اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [2] للشيخ : مصطفى العدوي


سلسلة تفسير سورة يوسف [2] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
إن المتأمل في ثنايا هذه القصة ليرى أنها بنيت على قول الله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) كما يقول بعض أهل العلم، فإرسال يعقوب له مع إخوته، وإلقاء إخوته له في الجب بدل أن يقتلوه، وشراء العزيز له، وإكرامه، كل هذا دليل على أن الله غالب على أمره، ولكن مع الغلبة حكمة في إنجائه له من ابتلاء الجب والبيع والشراء، وأخيراً -وليس آخراً- ابتلاء امرأة العزيز أمام العزيز نفسه.
من أحكام الرؤى والأحلام
المقدمة:بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فهذا بحث مختصر يتعلق بالرؤى وبعض أحكامها؛ إذ قد كثرت في هذه السورة الكريمة، فمنها رؤيا يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، ومنها رؤيا الملك، ومنها رؤيا صاحبي السجن، فلزاماً إذاً أن نورد بعض ما يتعلق بالرؤى من أحكام.
 ما يستأنس به في تأويل الحديث
يستأنس بالأسماء التي ترى في الرؤى على تأويلها، ويسترشد بها على تأويلها، وكذلك يستأنس أحياناً بالألوان التي ترى في الرؤى، وبالأشخاص الذين يرون في الرؤيا، وبالكلمات التي تقال في الرؤيا، كل هذه مستأنسات يستأنس بها في تأويل الرؤى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأنا في بيت عقبة بن رافع ، وأتي إلينا برطب من رطب ابن طاب، فأولتها أن الرفعة لنا في الدنيا، وأن العاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)، هذا بعض ما يتعلق بالرؤى.
تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء...) الآيات
قال الله سبحانه وتعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، أي: جاء إخوة يوسف إلى أبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم الشنيعة؛ من إلقاء أخيهم في غيابه الجب، ومن التفريق بين الوالد وولده، ومن عقوق الوالد المشاهد، ومن عدم رحمة الطفل الصغير؛ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون، أي: يتباكون على الصحيح، فلم يكن بكاؤهم ببكاء، وكما قال الشاعر:إذا اشتبكت دموع في خدودتبين من بكى ممن تباكىفكان بكاؤهم تباكياً وليس بكاء على الحقيقة، جاءوا متصنعين بهذا البكاء ملتمسين العذر عند أبيهم، وملتمسين العفو.وكما هو معلوم فإن القرائن تقدّم على الدّعاوى والأقوال، فكل قول ليس مدعماً ببينات وقرائن فهو قول متحفظ عليه، وليس مجرد البكاء بنافٍ للتهم عن المتهمين، فثَم أقوام يبكون عن حقيقة، وثَم آخرون يتباكون، فدائماً القرائن والبينات تقدم على الدعاوى والأحوال المصطنعة المتصنعة.
 الاستعانة بالصبر في الشدائد
قال يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]: أي فهو الذي يطلب منه العون، به نستعين سبحانه لكنها استعانة بالصبر الجميل، واستعانة بالله وبذكره وبالصلاة له كما أمرنا ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153].عند الشدائد يستعان بالصبر وبذكر الله وبالصلاة، قال تعالى في كتابه الكريم: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40]، وقبلها قال: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:39]، فيستعان على الشدائد بالصبر وبذكر الله، وبالصلاة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، وقال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:97-99]، أي: اعبد ربك صابراً على عبادته حتى يأتيك الموت، فمن أعظم الأمور التي يستعان بها على الشدائد الصبر والصلاة والذكر.دخلت سارة جدة يوسف عليه السلام على الجبار، قيل له: قد دخل بلادك اليوم امرأة هي أجمل امرأة على وجه الأرض، وليس على وجه الأرض امرأة مثلها، وكان معها إبراهيم عليه السلام خارج البيت لا يملك حولاً ولا قوة إلا بالله سبحانه، فقام خارج البيت يصلي ويدعو، وزوجته سارة تدعو داخل البيت: اللهم كف يد الكافر، فمد الكافر يده ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، اللهم كف يد الكافر، فشلت يده، ومنعت من الوصول إليها، فقال: ادعي الله لي ولا أقربك بسوء، فدعت الله له، فمد يده ثانية ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، ثلاث مرات ولم يستطع الوصول إليها، فقال: أخرجوها من هنا، والله لقد جئتموني بساحر ولم تأتوني بإنسان.وأخدمها هاجر أم إسماعيل -فيما بعد- فكان من نسلها إسماعيل عليه السلام، الذي من نسله نبينا محمد سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، ببركة الصلاة والذكر وتقوى الله سبحانه.
قصة بيع يوسف بعد استخراجه من الجب
قال يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، وأسدل الستار على يعقوب هنا.ثم قال تعالى في بيان يوسف والحال التي جرت بيوسف عليه السلام وهو في البئر المظلم الموحش: فالبئر عميق، وبه ماء، والآبار من العمق باردة، وهو طفل صغير صلى الله عليه وسلم، لكن إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعز عبداً فلا مذل له، كما قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت)، فأراد الله سبحانه ليوسف رفعة في الدنيا ورفعة في الآخرة، ولم يكن الله ليضيع أولياءه ولا الصالحين من عباده.
 بخس السيارة ليوسف وبيعه
وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً [يوسف:19]، أسروه: من الإسرار، والإسرار الكتمان، فمن الذين أسروه بضاعة؟ من أهل العلم من يقول: إن الذين أسروه بضاعة هم الوارد ومن معه، أي: أسروه عن سائر القافلة، وأخفوا عن سائر القافلة أنهم وجدوه في البئر، أي: كتموا أمره على أنه بضاعة وأنهم اشتروها وسيبيعونها، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، وهذا القول هو الأقرب إلى سياق الآيات الكريمات، والأقرب إلى ظواهرها.فالذين أسروه بضاعة على هذا القول هم: الوارد ومن معه، أو الوارد ورفقته الخاصة دون سائر السيارة، فكأنهم أظهروا أنهم اشتروه وسيبيعونه، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، فمعنى الإسرار الكتمان.وثَم قول آخر: أن الذين أسروه وكتموا أمره هم إخوته، وكيف ذلك؟ أورد بعض المفسرين -وليس ثَم دليل يشهد لذلك- أن أخا يوسف الكبير كان يتفقد أحواله يوماً بعد يوم؛ فيذهب إلى البئر فينظر إلى ماذا آل أمر أخيه يوسف، فلما وجد الوارد قد استخرجه أتى إليه سريعاً، وقال: هذا عبد لنا قد أبق، وأخفى أنه أخ له، وأخفى يوسف كذلك أنه أخوهم حتى لا يأخذوه ويقتلوه، فرضي بالبيع، ورضي أخوه بأن يبيعه.قال تعالى: وَشَرَوْهُ [يوسف:20]، أي: باعوه، فـ(شرى) بمعنى باع.وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ [يوسف:20]، أي: الذين وجدوه باعوه، أو أن إخوته باعوه، على تأويلين للعلماء، والمعدودة معناها هنا: القليلة التي تعد، ومنه قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، أي: قليلات يأتي عليها العد.وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف:20]، وعلى هذا جوز بعض أهل العلم بيع السلعة النفيسة ذات القيمة الكبيرة بثمن قليل ما دام الرضا من البائع موجوداً ولا يوجد إكراه.وفي مقابل ذلك: الغبن الفاحش، هل هو جائز أو غير جائز؟ الظاهر أن الغبن الفاحش ترد به السلعة؛ لأنه نوع من أنواع الغش، بمعنى إذا كان مثلاً كيلو العنب يباع بجنيه أو بجنيهين فأرسلت ولداً لك يشتريه، فباع له البائع كيلو العنب بمائة جنيه، فلك أن ترد على هذا البائع السلعة وأن تسترد مالك؛ لأن هذا نوع من الغبن الفاحش، والذي به السلعة كما قال الفقهاء، لكن هذه تختلف عن صورتنا في هذا المقام.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر...) الآيات
قال تعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ [يوسف:21]، ومصر هنا المقصود بها هذه البلدة، وليست بلدة من البلدان كالواردة في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا [البقرة:61]، فإن المقصود بها: أي مصر من الأمصار وأي بلدة من البلدان، لكن هنا: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ [يوسف:21]، المقصود بها: مصر المنسوبة إلى فرعون.
 إحسان الله ليوسف بإيتائه العلم والحكمة
قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:21-22]:وبلوغ الأشد من العلماء من قال فيه: يكون ببلوغ الحلم، ومنهم من قال: ببلوغ الثلاثين، ومنهم من استدل بقوله تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15]، فقالوا: إن بلوغ الأشد هو أربعون سنة، كما قال تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12]، ومنهم من قال: الحكم هنا من الحكمة، والعقل وضع الأمور في أنصبتها اللائقة بها.آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، فيذكر الله سبحانه وتعالى الناس بالإحسان ويحثهم عليه، إذ المحسن يكرمه الله؛ فيبين الله سبحانه وتعالى في القصص القرآني الكريم أحوال أهل الصلاح ويعمم الحكم، فمن سار على مسيرتهم جوزي خير الجزاء، كما يذكر الله سبحانه أيضاً أهل الشر، ويتوعد من سار سيرهم كما قال تعالى في شأن الحجارة التي أرسلت على قوم لوط: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].ويذكر الله سبحانه إنجاءه لعباده ويقول: كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر:35]، أي: من شكر جازاه الله بأنواع من الجزاء مثل هذا الذي صنعناه.فالله سبحانه ذكرنا بإكرامه لنبيه يوسف عليه السلام ثم قال: إن هذا العطاء منا ليس خاصاً بيوسف عليه السلام بسبب النبوة، بل الإنجاء والإكرام عام، فلما أبان الله الإكرام الذي أكرم به نبيه يوسف قال: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، فهذا لابد أن ينتبه له.فالقصص القرآني نأخذ منه العبر، ونتأسى بمن كان قبلنا من أهل الفضل والصلاح، فالله سبحانه ذكر قصة أيوب عليه السلام فقال: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84]، أي: يتذكرها العباد فيسيروا سيرهم.قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف:22]، المحسنون هم الذين يعبدون الله ويراقبونه مع عدم رؤيتهم له، ويعبدون الله كأنهم يرونه، ويخشون ربهم بالغيب.. المحسنون كاظمون للغيظ وعافون عن الناس. فتلك من شيمهم.. المحسنون يقابلون الإساءات بالإحسان، والسيئات بالعفو والغفران.. هؤلاء هم المحسنون!
مراودة امرأة العزيز يوسف عن نفسه
بين الله سبحانه ابتلاءً يتعرض له المسلمون خصوصاً والناس عموماً في دنياهم.. ابتلاء من الابتلاءات التي تكثر في الناس، والتي خشي علينا منها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ألا وهو الابتلاء والفتنة بالنساء، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء)، وقال عليه الصلاة والسلام : (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
 صرف الله السوء والفحشاء عن يوسف
كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]، فالذي يصرف السوء هو الله.والذي يصرف الفحشاء هو الله، والسوء كل ما يسيئ، والفحشاء كل ما يستفحش ويستقبح ويستنكر من عظيم الذنوب، والسوء والفحشاء هو الزنا ومقدمات الزنا.السوء: المقدمات على رأي بعض العلماء، والفحشاء هي الفاحشة الكبرى، فطهره الله سبحانه وتعالى منها، ولم يقترف شيئاً من السيئات ولا من الفواحش، فهو نبي كريم بوصف نبينا محمد له: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم).قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]؛ فالذي يصرف السوء هو الله، فلنلتمس منه صرف السوء عنا، وعن ذرياتنا ونسائنا وإخواننا وأخواتنا، والمسلمين والمسلمات.إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، أي: لسابقة خير صدرت منه عليه السلام، وهو اجتهاده في مرضاة ربه.وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:25]، وهذا من خير ما يدل على نزاهة يوسف وبراءته؛ إذ هو يجري وهي تتابعه، فهل أدل على براءته من أن يجري هارباً وهي تلاحقه كي يفعل معها الفاحشة؟إنه نبي كريم، منزه مبرأ من الخطأ!(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ): جرى صوب الباب كي يفتح ويهرب عليه الصلاة والسلام، فأدركته وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ [يوسف:25]، أي: قطعت قميصه من الخلف، وشاء الله وقدر: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25]، أي: وجداه، حيث فتح الزوج الباب لأمر قدره الله وشاءه، وإذا بيوسف وامرأة العزيز بعد يوسف تطارده وتجري بعده.فلما دخل زوجها إذا بها تلصق التهم بغيرها، تلصق التهمة بالبريء الكريم! فتقول مباشرة لزوجها ملصقة التهمة بيوسف عليه السلام: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25]، وهكذا معشر المسلمين تسجن العفة والطهارة معها، ويسجن البريء، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ فتطالب بسجن يوسف أو بتعذيبه، ولم العذاب الأليم ولم يصنع يوسف عليه الصلاة والسلام شيئاً؟ ولكنه ابتلاء تلو ابتلاء، فليصبر الصابرون وليحتسب المحتسبون.قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة في مرض موته: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة لـحفصة: يا حفصة ! قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع الناس قراءته من البكاء! فمر عمر فليصل بالناس، فأعاد وأعادت عائشة وحفصة ، وأعاد وأعادت عائشة وحفصة ، فقال عليه الصلاة والسلام مشتداً: مروا أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف).ويعني بذلك عليه الصلاة والسلام: أنهن يردن أمراً ويظهرن أمراً آخر، فـعائشة تقول عن نفسها: (والله ما حملني على قولي: إن أبا بكر رجل أسيف إلا أني خشيت أن يأتي أبي بعد رسول الله يأمُّ الناس فينظر الناس من الذي جاء بعد رسول الله فيجدونه أبا بكر فيتشاءمون بـأبي بكر ، فأردت أن أبعد عن أبي هذا التشاؤم وليلصق هذا التشاؤم بغير أبي، فقلت لـحفصة : قولي له مر عمر فليصل بالناس)، ليس رفضاً للإمامة ولكن رفضاً لتشاؤم الناس بـأبي بكر بعد رسول الله.فكان هذا نوعاً من الدهاء، ونوعاً من الكيد الذي يصدر من النساء، فليعلم كل سائسٍ للنساء أن كثيراً من النساء من ذوات الحيل يردن أمراً ويظهرن أمراً آخر، كما قالت حفصة لـعائشة وكانتا في سفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يركب مع عائشة على جملها، فعماد القسم في السفر النزول، كما أن عماد القسم في الحضر الليل، فكان الرسول يسير مع عائشة على الجمل في السفر، فأرادت حفصة يوماً أن تركب هي مع الرسول، فقالت لـعائشة مظهرة أمراً آخر: يا عائشة ! ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر، أي تنظرين في اتجاهي وأنا أنظر في اتجاهك؟ ولم تقل: إني أريد الرسول، قالت: بلى، فركبت عائشة مكان حفصة وحفصة مكان عائشة، فأتى الرسول إلى بعير عائشة فركب معها فإذا هي حفصة، فسار معها طول الطريق واستحيا أن ينزل، وعائشة تنتظر الرسول يأتيها فلا يأتيها، فحزنت حزناً شديداً، ونزلت تضع رجليها بين الإذخر، أي: بين الحشيش الذي في الأرض وتقول: يا رب سلط علي عقرباً تلدغني، نبيك وما أستطيع أن أقول له شيئاً، فانظر كيف احتالت حفصة هي الأخرى على عائشة رضي الله عنهن أجمعين.والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة تفسير سورة يوسف [2] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net