اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [74-83] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [74-83] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
حث الله عباده على الجهاد في سبيله، وجعل للمجاهد فضلاً عظيماً، وأجراً كبيراً، وللجهاد في سبيل الله مقاصد عظيمة، منها: تخليص المستضعفين من طغيان الظالمين، والجهاد لم يشرع في الإسلام من أول الأمر، بل مر بمراحل بحسب ما تقتضيه الحكمة.والخير والشر كله من عند الله، والله يتفضل على عباده بالخير، ولا يكون الشر إلا بسبب من الإنسان، ولذا فيشرع التأدب مع الله في الألفاظ، فلا ينسب إليه الشر سبحانه وتعالى.وقد ذكر الله في كتابه بعض أخبار المنافقين وصفاتهم لنحذر منهم. وأمر الله عباده في النوازل بالرجوع إلى أهل العلم المستنبطين؛ لأنهم أقرب إلى إصابة الحق.
التحريض على أعمال البر
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74].قوله تعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74] تحريض على القتال في سبيل الله، والتحريض على أعمال البر ورد في جملة من الآيات والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجاء التحريض على الصدقة في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن استطاع أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل).وجاء التحريض على الصلاة في قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، وفي السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا إله إلا الله! من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين)، وقال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرأً قام من الليل يصلي فأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) .وجاء التحريض على الذكر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42]، وفي السنة يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (سبق المفردون، قيل: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) . فالتحريض على أعمال البر ورد في مواطن كثيرة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أعمال البر: قتال أعداء الله من الكفار، قال تعالى محرضاً نبيه على ذلك: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا [النساء:84] ، وهذه الآية تحريض عام للمؤمنين.
 

التحريض على الجهاد في سبيل الله
قال الله: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [النساء:74]. قوله (في سبيل الله): سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (عن الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليقال هو جريء، أي ذلك في سبيل الله يا رسول الله؟! فقال -المقالة الفاذة الجامعة-: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، فهذا هو الضابط لتحديد من هو في سبيل الله. قال عليه الصلاة والسلام: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، وسبيل الله إذا أطلق يراد به الجهاد والغزو، فقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، المراد بقوله: (وفي سبيل الله): الجهاد، فلا يدخل فيه: إنشاء المساجد، فزكوات المال لا تنفق في المساجد إنما تنفق في المساجد صدقات عامة، مثل الصدقات الجارية إذا أرادها شخص، أو صدقات التطوع المطلق إذا أرادها شخص، وهذا رأي جمهور العلماء، ومن أهل العلم المتأخرين: من رأى أن قوله: (في سبيل الله) يشمل كل أبواب الخير وطرق البر، واستدل له بالمعنى اللغوي لكلمة: (سبيل الله)، ومن العلماء من أدخل فيها الحج أيضاً كفريق من الحنابلة، مستدلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل امرأة تحج على إبل الصدقة، والله تعالى أعلم.
 التحذير من فتنة الحياة الدنيا والركون إليها
قال الله: وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء:77]، وهذا المتاع القليل يتمثل في الحياة الدنيا وفي عمر الشخص فيها، فالشخص عمره قليل في الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليلٌ منهم من يتجاوز ذلك)، وقد قرأ الخليفة المأمون رحمه الله، أو سمع من يقرأ قوله تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84]، فقال لـابن السماك وهو بجواره: عظني يا ابن السماك ! فقرأ عليه قوله تعالى: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84]، وحمل العد على عدد الأنفاس، وقال: يا أمير المؤمنين! إذا كانت الأنفاس تعد، وليس لها مدد، فمكتوبٌ لك -يا أمير المؤمنين- أن تتنفس مثلاً مائة ألف نفس، وكل يومٍ يمضي عليك تقطع منها شوطاً، ويعد الله أنفاسك عدّاً فيوشك أن الأنفاس تنفد، ويوشك الأجل أن ينقضي!قال الله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء:77]، ولا يقال: إن الآخرة خيرٌ على الإطلاق، بل الآخرة خيرٌ لمن اتقى!وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:77]، أي: لا تظلمون قدر الفتيل، وهو: الخيط الرفيع الذي بين فلقتي النواة.قال الله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، هذه الآية كقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، وكقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (إنه قد نزل بأبيك -يا بنيّة- ما الله بتارك منه أحداً)، وكما قال القائل: الموت كأسٌ وكل الناس شاربه والقبر باب وكل الناس داخله.
الخير والشر كله من عند الله
قال الله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، ما المراد بالحسنة؟ المراد بها: النعم من نعم الدنيا، فإن يصبهم نعيمٌ من نعيم الدنيا، فينزل عليهم المطر، ويرزقون بأولاد، وتلد مواشيهم، ويرزقون بأموال، وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78] أي: أنت المتسبب فيها -يا محمد- بشؤم وجودك معنا، فإنك منذُ أن جئتنا رأينا البلايا تنزل علينا، كما قال أصحاب القرية للمرسلين: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [يس:18]، وكما قال قوم ثمود لصالح صلى الله عليه وسلم: قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل:47]، وكما قال تعالى في شأن قوم فرعون: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف:131]، فالمقصود من قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78] أي: أن الجدب الذي حلّ بنا -يا محمد- والمصائب والأمراض التي تفشت فينا؛ إنما هي بسببك، وبشؤم بوجودك، فمنذُ أن جئتنا والبلايا تنزل علينا بلية تلو الأخرى، هذا حاصل تفسير قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء:78] أي: أنت المتسبب فيها -يا محمد- بوجودك معنا.ولا يخفى عليك أخي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التطير، فقال: (لا طيرة، ويعجبني الفأل)، وهذا من أنواع التطير، ومن أنواعه كذلك: أن الرجل يمسك بالطائر ويرميه إلى السماء، فإن طار ذات اليمين ذهب إلى المكان الذي يريد، وإن طار ذات الشمال ترك السفر، والله أعلم.قال الله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، الحسنات والسيئات كلها مقدرة، فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]، هذه الآية تفيد أن القدرية نفاة القدر أغبياء؛ لأن الله قال في شأن أمثالهم: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78].
 الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله تبارك وتعالى، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين)! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، مع أنه سار على وتيرة واحدة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] -فنسب المرض إلى نفسه- فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فكل شيء مقدر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، فالتأدب في الألفاظ مع الله سبحانه وتعالى مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله تبارك وتعالى حقيقة.قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وكقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، إلى غير ذلك.وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:79] عليه الصلاة والسلام، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].
طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله
قال الله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، فطاعة رسول الله من طاعة الله عز وجل، وهذه الآية ترد على فئة القرآنيين الذين يقولون: لا نعمل إلا بالكتاب فقط! فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا ليوشكن رجلٌ من أمتي متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري -يعني: يأتي الرجل ينقل له الحديث من حديث رسول الله، فيرفض ذلك- فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرمه الله)، والله يقول: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] وهذا الحديث من دلائل النبوة، ولم يورده كثير من المصنفين في الدلائل، فظهرت فرقة تقول لها: قال رسول الله، تقول: لا، بيننا وبينك القرآن، فالذي في القرآن نثبته، والذي ليس في القرآن نرده، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهؤلاء القوم : (ألا إنما حرم رسول الله عليه الصلاة والسلام كما حرمه الله)، فالرسول لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:80].
 الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله تبارك وتعالى، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين)! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، مع أنه سار على وتيرة واحدة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] -فنسب المرض إلى نفسه- فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فكل شيء مقدر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، فالتأدب في الألفاظ مع الله سبحانه وتعالى مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله تبارك وتعالى حقيقة.قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وكقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، إلى غير ذلك.وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:79] عليه الصلاة والسلام، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].
التوكل على الله والأخذ بالأسباب في مدافعة مكر الأعداء
قال الله: وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ [النساء:81] يقولون: حالنا وشأننا أننا مطيعين لك يا محمد! (ويقولون طاعة) في الظاهر أنهم يظهرون الاستسلام والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ [النساء:81]، أصل البروز: الخروج والظهور. أبرز فلان شيئاً، أي: أظهره، خرج فلان إلى البراز. يعني: مكان الفضاء، فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ [النساء:81] أي: خرجوا من عندك بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ [النساء:81] التبييت هو: التدبير بالليل، ومنه قول القائل: هذا أمرٌ بيِّت بليل، يعني: دبر بليل، ومنه قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [الأعراف:97]، قال الله: فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ [النساء:81] أي: يكتب ما يدبرونه في الليل وما يتآمرون به. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النساء:81]، هذا المعنى يستفاد منه: أن الشخص لا يشغل نفسه كثيراً بتدبيرات الأعداء التي لا طاقة له بها، ولا حيلة له معها، فشخصٌ قد ينام طوال الليل خائفاً من شيء لا يستطيع دفعه، وما قضاه الله لا بد أن يكون، فإذا كان الأمر كهذه الحالة فعليه أن يعرض عنهم وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء:81] ومع إعراضك عنهم توكل على الله. فمثلاً: إذا كنت تخشى طوال الليل المباحث أن يأتوك، أو تخشى اليهود، أو أي شيء تخشى منه، فعليك أن تجتهد وتعمل ما في وسعك، لكن إذا كنت تخشى شيئاً خارجاً عن طاقتك، فحينئذٍ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:81]، ومع إعراضك عنهم تتوكل على الله، وإن كانت هناك أسباب فاعمل بها، مع قولك: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم لما ألقي في النار -فلم تضره وكانت عليه برداً وسلاماً- وقالها أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لما قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].قال الله: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ [النساء:81]، ومع الكتابة فقد يؤاخذ بها في الدنيا، وقد تؤجل له العقوبة إلى الآخرة، قال الله تبارك وتعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:26] ماذا كانت عاقبتهم؟- فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل:26]، فتخيل قوماً جالسين في بيت: يمكرون ويخططون ويدبرون ثم أتى الله البنيان من قواعده واجتثت الأعمدة من أصلها، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:26]، وليس القواعد فقط، بل استؤصلت من الأصل والسقف خر عليهم وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [النحل:26] أي: دخل عليهم العذاب من كل مكان ومن كل طريق، وكانوا لا يتوقعون ذلك. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ [النحل:27] يخزيهم يوم القيامة فوق هذا العذاب، فيكون الرجل يتآمر لحرب المسلمين، ويتآمر لتدمير الإسلام، ويخطط ويمكر ويسعى ويفعل ويفعل، ثم الله سبحانه وتعالى يأتي بنيانه ويجتثه من أساسه. فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [النحل:26]، فإن كان جهدك جهد المقل، وحالك حال الضعيف، فلك ربٌ لا يغفل ولا ينام، وهو للظالمين بالمرصاد، قال الله تبارك وتعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:81].
 الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله تبارك وتعالى، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين)! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، مع أنه سار على وتيرة واحدة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] -فنسب المرض إلى نفسه- فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فكل شيء مقدر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، فالتأدب في الألفاظ مع الله سبحانه وتعالى مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله تبارك وتعالى حقيقة.قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وكقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، إلى غير ذلك.وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:79] عليه الصلاة والسلام، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].
الحث على تدبر القرآن
قال الله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82]، أي: أفلا تقرءون القرآن وتفهموا ما فيه، وتفهموا سنن الله الكونية التي ذكرها لكم فيه. الآيات الآمرة بتدبر الكتاب العزيز كثيرة منها: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].. كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29].. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].
 الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله تبارك وتعالى، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين)! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، مع أنه سار على وتيرة واحدة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] -فنسب المرض إلى نفسه- فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فكل شيء مقدر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، فالتأدب في الألفاظ مع الله سبحانه وتعالى مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله تبارك وتعالى حقيقة.قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وكقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، إلى غير ذلك.وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:79] عليه الصلاة والسلام، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].
الحث على أخذ الأخبار من مصادرها
وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء:83]، هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقد سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق أزواجه، فحزن وانطلق إلى المسجد فوجد الناس يبكون، فسألهم: أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه؟ قالوا: لا ندري هو معتزل في مشربة له، فذهب عمر إليه، وأرسل غلاماً أسود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن له فلم يؤذن له، ثم أرسل يستأذن فلم يؤذن له، ثم في الثالثة أُذن له، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا. فكبر عمر.وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ [النساء:83] كان عمر من أولي الأمر، أي: من أهل العلم، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:83].فالآية أصلٌ في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية؛ فإن الخبر إذا انتقل من شخص إلى شخص يكاد يتغير وقد يدخل فيه ما ليس منه، أما إذا أخذت الخبر من مصدره الأصلي الحقيقي، قلَّت الأخطاء، وحظيت بالنقل الصحيح، وأكثر من كانوا يغيرون الأحاديث أهل العراق كما يقول القائل: يخرج الحديث من عندنا من المدينة شبراً فيصل إلى العراق ويرجع إلينا ذراعاً، فقد كانوا يبدلون في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذاً: هذه الآية أصل في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية، يقول الله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ [النساء:83]، إذا جاءك أمر مفرح أو أمر مخيف مزعج فاحرص على أن تأخذه من أصله الصحيح، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]، وهذه الآية أصلٌ في استنباط الأحكام. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:83]، فالله هو الحفيظ وهو الحافظ لكم، ولولا فضل الله عليكم لاتبعتم الشيطان.
 الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله تبارك وتعالى، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك)، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين)! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، مع أنه سار على وتيرة واحدة: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:78-80] -فنسب المرض إلى نفسه- فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فكل شيء مقدر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، فالتأدب في الألفاظ مع الله سبحانه وتعالى مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله تبارك وتعالى حقيقة.قال الله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وكقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، إلى غير ذلك.وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء:79] عليه الصلاة والسلام، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79].
الأسئلة

 حال حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)
السؤال: حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، هل هو صحيح؟الجواب: الرواية بهذا السياق ضعيفة الإسناد، لكن معناها ثابت؛ لأن المؤمنين قالوا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلت، ولأن الله قال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فالحديث وإن كان لفظه لا يثبت، إلا أن معناه ثابت صحيح، ومن العلماء من خالف في ذلك مستدلاً بقوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92] قال: هنا الخطأ لم يضعه الله سبحانه وتعالى عن القاتل، بل ألزم قاتل الخطأ بكفارة، أجيب عن ذلك: بأن هذا في القضاء الدنيوي، لكن فيما بينه وبين الله لا شيء عليه، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [74-83] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net