اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [2] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة القمر [2] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
قص الله في كتابه قصصاً لأنبيائه ورسله، وما عانوه من آلام وشدة في سبيل تبليغ دين الله تعالى، وذكر في كتابه الدعوات التي ادعاها الرسل على أقوامهم لما لم يستجيبوا لهم، ووصف العذاب الذي عذبهم به؛كل هذا من أجل أن يتسلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله عليهم بمصاب أولئك عن مصيبتهم، ولتكون عبرة يعتبرها الطغاة من بعدهم.
قصة قوم نوح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:9-10].
 يسر ألفاظ القرآن وسهولة عبارات الشرع
ثم قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، وهذا كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: (إن كثيراً من آي الكتاب العزيز غني بذاته عن التأويل)، كقول الله سبحانه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وكقوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]، وقوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:65]، كل هذه آيات لا تحتاج إلى كبير تأويل ولا إلى كبير تفسير، فهي مفهومة يفهمها العرب إذ هي لغتهم، فكثير من آي الكتاب العزيز غني بذاته عن التأويل، وينبغي للخطيب وللمعلم وللمذكر أن يذكر الناس بالسهل اليسير، ولا يتعمد الإتيان بألفاظ يفكر فيها أياماً حتى يُخرجها للناس، ولا تخرج من قلبه بل تخرج من لسانه، ثم الناس لا يفهمونها ولا يفقهونها، فالفقيه حق الفقيه والرباني كل الرباني هو الذي يقدم للناس مادة علمية سهلة تُفهم، ولذلك ترى مقالات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست كمقالات غيره، مقالات النبي صلى الله عليه وسلم مقالاتٌ سهلة ويسيرة ومفهومة، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، كلام سهل ويسير ومفهوم. أما هؤلاء الذين يتشدقون في خطبهم ويأتون بغريب الألفاظ حباً في ثناء الناس عليهم، فإنهم مذمومون من جملة من الوجوه: الوجه الأول: إن قصدوا الرياء فعملهم حابط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله سبحانه: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).الوجه الثاني: أنهم مبتعدون عن قول الله سبحانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، ومبتعدون عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.الوجه الثالث: أنهم واقعون تحت طائلة السجع المذموم الذي حذر منه ابن عباس وغيره، فقد قال ابن عباس لبعض التابعين: (وانظر إلى السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك). أما التكلف الممقوت، وتمكث شهراً تفكر في بيت شعر، أو يوماً تفكر في قافية توافق قافيتك، أو تأتي بأسلوب صعب شاق على الناس، فسعيك غير مشكور، وعملك غير محمود، والسهولة كل السهولة واليسر كل اليسر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلما دخلت إلى أقوال علم الكلام ازددت بعداً عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا التعقيد الزائد لا معنى له ولا حاجة.وتوجد كتب أُثني عليها، وهي في الحقيقة جدير بها أن يثنى عليها من باب تأصيلها للعقائد، وتوضيحها للمناهج؛ ككتاب العقيدة الطحاوية وشرحها، لكن شابتها الألفاظ المعقدة زائدة التعقيد التي تجعلك تتهم نفسك عند قراءتها، ولو كان الكاتب قد أوجز وعبر بأساليب سهلة مفهومة لكان قد اجتمع إليه الحسن إلى الحسن، ولكنها تعقيدات في الألفاظ، حتى وأنت تقرأ -أيها الذكي- قد تتهم نفسك لعدم فهم هذه الألفاظ، وهذا الشيء أيضاً شاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أجزائها الأول، فهي أجزاء حملت تعقيداً وألفاظاً معقدة كان من الأولى أن ينقى الكتاب منها، إلا أنها لما كانت في معرض الرد على أهل الكلام أُبيح له ذلك واستجاز ذلك رحمه الله تعالى، فلا تتهم نفسك أبداً وأنت تقرأ مثل هذه المقالات، فالعيب ليس فيك، إنما العيب في الذي لم يفهمك مراده، ولم يفهمك مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الباب.وعلى هذه المسائل فلتقس الأمور، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، أي: هل من معتبِر؟
قصة قوم عاد
ثم قال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ) تلك القبيلة العاتية الظالمة كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر:18] أي: كيف كان عذابي لهم؟ وكيف كان إنذاري تلك القبيلة العاتية؟
 إهلاك الله لعاد لما كذبوا الرسل
قال الله سبحانه وتعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر:18]، أي: ونذري، إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر:19]، فالعذاب الذي أُهلكت به قبيلة عاد الريح كما وصفها ربنا بقوله: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات:41]، أي: التي لا فائدة فيها، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم: الدبور كما في الحديث: (نصرت بالصبا) أي: الريح التي سلطها الله على الأحزاب هي: ريح الصبا: (وأُهلكت عاد بالدبور)، فاسمها: الدبور، وصفتها: عقيم كما سمعتم في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات:41-42] .وهي القبيلة العاتية التي قالت عن نفسها: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15]، فكانت في منتهى القوة، وكانوا في منتهى الطول، وذكروا في تراجمهم أشياء تدل على قوتهم، وإن كانت الأسانيد ليست بثابتة، لكن جاءت بها جملة أقوال للمفسرين منها: أن أحدهم كان يحمل الصخرة بيديه ويلقيها على القوم فيهلكهم والعياذ بالله، فقالوا مفتخرين منكرين لنعمة الله عليهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15]، قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:15-16].قال سبحانه: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا شديدة البرودة محرقة فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر:19]، قال فريق من أهل العلم: كيف يوسم اليوم بأنه يوم نحس، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره)؟ فكيف وُصِفت الأيام هنا بأنها أيام نحس وفي الآية الأخرى فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [فصلت:16]، وفي الحديث القدسي: (قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار؟).فالإجابة من وجوه: الوجه الأول: أن الذي وصف الأيام بأنها أيام نحس هو الله سبحانه وتعالى، فلا راد لوصفه، ولا راد لحكمه، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى.الوجه الثاني: أن النهي عن سب الدهر إذا كنت تعتقد أن الدهر هو المتصرف في الأمور، وأن الدهر هو الذي كان سبباً في تسليط هذه الأشياء عليك، لكن إذا رددت الأمر لله سبحانه وتعالى فلا جناح عليك. وهذا كأوجه الجمع التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة)، وبين حديث الرسول: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فمن أوجه الجمع بين هذه الأشياء: أن تعتقد أن العدوى مؤثرة بذاتها، وتجعل ذلك بمعزل عن إرادة الله سبحانه وتعالى، فنفيت العدوى بهذا الاعتبار، وقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) على أنه من باب الأخذ بالأسباب.قال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:19-20]، وقوله: (في يوم نحس): يدل على أنها كانت أياماً وليست بيوم، كما قال: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:7]، وكذلك قال تعالى: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [فصلت:16]، فيوم في هذه الآية اسم جنس، قال تعالى: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ) أي: ترفعهم وتنزعهم، وكأنهم كانوا مثبتين في الأرض وهي تنزعهم من جذورهم، تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:20-22].
قصة قوم ثمود
ثم يذكر الله سبحانه قوماً آخرين عتوا وطغوا وبغوا، وهم قبيلة ثمود، تلك القبيلة الظالمة العاتية، هي الأخرى قال سبحانه في شأنها: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17]، قال الله جل ذكره: (فَهَدَيْنَاهُمْ)، أي: دللناهم على طريق الخير لكنهم استحبوا العمى على الهدى.قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ [القمر:23]، وقد كذبوا بنذير واحد وهو صالح صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت الإجابة على هذا الإشكال: بأن الذي كذب بنذير واحد أو برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل وبجميع النذر؛ لأن رسالتهم واحدة، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، فمن كذب واحداً منهم فقد كذب جميعهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الأنبياء إخوة لعلات؛ دينهم واحد، وأمهاتههم شتى)، يعني: إخوة من الأب، فالأب المراد به هنا التوحيد الذي دعت إليه كل الرسل، فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع.
 إهلاك الله لثمود لما عقروا الناقة
قال تعالى: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر:30-31]، ومن شأنهم: أن الله سبحانه وتعالى أمهلهم ثلاثة أيام بعد قتل هذه الناقة، لقول نبي الله صالح لهم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، وقال الله جل ذكره في هذه الآيات: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، والمحتظِر: هو الرجل الذي يصنع الحظائر، والحظيرة كانت تصنع من عيدان الحطب، فيتساقط منها ورق ينفضه الرجل عن العود الذي ينشئ به الحظيرة؛ فيداس ويمتهن وتأكله البهائم، فهكذا أصبحت قبيلة ثمود كما وصفها ربنا سبحانه وتعالى كهشيم المحتظِر، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:32] .
الأسئلة

 حكم الزواج بدون إشهار
السؤال: رجل تزوج امرأة زواجاً شرعياً، لكنه لم يعلم الناس، والأمر سري، ويخفيه عن كثير من الناس، هل يجوز هذا الزواج؟الجواب: إذا كان بولي وشاهدي عدل فالزواج صحيح، وإذا كان بدون ولي فالزواج باطل، لكن يستحب له إذا كان صحيحاً على النحو الذي ذكرنا أن يبادر بالإعلان، ويُخبَر ولا يخفي، والله أعلم.وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة القمر [2] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net