اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [85-88] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [85-88] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
تتحدث هذه الآيات من سورة النساء عن الشفاعة الدنيوية، وأن العبد إن شفع فهو مأجور سواء قبلت شفاعته أم ردت، ثم بينت أدباً من آداب المجتمع المتمثل في إفشاء السلام، وبعد ذلك ذكرت أن كل بني البشر مجموعون لميقات يوم معلوم، ثم ذكرت مدى أهمية وحدة الكلمة وتآلف القلوب وخطورة أي خلاف، خاصة إذا كان بسبب من ليس له أي قدر عند الله كالمنافقين والعياذ بالله!
تفسير قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً... )
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.أما بعد:فيقول الله سبحانه وتعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء:85] هذه الآية في الشفاعات الدنيوية، وهناك آيات تعد أصولاً في أبواب من أبوب الفقه، فمثلاً: أصلاً من الأصول في أبواب الحيل قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص:44] وأصلاً في الحيل المذمومة: قوله تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف:163] ، فهناك آيات تعد أصولاً في أبواب معينة.مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:85] فهذه الآية أصل في الشفاعات الدنيوية، فلم ترد الشفاعات الدنيوية في آية على التفصيل كما وردت في هذه الآية الكريمة.أما الشفاعات التي ذكرت في آيات أخر في كتاب الله كقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وكقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254]، وكقوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:70]، وكقوله تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، وكقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]. فهذه الآيات وما على شاكلتها في الشفاعات الأخروية.
 الفرق بين الكفل والنصيب
قال الله: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء:85] بعض أهل العلم يقولون: إن الكفل يكون مخصوصاً بالشر، والنصيب يكون مخصوصاً بالخير، وهذا الاطراد ليس بلازم، وقال الله تبارك وتعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد:28] فهنا الكفل أطلق على كفل الرحمة. فأحياناً يكون الاصطلاح موضوع لمعنى معين، قد ينتقل إلى معنى غيره، وهذا على النادر.فمثلاً: في تفسير قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [النبأ:24-25] ما معنى البرد؟ من العلماء من قال: البرد هو برد الريح الذي تتنفس فتسبب برداً في الأجواف، ومنهم من قال: البرد الراحة. إلى غير ذلك، فجاء من العلماء من قال: إن البرد المراد به النوم، واستدل ببيت شعر: بردت مراشفها عليّ فصدنيعنها وعن قبلاتها البردأي: أنها نامت برأسها على صدره ونحو ذلك، وأراد أن يقبلها لكن النوم غلبها فتركها على حالها، والشاهد أنه قصد بالبرد النوم.فـابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يقول ما حاصله: وهذا وإن استجيز أحياناً أن يطلق على النوم البرد، لكنه ليس هو الأغلب المعروف من كلام العرب، وتفسير كتاب الله على الأغلب المعروف من كلام العرب دون غيره، إلا إذا أتت قرينة تحملنا على أن نختار القول الذي ليس بغالب وليس بمشهور، كما في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد:31] فسياق الآية رجح وجهة من قال: إن المراد باليأس هنا: العلم، أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو أشاء الله لهدى الناس جميعاً.فالكفل أحياناً يطلق على نصيب الخير، وأحياناً يطلق على نصيب الشر.إذاً: يفسر معنى الكفل على حسب القرينة التي وردت.وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء:85].
تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ....)
قال الله: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] هذه الآية عامة وبعمومها أخذ فريق من أهل العلم كـزيد بن أسلم وسفيان بن عيينة وغيرهما فقالوا: حتى إذا سلم عليك كافر فرد عليه تحيته أو رد عليه أحسن من تحيته، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، وبقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44]، وبقوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] وبقوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف:89] ونحو ذلك من الآيات.
 الرد على المعتزلة
قال الله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [النساء:88] الله سبحانه هو الذي أضلهم لعلمه أنهم يستحقون الضلال. وهذه الآية فيها رد على المعتزلة القائلين بأن الرب ليس له تدخل في إضلال العباد، ومنهج أهل السنة أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال الله: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] كما في قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ [الأعراف:186]، وفي قوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17] فإن قال قائل: لماذا يضلني الله، نقول: الله أعلم بمن يستحق الضلال وأنت مكلف أن تعمل كما أمرك الله وليس لك وراء ذلك سؤال، فرب العزة يقول: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ [النساء:88]، المراد بالهداية هنا: هداية التوفيق، فالمعنى: أتريدون أن توفقوا للإيمان وتحملوا على الإيمان قوماً أراد الله لهم الضلال، وهذا لا يستطاع أبداً، إنما الهداية التي نستطيعها هي هداية الدلالة، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي [الشورى:52] أي: لتدل إلى صراط مستقيم، فهداية التوفيق هي المعنية في هذه الآية: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88].أي: لن تجد أي مدخل أبداً تدخل به إلى قلب هذا الذي أراد الله له الضلال، كما قال نوح: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:8-9] لو تسلك كل الطرق: الهدوء، السر والجهر أمام الملأ من الناس للتألف فلن يهتدي؛ لأن من يرد الله أن يضله فلن تملك له من الله شيئاً.قال الله: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء:88-89] فلا يكتفون بكفرهم، بل يريدون منكم الكفر كما كفروا، كما قال تعالى: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9].
الأسئلة

 حكم زيادة (تعالى) في السلام
السؤال: هل يجوز أن نقول: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؟الجواب: السنة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لكن هناك دائماً قوم أصحاب فلسفات أكثر من اللازم، تخرج بهم من الفاضل إلى المفضول، فالرسول عليه الصلاة والسلام -مثلاً- قال: (يا فاطمة ! ما يمنعك أن تقولي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً أو إلى أحد من خلقك) فيأتي من يدعو فيقول: ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ويزيد (ولا أقل من ذلك)، وهي زيادة لم ترد، والأولى أن نمتثل تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لنا.مثال آخر: دعاء اللهم اهدنا في فيمن هديت، تسمع أحدهم يقول: اللهم اهدنا بفضلك فيمن هديت، فيزيد بفضلك، ويقول: وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فيزيد: واصرف عنا، فهذا ترك الفاضل إلى المفضول، فهدي محمد عليه الصلاة والسلام أكمل الهدي وقد يحدث هذا من أئمة وخطباء كبار، وهو بذلك يستدرك على النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله أن يكون قال في بداية الخطبة: وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون الاقتصاد واتباع السنة أولى من الإحداث في الدين، ولعل كلمة واحدة من دعاء رسولنا عليه الصلاة والسلام تجمع لك شتات مائة كلمة، ولعل دعوة واحدة من دعوات رسول الله عليه الصلاة والسلام أبرك من مائة دعوة غيرها، والرسول عليه الصلاة والسلام يعلمنا جوامع الكلم، وهديه أكمل هدي عليه الصلاة والسلام، فمن ناحية الجواز جائز لك أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، لكن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل، فنقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.إلى هنا بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [85-88] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net