يقول الله سبحانه وتعالى: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الواقعة:1] : قال بعض أهل العلم: إن المراد: إذا قامت القيامة. وقال آخرون قولاً قريباً من هذا القول إن لم يكن هو نفسه: إن المراد بالواقعة: النفخة. فالقولان متلازمان.لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [الواقعة:2] للعلماء فيها أقوال:أحدها: ليس لوقوعها نفس تكذب هذا الوقوع إذا وقعت، أي: إذا وقعت الواقعة لم يعد هناك منكر ينكر وقوعها، بل الكل أيقن بهذا الوقوع، فليس عند وقعتها نفس مكذبة لهذا الوقوع، فقد انتفت عنهم الشكوك، وزالت عنهم الريب، وأيقن الجميع بوقوع الواقعة.القول آخر: إن المراد بقوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [الواقعة:2] كالمراد بقوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ [المعارج:1-2] أي: ليس له من يدفعه، فكذلك ليس هناك من يدفع وقوع هذه الواقعة، وثم أقوال أخر.خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:3] ، خافضة لأقوام قد ارتفعوا في الدنيا، ورافعة لأقوام قد انخفضوا في هذه الحياة الدنيا، والواقعة لا تخفض ولا ترفع، إنما الذي يخفض ويرفع هو الله سبحانه وتعالى، فهذا مفهوم من السياق، ومفهوم لكل مسلم، لكن لما كان هذا الخفض والرفع يحدث يوم القيامة فنسب إليها، والله يقول: خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:3] ، فكم من رجل مرتفع في هذه الحياة الدنيا يذل ويهان في الآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأخفافهم) ، فكم من ملك وكم من أمير وكم من رئيس وكم من وزير قد ارتفع في هذه الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة كأمثال الذر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكم من طغى عليه بالمال في دنياه يحشر يوم القيامة فقيراً وكم من مكسو في هذه الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة عارياً! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: (لا إله إلا الله من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين؟ يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة!)، أي: كم من نفس مكسوة ومستورة في هذه الحياة الدنيا تتعرى يوم القيامة وتفضح! لخلوها من الثواب، ولخلوها من العمل الصالح، فالآخرة فيها خفض لأقوام ورفع لآخرين، فيحشر هذا المؤذن الذي يزدريه الناس ويحتقرونه أطول الناس عنقاً يوم القيامة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة).قال الله سبحانه وتعالى: إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا [الواقعة:4]، والرج هو: الهز الشديد، فرجت الأرض رجاً، أي: حركت تحريكاً شديداً، وهزت هزاً شديداً، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [الواقعة:5]، أي: فتتت الجبال تفتيتاً، كما قال الله سبحانه: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمل:14]، وكما قال سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107]، فقوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا [الواقعة:5] أي: فتتت الجبال تفتيتاً، هذه الجبال الصلبة الجامدة تدمر وتفتت تفتيتاً من شدة الأهوال.فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:6] (الهباء) قال بعض أهل العلم هو: التراب، وقال آخرون: هو الغبار، وقال غيرهم: هو هذا الغبار المتطاير الذي يرى في شعاع الشمس كالذرات.فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:6] أي: منتشراً متفرقاً.
 

أصناف الناس يوم القيامة
أما أحوال الناس يوم القيامة فينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم تحته أقسام، لكن التقسيم الكلي إلى ثلاثة أقسام: قال سبحانه: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة:7] أي: أصنافاً ثلاثة، أي: وكنتم -يا معشر الإنس والجن- أصنافاً ثلاثة. قال سبحانه: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:8-11]، فهذه هي الأصناف الثلاث، أصحاب الميمنة وهم جمهور وأكثر أهل الجنة، وأصحاب المشأمة وهم أهل النار، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11]، وهم أصحاب المراتب العالية في الجنان، قال سبحانه: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا [الواقعة:7] أي: أصنافاً، فالأزواج تطلق على الأصناف في كثير من الأحيان، وتطلق على الأقران كذلك، وتطلق على الزوجات والأزواج بالاصطلاح المعهود لدينا.فقوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [طه:131] أي: أصنافاً منهم. قال سبحانه: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة:7-8] وهم الذين يتلقفون الكتب بالأيمان.
 

المقربون وما لهم يوم القيامة
قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة:10-12] تأخر السابقون في الذكر عن أصحاب الميمنة وعن أصحاب المشأمة، لكن شرح حالهم وبين حالهم قبل أصحاب الميمنة، وقبل أصحاب المشأمة، فالله سبحانه وتعالى قال: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة:8]، ثم قال: وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [الواقعة:9]، ثم قال: وَالسَّابِقُونَ [الواقعة:10]، وفصل حال السابقين قبل أن يفصل حال أصحاب اليمين، وقبل أن يفصل حال أصحاب الشمال، وهذا مما يسميه علماء البلاغة: اللف والنشر، فاللف والنشر فحواه: أن الذي يلف آخراً عند فرده، ينشر أولاً، كأنك أتيت بشريط تلفه، فالذي لف في آخره، إذا أردت أن تفرده يخرج أولاً، وكمثال حسن له قوله تعالى في سورة آل عمران: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ [آل عمران:106] فذكر أهل الوجوه السود بعد أهل الوجوه البيض، ثم لما ذكر الجزاء قدم أهل الوجوه السود في الذكر على قاعدة اللف والنشر كما هنا.قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] السابقون قطعاً هم السابقون بالخيرات والدرجات، والسابقون إلى الإيمان، والتصديق، فلأهل السبق في الخيرات دائماً فضل، ولذا يراعى تقدير أهل السبق في الإسلام، فمن طال عمره في طاعة الله واتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لابد أن يحفظ له هذا القدر، ولا يسفه ولا يزدرى ولا ينتقص، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] فالذين أنفقوا قبل الفتح لابد وأن يحفظ لهم هذا الإنفاق، إذ أنهم أنفقوا في وقت شدة، فإسلامهم متقدم، وإنفاقهم نافع في حينه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـخالد لما كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فقال له خالد : أتعيرونا بأيام سبقتمونا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبلغت هذه المقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لـخالد : (لا تسبوا أصحابي -مع أن خالداً رضي الله عنه من الصحابة لكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أسبق- قال: لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة).ومن هذا الباب أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأنصار: (إن الأنصار قد أدوا ما عليهم، وبقي الذي لهم، فمن ولي منكم أمراً فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم) وفي رواية: (فليكرم كريمهم، وليتجاوز عن مسيئهم)، فأهل السبق لهم فضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فذكر الحديث وفيه: (فأقدمهم هجرة)، فجعل لقدم الهجرة قدر.وعلى ذلك فلتكن تعاملاتنا مع الناس، يوقر ويقدر من له سابقة في الخير، ومن شاب شيبة في الإسلام لا يزدرى ولا ينتقص، قال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10]، وهذا حث على الامتثال السريع لأمر الله ولأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقع تحت قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169].قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11] وهم في أعلى الدرجات وأعلى المراتب فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ [الواقعة:12-13]، الثلة المراد بها: الجماعة. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14].
 

تفسير قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)
من المراد بالأولين والآخرين؟ قال فريق من أهل العلم: إن المراد بالأولين: الأمم التي تقدمت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن المراد بالآخرين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأيد هذا القائل مقالته بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وهذا القول تقلده بعض أهل العلم، واحتجوا له أيضاً ببعض الاحتجاجات مثل: الأوائل كانوا يصلبون على الخشب، وينشرون بالمناشير، ويوضع المنشار فوق رأس أحدهم فيشق نصفين، ولا يتزحزح عن دينه، وتخد لهم الأخاديد ويقذفون في النار، ولا يتزحزحون عن دينهم، لكن هذا قول مرجوح. والراجح قول من قال من أهل التفسير: إن قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ [الواقعة:13] أي: من الأولين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي: من صدر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14] أي: من متأخري أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة)، قال ذلك لأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وهذه الآية فسرت عند كثير من أهل العلم بآية فاطر التي هي: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، فالطوائف الثلاث داخلة في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32]، والذين اصطفاهم الله من العباد هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الأولى وهو الأقوى، فيقال: إن قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ [الواقعة:13] أي: من أوائل هذه الأمة الذين آمنوا بالله وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.فعلى ذلك: تظهر هذه الآية فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سمعتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم... ثم يفشو الكذب)، وأما حديث: (مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره)، فليس بثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك حديث: (المتمسك بما أنتم عليه له أجر خمسين منكم...) إلى آخره؛ فهذا أيضاً الراجح ضعفه وعدم ثبوته عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ [الواقعة:13] أي: جماعة من صدر هذه الأمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم الذين آمنوا به وصدقوه، فإنفاقهم خير إنفاق، وجهادهم خير جهاد، وثباتهم خير ثبات؛ فمن جاء من بعدهم فالفضل لله ثم لهم في وصول الدين إلينا.وقد ناقش بعض أهل العلم مسألة تبين هذا المعنى، فلما قارنوا بين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ورحمه الله ومعاوية رضي الله عنه، كان التقرير: أن مشهداً شهده معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من مائة مثل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه الله. وكذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قالوا في ترجمته: اجتمعت فيه خصال الخير، فكان يحج عاماً، ويجاهد عاماً، وختموا الترجمة النيرة له بقولهم: ولم يسبقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا برؤيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس من جاهد مع الرسول كمن جاهد بعد رسول الله؛ بدليل الآية الكريمة: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10]، ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن البدريين: (يا عمر ! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم!).
 غربة الدين آخر الزمان
قال الله سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:10-14] هذا فيه بيان لانصراف الناس عن الدين في آخر الزمان، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)، فبسبب بعد العهد عن الرسالات ينسى الناس كثيراً مما ذكروا به، كما قال الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد:16] أي: طال عليهم الأمد بينهم وبين الرسل الذين كانوا يذكرونهم، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون.فبالبعد عن أزمنة الخير ينسي الناس كثيراً مما ذكروا به، فكما قال القائل: تزينت الدنيا لخطابها، فنسي الناس كثيراً مما ذكروا به، وانغمسوا في ملذاتها وشهواتها، فقل منهم الصابرون على تعاليم الدين، وقل منهم الصابرون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبحوا موضع اتهام لاتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فطعن فيهم الطاعنون، وأرجف وضحك منهم المرجفون، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:29-32]، فلم يصبر كثير من الناس على ازدراء أهل الغفلة، ولم يصبر كثير من الناس على ظلم أهل الظلم والعدوان، فنكصوا على أعقابهم، ورجعوا تاركين وراءهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وتاركين لكتاب ربهم، فقل أهل الفضل وأهل الخير، وقل أهل الثبات والصلاح في الأمم المتأخرة وأصبحوا غرباء.فلذلك قال سبحانه وتعالى في شأن المقربين: وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14] أي: قلة قليلة من الأمم التي بعد عهدها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخرت أزمانها عن أزمنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم قال سبحانه في بيان ما أعد الله لهؤلاء المقربين عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15] أي: منسوجة، قال العلماء: منسوجة بالذهب مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا [الواقعة:16] وتقدم تفسير الاتكاء. وفي قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أدب من آداب المجالسة، فإذا جالست قوماً أو تخاطبت مع قوم فأقبل عليهم بوجهك، وأصغ إليهم بسمعك، لا تقابلهم وأنت ثاني العطف كما قال تعالى: ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، ولا وأنت مصعر لخدك كما حذر لقمان ولده من ذلك وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18]، فكل هذه من المقابلات المذمومة، ولكن فصل الخطاب مع الناس وحسن اللقاء معهم يستلزم منك أن تقبل عليهم بوجهك، وأن تصغي لهم بسمعك، فالله يصف أهل الجنة بقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أي: بعضهم يقابل بعضاً، وبعضهم يقبل بوجهه على بعض.
تفسير قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون..)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الواقعة:17]، وصف الولدان بأنهم مخلدون لبيان أن الهرم والشيب لا يتسرب إليهم كأهل الدنيا، فأهل الدنيا قال الله في شأنهم: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54]، فترى الولد من أهل الدنيا وسيماً، ثم ما هي إلا سنون تمر عليه حتى يبدأ في الضعف والانهيار، ثم بعد ذلك في الانحناء كما قال الشاعر:يسر الفتى طول السلامة والبقافكيف ترى طول السلامة يفعليرد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا ما رام القيام ويحملأما غلمان الجنة وخدمها الذين يطوفون على أهلها فهم مخلدون في سن واحدة، لا يكبرون ولا يشبون ولا يهرمون.يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة:17-18]، الأكواب هي التي لا عرى لها، أي: لا أيدي لها، والأباريق هي التي لها الأيدي وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة:18] قال بعض أهل العلم: هي الخمر الصافية، ومن العلماء من قال: إن الكأس لا يطلق عليها كأس إلا إذا كانت مليئة بالشراب، أما إذا كانت فارغة فلا يطلق عليها كأس، وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا [الواقعة:18-19] أي: لا يصابون بالصداع من جراء تناولها، وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19] أي: ولا تذهب بعقولهم كما تفعل خمر الدنيا.وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:20] قال بعض أهل العلم: يستدل بذلك على أن الشخص له أن يتخير من أنواع الفاكهة التي تقدم له في الدنيا، فإن الله أجاز ذلك في الآخرة، ولعل المعنى يتضح بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فقول صلوات الله وسلامه عليه: (وكل مما يليك) له فقه بلا شك، أي: إذا لم تتعدد الأصناف فلا تأكل إلا مما يليك، وأما إذا تعددت الأصناف فلك أن تمد يدك إلى صنف بعيد، وقد ورد بذلك حديث فيه ضعف، وآخر ثابت صحيح:أما الذي فيه ضعف وكلام فهو حديث: (أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: عكراش ، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثريداً، فكان يمد يده من بعيد، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عكراش ! كل مما يليك فإنه طعام واحد، ثم أتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برطب وبتمر، فقال له: يا عكراش ! كل حيث شئت، فقد تعددت الأصناف)، لكنه حديث فيه ضعف.أما الثابت الصحيح فهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمت إليه قصعة طعام وفيه الدباء، فكان يتتبع الدباء من أطراف القصعة صلى الله عليه وسلم)؛ فعلى ذلك إذا كان على المائدة عدة أصناف، وصنف منها مرغوب لديك، وهو ليس أمامك، فلك أن تمد يديك إلى البعيد، وتأتي بالصنف الذي تشتهيه، أما إذا تساوت الأطعمة وكان الطعام واحداً فكل مما يليك كما أدبنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك إذا قدمت إليك أنواع من الفواكه، وكان هناك صنف منها بعيد عنك، فلك أن تتخير منها ما شئت كما قال تعالى: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة:20].وقوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21]، فيه أن الطير جائز، ومرغوب فيه في الدنيا وفي الآخرة، وقد تقذر رجل من أكل الدجاج، ولكن رد عليه هذا الاستقذار أبو موسى رضي الله تعالى عنه، وكان يأكل دجاجاً رضي الله تعالى عنه، أما الجلالة فلها أحكامها، وقد تقدم شيء من أحكامها.وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21] تقدم أن بعض أهل العلم يقول: قدم ذكر الفاكهة على اللحم، فيؤخذ أن صاحب البيت يقدم الفاكهة قبل تقديم الطعام؛ لأن الله قدمها في الذكر بقوله: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21]، وهذا من الناحية الشرعية فيه نظر، فإن الواو لا تقتضي الترتيب في كل الأحوال؛ بل قد تقتضي مطلق التشريك، كأن تقول: جاء زيد وعمرو، ولا تعني أن زيداً جاء أولاً ثم تبعه عمرو، فقد تعني أنهما أتيا معاً، فكذلك قوله تعالى: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21] لا يقتضي أن الفاكهة تقدم أولاً، ثم على إثرها لحم الطير، إلا أن بعض المشتغلين بالطب يقرر أن استفادة الجسم من الفاكهة قبل الطعام أسرع من استفادته منها إذا قدمت بعد الطعام، فالله سبحانه وتعالى أعلم بذلك، والأمر مباح ما دمت تقصد إكرام الضيف، إلا إذا قصدت بخلاً كما يفعل البعض، إذ يملئون الأجواف بالماء والتمر حتى إذا أتى الطعام تقلل الضيوف من أكلهم، فلك نيتك، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38] والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).وقوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:22-23] تقدم الكلام على ذلك، وذكرنا أن المكنون هو: المحفوظ الذي لم تمسه الأيدي. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24].أفادت الآية الكريمة أن هذا النعيم المذكور جزاءً بما كانوا يعملون، فكيف يجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحدكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)؟ جمع بعض أهل العلم بين هذا الحديث الأخير وبين تلك الآية بأوجه من الجمع منها: أن دخول الجنة أولاً يكون برحمة الله سبحانه وبفضل الله سبحانه، ثم الترقي في الدرجات يكون بناءً على الأعمال كما قال تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].
 غربة الدين آخر الزمان
قال الله سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:10-14] هذا فيه بيان لانصراف الناس عن الدين في آخر الزمان، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)، فبسبب بعد العهد عن الرسالات ينسى الناس كثيراً مما ذكروا به، كما قال الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد:16] أي: طال عليهم الأمد بينهم وبين الرسل الذين كانوا يذكرونهم، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون.فبالبعد عن أزمنة الخير ينسي الناس كثيراً مما ذكروا به، فكما قال القائل: تزينت الدنيا لخطابها، فنسي الناس كثيراً مما ذكروا به، وانغمسوا في ملذاتها وشهواتها، فقل منهم الصابرون على تعاليم الدين، وقل منهم الصابرون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبحوا موضع اتهام لاتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فطعن فيهم الطاعنون، وأرجف وضحك منهم المرجفون، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:29-32]، فلم يصبر كثير من الناس على ازدراء أهل الغفلة، ولم يصبر كثير من الناس على ظلم أهل الظلم والعدوان، فنكصوا على أعقابهم، ورجعوا تاركين وراءهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وتاركين لكتاب ربهم، فقل أهل الفضل وأهل الخير، وقل أهل الثبات والصلاح في الأمم المتأخرة وأصبحوا غرباء.فلذلك قال سبحانه وتعالى في شأن المقربين: وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14] أي: قلة قليلة من الأمم التي بعد عهدها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخرت أزمانها عن أزمنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم قال سبحانه في بيان ما أعد الله لهؤلاء المقربين عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15] أي: منسوجة، قال العلماء: منسوجة بالذهب مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا [الواقعة:16] وتقدم تفسير الاتكاء. وفي قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أدب من آداب المجالسة، فإذا جالست قوماً أو تخاطبت مع قوم فأقبل عليهم بوجهك، وأصغ إليهم بسمعك، لا تقابلهم وأنت ثاني العطف كما قال تعالى: ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، ولا وأنت مصعر لخدك كما حذر لقمان ولده من ذلك وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18]، فكل هذه من المقابلات المذمومة، ولكن فصل الخطاب مع الناس وحسن اللقاء معهم يستلزم منك أن تقبل عليهم بوجهك، وأن تصغي لهم بسمعك، فالله يصف أهل الجنة بقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أي: بعضهم يقابل بعضاً، وبعضهم يقبل بوجهه على بعض.
أصحاب اليمين وما أعده الله لهم
ثم قال سبحانه: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ [الواقعة:27] تعظيماً لشأنهم، وهم الدرجة الثانية من أهل الجنة الذين يعبر عنهم في بعض المواطن بالأبرار، كما قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:5-6] فالأبرار هنا هم أصحاب اليمين، وعباد الله الذين ذكروا في قوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6] هم المقربون.فأهل اليمين فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [الواقعة:28]، وقد تقدم أن بعض الأعراب ذكر لبعض السلف الصالح رحمهم الله هذه الآية وقال: كل ما في القرآن حسن، لكني أقرأ آية فيها عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14]، والسدر شجر ذو شوك وهو مؤذٍ، فقال له العالم رحمه الله تعالى: ألم تقرأ قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [الواقعة:28]؟ فالمخضود الذي أزيل شوكه، أي: الذي أبعد شوكه. فلما أبعد منه الشوك ما بقي منه إلا الحسن، كما تقدم في تأويل قوله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14] أي: شجرة السدرة التي تغشاها من أمر الله ما تغشاها، فأصبحت لا تكاد توصف، بل لا توصف مما حل بها من البهاء والحسن والجمال.قال الله سبحانه وتعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الواقعة:29]، والطلح -على رأي الأكثرين- الموز، أما المنضود فمعناه: المتراكب بعضه فوق بعض، ومنه قوله تعالى: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] أي: متراكب بعضه فوق بعض، فالطلح المنضود هو الموز، إذ يكون بعضه مركباً فوق البعض الآخر كما هو معلوم ومشاهد.قال تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:30]، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)، قال أبو هريرة ، وفي بعض الروايات أن القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واقرءوا إن شئتم: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:30]) فالظل الممدود هو الظل الطويل كما بينه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة:31-33].يقول الله سبحانه: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة:34] من العلماء من قال: إن المراد بالفرش السرر كما فسرتها الآية الأخرى فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية:13]، وقد يكون المقصود أنها مرفوعة المكان والقدر، ومن ذلك يستفاد أنه يجوز في الدنيا أن تنام على سرر مرفوعة، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سرير ينام عليه صلى الله عليه وسلم.وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:34-35] يقيناً أنها لا ترجع إلى الفرش لقوله تعالى: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:36]، فقوله تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35] أي: خلقناهن خلقاً جميلاً، وهو راجع إلى شيء محذوف مفهوم من السياق، إذ يستحيل أن يرجع إلى ما قبله؛ لأن الله قال: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:35-36]، إلا أن قائلاً قال: إن المراد: من ينام على الفرش، لكن الأولى والأوجه أن يقال: إن قوله تعالى: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35] أي: خلقناهن خلقاً جميلاً ووسيماً وفيه كل صفات الحسن عائد على شيء محذوف مفهوم من السياق.وهذا يتكرر كثيراً جداً في كتاب الله، وقد ضربت له أمثلة: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32] أي: حتى توارت الشمس بالحجاب، فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة:83]، فالتي بلغت الحلقوم هي الروح، وقد فهمت من السياق، وكذلك هنا إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً [الواقعة:35]، فبعد أن كن نساء الدنيا عجائز، وكن عمشاً ورمقاً -كما قال العلماء- ردهن الله سبحانه وتعالى رداً جميلاً وخلقهن خلقاً حسناً، فقال: فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا [الواقعة:36] أي: رددن إلى البكارة مرة ثانية، عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37]، والعرب من النساء هن المتحببات إلى الأزواج، وهن النساء اللواتي أحببن أزواجهن، وتلطفن مع أزواجهن بالمقال وبالأسلوب والعبارات، وهن المتغنجات للأزواج كما قال العلماء.وهذا كله يستحب في زوجة الدنيا، أي: يستحب أن تتحبب إلى زوجها، وتتعمد ذلك بالكلام الطيب الهادئ المريح، بل يشرع لها أن تبالغ في ذلك بل وأن تكذب في ذلك كي يقبل عليها زوجها ويحبها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص في كذب المرأة على زوجها، ومحل هذا أن تظهر له عظيم محبتها وودها له.عُرُبًا [الواقعة:37] أي: متحببات إلى الأزواج أَتْرَابًا [الواقعة:37] في سن واحدة، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:38].
 غربة الدين آخر الزمان
قال الله سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:10-14] هذا فيه بيان لانصراف الناس عن الدين في آخر الزمان، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)، فبسبب بعد العهد عن الرسالات ينسى الناس كثيراً مما ذكروا به، كما قال الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ [الحديد:16] أي: طال عليهم الأمد بينهم وبين الرسل الذين كانوا يذكرونهم، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون.فبالبعد عن أزمنة الخير ينسي الناس كثيراً مما ذكروا به، فكما قال القائل: تزينت الدنيا لخطابها، فنسي الناس كثيراً مما ذكروا به، وانغمسوا في ملذاتها وشهواتها، فقل منهم الصابرون على تعاليم الدين، وقل منهم الصابرون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبحوا موضع اتهام لاتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فطعن فيهم الطاعنون، وأرجف وضحك منهم المرجفون، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:29-32]، فلم يصبر كثير من الناس على ازدراء أهل الغفلة، ولم يصبر كثير من الناس على ظلم أهل الظلم والعدوان، فنكصوا على أعقابهم، ورجعوا تاركين وراءهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وتاركين لكتاب ربهم، فقل أهل الفضل وأهل الخير، وقل أهل الثبات والصلاح في الأمم المتأخرة وأصبحوا غرباء.فلذلك قال سبحانه وتعالى في شأن المقربين: وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14] أي: قلة قليلة من الأمم التي بعد عهدها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأخرت أزمانها عن أزمنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم قال سبحانه في بيان ما أعد الله لهؤلاء المقربين عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15] أي: منسوجة، قال العلماء: منسوجة بالذهب مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا [الواقعة:16] وتقدم تفسير الاتكاء. وفي قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أدب من آداب المجالسة، فإذا جالست قوماً أو تخاطبت مع قوم فأقبل عليهم بوجهك، وأصغ إليهم بسمعك، لا تقابلهم وأنت ثاني العطف كما قال تعالى: ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، ولا وأنت مصعر لخدك كما حذر لقمان ولده من ذلك وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18]، فكل هذه من المقابلات المذمومة، ولكن فصل الخطاب مع الناس وحسن اللقاء معهم يستلزم منك أن تقبل عليهم بوجهك، وأن تصغي لهم بسمعك، فالله يصف أهل الجنة بقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ [الواقعة:16] أي: بعضهم يقابل بعضاً، وبعضهم يقبل بوجهه على بعض.
حوار مع أحد الطلاب
ونطرح الآن الأسئلة والنقاش في مسائل تفتح الأذهان بإذن الله.
 جواز رفع القبور للضرورة
الشيخ: ما رأيك في المقابر المرتفعة التي يدفن فيها الناس الآن، هل هي على السنة أم أنها تخالف السنة؟ الطالب: غير شرعية.الشيخ: ماذا نصنع كي تكون شرعية؟الطالب: لا نرفعها.الشيخ: عندما حفرنا في الأرض متراً خرج من الأرض ماء فهل نحفر أيضاً أم ماذا؟ يعني: شخص بلدته لا يرشح الماء فيها، وكل المقابر في البلدة عالية، ولا يسمح له بحفر قبر جديد، فاشترى أرضاً، وحفر خمسة قبور في هذه الأرض، فأصبحت مقابره فقط هي الدفينة في الأرض، فجاء الأطفال ولعبوا فوقها، وجاء الناس ومشوا من فوقها، فهم لا يعرفون أنها مقابر، فصارت لا توقر، والكلاب تقبل وتدبر عليها، فهل يتركها هكذا أم يرفعها؟الطالب: تترك كما هي ولا يرفعها.الشيخ: تقول: الأفضل أن تترك، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، فتحرق جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر). لكن ما مناط الحكم في المسألة؟ فالمشكلة في انخفاضه وليس في ارتفاعه، فماذا يصنع؟الطالب : يتركها منخفضةالشيخ: الأطفال يلعبون عليها، والناس يمشون فوقها!الطالب: يرفع قليلاً.الشيخ: الرفع للضرورة فقط يجوز، وإلا فرفع القبور محرم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته).
الأسئلة

  من أمثلة الطلاق البدعي
السؤال: هل هناك طلاق بدعي وطلاق سني؟الجواب: نعم الطلاق البدعي المخالف للسنة، والسنة هي ألا تخالف سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيذكرون من الطلاق البدعي: طلاق المرأة في طهر جامعها فيه، أو طلاق المرأة وهي حائض، أو طلاق الثلاثة مجتمعة في مجلس واحد، فهذه كلها من صور الطلاق البدعي التي لا توافق سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.والطلاق البدعي منه طلاق يقع، وطلاق لا يقع، فطلاق الرجل لامرأته في طهر جامعها فيه يقعد عند جماهير السلف والخلف، وطلاق الحائض لا يقع عند بعض العلماء مع مخالفة بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم، لكن جماهير السلف والخلف على أن طلاق الحائض يقع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الواقعة [1] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net