اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الطور للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة الطور - (للشيخ : مصطفى العدوي)
أقسم الله عز وجل بعظيم مخلوقاته على وقوع العذاب على الكافرين، بسبب عنادهم وطغيانهم وتكذيبهم، وعلى العكس فإن الله وعد المتقين بجنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولكن هذه الجنة تحتاج إلى صدق وصلاة وتسبيح وصبر في الدعوة إلى الله ومجاهدة الكافرين.
قسم الله بعظيم مخلوقاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بسورة الطور في صلواته، وكان كثيراً ما يقرأ بها في صلاة المغرب، قال جبير بن مطعم رضي الله عنه: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، حتى بلغ قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35] فكاد قلبي أن يتصدع. وفي رواية: كاد قلبي أن يطير)، وكان آنذاك مشركاً.يقول الله سبحانه وتعالى فيها: وَالطُّورِ [الطور:1]، الواو للقسم، فيقسم الله سبحانه وتعالى بالطور، وقد تقدم أن الله سبحانه له أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما نحن فليس لنا أن نقسم بجبل ولا بشجر ولا بحجر ولا بأب ولا بنبي ولا بأخ، ولا بأي شيء إلا بالله أو بأسمائه أو بصفاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، لكن لربنا أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالطور.
 المقصود بالسقف المرفوع
قال تعالى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:5]، المراد به السماء، كما قال تعالى في كتابه الكريم: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء:32]، فالسقف المرفوع: هو السماء التي رفعها الله سبحانه.قال تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور:6] للعلماء فيه أقوال، تقدم كثير منها عند قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3]، فمن الأقوال التي فيها: امتلأت وفاضت فاختلط عذبها بمالحها. ومن الأقوال: أن (البحر المسجور) هو المتأجج ناراً، وهكذا يكون يوم القيامة، تشتعل البحار ناراً على ما قاله فريق كبير من العلماء.
وقوع عذاب الله للكافرين
أقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأشياء على شيء واحد تكرر القسم عليه في عدة سور ألا وهو: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور:7]، فأقسم الله بهذه الأشياء على هذا الشيء، وتكرر هذا الشيء المقسم عليه في عدة آيات من سور الكتاب العزيز، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:7-9] أي: تتحرك السماء تحركاً، وتضطرب اضطراباً، يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:9-10] تزاح عن أماكنها وتسير، كما قال سبحانه: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3].
 دخول الكافرين النار بسبب كفرهم بالله
قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور:12-13] أي: يدفعون إليها دفعاً، هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:14-15] كلام يقال لهم على سبيل التعيير والتوبيخ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا [الطور:16] فإن الصبر لا فائدة فيه آنذاك؛ وعدم الصبر لا فائدة فيه آنذاك، لأن العذاب واقع لا محالة، فالصبر على العذاب قد يخفف العذاب في الدنيا، واحتساب الأذى في سبيل الله قد يخفف العذاب في الدنيا، والتجلد قد يخفف العذاب، أما في الآخرة فليس كذلك، فصور التخفيف التي بها يخفف العذاب في الدنيا لا تنفع بشيء في الآخرة.فمن صور تخفيف العذاب في الدنيا: الاشتراك في المصائب، إذا اُبتليت تأملت، فإذا رأيت بلاء غيرك أعظم من بلائك هان عليك بلاؤك، أما في الآخرة فلا ينفع هذا الاشتراك، كما قال الله سبحانه: وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39]، كذلك الصبر قد يخفف العذاب في الدنيا ولكنه لا يخففه في الآخرة، قال أهل الكفر: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، وهنا يقول سبحانه: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ [الطور:16] أي: يستوي عليكم، الصبر وعدمه، إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16]أي: إنما تجزون جزاء كسبكم، وجزاء عملكم.
حال المتقين في الآخرة
قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ [الطور:17-18] ( فاكهين ) أي: منعمين مسرورين بما آتاهم ربهم، وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الطور:18-20] صفوفهم متقابلة، كما قال سبحانه: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].
 الخوف من عذاب الله من أسباب دخول الجنة
قال سبحانه: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] أي: كنا في حياتنا الدنيا في أهلنا خائفين، ومن أهل العلم من قال: هنا مقدر محذوف، وتقديره: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25] قال بعض العلماء: أقبل كلٌ منهم على الآخر يسأله ويقول له: أتدري متى غفر لنا؟ غفر لنا يوم أن جلسنا بمجلس كذا وكذا نستغفر الله، غفر لنا يوم أن كنا نحن وأنت في مكان كذا وكذا ودعونا الله، غفر لنا يوم سرنا في طريق كذا وكذا وأمطنا الأذى عن الطريق، غفر لنا يوم أن اتبعنا الجنازة، أو يوم أن عدنا مرضى، فكلٌ يذكر الآخر بالوقت الذي غفر له فيه، هذا قول، لكن صريح الآيات لا يعارضه، ولكنه أقوى منه في المأخذ، والله أعلم. قال تعالى: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] ( قبل ) أي: في حياتنا الدنيا، ( في أهلنا ) أي: في وسط أهلنا، ( مشفقين ) أي: خائفين من عذاب الله، فهذا الشعور ينبغي أن ينتاب المؤمن، ألا وهو الخوف من عذاب الله سبحانه، شعور يجب أن ينتاب المؤمن في حياته الدنيا. هاهم أهل الإيمان يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27] و(السموم) هو الحر الشديد، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:28] و( البر ) قال بعض العلماء: المراد به اللطيف، فجمعوا بين خصلتين، إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] ( مشفقين ) أي: خائفين، ومع ذلك: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ [الطور:28] أي: كانوا يدعون ربهم مع خوف وإشفاق، كما قال سبحانه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].فعلى المسلم أن يوطن نفسه على هذه الأحوال، ألا وهي: دعاء الله سبحانه وتعالى مع الخوف والشفقة من عذابه، فهذا هو حال أهل الإيمان، وقد دلت عليه عشرات النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب على المسلم أن يدعو ربه دعاء الخائف من عذابه الراجي رحمة ربه.
دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لقومه وتكذيبهم له
قال تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29]، قد تقدم حكم التذكير ومحل التذكير، فقوله تعالى: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الطور:29] أي: بحمد ربك، وهي جملة اعتراضية، فذكر فما أنت -بحمد الله- بكاهن ولا مجنون، كما قيل لـعلي : كيف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح -بحمد الله- بارئاً. فجملة: (بحمد الله) اعتراضية يصلح السياق بدون ذكرها، وتفهم من سياقات أخرى، فيجوز أن تقول: أصبح بارئاً، لكن إضافة بحمد لله لرد الفضل إلى الله سبحانه، فكذلك قوله تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الطور:29] أي: بفضل الله عليك لست بكاهن ولا بمجنون، كما قال في سورة القلم: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [القلم:1-2] أي: بحمد الله لست بكاهن، وبحمد الله لست بمجنون. قال سبحانه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] (الكاهن) هو الذي يدعي علم الغيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقد ورد بلفظ: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذا الأخير تكلم فيه بعض العلماء، قال سبحانه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] أي: كما يصفك هؤلاء الواصفون.
 تكذيب المشركين بالآيات
قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا [الطور:43-44] إن يرى هؤلاء الكفار العذاب نازلاً عليهم من السماء، قد تقطع عليهم وسقط قطعاً قطعاً؛ لكذبوا أيضاً مع مجيء هذه الآيات، وقالوا: سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: متراكم بعضه فوق بعض! فيرون العذاب نازلاً ولكنهم يلحدون كذلك، كما يفعل أهل الإلحاد والعلمنة في هذا الزمان، يرون الزلازل من تحت أرجلهم، ويقولون: هزات أرضية! هكذا أهل الكفر دائماً، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ [الطور:44] أي: قطعاً من السماء متساقطة عليهم بالعذاب يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] ولا يقرون أنه عذاب من عند الله سبحانه وتعالى، فهكذا أهل الإلحاد الذين يجحدون اليوم الآخر وينكرون عذاب الله فإنهم يصرفون العذاب إلى اصطلاحات سموها هم وآباؤهم.قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: أن الآيات لا تنفعهم بشيء، كما قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].قال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [الطور:45-46]، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47] أي: إن للذين ظلموا عذاباً في الحياة الدنيا أقل من عذاب الآخرة، وما هو العذاب في الحياة الدنيا الذي ذكره الله بقوله: عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47]؟ قال فريق من العلماء: هو ما أصابهم يوم بدر، وقال آخرون: هو ما أصابهم من جوع لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف). قال سبحانه: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47] أي: قبل عذاب يوم القيامة، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47].
الاستعانة على الشدائد بالصبر والصلاة
وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48] هذه الآية تصبِّر النبي صلى الله عليه وسلم أيما تصبير، وتطمئنه غاية الاطمئنان، وقوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] قال فريق من أهل العلم: على مرأى منا، فنحن نراك ونرى ما يصيبك، ونحن نحفظك، ونحن مطلعون عليك، فما يحدث لك ليس بغائب عنا، وليس بخافٍ علينا، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] أي: بحفظنا، وليس المراد بهذا التأويل نفي صفة العين لله، وإنما إثباتها مع بيان آثارها، كقول الرجل للآخر في الحياة الدنيا: ولدك في عيني، أي: اطمئن على ولدك فهو بإذن الله في حفظي بعد الله سبحانه، فأنا أرعاه وأحيطه بالنصح وبالتوجيه، فالله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].وقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48] للعلماء في تفسير قوله تعالى: حِينَ تَقُومُ [الطور:48] أقوال، منها:حين تقوم إلى الصلاة، فإذا قمت إلى الصلاة فاستفتح الصلاة كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).ومن العلماء من قال: حين تقوم من المجلس، قل: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.ومن العلماء من قال: حين تقوم من نومك صل لله سبحانه وتعالى، فالآية فيها: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48].والآية أفادت شيئاً أفادته غيرها من الآيات وهو: أنه يستعان على الشدائد والمصائب بالصبر والصلاة، وهذا الأصل قد أُكد عليه في عدة آيات وأحاديث، فيستعان على المصائب والشدائد والبلايا بشيئين: بالصبر وبالصلاة، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور:48] أي: لقضاء ربك، اصبر على قضاء ربك، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الطور:48]، قال فريق من أهل العلم: أي صل، وهذا المعنى مذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر:97] فما العلاج؟ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:98-99] أي: اصبر على عبادة ربك حتى يأتيك اليقين.وهذا المعنى كذلك في قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130]، ومن الآيات ما هو أصرح كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، وقال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] وقد فعل ذلك سلفنا الصالح رحمهم الله، فكان ابن عباس في سفر له، فلما أتاه خبر أخيه قثم بن العباس ، فقيل له: إن أخاك قد مات، فتنحى عن الركب وقام يصلي، فقيل له: لماذا تصلي وقد بلغك خبر موت أخيك؟ قال: إن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، وقال الله: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].فهذا أصل أُكد عليه في آيات كثيرة، ولما دخلت سارة عليها السلام على الجبار قام الخليل إبراهيم عليه السلام يصلي، فحينئذٍ إذا كان ذلك كذلك فليثبت الشخص مع هذا الأصل، وليداوم عليه عند الشدائد، فهو سلاحه، وهو معينه بإذن الله، ألا وهو الاستعانة بالصبر وبالصلاة، قال الله سبحانه وتعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور:48] أي: اصبر لقضاء ربك، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] نحن نتولاك ونرعاك. قال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ [الطور:48-49] أي: فصل له في الليل، كما قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وقال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:49]، من العلماء من قال: إن المراد بإدبار النجوم: الوقت الذي أدبرت فيه النجوم، وسيأتي بعده النهار.ومنهم من حمل ذلك على ركعتي الفجر؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).ومنهم من حمله على صلاة الفجر؛ لقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].ومن العلماء من حمله على ركعات قبل الفجر، عندما توشك النجوم على الإدبار؛ لأن الله قال: وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:49] أي: عقب ذهاب النجوم، والكل محتمل، وله وجه من الصحة، والله أعلم.
 تكذيب المشركين بالآيات
قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا [الطور:43-44] إن يرى هؤلاء الكفار العذاب نازلاً عليهم من السماء، قد تقطع عليهم وسقط قطعاً قطعاً؛ لكذبوا أيضاً مع مجيء هذه الآيات، وقالوا: سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: متراكم بعضه فوق بعض! فيرون العذاب نازلاً ولكنهم يلحدون كذلك، كما يفعل أهل الإلحاد والعلمنة في هذا الزمان، يرون الزلازل من تحت أرجلهم، ويقولون: هزات أرضية! هكذا أهل الكفر دائماً، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ [الطور:44] أي: قطعاً من السماء متساقطة عليهم بالعذاب يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] ولا يقرون أنه عذاب من عند الله سبحانه وتعالى، فهكذا أهل الإلحاد الذين يجحدون اليوم الآخر وينكرون عذاب الله فإنهم يصرفون العذاب إلى اصطلاحات سموها هم وآباؤهم.قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: أن الآيات لا تنفعهم بشيء، كما قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].قال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [الطور:45-46]، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47] أي: إن للذين ظلموا عذاباً في الحياة الدنيا أقل من عذاب الآخرة، وما هو العذاب في الحياة الدنيا الذي ذكره الله بقوله: عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47]؟ قال فريق من العلماء: هو ما أصابهم يوم بدر، وقال آخرون: هو ما أصابهم من جوع لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف). قال سبحانه: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47] أي: قبل عذاب يوم القيامة، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47].
الأسئلة

 حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد وحضور الدروس والمحاضرات
السؤال: رجل عندما رأى زوجته المتنقبة تلبس زيها كاملاً، ولكن البيشة رقيقة على العينين بحيث تظهر عيناها وجزءاً من الوجه، وكان زوجها قد حذرها في مشوار الذهاب أن يُرى منها ذلك عند الإياب، ولما لم تستجب ناسية أو منشغلة عزم على ألا تخرج أسبوعاً لتستمع للعلم الشرعي خلال يومي الثلاثاء والجمعة تأديباً لها حتى لا تكرر هذا الأمر، فهل الزوج محق أم مخطئ؟الجواب: الزوج اجتهد في تقدير العقوبة على الزوجة، لكن نراه جانب الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فهو إن كان يقرها على خروجها لطلب العلم الشرعي أو يقرها على خروجها للمساجد لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقد ذكر أن عدم استجابتها للنسيان أو للانشغال، فجدير بمن شعر أن أخاه قد نسي أن يلتمس له العذر، فإن الله سبحانه رفع عن الناسي وعن المخطئ القلم، (رفع القلم عن ثلاثة)، ولما قال أهل الإيمان: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال الله سبحانه: (قد فعلت). فهو أخطأ من وجهين -فيما أرى والله أعلم- وإلا فهو مجتهد، أخذته الغيرة -جزاه الله خيراً- لكن الخطأ أنه آخذ الناس، مؤاخذة الناس لا ينبغي أن يتشدد فيها الشخص، والثاني أنه عاقب بعقوبة النبي صلى الله عليه وسلم ضيف فيها الباب وقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) . والله سبحانه وتعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الطور للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net