اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [22-23] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [22-23] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
عدد الله في كتابه الكثير من المحرمات، ومن تلك المحرمات: نساء يحرم على الرجل نكاحهن، وهن سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من المصاهرة، كل ذلك حفاظاً للأنساب وصيانة للأعراض، ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من الاستهانة بذلك، وقد اعتنى أهل العلم ببيان ذلك خاصة بالمحرمات من الرضاع؛ لكثرة خلط الناس فيها، واشتباه الأمور فيها على كثير من الناس.
حكم نكاح زوجة الأب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: يقول الله سبحانه في كتابه الكريم في بيان المحرمات من النساء: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22].المراد بالنكاح في قوله تعالى: مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء عقد التزويج، فإذا عقد الأب على امرأة حرمت هذه المرأة على جميع أولاده بالإجماع، سواء دخل بها الأب أو لم يدخل بها.وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ أي: لا تتزوجوا من تزوجهن آباؤكم، سواء دخل الآباء بهن أو لم يدخلوا.إن ذلك كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا .فإن قال قائل: لماذا صُدِّرت المحرمات بقوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ولم تصُدَّر بتحريم الأمهات، مع أن نكاح الأمهات أخطر وأشد جرماً من نكاح امرأة الأب، فرجل تزوج امرأة أبيه أقل جرماً من رجل تزوج بأمه، فلماذا صُدِّرت الآية بتحريم امرأة الأب؟قال فريق من أهل العلم: صدرت الآية بتحريم نكاح امرأة الأب؛ لأن المشركين كانوا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فجاءت الآية علاجاً لوضع تفشّى في الناس، ولذلك قدمت امرأة الأب على الأم، ولم نجد أحداً من المشركين تزوج أمه إلا طائفة من الهنود وأهل الزيغ من البهرة الذين يثنون على إمامهم، فيقولون: أحل البنات مع الأمهات ومن فضله زاد حل الصبيفالذين يحلون نكاح الأمهات طائفة من الهنود وطائفة من المجوس، أما المشركون فكانوا يحرمون الأمهات، لكن لا يحرمون امرأة الأب، ولا يحرمون الجمع بين الأختين، فصدرت المحرمات بقوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، قال بعض أهل العلم: (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم فقد عفونا لكم عنه إذا فارقتموهن.(إنه) أي: إن نكاح امرأة الأب كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ، فقد تزوج عمرو بن أمية الضمري امرأة أبيه، وكان له أخ من أبيه يقال له: أبو العيش ، فمات أبوه فتزوج عمرو بن أميه الضمري امرأة أبيه التي هي أم أبي العيش ، فولدت له مسافراً ، فكان مسافر أخاً لـأبي العيش من الأم، وأبو العيش عمه إذ هو أخو أبوه، فكان هذا يسبب مقتاً -عياذاً بالله منه- وقد قال البراء بن عازب : (رأيت خالي الحارث ومعه لواء قد عقد، فقلت له: إلى أين تذهب؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلان عرَّس بامرأة أبيه كي أضرب عنقه) . هذا ما يتعلق بهذه الآية الكريمة، والله أعلم.
 حكم المرأة التي زنى بها الأب
تأتي تفريعات على ما سبق، منها: إذا زنى الأب بامرأة هل يجوز لولده أن يتزوجها؟ هذا مبني على تفسير النكاح في قوله تعالى: مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ، هل المراد بالنكاح الوطء، أم المراد به عقد التزويج؟قال كثير من أهل العلم: إن المراد به عقد التزويج. ولكن منع كثير منهم زواج الرجل من المرأة التي زنى بها أبوه تَكْرُمة للأب. وقال الآخرون: إن الحرام لا يحرم حلالاً، ولم يرد نص صريح يحرم التي زنى بها الأب، وكيف نكرّم أباً زانياً؟!! فلا كرامة له أصلاً.
المحرمات من النساء
المحرمات في الشرع على ثلاثة أقسام: محرمات بالنسب، ومحرمات بالرضاع، ومحرمات بالمصاهرة.
 المحرمات من النساء بالمصاهرة
قال الله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، يعني: إذا عقدت على امرأة حرمت عليك أمها عند الجمهور، سواء دخلت بالبنت أم لم تدخل، فأمها تحرم عليك تحريماً مؤبداً؛ لأن الله قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ، ولم يذكر دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن. لكن إذا عقدت على امرأة ولها بنت فلا تحرم البنت إلا إذا دخلت بأمها، لا ينعكس، فإذا عقدت على بنت حرمت عليك أمها مباشرةً دخلت بها أو لم تدخل.قال الله: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، (وربائبكم): الربيبة: بنت الزوجة. وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، فبنت الزوجة التي دخل الشخص بأمها حرام على الشخص، وهنا في قوله تعالى: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ، لفظ في حجوركم: هل له مفهوم أو أنه خرج مخرج الغالب؟ الجمهور يقولون: خرج مخرج الغالب، سواء كانت الربيبة في الحجر أو ليست في الحجر فهي حرام عليك إذا دخلت بأمها، لكن علي بن أبي طالب يرى غير ذلك، فقد جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين علي فوجده حزيناً قال: (إني تزوجت امرأة وماتت، فقال له علي رضي الله عنه: ألها ابنة؟ قال: نعم، قال: أين هي؟ قال: هي بالطائف -يعني: في بلد أخرى- قال: فتزوجها، قال: كيف أتزوجها وأمها كانت عندي؟ قال: إن الله يقول: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، فهي لم تكن في حجرك فلم تتربى عندك) فهذا رأي أمير المؤمنين علي، وهو رأي أبي محمد بن حزم ، أما الجمهور فقالوا: إنها خرجت مخرج الغالب، فمن الغالب أن الربيبة تكون في الحجر، كما في قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33]، يعني لا تكره الفتاة -التي هي الأمة- على الزنا إن أرادت عفةً وتحصناً، فهب أن الفتاة التي عندك لم ترد تحصناً، هل يجوز لك أن تكرهها على البغاء؟ لا يجوز ذلك في أي حال من الأحوال، فـ(إن أردنَّ تحصناً) خرجت مخرج الغالب، فلو أن البنت قالت: لن أزني لأن الأجر قليل، لا لأنها تريد عفة، هل يجوز لك أن تجبرها؟ لا يجوز أبداً.ومما خرج مخرج الغالب قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] لوفرض أن امرأة مات زوجها لا يحل لك أن ترثها سواء بإذنها أو بغير إذنها، إنما المال لأوليائها.وكقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] فـ(أضعافاً مضاعفة) خرجت مخرج الغالب، فيمن يقرض الآخر مبلغاً وإذا حل وقت الدين قال: سدد، قال: ما عندي سداد، قال: أؤخرك عاماً والمائة بمائتين، فنزلت الآية: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، لكن ليس معناها أنه يجوز لي أن آكل الربا نصف الضعف، ومثله قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31].هل يجوز لي أن أقتل ولدي بغير خشية الإملاق؟ لا يجوز بحال.فالجمهور قالوا: إن هذه الأشياء خرجت مخرج الغالب، ومنها قوله تعالى: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ، ولكل من القولين وجه، ورأي أمير المؤمنين أصح.قال الله سبحانه وتعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، هذا في المحرمات بالمصاهرة: الربيبة، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، والتقييد بقوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لإخراج أبناء التبني، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام متبنياً لـزيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد ، وكان في الجاهلية يحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه! فلما تزوج رسول الله زينب بنت جحش شنع المشركون على رسول الله تشنيعاً بليغاً، وقالوا: محمد تزوج زوجة ابنه، يعني زوجة زيد بن حارثة ؛ لأنه كان يقال له: زيد بن محمد ؛ فنزل قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب:37]؛ لأنهم ليسوا أبناء حقيقيين، فهنا جاء الاحتراز بقوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:23]. فالمحرمات بالمصاهرة أربع: امرأة الأب، وامرأة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة. أما أم الزوجة فتحرم بمجرد العقد على ابنتها، لكن البنت لا تحرم إلا بالدخول بأمها، وأن تكون في حجر وليها على رأي أمير المؤمنين علي، أما زوجة الابن فتحرم بمجرد عقد الولد عليها، عند عقد الولد على امرأة أو على بنت حرمت البنت على أبيه مطلقاً، سواء دخل الولد بالبنت أو لم يدخل؛ لأن الله ما قيدها بالدخول، بل قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ، وكذلك زوجة الأب، وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:23]. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.
الأسئلة

 موقف الشرع من المحاكمات العسكرية
السؤال: ما رأي الشرع في المحاكمات العسكرية؟ الجواب: المحاكم العسكرية الظاهر أنها لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة، فما دامت لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة فأي محكمة عسكرية أو وضعية أو أي محكمة لا تحكم بالكتاب والسنة فأحكامها شرعاً باطلة، وهي كما قال القائل: حكوا باطلاً وانتظوا صارمـاًفقالوا: صدقنا فقلنـا: نعمأمسكوا بسيف ظالم، وتكلموا كلاماً غليظاً ثم قالوا: هل نحن صح أو غلط؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.إن الله هو الذي يكشف الغم، واعلم تمام العلم أن الذي يسلط قوماً على قوم هو الله، فاطلب من ربك سبحانه وتعالى أن يفرج الهم، هو الذي يكف أذى قوم عن آخرين، فلو جئت بالأمثلة من الناحية العقلية، ما الذي يمنع أمريكا أن تحتل مصر؟ وما الذي يمنع إسرائيل أن تدخل علينا بالصواريخ والقنابل الذرية التي موجودة عندها الآن؟ هو الله، ليست قوتنا ولا شيء، فادع الله سبحانه وتعالى أن يزيل ما بك من هم وغم.والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [22-23] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net