اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [92-99] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [92-99] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد حرم الله قتل النفس المسلمة، ومن قتل مؤمناً خطأً لزمه كفارة وهي عتق رقبة مؤمنة وتسليم الدية لأهل المقتول، وإن كان المقتول معاهداً بدأ بتسليم الدية ثم تحرير رقبة، وأما إن كان مسلماً ولكنه من قوم كفار فتلزم القاتل الكفارة بعتق رقبة أو صيام، ولا دية لأهل المقتول.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92]. قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) أي: وما كان ينبغي لمؤمن، فبعض العلماء قدر هنا كلمة (ينبغي).ومن العلماء من قال: وما كان يحل لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.والمؤمن المراد به هنا: المسلم، فليس المراد به المؤمن الذي هو أعلى درجة من المسلم، إنما المراد بالمؤمن هنا: المسلم، والمعنى واحد، وما كان لمسلم أن يقتل مسلماً إلا خطأ لها نفس معنى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً). و(إلا) هنا قد يكون من معانيها: لكن، (ففي) ترد كثيراً في كتاب الله عز وجل بمعنى لكن.
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا...)
ثم قال تعالى محذراً من القتل العمد: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء:93]، ذكرت الآيات القتل الخطأ والقتل العمد، وبعض كتب المالكية أدخلوا قسماً ثالثاً وهو: شبه العمد، أي: أن هناك حالات تشك هل هي عمد أو خطأ؟فمثلاً: رجل ضرب رجلاً بشيء يشك فيه هل يكون عمداً أو خطأ، فهذه فيجعلونها شبه عمد.وفي الحقيقة أن من أهل العلم من يلغي هذه المرحلة بحديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) فيرجعها إلى الخطأ؛ لعدم وجود شبه دليل صريح على مسألة شبه العمد، والله أعلم. فمثلاً: مدرس يؤدب طالبه، وفي أثناء الضرب مات هذا الطالب، أو رجل يعالج بالقرآن وهو يضرب المريض فمات هذا المريض، فيحتمل أنه أراد قتل المريض، ويحتمل أنه لم يرد. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] هل أي مؤمن يقتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم أم أن المتأول له أحكام؟ لأن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل وقتل فعلاً، فطائفة معاوية رضي الله عنه قتلت عمار بن ياسر في طائفة من أصحاب علي رضي الله عنه، فهل كل من قتل مؤمناً متعمداً جزاؤه جهنم؟التقييد الأول: جزاؤه جهنم إذا لم يغفر الله له؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فإذا لم يغفر له فلن يكون جزاؤه جهنم؛ وقد جاء (أن قوماً أتوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، زنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا، وسرقوا، فهل لهم من توبة؟ فنزل قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53])، وكذلك حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض... ثم كان مآله إلى أن تلقته ملائكة الرحمة عندما تاب. إذاً تقيد الآية بما إذا لم يغفر له. وروي عن الحبر الكبير عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: (ليس لقاتل مؤمنٍ توبة)، واحتج بهذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فقد تراكمت عليه العقوبات؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى رغم عدله الواسع المنتشر وسيرته الحسنة، إلا أنه كلف -عندما كان أميراً على المدينة من قبل بني أمية- أن يضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، فضربه وتركه في برد المدينة القارس الشديد، وكان خبيب رجلاً صالحاً حتى مات خبيب في البرد، فكان عمر كلما ذكر بعد أن ولي الخلافة يبكي ويقول: من لي بـخبيب ؟! من لي بـخبيب ؟! من لي بـخبيب ؟! ويتأسف غاية الأسف على الذي صنعه بـخبيب. قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية المسند -كما في معنى الحديث-: (إن المقتول يأتي يوم القيامة آخذاً بتلابيب قاتله معه رأسه، يقول: يا رب! سل هذا فيما قتلني. فيقال: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيبوء بإثمه وإثمه فيتحمل القاتل كل ذنوب المقتول ويكون من أصحاب النار) عياذاً بالله. فالآية فيها تقييدات، فمن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم إذا لم يتب الله عليه، ويقول: ابن القيم: إذا لم يكن متأولاً، وهذا التأول يكون مقبولاً أو تكون له وجهة شرعية مثلاً.فمثلاً: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تقاتلوا فيما بينهم، فرب العزة يقول: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، هناك شخص مؤمن في طائفة معاوية يتخيل أنه مصيب وأنه يطالب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل مظلوماً، ويبدأ برفع السيف على أخيه المسلم من وجهة شرعية، فحينئذٍ هذا التأول وإن كان لا ينجي صاحبه من العذاب جملةً إلا إذا غفر الله له، لكن لا يخلد صاحبه في النار. وهناك قيود أخر، منها: إذا لم يكن المقتول يستحق القتل، فإذا كان المقتول زانياً محصناً فقتل، أو قاتل نفس بغير حق فقتل، أو مرتداً عن دينه فقتل، أو كان قاطع طريق، أو فعل فِعل قوم لوط واستوجب حداً أقامه عليه الإمام، فهناك استثناءات تضبط لنا هذه الآية.وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] سبق أن عبد الله بن عباس يرى أنه ليس لقاتل النفس توبة، ويقسم في بعض الروايات أن آية النساء هذه نزلت بعد آية الفرقان، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70]، فـابن عباس يرى أن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، يرى أن هذه الآية هي القاضية على آية الفرقان في الحكم.أما جمهور الصحابة فلم يوافقوا على هذا الرأي وقالوا: له توبة إن تاب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وهناك جملة أدلة منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج يهدم ما قبله)، وعمومات احتج بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أهل العلم من التمس وجهاً لـعبد الله بن عباس فقال: إن مراد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل المؤمن في الغالب أنه لا يوفق للتوبة، فإن قيل: إن هناك من يقتل ويتوب، فالإجابة: أن هناك من يقتل ويتوب، ولكن في الغالب أن الذي يقتل لا يتوب، فإن وجد شخص أو ثلاثة أو عشرة، لكن الغالب على أن القتلة لا يتوبون، وهذا أحد الالتماسات لتوجيه رأي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وجعله يرجع إلى رأي جمهور الصحابة رضي الله عنهم، وبعض العلماء يحمل الآية على المستحل، والله أعلم. فجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ [النساء:93]، فاجتمع عليه الغضب واللعن.وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، في قوله: وَأَعَدَّ لَهُ [النساء:93] دليلٌ على أن النار مخلوقة، (وَأَعَدَّ لَهُ) دليل على أن النار معدة الآن، وقوله تعالى أيضاً: اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ [آل عمران:131]، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها)، وقد رآها النبي في صلاة الكسوف، وكل هذه أدلة تدل على أن النار مخلوقة الآن، وقوله: (بينما رجل يمشي في حلة أعجبته نفسه يتبختر إذ خسف به فهو في نار جهنم يتجلل فيه)، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها)، فكل هذه أدلة تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...)
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ) أي: سافرتم، والضرب في الأرض معناه: السفر، قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل:20]، وقال جل وعلا: َإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، وقال صلى الله عليه وسلم (ضربت الشياطين مشارق الأرض ومغاربها)، ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94] أي: خرجتم غزاة مسافرين في سبيل الله. (فتبينوا) في قراءة: (فتثبتوا)؛ وذلك لأن المصحف لم يكن على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام منقوطاً، فكانت الكلمة بدون نقط لا فوق ولا أسفل فتحتمل القراءتين معاً، وقد نزلت الآية في طائفة من أصحاب رسول الله خرجوا غزاةً، فالتقوا برجل كان بين بعضهم وبينه ثأر قديم في الجاهلية، فسلم عليهم بتحية الإسلام، وكان معه غنم له، فقتلوه وساقوا غنمه، فنزلت فيهم الآية، وجاء أيضاً أنها نزلت في أسامة بن زيد أنه قتل رجلاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، فيقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، والآية ليست على ما يفهمها الجهلة الذين ينتمون إلى جماعة التوقف -وهم من أجهل الطوائف- حيث أسسوا جماعة التبين بناءً على هذه الكلمة، والآية نفسها ترد عليهم، ففيها: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94] وهم يقولون للمصلين: لستم مؤمنين.فالآية أخذوا منها كلمة (التبين)، وبنوا عليها جماعة وجعلوا لهم أميراً من أجل كلمة التبين التي في الآية، فلو نظروا إلى آخر الآية: لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94] أي: احكموا لمن ألقى إليكم السلام بالإيمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المؤمن)، وهم أبوا أن يقروا بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] أي: إذا خرجتم غزاةً في سبيل الله -واصطلاح (في سبيل الله) محمولٌ على الجهاد- فتبينوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النساء:94]، فالآية تفيد أن السلام من شعار المسلمين، ولذلك لما قدم موسى على الخضر سلم عليه، فقال له الخضر : وأنى بأرضك السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ فعلم الخضر أن موسى أتى بتحية المسلمين، فلذلك تعجب كيف يأتي من عند الفراعنة ويحمل هذه التحية! قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] أي: بتهجمكم عليه وقتله، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]، أي: تورعوا عن هذا المشبوه، وابتغوا الغنيمة عند الله سبحانه وتعالى، فالآية تفيد أن الشخص يترك المشتبه ويطلب الرزق الحلال الطيب من الله، فترك المشتبه سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا عبد الله بن سلام يقول لبعض التابعين: (إنك بأرض الربا فيها فاشٍ، فإذا أقرضت رجلاً وأهدى لك شيئاً فلا تقبله فإنه ربا).قال تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94]، أسامة بن زيد نزلت فيه الآية فكان يتمنى أنه لم يولد إلا بعد أن نزلت هذه الآية أو بعد هذه الغزوة؛ لأنه قتل نفساً مؤمنة بغير حق. (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله يا أسامة ؟! قال: يا رسول الله! إنما قالها متعوذاً، قال: أقتلته يا أسامة ! بعد أن قال لا إله إلا الله؟ كيف بك يا أسامة ! إذا جاء بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!)، فقتل النفس المؤمنة -يا عباد الله- جرم كبير، وقد جاءت فيه نصوص الوعيد المتكاثرة غاية الكثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...)
قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95] كلمة (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) تأخر نزولها عن سائر الآية، فقد كان في الآية أول ما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) نزلت هكذا أول الأمر، فجاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله يشتكي ضرره وفقدان بصره، فأنزل الله تعالى: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95] وهناك دليل على أن بعض الآيات قد ينزل متأخراً عن بعض، والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يقول (ضعوا هذا الجزء في هذه الآية، وضعوا هذه الآية في سورة كذا وكذا)، كقوله تعالى في سورة البقرة: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] نزلت هكذا، ثم بعد مدة نزل قوله تعالى: (من الفجر). قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:95]، فالقاعدون لهم أجر، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آمن بالله ورسوله.. كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، مات في سبيل الله أو مات في أرضه التي ولد فيها، قالوا: أفلا نبشر الناس يا رسول الله؟! قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض).فالقاعدون لهم درجات لكن أعلى منهم درجات المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. والجهاد أعم من القتال، ولذلك المستشرقون لما جاءوا يترجمون هم والمستغربون بدءوا بترجمة كلمة (الجهاد) التي في كتاب الله بمعنى القتال، فأخطئوا؛ لأن الجهاد صورته أوسع، فقد يكون جهاداً بالمال، وقد يكون جهاداً بالنفس لا بالسيف فقط، والجهاد بالنفس يكون بالخروج لأي عملٍ يرضي الله سبحانه وتعالى وينصر دينه، وقد يكون جهاداً بالقلب، (فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن)، فاصطلاح الجهاد أعم من اصطلاح القتال، أما القتال فهو أحد صور الجهاد في سبيل الله، فلذلك الترجمة ينبغي أن تكون من رجل ملم بالأحكام الشرعية لا من رجل جاهل.قال تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِم [النساء:95] جهاد المال الآن يتمثل في صور منها: أن تنشر كتيباً أو شريطاً فيه رفع معنويات المسلمين.. أن تحث المسلمين على أعمال البر.. أن تتصدق بمصحف، فأفعال الخير والبر واسعة غاية الاتساع والحمد لله. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95]، قال صلى الله عليه وسلم: (أهل الجهاد لهم مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء؛ لتفاضل ما بينهم).
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً)
قال تعالى: دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:96] درجات ومغفرة للذنوب ورحمة من الله سبحانه وتعالى بهم. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته).والجهاد -كما علمتم- بالنفس وبالمال، وصوره لا تنقضي ولا تنقطع إلى يوم القيامة، فاقتطع من قوتك وانشر شيئاً ينصر الله به دينه ويؤيد الله به سنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام.
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ...)
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]. نزلت هذه الآية في قومٍ من المسلمين المستضعفين الذين كانوا يسكنون بمكة، فأجبرهم أهل مكة للخروج معهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان المسلم الذي في صفوف رسول الله يضرب بسهمه فيصيب أخاه المسلم الذي في صفوف المشركين، فتحسر المسلمون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسفوا على ذلك وقالوا: قتلنا إخواننا، فنزلت الآية رافعةً الحرج عن المسلمين الذين هم في صفوف النبي عليه الصلاة والسلام، ومحذرةً لأهل الإسلام الذين دخلوا في صفوف المشركين يكثرون السواد.قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ توفتهم وهم ظالمون لأنفسهم: قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ، أُخرجنا عنوة ورغم أنوفنا: قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا في هذا أنه ليس كل من أتى بعذر قبل منه، قال تعالى: َأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)
ثم قال تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [النساء:98] أي: الذين استضعفوا حقيقة وأخرجوا كرهاً من الرجال والنساء والولدان، قال ابن عباس : (كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة) لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98-99]، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.
 حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ)؟ الظاهر أنه لم يذنب.فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، حَكِيمًا [النساء:92] فيما يشرع سبحانه وتعالى.
الأسئلة

 وجود زناة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، هل تدل هذه الآية على أنه كان هناك زناة وزانيات في المجتمع الإسلامي أثناء نزول الآية؟الجواب: نعم كان هناك زناة وزوانٍ في عهد رسوله الله عليه الصلاة والسلام، وقد روى ابن عباس قول النبي عليه الصلاة والسلام في تلك المرأة: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه).وهي امرأة كان الرجال يدخلون عليها، ولم يستطع أحد أن يثبت عليها شيئاً، فلا يوجد شهود أربعة رأوا واحداً يزني بها، ومع ذلك ما انتهت، وقد زنت الغامدية وجاءت وتطهرت. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [92-99] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net