اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [127-136] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [127-136] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد حفظ الله حقوق اليتامى من ذكور وإناث، كما في قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ...) الآية، فإن هذه الآية نزلت في اليتيمة التي لها مال، ووليها لا يريد أن يتزوجها ولا أن يزوجها غيره خشية الميراث، وقيل: نزلت في اليتيمة الجميلة الحسناء التي يريد وليها أن يتزوجها ولكنه لا يقسط في مهرها، وفي هذا دلالة كبيرة على أن الشرع حفظ للنساء حقوقهن حتى وهنَّ يتامى فضلاً عن كون آبائهن أحياء.وبين الله عز وجل بعد ذلك أحكام النشوز الحاصل من المرأة ومن الرجل، وكيف أن العدل بين الزوجات من الواجبات إلا في الميل القلبي وغيرها من الأحكام.
تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ...)
باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127].وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء [النساء:127] أي: يطلبون منك الفتيا في شأن النساء، فدخول السين والتاء على الفعل تعني الطلب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني) أي: طلبت منك الطعام فلم تطعمني، (قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه ..) الحديث، فقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127] أي: يطلبون منك الفتيا أو الفتوى أن تفتيهم في شأن النساء.قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127] ، سأل عروة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3].فأفادت بما حاصله: أن هذه الآية نزلت في اليتيمة التي عندها ميراث، تكون في حجر وليها، القائم عليها، الذي من حقه شرعاً أن يتزوجها، لأنه ليس أباً ولا أخاً ولا عماً لها، لكنه ولي من الأولياء البعيدين الذين يحل لهم أن يتزوجوها، لكنه يرفض الزواج بها، ومع رفضه للزواج بها يمتنع أن يزوجها لآخرين خوفاً من ضياع الميراث، فيبقيها في حالة من الإعضال، هذا قول.والقول الآخر: أن هذه الآية ومن قبلها آية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] نزلت في اليتيمة التي تكون جميلة وحسناء يريد أن يتزوجها ولا يقسط لها في الصداق، أي: لا يعطيها صداق مثلها من النساء، فأمروا إما أن يقسطوا لهن في الصداق، أو يتزوجوا غيرهن، فالنساء سواهن كثير. ومسألة القسط في الصداق: تؤصل لنا مسألة مهر المثل؛ لأن هناك مهراً يصار إليه يقال له مهر المثل، تقاس المرأة أو البنت فيه على أترابها من بنات أعمامها وبنات أخوالها، وبنات عماتها وبنات خالاتها، وجيرانها الذين هم في نفس طبقتها، إذاً يصار إلى مهر المثل عند التنازع في مسألة الصداق.قال الله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127] أي: أن المهر مكتوب لهن، فالمهر فرض، وقد تقدم قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] أي: فريضة. فالمهر فرض، لا حد لأقله ولا حد لأكثره، فأقل المهر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: ما عندي ولا خاتم، قال: زوجتك بما معك من القرآن)، وتزوجت أم سليم على الإسلام. وقد ورد حديث فيه ضعف: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لامرأة تزوجت مقابل نعلين: أرضيت من نفسك بنعلين؟!) لكنه حديث ضعيف. إذاً: لا حد لأقل المهر، وأكثر المهر لا حد له كذلك، قال الله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20] فالمقرر عند الجمهور من أهل العلم أنه لا حد لأقل المهر ولا لأكثر المهر، وإنما يختلف باختلاف الأماكن، واختلاف الأزمان، واختلاف الأشخاص. قال الله سبحانه وتعالى: اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ [النساء:127] أي: لا تعطونهن، مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127] أي: ما فرض لهن، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127] أي: لعلكم ترغبون أن تنكحوهن. ترغب عن الشيء ترفضه، وترغب في الشيء تحبه وتقبل عليه وتريده، أما (ترغب أن تنكحها)، فتحتمل الوجهين، وإن كان أقرب إلى الإرادة والرغبة في الشيء. قال تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127] يعني: أنتم تريدون أن تتزوجوا بنتاً يتيمة جميلة، ولكنكم تريدون بخسها حقها، فإذا أردتم الزواج بها فأقسطوا إليها وأدوا حقها، كالذي يؤدى لأترابها وأمثالها.وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ [النساء:127] أي: وتفعلون مع اليتامى القسط والعدل الذي أمركم الله عز وجل به، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127].
 

تفسير قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا...)
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا [النساء:128] البعل: هو الزوج.قوله: (نُشُوزًا) أي: ارتفاعاً وتعالياً ورفضاً، ورغبة عنها، فمعنى النشوز: الارتفاع، ومنه الأرض النشز، أي: الأرض المرتفعة، والمرأة الناشز هي المتعالية المرتفعة على أمر زوجها وقوله، فالنشوز يكون في النساء وفي الرجال.وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128] أي: رداً لها وعدم رغبة فيها.
 مرتبة الإحسان وفضله
قال سبحانه: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:128] أي أن الصلح وإن كان جائزاً فإن لك يا رجل أن تقبل من زوجتك أن تتنازل لك عن ليلتها مقابل إبقائها، فهذا صلح، لكن الإحسان أفضل، فأرشدك الله إلى الإحسان، وإن كانت أذنت لك بذلك. فالرجل قد يتفق مع المرأة على شيء، فلضعف المرأة تقر هذا الشيء وترضخ؛ لأنه ليس لها متنفس غير هذا الشيء، فهذا يا زوج! وإن كان جائزاً لك ما تصنعه المرأة من تنازل عن بعض حقوقها، لكن الله يرشدك إلى الإحسان، والإحسان مرتبة فوق العدل، فيستحب لك أن تسلك مع هذا الصلح الذي دار بينكما سبيل المحسنين، الذين يتركون حقوقهم لله سبحانه وتعالى.وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:128] أي: وسيجازيكم على هذا الإحسان.
تفسير قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ...)
قال تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:129]: أي: لن تستطيعوا يا معشر الرجال! يا من تزوجتم بأكثر من زوجة! أن تعدلوا بين النساء (ولو حرصتم)، أي: ولو اجتهدتم في هذا الباب، والله سبحانه وتعالى قال في الآية الأخرى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3] فكيف يجمع بين الآيتين؟ قال في الأولى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:129] فجزم بأننا لن نعدل، وقال تعالى في الثانية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]؟! إذاً: ما دام مقرراً أننا لن نعدل، فلماذا نقبل على الزواج؟!فالإجابة على هذا هي: أن العدل له صورتان:الصورة الأولى: عدل في المبيت والحقوق الظاهرة، بأن تبيت هنا ليلة وتبيت هنا ليلة، تعطي هذه خمسة قروش وتعطي هذه خمسة قروش مثلها، تأتي لهذه بثوب وتأتي لهذه بثوب، فهذا العدل في الظاهر وهو مستطاع، لكن العدل في المحبة القلبية لا يستطاع؛ لأنك لا تملك قلبك.الصورة الثانية: العدل في الجماع والمحبة القلبية، فهذا لا يستطاع؛ لأن هذا متوقف على ميلك القلبي، كأن تكون إحدى الزوجات جميلة والأخرى دميمة، فتقف على جملة أمور فلا تستطيع أن تملكها.
 معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء:129] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج. فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث. قال سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129].
تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)
قال تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء:130]. أحياناً يكون في الفرقة خير، فإذا استحالت الحياة الزوجة بين الزوجين وحدث كل يوم سباب وشتائم، وعدم إقامة لحدود الله سبحانه وتعالى، وعدم تعاون على إقامة سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ففي هذه الحالة إن يتفرقا يبدل الله الزوج خيراً من زوجته، ويبدل الله الزوجة خيراً من زوجها، وهذا هو معنى: (يغن الله كلاً من سعته). فالطلاق ليس في كل الأحيان شراً، بل قد يكون في بعض الأحيان خروجاً من المشاكل، ومن السباب، ومن مخالفة أمر الله ومخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شرعه الله سبحانه وتعالى.تأيمت حفصة رضي الله عنها فعرضها عمر على عثمان فرفضها عثمان ، وقد تزوج عثمان بنت رسول الله بعد ذلك، وهي خير له من بنت عمر من ناحية النسب، وحفصة تزوجت رسول الله خير لها من عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130] وهذه الفرقة إذا وقعت فيجب أن تكون بإحسان، فإن الله تبارك وتعالى قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] أي: الطلاق الرجعي الذي للزوج حق الرجعة فيه على زوجته مرتان، فإذا طلقها المرة الأولى وراجعها والثانية وراجعها؛ فإنه بعد الثانية إما أن يمسك بمعروف، بأن يردها إليه ويرجعها بالمعروف، أو يسرحها بإحسان.ما معنى التسريح بإحسان؟ قال بعض أهل العلم إن التسريح بإحسان هو الطلاق، لكنه قول مرجوح؛ لأنك إذا قلت: إن التسريح بإحسان هو الطلاق ورد عليك في الآية نفسها فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] فعلى هذا تكون طلقة رابعة، ولا يجوز ذلك بالإجماع. فالتسريح بإحسان من العلماء من قال: إنه الطلاق، لكنَّ الأكثرين على أن التسريح بإحسان معناه: أن تترك الزوجة بعد أن تطلقها التطليقة الثانية بدون أن ترجعها إليك، حتى تنقضي عدتها، وهذا القول أفضل من ناحية النظر؛ لأنك إذا غدرت بعد أن تركتها حتى انتهت عدتها وذهبت إلى أهلها، فإذا بدا لك أن تتزوجها فإنه يجوز؛ لأنه بقي لك طلقة، فإذا قلنا: التسريح بإحسان، فإن الآية: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] فإذا قلنا لك: طلقها ثالثة فهو غلط، لأنه ما أمر بالطلاق، بل يفهم من الآية أن يسرحها بإحسان، فكأنك تقول له: طلقها مرة ثالثة، والآية لا تتحمل هذا المعنى. وإن قال بعض أهل العلم: إن التسريح بإحسان هو الطلاق، وأورد فيه حديثاً فيه ضعف، لكن التسريح بإحسان هو أن تتركها سارحة حتى تنقضي عدتها فتبتعد عنك بدون طلاق، فيكون محفوظاً لك عندها طلقة.قد يقال: جاء في الآية قوله: أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا فقوله: (أُسَرِّحْكُنَّ) أي: أطلقكن.والجواب: أن التسريح في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28] معناه أعم من التطليق، كما يقال: يغدو عليهم بسارحة لهم، ويقال: سرحت البهيمة، أي: تركتها وأرسلتها؛ لأن الفلاحين يقولون: نحن سنروح في الصباح بالبهائم لترعى، إذاً: فالتسريح أعم من التطليق. ولذلك قال أهل العلم في باب ألفاظ الطلاق: ألفاظ الطلاق ثلاثة: طلقتك، وهذا لا يحتاج إلى نية عند التلفظ به، ولا يحتاج إلى سؤال عن النية، كأن تقول: طلقتك، أو أنتِ طالق، لكن هناك لفظان يحتاجان إلى نية وهما: سرحتك، وفارقتك؛ لأن فارقتك تحتمل الطلاق، وتحتمل غير الطلاق، كذلك التسريح يحتمل الطلاق ويحتمل غير الطلاق، فالتسريح من الكلمات التي تعددت معانيها.قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء:130] فأتى بقوله: (وَاسِعًا) من جنس (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) فالآيات في الغالب تختم باسم من أسماء الله سبحانه أو صفة من صفاته موافقة للأحكام التي فيها، ولما يريده الله سبحانه وتعالى منك. أي: إذا كنتِ يا أيتها المرأة التي تزوجت من زوج مؤذٍ لا يراقب الله ولا يراقب رسول الله، ولا يقيم حدود الله فيك، ويمنعك من إقامة حدود الله في نفسك، فلا تتردي في مسألة الطلاق ولا تخافي، وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]. ويا أيها الرجل.. يا من تزوجت بامرأة شريرة لا تساعدك على إقامة حدود الله، وتخونك إذا خرجت، إن الله لم يضيق عليك، فإن تفارقها يغنك الله سبحانه وتعالى. فالطلاق ليس في كل الأحوال شراً، وليس في كل الأحوال أيضاً خيراً؛ لما فيه من تشتيت للأولاد وتشريد لهم، والله أعلم.
 معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء:129] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج. فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث. قال سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129].
تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ...)
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]. هذه هي الوصية الجامعة التي وصى الله بها أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ووصى بها الأنبياء، ووصى بها الرجال، ووصى بها النساء، ووصى بها الناس أجمعين. قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء:131] وهم اليهود والنصارى، (وَإِيَّاكُمْ) أي: ووصيناكم أنتم أيضاً أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] فهي وصية وصى الله بها أهل الكتاب، ووصى بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1] ووصى بها النساء حيث قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]. وجاءت الوصية بها في عدة آيات، وفي جملة أحاديث لا تكاد تستقصى. وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1] وقد تقدم تفسير التقوى، واتقوا من الاتقاء ومنه قول الشاعر:سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليدأي: غطت وجهها بيدها. وقال سبحانه: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131] أي: أن كفركم لا يؤثر في الله شيئاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) أي: إن تكفروا فاعلموا أنكم لن تعجزوا الله ولن تؤثروا شيئاً فيما عند الله سبحانه وتعالى، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا [النساء:131] أي: غنيّاً عنكم إن لم تتقوه، حَمِيدًا [النساء:131] لكم إن اتقيتموه. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:132].
 معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء:129] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج. فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث. قال سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129].
تفسير قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ...)
قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء:133] وفي معناها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] وقوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89] وقوله تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]. فالذي لا يتقي الله لن يضر الله شيئاً وإنما يضر بالدرجة الأولى والأخيرة نفسه، والله في غنىً عن عبادته: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7].فقوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء:133] هي كقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].ثم قال: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [النساء:133].
 معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء:129] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج. فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث. قال سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129].
تفسير قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا...)
قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134]. أثبتت الآية صفة السمع والبصر لله سبحانه وتعالى، (وقد تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى إصبعيه على أذنه والأخرى على عينه)، فاستنبط بعض العلماء من ذلك إثبات صفة العين وكذلك صفة السمع لله سبحانه وتعالى.
 معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ [النساء:129] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج. فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث. قال سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129].
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ...)
يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135] وهي كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2]. قوله: شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135] تحتمل عدة معانٍ أي: ترجون بشهادتكم وجه الله سبحانه وتعالى.
 بيان اللي ومعناه وعقوبته
فقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135]: فاللي يطلق على معانٍ: ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد ظلم يحل عرضه ويحل عقوبته) أي: ممطالة الغني المديون ظلم، كما لو كان لك دين عند شخص غني والغني يماطل، فمماطلته تسمى: ليّ، فالرسول يقول: (لي الواجد ظلم يحل عرضه) يعني: يجوز لك أن تقول: فلان أكل مالي أو فعل بي وفعل بي وفعل؛ بقدر المظلمة. وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135] أي: عن الحق فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135].
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ...)
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136] لأهل العلم في ذلك أقوال: القول الأول: أن المراد بالذين آمنوا: الذين صدقوا محمداً عليه الصلاة والسلام، فقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [النساء:136] أي: اثبتوا على إيمانكم وازدادوا إيماناً، فأفادت الآية على هذا القول من التأويل أن الإيمان يزيد، وقد قال تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17] وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [التوبة:124]. فـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [النساء:136] أي: طلب لزيادة الإيمان وللثابت على الإيمان.القول الثاني: أن المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب، أي: يا أيها الذين آمنتم بعيسى وبموسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.القول الثالث: أنها في أهل النفاق، أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولما يدخل الإيمان إلى قلوبهم، بادروا وادخلوا الإيمان إلى قلوبكم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136] لكن سياق الآية يجعل الحمل على أهل الكتاب أولى، أي: فيا من آمنتم بعيسى، ويا من آمنتم بموسى آمنوا بالله وبرسوله محمد، وبالكتاب الذي نزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن سورة النساء نزلت في المدنية، والذين كانوا فيها يهود، وكان فيها أهل كتاب. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136]: الكتاب قد يأتي اسماً مفرداً وقد يأتي ويراد به الجنس، فقوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136]: يعني والكتب التي نزلت من قبل. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136] أي: من يكفر برسول الله فقد كفر بعموم الرسل، ومن يكفر بملك فقد كفر بجميع الملائكة، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136] والضلال: الذهاب عن القصد، فمعنى ضل ضلالاً بعيدا: ذهب مذهباً بعيداً عن طريق الصواب. والله أعلم.
 بيان اللي ومعناه وعقوبته
فقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135]: فاللي يطلق على معانٍ: ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد ظلم يحل عرضه ويحل عقوبته) أي: ممطالة الغني المديون ظلم، كما لو كان لك دين عند شخص غني والغني يماطل، فمماطلته تسمى: ليّ، فالرسول يقول: (لي الواجد ظلم يحل عرضه) يعني: يجوز لك أن تقول: فلان أكل مالي أو فعل بي وفعل بي وفعل؛ بقدر المظلمة. وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135] أي: عن الحق فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [127-136] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net