اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الرحمن [3] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة الرحمن [3] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد أعد الله سبحانه وتعالى لمن خاف مقام ربه جنتين ذاوتي أغصان، فيهما عينان تجريان، ويتخلل هاتين الجنتين أنواع كثيرة لا تحصى من الفواكه، وليس هذا فحسب؛ بل إنهم يتنعمون بالحور العين على الفرش التي بطائنها من إستبرق، ولقد وصف الله الحور العين بالياقوت والمرجان في الحسن والجمال.وهناك جنتان أدنى من الأوليين أعدهما الله لعباده المؤمنين.وختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة بأنه هو الذي تبارك وتقدس ذو الجلال والإكرام، تكرم على عباده بهذه الجنان وما فيها، فما على المؤمن إلا أن يجد ويجتهد؛ حتى يكون من أهلها.
تفسير قوله تعالى: (ذواتا أفنان)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:فيقول الله سبحانه: ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن:48]، الأفنان: هي الأغصان الدقيقة.وهل الجنتان ذواتا أفنان، أو أن هنا شيء مقدر محذوف؟من العلماء من يقدر فيقول: أشجارهما ذواتا أفنان.ومن العلماء من يقول: إن الجنة هي في الأصل الشجر المجتمع فلا حاجة إلى تقدير، فأصل معنى الجنة:الشجر المتشابك الملتف المجتمع الذي يجن من دخل فيه، ومعنى يجن من دخل فيه: أي: يغطي على من دخل فيه، وهذا من معاني الجنة، ولهذا أطلق على الجن جناً لاستتارهم واختفائهم، وأطلق على المجنون مجنوناً وللتغطية التي على عقله.إذاً: من العلماء من قال: إن الجنة هي الشجر الكثير الملتف المجتمع، الذي من كثرته يغطى على من دخل فيه، فلا حاجة إلى تقدير على هذا المعنى، ومن قال: أشجارهما ذواتا أفنان فمعناه صحيح أيضاً.
 

تفسير قوله تعالى: (فيهما عينان تجريان ...)
قال سبحانه: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:49-52] أي: صنفان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن:44-54] والإستبرق نوع من الديباج أو الحرير كما قال بعض أهل العلم.قال فريق من العلماء: عبر بالباطن ليدل على حسن الظاهر، فإذا كان الباطن من إستبرق فالظاهر أفضل منه بلا شك، فمن الناس مثلاً عندما ينجدون مرتبة يدخلون في داخل المرتبة أي شيء قطن أو حشو أو إسفنج أو أي شيء، لكنهم يهتمون بالمظهر الخارجي.فإذا كان الباطن من إستبرق فما بالك بالظاهر كما قال كثير من أهل العلم؟ فيعبر بالأدنى للدلالة على الأعلى كما قال سبحانه: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133] فإذا كان عرضها السماوات الأرض فما بالك بطولها؟ العرض يكون أدنى من الطول وأقصر.فالله يقول: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:54] (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) أي: ثمر الجنتين متدلٍ.
 

تفسير قوله تعالى: (فيهن قاصرات الطرف)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:55-56] وقاصرات الطرف: النساء اللواتي غضضن أبصارهن إلا على الأزواج، وقصرن طرفهن فلا ينظرن إلا إلى الأزواج، وهذا أدب ينبغي أن يتوافر في نساء الدنيا.
 الرد على شبهة أن بإمكان الجني افتضاض بكارة الإنسية
قوله: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) أي: لم يفتضهن إنس قبلهم ولا جان، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:57].لقد أثيرت هنا مسألة وفي الحقيقة لا معنى لإثارتها، لكنها قد ذكرت ونذكرها عرضاً على وجه السرعة، ألا وهي مسألة: هل الجني يفتض إنسية؟ وهل يمكن أو يتصور أن جنياً يفتض إنسية ويفض بكارتها ويعتدي عليها أو أن هذا لا يتصور؟!في الحقيقة أن مثل هذه المسائل التي يفترض أن تكون موجودة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ الجن كانوا موجودين على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنساء والفتيات كن موجودات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل في أية حالة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع شيئاً من هذا ولا أفتى فيه صلوات الله وسلامه عليه.يعني: لم يرد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً أن امرأة افتضها جني، وما ورد ذلك بحال من الأحوال، ولا سقط الحد أبداً عن امرأة اتهمت بأنها زنت وقالت: إن حملي من جني، أو إن افتضاضي من جني، ولا تسقط الحدود بمثل هذه الأقوال.فغاية ما ورد في هذا الباب بما قد يستأنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة التي تحيض ولا تطهر ويستمر دمها ويستمر نزيفها، قال: (ذاك ركضة من ركضات الشيطان) لكن إسناد هذا الخبر من طريق راوٍ يقال له: عبد الله بن محمد بن عقيل ، والراجح عند أكثر العلماء أنه ضعيف الحديث.فعلى ذلك لا يثبت في افتضاض الجني للإنسية في الدنيا أي شيء، ومن ثم مسألة زواج الإنسي بالجنية أو الجني بالإنسية فكل هذا لم يثبت فيه خبر أبداً.أما الوارد عن سليمان عليه السلام، أو عن ملكة سبأ التي أطلقوا عليها بلقيس ، وأن أباها كان من الجن وأمها من الإنس أو عكس ذلك، فكل ذلك لا يثبت بحال من الأحوال، وليس له دليل من الأثر الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا أعلم ذلك أيضاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالذين قالوا بجواز تزوج الإنسي بالجنية منهم من يحتج بهذه الآية فيقول: المفهوم المخالف يفيد أن الجني قد يطمث، لكن عدم ورود شيء من ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلنا نمنع، بل ولا نثيره، لكن شاء الله أن يثار.
تفسير قوله تعالى: (كأنهن الياقوت والمرجان...)
ثم قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:57-58] أي: في الحسن والبهاء.
 أصل ودليل الجزاء من جنس العمل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:59-60] هذه الآية أصل في أن الجزاء من جنس العمل، وأن المحسن يجازى بالإحسان، وفي المقابل المسيء يجازى بإساءته، هذا الأصل وهذا التقعيد.وقد قال ذو القرنين لما قال الله سبحانه وتعالى له: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:86-88].فهذا هو الأصل والتقعيد: أن المحسن يجازى لإحسانه، وأن المسيء يجازى على إساءته، إلا أنه أحياناً تتدخل قرائن فتجعل العقوبة مثلاً تتضاعف، أو قرائن تجعل العقوبة تخف بل قد تزال أحياناً، ولهذا عشرات الأدلة بل تكاد تصل إلى مئات الأدلة ألا وهي: مسألة تضعيف العقوبات، أو تخفيف العقوبات، أو تضعيف الثواب أو الجزاء فقط على قدر العمل.وهذه مسألة قد يفهمها شخص على غير وجهها، وإن كان دخولنا إليها عرضاً في التفسير، فمثلاً: رجل يبيع ويشتري، فجاءه شخصان فباع لأحدهما السلعة بعشرة، وفي نفس الوقت باب من الآخر بخمسة.فقد يتوهم البعض أن هذا خطأ، ولكنه صواب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولك أن تبيع بما شئت، فالله يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] فالإكراميات قد تختلف، والعقوبات قد تختلف.وقد سبق أننا بينَّا: أن الزنا حرام بالاتفاق والإجماع، ولكن صدور الزنا من شيخ كبير السن أشد جرماً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر)، والزنا محرم لكنَّ الزنا بحليلة الجار أشد تحريماً، والزاني يجلد مائة جلدة، لكن إذا كانت الزانية أمة فإنه يخفف عنها العقوبة، وهكذا سائر الأمور والأحوال، فقد تزيد العقوبات وقد تخف، وقد يزيد الإحسان وقد يخف، وقد تزيد المكافآت وقد تقل.وعلى كل من ولّاه الله سبحانه وتعالى عملاً أن ينظر فيمن تحت يديه بهذا المنظار، فإن الله سبحانه وتعالى كما أفادنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لما عمل اليهود من الصباح إلى الظهر وأعطاهم الله أجرهم، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر وأعطاهم الله أجرهم، وجاءت أمة محمد فعملت من العصر إلى المغرب وتضاعف لها الأجر، فاحتج اليهود والنصارى: يا رب! عَمَلُنَا أكثر وأَجْرُنَا أقل، قال الله لهم: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .فمن كان على عمل له أن يكافئ وله أن يعاقب على قدر مصلحة العمل، وعلى قدر الأسباب المترتبة من هذا العمل.لكن القاعدة الكلية التي تحكم هي قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [غافر:58]، فالآية أفادت: أن الجزاء من جنس العمل.ومن الأحاديث الدالة على أن الجزاء من جنس العمل: قوله عليه الصلاة والسلام: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، وقوله: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وقوله: (المستكبرون في الدنيا يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأخفافهم) كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان)
قال تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن:61-62] أي: أقل من الجنتين الأوليين، هما جنتان أدنى منهما منزلة، فالجنتان الأوليان أعدت للمقربين: والجنتان الأخريان هذه أعدت لأصحاب اليمين، فالناس على ثلاثة أقسام كما سيأتي في سورة الواقعة: وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً [الواقعة:7].فجنتان هنا للمقربين: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن:62] لأصحاب اليمين، والدون: هو الأقل، كقوله: فلان دون فلان. أي: أقل من فلان.
 أصل ودليل الجزاء من جنس العمل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:59-60] هذه الآية أصل في أن الجزاء من جنس العمل، وأن المحسن يجازى بالإحسان، وفي المقابل المسيء يجازى بإساءته، هذا الأصل وهذا التقعيد.وقد قال ذو القرنين لما قال الله سبحانه وتعالى له: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:86-88].فهذا هو الأصل والتقعيد: أن المحسن يجازى لإحسانه، وأن المسيء يجازى على إساءته، إلا أنه أحياناً تتدخل قرائن فتجعل العقوبة مثلاً تتضاعف، أو قرائن تجعل العقوبة تخف بل قد تزال أحياناً، ولهذا عشرات الأدلة بل تكاد تصل إلى مئات الأدلة ألا وهي: مسألة تضعيف العقوبات، أو تخفيف العقوبات، أو تضعيف الثواب أو الجزاء فقط على قدر العمل.وهذه مسألة قد يفهمها شخص على غير وجهها، وإن كان دخولنا إليها عرضاً في التفسير، فمثلاً: رجل يبيع ويشتري، فجاءه شخصان فباع لأحدهما السلعة بعشرة، وفي نفس الوقت باب من الآخر بخمسة.فقد يتوهم البعض أن هذا خطأ، ولكنه صواب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولك أن تبيع بما شئت، فالله يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] فالإكراميات قد تختلف، والعقوبات قد تختلف.وقد سبق أننا بينَّا: أن الزنا حرام بالاتفاق والإجماع، ولكن صدور الزنا من شيخ كبير السن أشد جرماً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر)، والزنا محرم لكنَّ الزنا بحليلة الجار أشد تحريماً، والزاني يجلد مائة جلدة، لكن إذا كانت الزانية أمة فإنه يخفف عنها العقوبة، وهكذا سائر الأمور والأحوال، فقد تزيد العقوبات وقد تخف، وقد يزيد الإحسان وقد يخف، وقد تزيد المكافآت وقد تقل.وعلى كل من ولّاه الله سبحانه وتعالى عملاً أن ينظر فيمن تحت يديه بهذا المنظار، فإن الله سبحانه وتعالى كما أفادنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لما عمل اليهود من الصباح إلى الظهر وأعطاهم الله أجرهم، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر وأعطاهم الله أجرهم، وجاءت أمة محمد فعملت من العصر إلى المغرب وتضاعف لها الأجر، فاحتج اليهود والنصارى: يا رب! عَمَلُنَا أكثر وأَجْرُنَا أقل، قال الله لهم: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .فمن كان على عمل له أن يكافئ وله أن يعاقب على قدر مصلحة العمل، وعلى قدر الأسباب المترتبة من هذا العمل.لكن القاعدة الكلية التي تحكم هي قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [غافر:58]، فالآية أفادت: أن الجزاء من جنس العمل.ومن الأحاديث الدالة على أن الجزاء من جنس العمل: قوله عليه الصلاة والسلام: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، وقوله: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وقوله: (المستكبرون في الدنيا يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأخفافهم) كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (مدهامتان)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:63-64]، قال العلماء: أي: خضراوان، ومن المفسرين من قال: سوداوان، وجمع بعض العلماء فقالوا: قد اجتمع فيهما الخضار مع السواد، فالأشجار حينما تروى وتشبع من الماء، فاخضرارها من شدته يميل شيئاً ما إلى السواد، وذلك من شدة الري الذي أصابها، فهذا المعنى والله أعلم.
 أصل ودليل الجزاء من جنس العمل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:59-60] هذه الآية أصل في أن الجزاء من جنس العمل، وأن المحسن يجازى بالإحسان، وفي المقابل المسيء يجازى بإساءته، هذا الأصل وهذا التقعيد.وقد قال ذو القرنين لما قال الله سبحانه وتعالى له: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:86-88].فهذا هو الأصل والتقعيد: أن المحسن يجازى لإحسانه، وأن المسيء يجازى على إساءته، إلا أنه أحياناً تتدخل قرائن فتجعل العقوبة مثلاً تتضاعف، أو قرائن تجعل العقوبة تخف بل قد تزال أحياناً، ولهذا عشرات الأدلة بل تكاد تصل إلى مئات الأدلة ألا وهي: مسألة تضعيف العقوبات، أو تخفيف العقوبات، أو تضعيف الثواب أو الجزاء فقط على قدر العمل.وهذه مسألة قد يفهمها شخص على غير وجهها، وإن كان دخولنا إليها عرضاً في التفسير، فمثلاً: رجل يبيع ويشتري، فجاءه شخصان فباع لأحدهما السلعة بعشرة، وفي نفس الوقت باب من الآخر بخمسة.فقد يتوهم البعض أن هذا خطأ، ولكنه صواب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولك أن تبيع بما شئت، فالله يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] فالإكراميات قد تختلف، والعقوبات قد تختلف.وقد سبق أننا بينَّا: أن الزنا حرام بالاتفاق والإجماع، ولكن صدور الزنا من شيخ كبير السن أشد جرماً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر)، والزنا محرم لكنَّ الزنا بحليلة الجار أشد تحريماً، والزاني يجلد مائة جلدة، لكن إذا كانت الزانية أمة فإنه يخفف عنها العقوبة، وهكذا سائر الأمور والأحوال، فقد تزيد العقوبات وقد تخف، وقد يزيد الإحسان وقد يخف، وقد تزيد المكافآت وقد تقل.وعلى كل من ولّاه الله سبحانه وتعالى عملاً أن ينظر فيمن تحت يديه بهذا المنظار، فإن الله سبحانه وتعالى كما أفادنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لما عمل اليهود من الصباح إلى الظهر وأعطاهم الله أجرهم، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر وأعطاهم الله أجرهم، وجاءت أمة محمد فعملت من العصر إلى المغرب وتضاعف لها الأجر، فاحتج اليهود والنصارى: يا رب! عَمَلُنَا أكثر وأَجْرُنَا أقل، قال الله لهم: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .فمن كان على عمل له أن يكافئ وله أن يعاقب على قدر مصلحة العمل، وعلى قدر الأسباب المترتبة من هذا العمل.لكن القاعدة الكلية التي تحكم هي قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [غافر:58]، فالآية أفادت: أن الجزاء من جنس العمل.ومن الأحاديث الدالة على أن الجزاء من جنس العمل: قوله عليه الصلاة والسلام: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، وقوله: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وقوله: (المستكبرون في الدنيا يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأخفافهم) كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (فيهما عينان نضاختان..)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ [الرحمن:65-66] أي: فوارتان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:67-68] تقدم أن هذا من عطف الخاص على العام، فالفاكهة عامة يدخل فيها النخل والرمان، ولكن ذكر النخل والرمان تنصيصاً لبيان فضل النخل والرمان.أما النخل فقد ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للمؤمن بقوله: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن فأخبروني ما هي؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة).فعطف النخل والرمان على الفاكهة من باب عطف الخاص على العام.تقول: جاء القوم وزيد.لماذا نصصت وذكرت زيداً بالاسم؟ لبيان أهمية زيد وفضل زيد. فعطف الخاص على العام لبيان فضل الخاص وشرفه.كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7]، ونحوه: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ [النساء:163] فكله من باب عطف الخاص على العام لبيان فضل الخاص.
 أصل ودليل الجزاء من جنس العمل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:59-60] هذه الآية أصل في أن الجزاء من جنس العمل، وأن المحسن يجازى بالإحسان، وفي المقابل المسيء يجازى بإساءته، هذا الأصل وهذا التقعيد.وقد قال ذو القرنين لما قال الله سبحانه وتعالى له: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:86-88].فهذا هو الأصل والتقعيد: أن المحسن يجازى لإحسانه، وأن المسيء يجازى على إساءته، إلا أنه أحياناً تتدخل قرائن فتجعل العقوبة مثلاً تتضاعف، أو قرائن تجعل العقوبة تخف بل قد تزال أحياناً، ولهذا عشرات الأدلة بل تكاد تصل إلى مئات الأدلة ألا وهي: مسألة تضعيف العقوبات، أو تخفيف العقوبات، أو تضعيف الثواب أو الجزاء فقط على قدر العمل.وهذه مسألة قد يفهمها شخص على غير وجهها، وإن كان دخولنا إليها عرضاً في التفسير، فمثلاً: رجل يبيع ويشتري، فجاءه شخصان فباع لأحدهما السلعة بعشرة، وفي نفس الوقت باب من الآخر بخمسة.فقد يتوهم البعض أن هذا خطأ، ولكنه صواب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولك أن تبيع بما شئت، فالله يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] فالإكراميات قد تختلف، والعقوبات قد تختلف.وقد سبق أننا بينَّا: أن الزنا حرام بالاتفاق والإجماع، ولكن صدور الزنا من شيخ كبير السن أشد جرماً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر)، والزنا محرم لكنَّ الزنا بحليلة الجار أشد تحريماً، والزاني يجلد مائة جلدة، لكن إذا كانت الزانية أمة فإنه يخفف عنها العقوبة، وهكذا سائر الأمور والأحوال، فقد تزيد العقوبات وقد تخف، وقد يزيد الإحسان وقد يخف، وقد تزيد المكافآت وقد تقل.وعلى كل من ولّاه الله سبحانه وتعالى عملاً أن ينظر فيمن تحت يديه بهذا المنظار، فإن الله سبحانه وتعالى كما أفادنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لما عمل اليهود من الصباح إلى الظهر وأعطاهم الله أجرهم، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر وأعطاهم الله أجرهم، وجاءت أمة محمد فعملت من العصر إلى المغرب وتضاعف لها الأجر، فاحتج اليهود والنصارى: يا رب! عَمَلُنَا أكثر وأَجْرُنَا أقل، قال الله لهم: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .فمن كان على عمل له أن يكافئ وله أن يعاقب على قدر مصلحة العمل، وعلى قدر الأسباب المترتبة من هذا العمل.لكن القاعدة الكلية التي تحكم هي قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [غافر:58]، فالآية أفادت: أن الجزاء من جنس العمل.ومن الأحاديث الدالة على أن الجزاء من جنس العمل: قوله عليه الصلاة والسلام: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، وقوله: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وقوله: (المستكبرون في الدنيا يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأخفافهم) كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى غير ذلك من النصوص.
تفسير قوله تعالى: (فيهن خيرات حسان...)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن:69-70] أي: حسان الوجوه وخيرات الأخلاق.فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:71-72] إذاً: إذا وُصِفَتْ نساء الجنة فإنهن يُوْصَفْنَ بأنهن حور في أغلب الأحيان، وهذا مما يدل على -بالنسبة لناشدي الجمال- أن جمال المرأة أيضاً يتمثل في نظرها وفي عينها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة : (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) يعني الصغر، أي: أن أعين نساء الأنصار صغيرة.فالذي ينشد الجمال في عين المرأة، فالله سبحانه وصف نساء الجنة بأنهن حور مقصورات في الخيام، والحور كما قال العلماء: شدة بياض في شدة سواد، يعني: عيناها سوداء شديدة السواد، والبياض الذي فيها شديد البياض، وأصله مأخوذ من البياض، فإن العلماء الذين ذكروا الحواريين، قالوا: أُطْلِق عليهم أنهم حواريون من شدة بياض ثيابهم، ومنهم من قال: كانت لهم عمائم بيضاء، وقد أطلقوا على بعض الدقيق الأبيض شديد البياض دقيق حواري، أي: دقيق أبيض.والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72].وهل يذم من طلب امرأة -مثلاً- جميلة أو عينها جميلة عند الزواج أو لا يذم؟الجواب: لا يذم من طلب ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) فحث الرسول صلى الله عليه وسلم على النظر إليها، هذه مسألة قد يفهمها البعض على غير وجهها، وقد ينتقص بعض إخواننا من يطلب ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم صعد النظر إلى المرأة التي وهبت نفسها وصوبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
 معنى قصر الحوريات في الخيام وما يستفاد من الآية
قال الله سبحانه وتعالى: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] يستفاد منه: أن الحور مقصورة في خيمتها، وهذا الأصل في النساء: القرار في البيوت، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] أي: نحن لا نخالط الرجال ولا نزاحمهم، فسننتظر حتى ينتهي القوم من سقياهم، وبعد ذلك نسقي، والذي حملنا على ذلك وعذرنا في ذلك أن أبانا شيخ كبير، فهذه المقالة جمعت معنيين طيبين من هاتين الفتاتين.أولهما: قولهما: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23] أي: حتى ينتهي الرعاء من سقياهم وينصرفوا، فليس لنا أن نزاحم الرجال ونخالطهم. ثانيهما: حين أومأتا إلى الحامل لهما والعذر لهما في هذا الخروج من أصله بقولهما: وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] فلم تكن إحداهن ولاّجة ولا خراجة، لم تكن إحداهن كثيرة الخروج وكثيرة الدخول، بل كن مستقرات في البيوت، وإذا حملتهن الحاجة على الخروج استترت وخرجت، وهذا أمر قد قدر عليهن رضي الله عنهن.وقد قال الله لنساء نبيه -وهن خير أسوة-: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) فكل هذه النصوص تحمل أهل الإيمان وأصحاب الغيرة على أن يقروا نساءهم في البيوت، وأن لا يخرجوا النساء إلى الأعمال التي فيها مزاحمة للرجال كما في المصالح الحكومية، وفي المدارس، والمواصلات، فيتعلمن الرجولة التي تذم في النساء: (فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء).فمن وسع الله عليه ولم يكن في حاجة إلى عمل زوجته إلا الاستزادة من عمل الدنيا، فليعلم أن هذا هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر ربنا إذ قال لنساء نبينا وهن خير أسوة: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ [الأحزاب:33]، وقال الله سبحانه عن نساء الجنة: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، والخيام جمع خيمة.وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، لا يراهم الآخرون)، وفي رواية: (الخيمة لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون).وفي هذه اللفظة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون)، استدل بعض العلماء على أن الحور المعدة لكل رجل تفوق الاثنتين، فقد وقف بعض أهل العلم مع قوله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن)، فَقَصْرُ الحورِ المعدة لكل رجل على زوجتين ضعيف من وجوه:أولاً: في حديث رسول الله: (للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون).ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الشهيد: (إنه يزوج اثنتين وسبعين من حور العين) .وهنا على سبيل الجمع: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:72-75].
تفسير قوله تعالى: (متكئين على رفرف خضر...)
مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن:76]، والاتكاء كما هو مقرر ومعلوم عند كثير من أهل العلم: هو الميل بأحد الشقين على الأرض، ومن العلماء من قال: إن الاتكاء المراد به التربع، يعني: جلسة الرجل المتربع بلغتنا.
 حكم الأكل مع الاتكاء
وهذا ينبني عليه حكم فقهي ألا وهو: مسألة الأكل متكئاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا آكل متكئاً) فهل قوله: (إني لا آكل متكئاً) أي: لا آكل وأنا مائل بأحد شقي على الأرض، أو لا آكل وأنا جالس جلسة المتربع التي يسميها أهل بلادنا؟فأكثر العلماء على أن الاتكاء هو الميل بأحد الشقين على الأرض؛ لقول الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، ففرق في هذا الحديث بين الاتكاء وبين الجلوس.أما الذين قالوا: إن الاتكاء هو التربع فمنهم: الخطابي رحمه الله تعالى، وابن القيم رحمه الله تعالى، فعلى رأيهما يكره الأكل متربعاً، لكن على رأي الجمهور: أن المكروه هو الأكل وأنت مائل على أحد الشقين إلى الأرض، لكن هل يحرم هذا الأكل وأنت متكئ؟ رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا آكل متكئاً)، فهو يتحدث عن نفسه صلى الله عليه وسلم، وهل حديثه عن نفسه يفيد التحريم؟ لا يفيد التحريم إلا مع نص آخر يقوي هذا التحريم، وهذا يجرنا إلى بعض المسائل الفقهية التي فيها أمور تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل مجرد تركه لها صلوات الله وسلامه عليه يجعلها محرمة؟سنذكر مثالاً لذلك: الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم ليصلي على رجل قد مات، يسأل: (هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم، قال: هل ترك لدينه وفاءً؟ فإن قالوا: لم يترك لدينه وفاءً، امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه)لكن مع امتناعه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة عليه يقول: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم)، فهو نفسه عليه الصلاة والسلام لم يصلِّ عليه وإنما قال: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) فلماذا ترك الرسول عليه الصلاة والسلام الصلاة على من عليه دين؟ هل لأن الصلاة على من عليه دين حرام؟ ليست حراماً؛ إذ لو كانت حراماً لما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم)، ولكن المفهوم والله سبحانه أعلم بالمراد: أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما امتنع من الصلاة عليه حتى يزجر عن الاستدانة، وحتى يرهب من مسألة الاستدانة، وحتى يحذر من مسألة المماطلة في سداد الديون، وهذا المفهوم بدليل أنه قال للصحابة: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم).ننتقل إلى مسألة أشد وهي: مسألة المنتحر: (أتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد قتل نفسه بمشاقص، كي يصلي النبي عليه عليه الصلاة والسلام، فلم يصلِّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، لكنه ما نهى الناس عن الصلاة عليه، وما أمر الناس بالصلاة عليه، فلم يقل كما في الحديث السابق: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم)، ولم ينه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة عليه، فلذلك اختلف الفقهاء في مسألة الصلاة على المنتحر:فقال فريق منهم: لا نصلي عليه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة عليه.وقال آخرون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نهانا، والأصل أن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فهذا رجل مسلم، فمادام مسلماً فالأصل أنه يصلى على المسلمين.فرأي جمهور العلماء أنه يصلى على المنتحر، وإن ترك بعض أهل الفضل الصلاة عليه؛ زجراً لأمثاله وترهيباً لهم من الانتحار، فلأهل الفضل ذلك؛ حتى ينزجر الناس، وحتى ينكف الناس عن الانتحار، وهذا مأخذ طيب ومأخذ عليه أدلة كثيرة جداً.وهذا يضطرنا ويسوقنا إلى بيان أفعال لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وسنرجع كرة إلى مسألة العقوبات.. الرسول عليه الصلاة والسلام جلد شارب الخمر نحواً من أربعين جلدة، فجاء عمر ووجد الناس قد تساهلوا في شرب الخمر، فجلد شارب الخمر نحواً من ثمانين جلدة، وكذلك كان الطلاق الثلاث في المجلس الواحد في عهده عليه الصلاة والسلام طلقة واحدة كما قال ابن عباس في صحيح مسلم ، فلما كان في خلافة عمر قال: (أرى الناس قد استعجلوا على هذا الأمر الذي كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضى عمر الثلاث طلقات).فنرجع إلى المسائل التي فعلها الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يأمر بها ولم ينه عنها: فالأصل أنها تسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] لكن ينظر بعد هذا في عمومات أخرى، هل تعارض بهذه المسائل أو لا تعارض؟وهذا سيجرنا عن قريب إن شاء الله إلى مسألة الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة الليل في رمضان، وسيأتي حولها بحث طويل إن شاء الله.نرجع إلى قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن:76] فالعبقري الحسان: هي الفرش والوسائد التي يتكأ عليها والبسط الرقيقة، كل هذه مجملة في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن:76]، فأقوال العلماء كلها تدور على أنها السجاجيد التي تبسط والوسائد التي يتكأ عليها، أي: أنها أقرب إلى المجالس العربية من (الأنتريهات) ومن (الصالونات) أنها: رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن:76].
تفسير قوله تعالى: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:77-78] من العلماء من قال: إن قوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) بمعنى: تبارك ربك، وكلمة (اسم) أصحبت كما في قول الشاعر:إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبكي حولاً كاملاً فقد اعتذروقد تقدم الكلام على هذا البيت الشعري بما حاصله: أن الشاعر يقول فيه:تمنى ابنتايا أن لا يموت أبوهماوهل أنا إلا من ربيعة أو مضرفقوما وقولا بالذي قد علمتماولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعرفقوله: (إلى الحول) يعني: اعملوا الذي تريدون لمدة سنة.(ثم اسم السلام عليكما) يعني: ثم السلام عليكم، وانتهى أمركم بعد سنة فلا تبكوا ولا تفعلوا شيئاً، وهذا كان في الجاهلية.إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبكي حولاً كاملاً فقد اعتذرهذا البيت الشعري بالنسبة لمعناه منقوض في الشرع، فإن المرأة لا تحد على أحد أكثر من ثلاثة أيام إلا زوجاً أربعة أشهر وعشراً، لكن كان في الجاهلية الإحداد لمدة حول كامل، ولذلك يقول الأب:(إلى الحول ثم اسم السلام عليكما) فمن العلماء من قال: إن (اسم) هنا مصحبة، فالمعنى: إلى الحول ثم السلام عليكما.فقالوا: إن كلمة: (اسم) هنا في قوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78] أي: معناها: تبارك ربك ذو الجلال والإكرام.
 معاني البركة ومن أي شيء تؤخذ وتكسب
والبركة لها معنيان:أحدهما: الكثرة والازدياد، أي: كثر خيره وازدادت بركته.والمعنى الثاني: البركة ثبوت الخير في الشيء.فمن أهل العلم من يقول: إن اسم هنا في قوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن:78] على بابها، وأخذوا منه: أن كل شيء يبدأ فيه باسم الله يبارك فيه، واستؤنس لهذا المعنى بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم بيته فذكر الله عند دخوله قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم، فإذا ذكر الله عند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم ولا عشاء، فإذا دخل البيت فلم يذكر الله عند دخوله ولا عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء).فقالوا: إن ذكر اسم الله سبحانه يجلب البركة في الأشياء، حتى عند الجماع كذلك، فإن الشخص إذا جامع زوجته وقال: باسم الله عند الجماع، حصلت البركة ولم يشركه شيطان، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً) .وقوله: ذِي الْجَلالِ [الرحمن:78] أي: الذي يجل عن كل نقص وعن كل عيب، وقوله: (وَالإِكْرَامِ) الذي يكرم كذلك عن كل نقص وعن كل عيب، كما تقول لشخص إذا ذكرت سيئاً: أكرمك الله، أو أجلك الله، أو أنا أجلك عن كذا وكذا، والله سبحانه أعلم.
الأسئلة

  عدم التعارض بين كروية الأرض وقوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس)
السؤال: يقول تبارك وتعالى في سورة الكهف: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف:86] هل هذا يتعارض مع ما وصفه العلماء أن الأرض كروية؟الجواب: ليس هناك أي تعارض، واقرأ تفسير الآية فلن تجد أي تعارض.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الرحمن [3] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net