اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [3] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة القمر [3] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
ما زال الله تعالى يقص في كتابه مصارع الظالمين وإهلاك الطغاة والمتجبرين؛ عبرة لكل معتبر، وذكرى لكل مدكر يعلم بأن وعد الله حق، وأن وعده لأوليائه لا يتخلف، ثم يختم الله هذه السورة ببيان أن ما حدث من عذاب في الدنيا لأولئك الناس إنما هو بداية العذاب، وأن ما في الآخرة أشد وأبقى.
قصة قوم لوط
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر:33-34].لوط هو نبي الله صلى الله عليه وسلم الذي آمن بإبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ فمن ثمرات دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام، كما قال الله سبحانه وتعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت:26]، أُرسِل لوط صلى الله عليه وسلم إلى قوم يفعلون الخبائث المستبشعة، ألا وهي إتيان الذكران من العالمين! فحذرهم نبي الله لوط من مغبة فعلهم، ومن سوء عاقبتهم، فكان منهم ما قال الله سبحانه: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [القمر:33].
 العذاب الذي أهلك الله به قوم لوط
قال سبحانه: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً [القمر:37-38] أي: في صبيحة اليوم الذي خرج فيه لوط عليه الصلاة والسلام صبحهم عذاب الله عز وجل، وقد ذكر الله صورة هذا العذاب في آيات أخر، قال سبحانه: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود:82].ثم قال الله: عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ [القمر:38] ما المراد بالعذاب المستقر؟قال فريق من المفسرين: استقر بهم العذاب، ولم يُنزع عنهم ولم يرفع من يومها إلى أبد الآبدين، إلى يوم الدين، ويوم الدين أيضاً يعذبون، فاستقر عليهم العذاب -والعياذ بالله- لا يفارقهم من وقتها إلى أبد الآبدين، فهم مخلدون في جهنم، وقبل ذلك هم في قبورهم يعذبون، وعن الصراط ناكبون، وساقطون في الجحيم، فالعذاب استقر بهم حيث كانوا؛ عياذاً بالله سبحانه وتعالى من نقمته ومن عذابه! فهذا المراد بقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ [القمر:38]، أي: ملازم لهم لا يفارقهم، قد تقتل أنت في الدنيا لكن بعد القتل تستريح في القبر، ولكن أهل الكفر ليسوا كذلك، فإذا نزل بهم العذاب استمر بهم ولازمهم ولم يفارقهم بحال من الأحوال -والعياذ بالله- مثلاً: قتِل اليهودي كعب بن الأشرف، ولازمه العذاب في قبره وعند قتله إلى أبد الآبدين، ولا يأتي وقت إلا وهو أشد من الذي قبله، فعذاب القبر ينسيه عذاب القتل، وعذاب جهنم ينسيه عذاب القبر، فهكذا تكون الأمور، فهذا المعنى -والله أعلم- كما ذكره جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ).فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:39-40]، أي: سهلناه وبيناه لكم، فاقرءوا ما فيه، واتعظوا بأخبار هؤلاء الفسقة الظلمة واعتبروا بهم، فيا من سولت لك نفسك اقتراف الفواحش وارتكاب الآثام! انظر كيف فعل بقوم لوط! ويا من سولت لك نفسك الكبر والطغيان! انظر كيف كان عاقبة قوم عاد! ويا من سولت لك حضارتك ومدنيتك التعالي على الله والكبر على العباد! انظر إلى ثمود الذين جابوا الصخر بالواد! فهؤلاء ذكرهم الله سبحانه وقص علينا من أنبائهم ومن أخبارهم حتى نتعظ، فعدة آيات يقول الله سبحانه وتعالى فيها: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر:40] أي: بينا في هذا الكتاب العظيم بأسلوب سهل ميسر مفهوم عاقبة هؤلاء الظلمة الذين حادوا عن طريق الله وعن هدي رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومن ثم كرر قوله سبحانه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ)، ثم يستحث الله العباد فيقول: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:40]، كما يستحثهم في آيات أخر: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16]، وكما ذكر في سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان [الرحمن:13].
قصة فرعون وقومه
ذكر الله أيضاً قوماً من الطغاة ولِّي عليهم طاغٍ جبار عنيد، بل هو أكبر طاغية عرفه العالم والتاريخ وهو فرعون، قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر:41]، ويخرج من آل فرعون هنا امرأته، لما ذكره الله سبحانه وتعالى عن امرأة فرعون: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].
 تكذيب فرعون وقومه بآيات موسى
قال سبحانه: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا [القمر:23-42]، كذبوا بكل الآيات التي جاءتهم، وأعظمها تسع آيات كما قال الله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا [الإسراء:101]، وهي آيات مفصلات، لم تأت دفعة واحدة إنما فصِّلت تفصيلاً، تأتي آية ثم يُترك القوم لعلهم أن يعتبروا فلا يعتبروا، فتأتي الآية الأخرى ثم يترك القوم كي يعتبروا فلا يعتبر القوم، كما قال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:133] يعني: ليست دفعة واحدة، إنما كل آية بينها وبين الأخرى فاصل زمني حتى يتوب الناس إذا كشف عنهم البلاء، ولكن لا توبة ولا رجعة ولا إنابة لمن ختم الله سبحانه وتعالى على قلبه.قال الله جل ذِكره في كتابه الكريم: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر:41]الأشياء المخوفة التي ترهبهم، ونفس القول في تأويل النذر كالقول السابق في قوم لوط صلى الله عليه وسلم.
إنذار الله لقريش بالعذاب
قال الله تعالى: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:42]، فذكر الله سبحانه أهل الكفر أمة تلو الأخرى، ثم وجه الخطاب إلى مشركي قريش بقوله سبحانه: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ) أي: هل أنتم أفضل أو أقوى من هؤلاء الكفرة الذين أبادهم الله سبحانه؟ وهذا القول يوجه إلى كل كافر وإلى كل طاغ في كل زمان، والله سبحانه لما أنزل على قوم لوط ما أنزل قال في شأن هذه الأحجار مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]، ليست هذه الأحجار ببعيدة عن الظالمين في أي زمان بل هي قريبة منهم.قال الله جل ذكره في كتابه الكريم موجهاً الخطاب إلى المشركين: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ) الذين أهلكهم الله أم تظنون أنه قد كُتبت لكم براءة في الكتب؟ هل سطر في الكتب أن مشركي قريش لن يمسهم العذاب؟ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر:43]، أي: في الكتب التي سبقت، هل قرأتم في الكتب التي نزلت على الأنبياء أنكم -يا معشر قريش- كتبت لكم براءة ولن تعاقبوا ولن تؤاخذوا؟ وهذا أسلوب تهكمي فيه سخرية من هؤلاء القوم ومن أفكارهم.أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر:44]، (أم) هنا تختلف في تأويلها عن (أم) في الآية التي قبلها، فـ(أم) في الآية التي قبلها: (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ) استفهامية تحمل معنى الاستنكار والتوبيخ والتقريع، أما (أم) هنا في: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) بمعنى: بل، فالمعنى: بل يقولون: نحن جميع منتصر، أي: أن هؤلاء الكفار يقولون: (نحن جميع): أي: نحن جمعٌ، بدليل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [القمر:45]، فقولهم (نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) أي: باجتماعنا معاً سننتصر على محمد.. بل على العقوبات التي تأتينا.. بل على الملائكة كما قال أبو جهل لرسول الله: أتتوعدني وأنا أكثر هذا الوادي نادياً، فقال الله سبحانه وتعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:17-18]، وكما ذكر بعض المفسرين في تأويل قوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30]، قالوا: إن أهل الشرك لما نزلت هذه الآية فُتِنوا بها، وقالوا: نحن أكثر عدداً، نحن تسعة عشر ألفاً أو نزيد، فكل ألفٍ منا يوكلوا بأحد هؤلاء الخزنة، ونحن جميعٌ منتصر؛ لأن عددنا أكثر من هؤلاء الملائكة، وسننتصر عليهم! يا لهذا الجهل وهذا الغباء! والعياذ بالله.أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر:44] فرد الله عليهم: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، هذه الآية تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان أهل الشرك قد جمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه جموعاً، وكان من الصحابة من يقول لما نزلت هذه الآيات قبل أن تتحقق: أي جمعٍ هذا الذي سيهزم؟ ومتى سيهزم؟ ولما جاء يوم بدر، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه إلى السماء قائلاً: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر.. سيهزم الجمع ويولون الدبر)، وما هي إلا لحظات في يوم بدر حتى هُزِم الجمع وولوا الأدبار كما وعد الله سبحانه وتعالى.وإن لحقت بهم الهزيمة فهذه الهزيمة لا تقارن بعذاب الآخرة، قال سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:46]، أي: أشد وأعظم.
 مصير كل ظالم في الآخرة
قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ [القمر:51] أسلافكم وأمثالكم وعشائركم والذين كانوا يشايعونكم ويظاهرونكم، فكل هذه تحتملها كلمة الأشياع (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، هل من معتبر؟ زملاؤك قد أهلكهم الله، وأجدادهم وآباؤهم وآباؤك قد أهلكهم الله، فهل من رجل عاقل ذكي يعتبر؟ هل من رجل فاهم فاضل يعرف أن الموت آتٍ، وأن الأجل منتهٍ؟ثم يبين سبحانه أن هذا الإهلاك ليس بنهاية للمطاف، فيقول سبحانه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [القمر:52]، لم يقتصر الأمر على إهلاكهم، بل كل شيءٍ فعلوه مسطر عليهم، وسيلاقونه يوم القيامة، وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53]، هكذا يبين ربنا سبحانه وتعالى أن الهلاك ليس بنهاية للمطاف، وأن الموت ليس بنهاية للمطاف، إنما: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:52-55].وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 كيفية ضبط التسبيح بعد الصلاة
السؤال: رجلٌ سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن (أو فاعلهن) دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة)، فقال: أنا كلما أذكر الذكر الذي بعد الصلاة، لا أعرف أضبطه، هل يجوز لي أن آتي بمسبحة كي أعد عليها التسبيحات حتى أصل إلى هدي رسول الله في هذا الباب؟الجواب: تعلمه بأن في كل أصبع ثلاث عقد، وثلاثة في خمسة بخمسة عشر.وهل يأتي بمسبحة يتعلم بها ضبط العد؟وأنا لم أقل: إنها مستحبة، أنا أقول: شيءٌ أضبط به العد الذي أرشدني إليه الرسول، الرسول أرشد إلى ثلاثة وثلاثين، وأنا لا أعرف أن أضبط الثلاثة والثلاثين، أريد أن أصل إلى طريقة أمتثل بها حديث الرسول، وأبتعد بها عن الشكوك.وقد دخل ابن مسعود المسجد فوجد قوماً قد جمعوا أكواماً من الحصى، فيقولون: نسبح مائة، فيسبحون مائة ويحضرون أحجاراً ويرموا بها، وهذه الصورة تختلف عن مسألتنا، ثم إنهم في الآخر كانوا من الخوارج، يعتريهم ما يعتري الخوارج من مسائل التباهي بالأعمال والإكثار من الذكر، وقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم)، فإنكار ابن مسعود ليس من أجل الحصى الذي تضبط به التسبيحات التي حث عليها الرسول، إنما هو لأمر استحدثوه وهو أنهم جلسوا وجمعوا أكواماً من الحصى ويقولون: يا جماعة! نسبح مائة، ويسبحون مائة ويرمون بالأحجار، فتختلف المسألتان.فالشاهد: أن هذه المسألة قابلة للأخذ والرد، والفتيا بالتحريم حقيقة صعبة، لك أن تقول بالتحريم إذا أتيتنا بعالم قبلك من أوائل سلفنا الصالح قال بتحريم هذه الطريقة لتحديد الذكر بعد الصلاة، ليس كفعل الخوارج الذي انتقده ابن مسعود على الأقوام الذين جمعوا الحصى، هذه تختلف يقيناً عن مسألتنا كمنظر وكهيئة وكواقع من كل الجوانب. فالمسألة إذاً قابلة للأخذ والرد.ولذلك ترى بعض العلماء أجازها كشيخ الإسلام ابن تيمية ، لكن نحن نقول: إن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعقد التسبيح باليد، ومن لم يستطع تكون حالته خاصة، تكون الفتيا له خاصة، وإلا هدي رسول الله أكمل وأتم هدي.وهو خلاف الأولى في حقي وفي حقك، لكن في حق رجل لا يستطيع العد، هل هي خلاف الأولى؟ في حق رجل مستطيع العد وإتقان العد هي خلاف الأولى، لكن في حق رجل لا يستطيع الوصول إلى العدد إلا بهذه الطريقة لا يقال: إنها خلاف الأولى.وهي مثل مسألة الخط في المسجد، هذه فقهيات لازم تُفهم حتى لا تصطدم بالعامي، الخط الذي يخط في المسجد لضبط القبلة، قد يأتي أحد المشايخ ويقول: الخط بدعة، لماذا؟ يقول: لأنه لم يكن في مسجد رسول الله خط، فنقول: حقاً لم ينقل أن مسجد الرسول كان فيه خطوط لضبط القبلة، لكن مسجد الرسول كانت قبلته في الأمام مباشرة، لكن هذا المسجد فيه انحراف، القبلة إلى اليمين قليلاً أو إلى اليسار كثيراً، أنا لا أستطيع أقدر الميول كم هي؟ فصنعت خطاً لضبط القبلة، هل أنا آثم بهذا الخط؟ أو هل أنا مبتدع لكوني حرصت على ضبط قبلتي؟ الاحتجاج بأن مسجد الرسول ليس فيه خط لا ينسحب علي هنا؛ لأن المقامين مختلفان، القبلة هنا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام مستقيمة للأمام، والقبلة عندي الآن فيها ميول، فالمقامات تختلف، فلذلك هذه المسألة تحتاج إلى إمعان نظر، ولا تحتاج إلى تقليد في كل الأحوال؛ لأن لنا علماء، ومن فضل الله أن علماءنا ليسوا بواحد ولا باثنين ولا بثلاثة فقط، إنما لنا علماء لهم اجتهادات، عندك مثلاً مالك ، الشافعي ، أحمد ، اقرأ أقوال هؤلاء العلماء في المسائل، ولا تتحجر على عالم واحد، بل اطلع وافهم، وهذا المطلب الذي أردناه، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [3] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net