اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [6] للشيخ : مصطفى العدوي


سلسلة تفسير سورة يوسف [6] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
ما زال إكرام الله يتوالى على يوسف عليه السلام، فقد أنعم الله عليه بأخذ أخيه من إخوته، وفي مرجع إخوته إلى أبيهم بدون أخيهم دروس وعبر، ثم يظهر كرم الكريم مرة أخرى بعفوه عن إخوته، وبمعجزة من المعجزات بقميصه عليه السلام، ثم تنتهي هذه السنوات بآثامها باستغفار يعقوب لهم، وبعفو يوسف عنهم ولمِّ شملهم في ملك أخيهم.
عودة إخوة يوسف إليه مرة أخرى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للإنس والجن أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فيقول الله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [يوسف:69]، أي: ضمه إليه قائلاً: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69]، أي: لا تحزن، ولا تتضايق، ولا تتبرم بالذي صنعه إخوتك معك، فهذا يدل على أن شقيق يوسف لقي عناءً وشدة وإهانة من إخوته بعد فراق يوسف كذلك، وبدليل الآتي: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [يوسف:89]، فلهذا كان شقيق يوسف يلاقي عناءً من إخوته بعد فراق أخيه يوسف صلى الله عليه وسلم.
 تدبر السلف لكتاب الله
أعجبت هذه الآية الكريمة أعرابياً من الأعراب فقال: أشهد أن هذا القرآن من عند الله. فكان الناس يتدبرون آيات القرآن ويتفهمونها، ويحضرني في هذا المقام أثر في كيفية تدبر الصحابة للقرآن، وإن لم يسعفني النظر في إسناده، وهو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ يبين كيف كان ابن عباس يتلقى هذا القرآن ويفهمه ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جالساً وأصحابه بعد صلاة الفجر، فقد كان يصلي الفجر ثم يدخل معه حملة كتاب الله يستشيرهم في أموره، ويتدارس معهم كتاب الله عز وجل، وكان يدخل معه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فدخل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يوماً مع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع سائر الصحابة الذين هم من حملة كتاب الله، فإذا بقارئ يقرأ عليهم فبدأ بقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206]، ثم قرأ القارئ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207]، فلما قرأ القارئ هذه الآية الكريمة ضرب ابن عباس برجل صاحبه الذي يجاوره وقال: اقتتلا والله اقتتلا والله!! استوقفت هذه الكلمة عمر رضي الله عنه، فقال لـابن عباس : ماذا قلت يا ابن عباس ؟ فاستحيا ابن عباس ، فأعاد عليه عمر : ماذا قلت يا ابن عباس ؟ فاستحيا ابن عباس ، فأعاد عليه عمر وأقسم عليه: ماذا قلت يا ابن عباس ؟ قال: يا أمير المؤمنين! قلت: اقتتلا! قال: من اللذان اقتتلا؟ قال: اقتتلا يا أمير المؤمنين! قال: من اللذان اقتتلا؟ قال ابن عباس شارحاً الآيات: يا أمير المؤمنين! هذا رجل يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وتولى: أي خرج، أو أصبح والياً، فلما تولى مشى في الأرض يقتل هذا ويقتل ذاك، ويهلك حرث هذا ويهلك حرث ذاك، ويشتم هذا ويضرب ذاك.. يمشى على هذه الطريقة، يضرب ويقتل ويسمّ البهائم، ويحرق الأشجار، ويدمر الثمار، والناس تعبوا يقولون: اتق الله! خف الله! حرام عليك صنيعك هذا! فتأخذه العزة بالإثم ويزداد، فحينئذٍ لم يعجب هذا الصنيع رجلاً من الصالحين، فقام مشترياً نفسه ابتغاء مرضاة الله وقال: إني أوقف زحف هذا العدو الصائل الباغي، فقام متصدياً له، فحصلت المعركة، وحصل الاقتتال.فانظر إلى فهم ابن عباس وتمشيه مع كتاب الله، وتدبره لآيات كتاب الله العزيز، وانظر إلى حالك مع كتاب الله، إن الله يقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] .. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، فلتستغفر الله يا عبد الله، لتستغفر الله حتى تزال الحجب التي على قلبك من جراء المعاصي، وتفهم كتاب الله على الوجه اللائق به، مستعيناً بالله ثم بالمذاكرة وبالمتابعة.
عودة إخوة يوسف إلى يعقوب عليه السلام
قال تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ [يوسف:80]، أي: أكبرهم سناً، والذي يعرف قدر العهود والمواثيق -يفترض هذا- أكثر من غيره، قال كبيرهم مذكراً لهم: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80]، أي: لن أغادر هذه البلاد حتى يأذن لي أبي، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف:80]، برد أخي أو بالانتصار على عدوي، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف:80].
 عتب يعقوب على أبنائه
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:83]، أي: زينت لكم أنفسكم أمراً، وحسنت لكم أنفسكم تدبيراً ومكراً، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف:83]، صبر جميل لا شكوى معه إلا الله، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:83]، العليم بحالي، العليم بكبر سني، العليم بما أصابني، وبالحزن والهم الذي حل بي.وَتَوَلَّى عَنْهُمْ [يوسف:84]، أي: أعرض عنهم وانصرف، فلم يقبل عليهم، وقد أصيب بسببهم برزيتين كبيرتين: بفقدان يوسف عليه الصلاة والسلام، ولم يدر ما صنعوا به، ثم بفقدان أخيهم واتهامه بالسرقة.. إلى من يشكو؟ إلى عدو شامت، أو إلى جار حاسد، أو إلى متربص يتربص به الدوائر؟ ومن يشكو؟ أيشكو أبناءه الذين هم من صلبه؟!! إلى من يشكو إلا إلى الله سبحانه وتعالى الذي يسمع ويرى.قال تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يوسف:84]، أنساه حب يوسف شأن بنيامين ، (وَقَالَ يَا أَسَفَى) أي: يا أسف تعال وحل، تعال وحل يا ندم، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84]، أي: ممتلئ هماً وغماً وكرباً ونكداً، فالكظيم هو الممتلئ، ومنه قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84]، تبدل سواد العين بياضاً، وهو ممتلئ حزناً وهماً وغماً عليه الصلاة والسلام، قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا [يوسف:85]، أي: حتى يبلى جسمك، أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [يوسف:85]، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]، أشكو ما بداخلي من هموم وغموم وآلام وأحزان إلى الله، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86] .
أمر يعقوب لأبنائه بالبحث عن يوسف وذهابهم إلى يوسف
يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87]، فهكذا لا ينقطع رجاء الأنبياء والصالحين في الله أبداً، فاليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله كبيرة من الكبائر، سطرها الذين صنفوا في الكبائر في كتبهم، مستدلين بقول الله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56]، وبقوله تعالى: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87]. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا [يوسف:88]، وانظر إلى هذه الذلة والمهانة والانكسار، وانظر كيف يرفع الله سبحانه وتعالى المظلوم وكيف يخفض الظالم! انظر إلى هذه الذلة والانكسار في قول إخوة يوسف الذين ظلموه يوماً ما، انظر إليهم وقد قالوا له: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف:88]، أي: في الأبدان، أولادنا مرضوا، وآباؤنا تعبوا وأصيبوا بالعمى، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ [يوسف:88]، ونحن فقراء، فالبضاعة التي أتينا بها قليلة لا تستحق أن نعطى من أجلها طعاماً وزاداً، ولكن نرجو كرمك بعد كرم الله، و(مزجاة) أي: قليلة، ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا [النور:43]، أي: يسوقه سوقاً قليلاً قليلاً ضعيفاً ضعيفاً حتى يضم بعضه إلى بعض، فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا [يوسف:88]، هكذا يتسول الظالم من المظلوم، قال إخوة يوسف ليوسف: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [يوسف:88].
 استغفار يعقوب لأبنائه
قال يعقوب عليه السلام: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:96]، قَالُوا [يوسف:97]، أي: أبناؤه، يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [يوسف:97-98]، وعدهم أن يستغفر لهم صلى الله عليه وسلم.وإذا طرح سؤال مؤداه: لم أخر يعقوب عليه السلام الاستغفار لأبنائه؟ فمن أهل العلم من قال: شدة وجده وحزنه منهم لم تجعله يبادر لهم بالاستغفار في الحال، وهذا قول تكلم به البعض، ولكن آخرون -وهم الأكثر- قالوا: أخر الاستغفار إلى وقتٍ الإجابة فيه أجدر وأولى، وهو الثلث الأخير من الليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه)، هكذا يقول ربنا سبحانه إذا كان الثلث الأخير من الليل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [6] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net