اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [11-14] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [11-14] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بقسمة التركات بنفسه، وما ذلك إلا لأن الإنسان شحيح بطبعه، فعندما تكون القسمة من الله تعالى يكون هناك الرضا التام، وعلم المواريث له أحكام عدة تحتاج إلى تفهم وإلى تدبر، لذا يجب تعلم علم الفرائض؛ حتى لا تضيع الحقوق، والوجوب على العموم لا على الأعيان، فإذا تعلمه البعض سقط عن الآخرين.
تفسير قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم..)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.وبعد:فالله سبحانه في كتابه الكريم يقول: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:11].هذه الآية والتي تليها آيات المواريث، وكذلك آخر آية من سورة النساء: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ... [النساء:176].هذه ثلاث آيات في كتاب الله تتعلق بالمواريث.يقول سبحانه وتعالى فيها: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]: أن الله سبحانه وتعالى أرحم بالولد من والده ومن والدته، بدليل أن الله سبحانه وتعالى أوصى الوالدين بالولد. وقد جاء هذا المعنى في حديثٍ أصرح، ألا وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في بعض الغزوات، فرأى أمّاً تبحث عن طفلها في السبي، فإذا بها تلتقط طفلاً وتضمه إلى صدرها وتحتضنه بشدة وترضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أتظنون هذه طارحةً ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟! قالوا: لا تطرحه أبداً يا رسول الله! فقال: فوالذي نفسي بيده، لَلَّه عز وجل أرحم بعبده من هذه بولدها).آيات الفرائض أو علم الفرائض علم دقيق، وقد رُوي عن ابن مسعود أنه قال: مَن لم يعرف أحكام الفرائض والحج والطلاق فبِمَ يَفْضُل أهلَ البادية؟!، يعني: إذا كنت لا تعرف أحكام الحج، ولا الطلاق، ولا الفرائض، فبأي شيء تتميز عن أهل البادية؟!أي: أن الوعظ أو القصص لا يُعدُّ علماً بالنسبة لعلم الحج، والفرائض التي هي المواريث، وأحكام الطلاق، فأحكام الطلاق والمواريث والحج أحكامٌ تحتاج إلى ذكاء، وإلى استنباطات، وإلى معرفةٍ بالنصوص الواردة فيها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تُوَجَّه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.وقد رُوي في أثرٍ فيه كلام: (تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم).
 حقيقة ومعنى تقديم الوصية على الدين في الآية
لماذا قدمت الوصية على الدين في قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ[النساء:11]؟معلومٌ أنه إذا مات رجل عليه دين وأوصى وصية، فإن الدين يُقضى أولاً بالإجماع.ولأهل العلم في تقديم الوصية على الدين أقوال:أولها: أن الحرف (أو) لا يفيد الترتيب، كأن تقول لشخص اذهب إلى المنصورة أو الإسكندرية، فهذا تخييرٌ، ليس معناها: أن يذهب إلى هذه أولاً ثم إلى تلك ثانياً. ثانيها: أن الوصية قُدِّمت؛ لأن الشخص إذا اهتم بالشيء الصغير سيهتم بالكبير، فإذا اهتم الشخص بتنفيذ الوصية سيهتم من باب أولى بتنفيذ الدين، كما قال الله حاكياً عن الكافر: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [الكهف:49]، فقدمت الصغيرة على الكبيرة، فإذا كان لن يغادر الصغيرة، إذاً لن يغادر الكبيرة. ثالثها: أن الوصية كانت مشاعة في الناس، فقُدِّم ذكرها لتفشيها الأوسع في الناس، والشيء إذا كان متفشياً بصورة أوسع في الناس فإنه يقدم على الذي لم يكن متفشياً. فمثلاً: آية المحرمات في النساء صُدِّرت بقوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]، قُدِّمت زوجة الأب في الذكر على الأم مع أن التزوج بالأم أقبح وأشنع من التزوج بزوجة الأب، ولكن التزوج بزوجة الأب كان متفشياً في الجاهلية، وأهل الشرك في الجاهلية كانوا يحرمون الأم؛ لكن لم يكونوا يحرمون زوجة الأب، فعندما يموت الأب كان كل واحد يجري إلى امرأة أبيه بسرعة؛ لأن الذي يسبق ويضع عليها ثوباً يكون هو أحق بها من غيره، إن شاء تزوجها هو، وإن شاء زوَّجها لغيره، وإن شاء سرَّحها وردها إلى بيت أهلها، فيتصرف فيها كيف شاء. فلذلك قدمت الوصية على الدين لتفشيها.قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً[النساء:11] أي: لا تميز ولداً على الآخر، ولا تميز بنتاً على ولد، أو ولداً على بنت، فأنت لا تدري من الذي سينفعك عند الله ومن الذي سيضرك؟!قال تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً[النساء:11]: والمشرِّعون التونسيون الطواغيت الذين يجعلون المرأة مثل الرجل في الميراث، فهم في غاية الجهل والغباء، والله هو العليم الحكيم، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً[النساء:11].
تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم..)

 حقيقة المضارة في قوله تعالى: (أو دين غير مضار)
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]. قوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ : يشمل كل أنواع الضرر، فكل أنواع الضرر ينبغي أن تجتنب، كقوله تعالى في سورة البقرة: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، أي: لا ضرر على الكاتب ولا على الشهيد.وهناك معنىً آخر قال به بعض العلماء في قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282] وهو: أن ترغم الشاهد أو الكاتب على الحضور في وقت لا يستطيع الواحد منهما أن يحضر، فيعتبر هذا من المضارة، وذلك في الكتابة والشهادة في الوصية وفي الديون، وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282].فتبين أن فيها وجهين: الأول: بمعنى: لا يؤذى الكاتب ولا يؤذى الشاهد، لا يؤذى الكاتب كأن تهدده وتقول له: إذا شهدت أن هذا خطك سأفعل بك كذا، ولا يؤذى الشاهد، كأن تهدده أيضاً وتقول له: لو شهدت على كذا لفعلت بك كذا.ثانيهما: لا تأت إليهما في وقت الراحة مثلاً وتقول: هيا تعال اشهد معي. فيقول لك: أنا لا أستطيع الآن، فتقول: لازم، فهذا نوع من أنواع المضارة بالكاتب والشهيد. وعلى الكاتب والشهيد أيضاً أن لا يضارا الدائنَ والمدينَ، بمعنى: أن الشاهد قد يشهد زوراً فيضر أحد الطرفين، أو الكاتب يكتب ما لا يُملى عليه فيضر أحد الطرفين.فكلمة: (يُضارَّ) جمعت المعنيين، لا يضار هذا ولا يضار هذا، فلا يضار الكاتبُ والشهيدُ الدائنَ والمدينَ، ولا يضار الدائنُ والمدينُ الكاتبَ ولا الشهيدَ.هنا قول تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ : تشمل إبعاد كل أنواع الضرر التي تلحق بالمحتضر، أو بالورثة أو بأي صنف من الأصناف التي تشترك في التركة.
تفسير قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله..)
قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14].فآيات المواريث ذيلت بهذا التذييل الخطير لزجر من تسول له نفسه تغيير أي حكم من أحكام الله في شأن المواريث.فقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء:14] عقب قسمة الله المواريث.يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]: أي: مُذِلٌّ ومُخْزٍ، عياذاً بالله منه!والحمد لله أن بلادنا ما زالت في المواريث على الشرع فيما نعلم.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
 حقيقة المضارة في قوله تعالى: (أو دين غير مضار)
فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]. قوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ : يشمل كل أنواع الضرر، فكل أنواع الضرر ينبغي أن تجتنب، كقوله تعالى في سورة البقرة: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، أي: لا ضرر على الكاتب ولا على الشهيد.وهناك معنىً آخر قال به بعض العلماء في قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282] وهو: أن ترغم الشاهد أو الكاتب على الحضور في وقت لا يستطيع الواحد منهما أن يحضر، فيعتبر هذا من المضارة، وذلك في الكتابة والشهادة في الوصية وفي الديون، وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282].فتبين أن فيها وجهين: الأول: بمعنى: لا يؤذى الكاتب ولا يؤذى الشاهد، لا يؤذى الكاتب كأن تهدده وتقول له: إذا شهدت أن هذا خطك سأفعل بك كذا، ولا يؤذى الشاهد، كأن تهدده أيضاً وتقول له: لو شهدت على كذا لفعلت بك كذا.ثانيهما: لا تأت إليهما في وقت الراحة مثلاً وتقول: هيا تعال اشهد معي. فيقول لك: أنا لا أستطيع الآن، فتقول: لازم، فهذا نوع من أنواع المضارة بالكاتب والشهيد. وعلى الكاتب والشهيد أيضاً أن لا يضارا الدائنَ والمدينَ، بمعنى: أن الشاهد قد يشهد زوراً فيضر أحد الطرفين، أو الكاتب يكتب ما لا يُملى عليه فيضر أحد الطرفين.فكلمة: (يُضارَّ) جمعت المعنيين، لا يضار هذا ولا يضار هذا، فلا يضار الكاتبُ والشهيدُ الدائنَ والمدينَ، ولا يضار الدائنُ والمدينُ الكاتبَ ولا الشهيدَ.هنا قول تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ : تشمل إبعاد كل أنواع الضرر التي تلحق بالمحتضر، أو بالورثة أو بأي صنف من الأصناف التي تشترك في التركة.
الأسئلة

 حكم التعامل بشهادات الاستثمار
السؤال: ما حكم المعاملات التي هي شهادات الاستثمار، هل هي جائزة أم لا ؟الجواب: شهادات الاستثمار إلى الحُرمة أقرب بكل أصنافها.والله أعلم.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.إلى هنا وجزاكم الله خيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [11-14] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net