اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [15-21] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [15-21] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
اشتملت هذه الآيات من سورة النساء على العديد من المسائل والأحكام التي ينبغي على المسلم معرفتها، منها: الجمع بين عقوبتي الجلد والرجم على الثيب وأقوال العلماء فيه، وعضل النساء والحالات التي جوز فيها للزوج العضل، وحكم خدمة المرأة لزوجها، وغير ذلك مما سيجده القارئ في صفحات هذه المادة.
خلاف العلماء في الجمع بين الجلد والرجم للثيب الزاني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:فإذا زنت امرأة ثيب -أي: سبق لها زواج- وأتت بفاحشة، فالحديث يفيد أن عليها جلد مائة والرجم، لكن هل تجمع عليها العقوبتان، الجلد والرجم أو أن الرجم وحده يكفي؟ذهب جمهور العلماء: إلى أن الرجم وحده كافٍ، وليس عليها شيء إلا الرجم، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد -يا أنيس- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، فلم يأمر النبي بشيء مع الرجم. بينما ذهب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: إلى أنها ترجم وتجلد، قال: جلدتها بكتاب الله ، -أي: قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] - ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت عقوبة المرأة إذا زنت في أول الأمر أن تحبس في البيت حتى تموت، فتبقى محبوسة لا تخرج من البيت حتى تموت، وهو المعني بقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15] ، والسبيل هو الذي سمعتموه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

نوع النسخ في قوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت...)
هذه الآية هل فيها نسخ الأخف بالأثقل أم الأثقل بالأخف إن قلنا بأنها منسوخة؟كان أول الأمر الحبس المطلق إلى أن تموت، ثم جاء الأمر بالرجم في حال كون الزانية ثيباً، أو بالجلد والتغريب للبكر، والمرأة لا تغرب، فالتغريب لا يكون في شأن النساء، فإن المرأة إذا زنت وغربت اضطررنا إلى أن نخرج معها رجلاً من محارمها يغرب معها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم) ، وما هو الذنب الذي اقترفه محرمها حتى نغربه هو الآخر؟! ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم غرب امرأة، إنما التغريب في حق الرجال. فالشاهد: أن المرأة إذا زنت وكانت ثيباً فعليها الرجم، وإذا كانت بكراً فعليها جلد مائة، وأول الأمر كان الحبس حتى الوفاة، فهل هو نسخ للأخف بالأثقل أم للأثقل بالأخف؟ قد يرى البعض: أنه نسخ للأخف بالأثقل وذلك في حالة الرجم، فالحبس في البيوت أقل من الرجم.لكن قد يقول آخر: إن جلد المائة أخف من الحبس في البيوت طول الحياة، فلكل وجه. لكن على كل حال: نسخ الأخف بالأثقل وارد في كتاب الله، ونسخ الأثقل بالأخف وارد كذلك في كتاب الله، أما نسخ الأخف بالأثقل فمثاله قول الله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184] ، ففي بداية الأمر كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مكان كل يوم يفطره مسكيناً، على رأي الجمهور احترازاً من رأي عبد الله بن عباس ، فجاء الأمر بالإلزام بالصيام في قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] ، فالإلزام بالصيام أثقل من التخيير بين الصيام والإطعام. أما مثال نسخ الأثقل بالأخف فهو قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] فنسخت على رأي أبي هريرة وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، وكذلك مصابرة المؤمن لعشرة من الكفار نسخت بمصابرته لاثنين فقط لقوله تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:66]. فالآية تشعر بالتدرج في الأحكام، مثل التدرج في أحكام الخمر، وتقدّم أنه كان على أربع مراحل: الإباحة المطلقة، بل والمن بالإباحة: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل:67]، ثم لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43]، ثم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، ثم الاجتناب الكلي: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90].وكذلك في الجهاد: الأمر بكف اليد ابتداءً: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء:77]، ثم الإذن: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ [الحج:39]، ثم الأمر بالقتال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].
 

الشهود في جريمة الزنا
وقال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ [النساء:15] استشهدوا أي: اطلبوا أربعة شهود، مِنْكُمْ [النساء:15] أي: من الرجال، وهنا تختلف الشهادات، وشهادات الأموال لها حكم، وشهادات الحدود لها حكم، وشهادات الرضاع لها حكم، فلا يكفي في شهادات الحدود إلا أربعة شهود من الرجال، شهادات الأموال: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين، ففي صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين)، وشهادات الرضاع يكفي فيها المرضعة إذا كانت ثقة، قال الله سبحانه: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]. ونوع الأذى الوارد في قوله تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا [النساء:16] أي: من رجالكم في جريمة اللواط أو جريمة الزنا، فَآذُوهُمَا [النساء:16] ما هو نوع الأذى الذي يؤذيان به؟ قال المفسرون: هو التعيير والتوبيخ والتأنيب والشتم، فإن قال قائل: هل يجوز في الشرع الشتم؟ فالإجابة أن في مثل هذه المواطن التي أذن فيها الله سبحانه وتعالى يجوز فيها ذلك، والنبي قال: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار) قال الله سبحانه: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر:49-50]، وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175] إلى قوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف:176]، وقال أبو بكر لـعروة بن مسعود الثقفي: ( اذهب فامصص بظر اللات ) فإن احتيج إلى شيء من ذلك فعل في الموطن الذي أذن فيه الشارع، والله أعلم.فالإيذاء يتمثل في التعيير والتوبيخ والتأنيب والشتم، وهذا الأذى هو دون الحد.
 

التوبة قبل الغرغرة
وقوله تعالى: فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [النساء:16] يعني: إن تاب الرجل وأصلح فليس لك أن تعنفه بكلام قبيح بعد ذلك.إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16] يعني: باب التوبة مفتوح وباب الرحمة مفتوح، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16]. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] من قريب أي: قبل الموت، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) فكلمة من قريب: قال كثير من المفسرين: أي: من قبل الموت (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي: إنما قبول التوبة على الله. والذين يتوبون هل يجب على الله أن يقبل التوبة منهم لقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ)؟ لا يجب على الله شيء، إنما قال سبحانه: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت:21]، فإذا تبت وأراد الله لك العذاب عذبت، وإذا لم تتب وأراد الله لك الرحمة رحمك، إنما توبتنا من باب الأخذ بالأسباب المقربة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وقد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وفرعون تاب عند معاينته للموت حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، فأجيب بقوله تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:18] أليماً أي: مؤلماً موجعاً.
 

عضل النساء
وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ [النساء:19](لا يحل) أي: يحرم، وهذا أيضاً يعتبر نصاً صريحاً في التحريم، فأنتم تعلمون أن نصوص التحريم منها نصوص ظنية الدلالة في التحريم، ونصوص قطعية الدلالة في التحريم، أحل الله كذا: نص صريح الدلالة في التحليل، حرم الله كذا: نص صريح الدلالة في التحريم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ [النساء:19]المعنى: يا أيها الذين آمنوا يحرم عليكم أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] لا يحل لك أن ترث المرأة سواءً بإكراه أو بغير إكراه كذلك، إنما قوله: (كرهاً) خرجت مخرج الغالب؛ لأن هذا هو الذي كان متبعاً قبل عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتوضيح الآية: أن الرجل كان إذا مات أبوه عمد إلى امرأة أبيه، ووضع عليها ثوباً، فهو وإخوانه يتسابقون إليها، وأيهم وضع عليها ثوباً أولاً يكون قد ورثها، يفعل فيها ما يشاء: إن شاء أن يزوجها لشخص آخر زوجها، وإن شاء أن يتزوجها هو تزوجها، وإن شاء عضلها وأبقاها، وكان هو أحق بها من أوليائها، وفي ذلك يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] فكانت المرأة في الجاهلية مهانة غاية الإهانة، فإذا مات زوجها يعمد الأولياء متسابقين إليها بوضع ثوب عليها فمن كان أسبق فهو يتصرف بها كيفما شاء. لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنّ [النساء:19] أي: لا يحل لكم أيضاً أن تعضلوهن، وأصل العضل: المنع، والمراد بقوله: (ولا تعضلوهن) المنع من تزويجهن، امرأة تريد أن تتزوج وأنت تمنعها، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] أنت متزوج امرأة وكرهتها تبقى معلقة لا أنك طلقتها ولا أنك قمت بواجب الزوجية نحوها، تتركها معلقة وأنت معضل لها، تحتال هذه الحيلة لكي تتنازل لك عن شيء من الصداق، فإخواننا الذين يكرهون نساءهم ولا يطلقوهن كي تتنازل له المرأة عن صداقها آثمون مرتكبون لمحرم لقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ أي: لتأخذوا بعض الصداق الذي أعطيتموه لهن إلا في حالة واحدة.
 الحالات التي يجوز فيها للزوج العضل
إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19] يعني: يجوز لك أن تعضل زوجتك إذا أتت بفاحشة مبينة.مثلاً: رجل تزوج امرأة، وكلفه الزواج عشرة آلاف جنيه، وبعد أن كلفه الزواج عشرة آلاف جنيه إذا بزوجته على صلة برجل آخر -عياذاً بالله- فماذا يصنع؟ إن قال: أطلق، هي تريد أن تتطلق، فقد أخذت المهر، وتريد أن تتزوج شخصاً آخر وتفعل معه نفس الفعل الذي فعلته مع الأول، وتأخذ الصداق من الآخر أيضاً، فحينئذ يجوز للزوج أن يعضلها حتى تفتدي نفسها منه لقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19]، ويلحق بالفاحشة المبينة متبوعاتها، مثل: رجل تكلف وتزوج امرأة وأنفق، وبعد أن أنفق جاءت فقالت له: أريد أن أخرج متبرجة، وأخرج لابسة للملابس الضيقة أنا حرة! ينصح فلا ينفع النصح، يشق عليه جداً أن يرى زوجته متبرجة تلبس فوق الركبة، حينئذ يجوز له أن يعضلها لكي ترد إليه المهر وترجع إلى بيت أهلها، هذه الحالات التي يجوز للزوج إعضال الزوجة، أما ما سوى ذلك فرب العزة سبحانه وتعالى ما أجاز ذلك، اللهم إلا في حالة الخلع وليس في الخلع إعضال؛ لأن المرأة في الخلع هي نفسها التي تطلب الطلاق. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19] أي: من الصداق،إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19].
معاشرة النساء بالمعروف
وقوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] هذه الآية أصل في الإحسان إلى النساء في المعاشرة، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أمر من الله سبحانه للأزواج أن يعاشروا النساء بالمعروف، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التي مات بعدها بنحو ثلاثة وستين يوماً، قال في الخطبة الفاذة الجامعة في عرفات: (ألا واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) الحديث، وفيه أن الرسول أوصى بمعاشرة النساء بالمعروف، ورب العزة يوصي بمعاشرة النساء بالمعروف، والنبي يوصي بذلك، فقد قال الله سبحانه: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، وقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يجرنا إلى شيء من أحكام معاشرة النساء، وبالنسبة لمعاشرة النساء أُلفت فيها كتب ككتاب عشرة النساء للنسائي رحمه الله، استخلص من كتاب السنن الكبرى في مصنف، وكثير من أهل العلم يوردون أبواب عشرة النساء في ثنايا مصنفاتهم.
 خدمة المرأة لزوجها
خدمة المرأة لزوجها هل هي على الإيجاب أم على الاستحباب؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن خدمة المرأة لزوجها على الاستحباب، وليست على الإيجاب، وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن خدمة المرأة لزوجها واجبة عليها، وفريق ثالث قال: إن مرد هذا الأمر إلى الأعراف السائدة في البلاد وإلى أحوال النساء، فإن كانت من بيت غنى يُخدم مثلها فتخدم وإلا فلا، فهي ثلاثة أقوال لأهل العلم. وما هي الأدلة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك؟ استدل بعض القائلين بالإيجاب بقوله تعالى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34] قالوا: معنى قانتات أي: مطيعات -هذا قولهم- أي: إذا أمرها الزوج بأمر أطاعته، فإذا أمرها بالخدمة خدمته. وقال فريق آخر من أهل العلم الذين وجهوا الوجوب: قوله تعالى: ( قانتات) أي: مطيعيات، مطيعات لمن؟ ليس في الآية تقييد، وإن قلنا: مطيعات للأزواج، فمطيعات للأزواج في الذي أمرهن الله به من الطاعة، فإذا قال لها الزوج مثلاً: أعطيني مالك! فليس لها أن تطيعه فإن المال مالها، أي: إذا قال لها الزوج: أنت معك ألف جنيه أعطيني الألف جنيه، فلا يقول أحد أنه يجب عليها أن تعطيه الألف جنيه؛ لأن الله قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، فإن لم تطب نفسها فليس لها أن تعطيه، قالوا: فلما لم يكن له أن يجبرها على إعطاء المال كذلك ليس له أن يجبرها على إعطاء الخدمة، إنما الذي له: (إذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته... ) الحديث. استدل آخرون بقوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] لكن قيل: ما هي هذه الدرجة؟ أجيب أن الدرجة منها القوامة في البيت فإذا أمرها أطاعته، فإذا دعاها للفراش وجب عليها أن تطيعه، فإذا دعته هي للفراش لا يجب عليه أن يطيعها. دليل آخر لو صح لكان الفيصل في الباب وهو ما ورد من طريق عاصم بن ضمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على علي بالخدمة الظاهرة، وعلى فاطمة بالخدمة الباطنة، يعني: على علي الخدمة التي خارج البيت، وعلى فاطمة الخدمة التي داخل البيت، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، لكن علة هذا الحديث: أنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، ولا يثبت له سماع من رسول الله، بل هو تابعي متأخر فضعف الحديث، ثم إن المشهور في قصة علي أن فاطمة أتت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام تسأله خادماً فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ إذا أتيت مضجعك تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، فإنه خير لك من خادم) هذا أصل الحديث، فلعل شخص رواه بالمعنى بلفظ: (قضى بالخدمة الباطنة وبالخدمة الظاهرة)، لكن ليس هذا تعليلنا، إنما التعليل لأنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، أما هذا الحديث (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم)، ففي الصحيحين، وليس فيه إيجاب، وإنما غاية ما فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار لأهل بيته الأفضل.وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه، ورواه عن حكيم ابنه بهز وأبو قزعة أنه جاء إلى رسول الله فقال: (يا رسول الله! ما حق أحدنا على زوجته؟ وما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أما حق أحدكم على زوجته فعليها أن تطيعه إذا أمرها، وإذا دعاها إلى الفراش أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) الحديث، وليس فيه أنه أوجب عليها الخدمة، وقال: (ألا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب وألا توطئ أحداً فرشه إلا بإذنه)، وهناك نصوص قد أضافت حقوقاً أخرى للزوج مثل: لا تصم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تخرج إلى المسجد إلا بإذنه، فكل ما أتى من الأدلة ليس فيها دليل صريح يوجب عليهن هذه الخدمة.وبعض أهل العلم استدل بحديث: (انظري إنما هو جنتك أو نارك)، وليس في الحديث دليل على أنه يجب عليها الخدمة، فجنتك أو نارك تعني: أنك إذا أعطيته حقوقه التي شرعها الله تدخلين الجنة، وإذا لم تعطيه الحقوق التي أمرك الله بها دخلت النار، وليس معناه أنه يسلبها شيئاً ليس من حقه، (فجنتك أو نارك): تعني: أنك إذا اتقيت الله فيه دخلت الجنة، وإذا لم تتقي الله فيه لم تدخل الجنة، إذا سرقت من أمواله -مثلاً- دخلت النار، وإذا أطعتيه وحفظت ماله ونفسك دخلت الجنة، فالحاصل أن المسألة فيها جملة أدلة وكلها بين راد ومردود، وقد فصلت القول فيها في رسالة موسعة فيما يقارب التسعين صفحة في هذا الباب.فالشاهد: هذا بالنسبة لما يتعلق بخدمة المرأة لزوجها، بعد ذلك: كيف كان رسول الله في بيته؟ سئلت عائشة : (كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله) عليه الصلاة والسلام.ومن باب المعاشرة بالمعروف التلطف مع النساء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله)، ولا يخفى عليكم أن النبي كان يسابق عائشة، فكان يأمر الجيش بالتقدم ثم يسابقها، ثبت هذا مرتين مرة سبقها ومرة سبقته، وكان يخدم أهله عليه الصلاة والسلام في البيت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر). قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ويدخل في المعاشرة بالمعروف تزينك لزوجتك كما تحب أن تتزين لك زوجتك، وبهذا قال محمد بن الحنفية، وروي عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم أجمعين. قد تكرهها لكنها ميمونة في بيتها غير مشئومة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار)، فقد تجد امرأة جميلة أو وضيئة وحسناء، لكن كلما دخلت عليها البيت وأنت قادم من العمل أحدثت لك مشكلة مع الجيران، أو أعطيتها الراتب كي تنفق منه على البيت فتنفق الراتب في يوم أو يومين في ثياب أو في نعل أو في حقيقبة! فضيعت عليك المال كله، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، لا تتوقع أبداً أنك ستجد في المرأة كل ما تريد، قد تكون المرأة جميلة ووضيئة وحسناء؛ لكنها بذيئة اللسان.. لسانها طويل، قد تكون المرأة هادئة وجميلة وحسناء لكنها لا تحسن الطهي ولا الخبز، فـأسماء بنت أبي بكر كانت تعلف للزبير فرسه وتطيعه لكن قالت: (لم أكن أحسن الخبز)، قد تكون المرأة دميمة لكنها تقوم الليل وتصلي وتراقب ربها سبحانه وتعالى فيك، فكما قال الرسول: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) يعني: في المائة جمل واحد قوي تلقاه صابراً على الجوع، سريعاً في المشي، لا يؤذي، في الإبل المائة واحد، فمن باب أولى أن يكون ذلك في النساء.
مقدار مهر المرأة وحكم أخذه بعد الإفضاء
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ [النساء:19-20] في الآية أن الأفصح أن يقال: زوج، ولا يقال: زوجة بالتاء المربوطة، وإن كان لفظ زوجة بالتاء المربوطة له شاهد، قال عمار بن ياسر كما في صحيح البخاري في شأن عائشة : (إني لأعلم أنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم أتتبعونه أم تتبعونها)، فزوجة بالتاء المربوطة جائز لكن الأفصح زوج. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ [النساء:20] تطليق امرأة وتزوج امرأة أخرى وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا [النساء:20] أي: أعطيتم التي تريدون أن تطلقوها قنطاراً من الفضة أو من الذهب كصداق فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، اللهم إلا في حالة واحدة هي حالة الخلع قال الله سبحانه: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]. (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) يدل على جواز الإكثار من المهر، وفي الحقيقة أنه لا حد لأكثر المهر ولا لأقله، إنما مرد ذلك إلى الأعراف السائدة، إنما التخفيف في المهور على وجه الإجمال مستحب؛ لأن النبي حث على ذلك وإن كان حديث: (أقلهن مهوراً أكثرهن بركة) عندي ضعيف لجملة أسباب مبسوطة في محلها، لكن وجه استحباب تقليل المهور يؤخذ من أن النبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- سأل بعض أصحابه: (كم سقت إليها؟ قال: وزن كذا وكذا من ذهب، قال: إنما تنحتون من عرض هذا الجبل! )أو كما عليه الصلاة والسلام، لكن التحرير: أنه لا حد لأقل المهر ولا لأكثر المهر، بل يلزم في بعض الحالات أن تبلغ بالمرأة أعلى سنتها في الصداق، مهور النساء خمسة آلاف جنيه، ومنهن من تأخذ مهر سبعة آلاف، ومنهن من تأخذ مهر ثلاثة آلاف، فهناك حالات يلزمني أن أدفع سبعة آلاف، فإذا كانت المزوجة يتيمة لابد أن تبلغ باليتيمة أعلى سنتها في الصداق كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ [النساء:20] أي: أعطيتم إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا [النساء:20] أي: كصداق فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا [النساء:20] بهتاناً أي: بغير حق، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) يعني: تكلمت فيه بغير حق وظلمته بغير حق، فالبهتان هنا: الظلم وأكل المال بغير حق، فإخواننا الذين يضيقون على النساء كي يرددون إليهم جزءاً من المهور يأكلون المهور بهتاناً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20]. وحادثة عمر في هذا الباب مختصرة لها طرق تصح بمجموعها: أنه خرج لينصح الناس بعدم المغالاة في المهور قال: (فعرض لي قوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا [النساء:20] فأمسكت) أخرجه عبد الرزاق بإسناد مرسل قوي، ويشهد لأصل القصة قصة المرأة التي راجعته.أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا [النساء:20] أي: ظلماً بغير حق، وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20]. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ [النساء:21] بأي حق تأخذونه؟! وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21] أي: الجماع؛ لأنك إذا جامعتها فكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لها الصداق بما استحللت من فرجها) يعني: الصداق أصلاً مقابل الاستمتاع بالفرج، فإذا جامعتها استحقت بالجماع الصداق، فبأي وجه تأتي تسلبها هذا الصداق؟ بأي وجه حق تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض؟ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وجزاكم الله خيراً.
 خدمة المرأة لزوجها
خدمة المرأة لزوجها هل هي على الإيجاب أم على الاستحباب؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن خدمة المرأة لزوجها على الاستحباب، وليست على الإيجاب، وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن خدمة المرأة لزوجها واجبة عليها، وفريق ثالث قال: إن مرد هذا الأمر إلى الأعراف السائدة في البلاد وإلى أحوال النساء، فإن كانت من بيت غنى يُخدم مثلها فتخدم وإلا فلا، فهي ثلاثة أقوال لأهل العلم. وما هي الأدلة من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك؟ استدل بعض القائلين بالإيجاب بقوله تعالى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34] قالوا: معنى قانتات أي: مطيعات -هذا قولهم- أي: إذا أمرها الزوج بأمر أطاعته، فإذا أمرها بالخدمة خدمته. وقال فريق آخر من أهل العلم الذين وجهوا الوجوب: قوله تعالى: ( قانتات) أي: مطيعيات، مطيعات لمن؟ ليس في الآية تقييد، وإن قلنا: مطيعات للأزواج، فمطيعات للأزواج في الذي أمرهن الله به من الطاعة، فإذا قال لها الزوج مثلاً: أعطيني مالك! فليس لها أن تطيعه فإن المال مالها، أي: إذا قال لها الزوج: أنت معك ألف جنيه أعطيني الألف جنيه، فلا يقول أحد أنه يجب عليها أن تعطيه الألف جنيه؛ لأن الله قال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، فإن لم تطب نفسها فليس لها أن تعطيه، قالوا: فلما لم يكن له أن يجبرها على إعطاء المال كذلك ليس له أن يجبرها على إعطاء الخدمة، إنما الذي له: (إذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته... ) الحديث. استدل آخرون بقوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] لكن قيل: ما هي هذه الدرجة؟ أجيب أن الدرجة منها القوامة في البيت فإذا أمرها أطاعته، فإذا دعاها للفراش وجب عليها أن تطيعه، فإذا دعته هي للفراش لا يجب عليه أن يطيعها. دليل آخر لو صح لكان الفيصل في الباب وهو ما ورد من طريق عاصم بن ضمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على علي بالخدمة الظاهرة، وعلى فاطمة بالخدمة الباطنة، يعني: على علي الخدمة التي خارج البيت، وعلى فاطمة الخدمة التي داخل البيت، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، لكن علة هذا الحديث: أنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، ولا يثبت له سماع من رسول الله، بل هو تابعي متأخر فضعف الحديث، ثم إن المشهور في قصة علي أن فاطمة أتت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام تسأله خادماً فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ إذا أتيت مضجعك تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، فإنه خير لك من خادم) هذا أصل الحديث، فلعل شخص رواه بالمعنى بلفظ: (قضى بالخدمة الباطنة وبالخدمة الظاهرة)، لكن ليس هذا تعليلنا، إنما التعليل لأنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، أما هذا الحديث (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم)، ففي الصحيحين، وليس فيه إيجاب، وإنما غاية ما فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار لأهل بيته الأفضل.وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه، ورواه عن حكيم ابنه بهز وأبو قزعة أنه جاء إلى رسول الله فقال: (يا رسول الله! ما حق أحدنا على زوجته؟ وما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أما حق أحدكم على زوجته فعليها أن تطيعه إذا أمرها، وإذا دعاها إلى الفراش أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) الحديث، وليس فيه أنه أوجب عليها الخدمة، وقال: (ألا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب وألا توطئ أحداً فرشه إلا بإذنه)، وهناك نصوص قد أضافت حقوقاً أخرى للزوج مثل: لا تصم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تخرج إلى المسجد إلا بإذنه، فكل ما أتى من الأدلة ليس فيها دليل صريح يوجب عليهن هذه الخدمة.وبعض أهل العلم استدل بحديث: (انظري إنما هو جنتك أو نارك)، وليس في الحديث دليل على أنه يجب عليها الخدمة، فجنتك أو نارك تعني: أنك إذا أعطيته حقوقه التي شرعها الله تدخلين الجنة، وإذا لم تعطيه الحقوق التي أمرك الله بها دخلت النار، وليس معناه أنه يسلبها شيئاً ليس من حقه، (فجنتك أو نارك): تعني: أنك إذا اتقيت الله فيه دخلت الجنة، وإذا لم تتقي الله فيه لم تدخل الجنة، إذا سرقت من أمواله -مثلاً- دخلت النار، وإذا أطعتيه وحفظت ماله ونفسك دخلت الجنة، فالحاصل أن المسألة فيها جملة أدلة وكلها بين راد ومردود، وقد فصلت القول فيها في رسالة موسعة فيما يقارب التسعين صفحة في هذا الباب.فالشاهد: هذا بالنسبة لما يتعلق بخدمة المرأة لزوجها، بعد ذلك: كيف كان رسول الله في بيته؟ سئلت عائشة : (كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله) عليه الصلاة والسلام.ومن باب المعاشرة بالمعروف التلطف مع النساء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله)، ولا يخفى عليكم أن النبي كان يسابق عائشة، فكان يأمر الجيش بالتقدم ثم يسابقها، ثبت هذا مرتين مرة سبقها ومرة سبقته، وكان يخدم أهله عليه الصلاة والسلام في البيت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر). قال تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ويدخل في المعاشرة بالمعروف تزينك لزوجتك كما تحب أن تتزين لك زوجتك، وبهذا قال محمد بن الحنفية، وروي عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم أجمعين. قد تكرهها لكنها ميمونة في بيتها غير مشئومة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار)، فقد تجد امرأة جميلة أو وضيئة وحسناء، لكن كلما دخلت عليها البيت وأنت قادم من العمل أحدثت لك مشكلة مع الجيران، أو أعطيتها الراتب كي تنفق منه على البيت فتنفق الراتب في يوم أو يومين في ثياب أو في نعل أو في حقيقبة! فضيعت عليك المال كله، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، لا تتوقع أبداً أنك ستجد في المرأة كل ما تريد، قد تكون المرأة جميلة ووضيئة وحسناء؛ لكنها بذيئة اللسان.. لسانها طويل، قد تكون المرأة هادئة وجميلة وحسناء لكنها لا تحسن الطهي ولا الخبز، فـأسماء بنت أبي بكر كانت تعلف للزبير فرسه وتطيعه لكن قالت: (لم أكن أحسن الخبز)، قد تكون المرأة دميمة لكنها تقوم الليل وتصلي وتراقب ربها سبحانه وتعالى فيك، فكما قال الرسول: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) يعني: في المائة جمل واحد قوي تلقاه صابراً على الجوع، سريعاً في المشي، لا يؤذي، في الإبل المائة واحد، فمن باب أولى أن يكون ذلك في النساء.
الأسئلة

 كيفية تعامل الزوج مع زوجة بها صفة الكبر
السؤال: رجل تزوج فتاة منذ عامين، رزقه الله منها ولداً، وخلال هذين العامين كانت تعامله بغلظة لأن بها صفة التكبر، وهو متحامل على زوجته تحاملاً شديداً ويسأل: أطلقها أم لا؟ الجواب: لا أستطيع أن أقول لك: طلقها أو لا، بناءً على سماع كلامك الآن، لابد من أناس منصفين يتدخلون بالإصلاح، وينصحونك بناءً على ما يرونه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [15-21] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net