اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء للشيخ : مصطفى العدوي


اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء - (للشيخ : مصطفى العدوي)
أرسل الله تعالى رسله لتبليغ شرعه، وأمر خلقه باتباعهم واقتفاء سنتهم، ولما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم أمر أمته باتباع شرعه، ونهاهم عن مخالفته حتى ولو أدال عليهم الأمم، وجعل أصحاب نبيه عليه الصلاة والسلام وعلماء الأمة سرجاً يهتدى بها.. كل هذا حتى لا يكون للناس حجة على الله.
الترغيب في تعلم السنة والسيرة النبوية
بسم الله الرحمن الرحيمإن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .وبعد:إن سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي خير السير على الإطلاق، وكلامه صلى الله عليه وسلم هو أحسن الكلام، وهديه هو خير الهدي، وحديثه أصدق الحديث صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثَم أمر الله سبحانه وتعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا معه ويتفقهوا في دينهم منه، فقال الله جل ذكره: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] أي: فهلا خرج من كل قبيلة فرقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي، تأتم به، وتتأسى به، وتتعلم منه، ثم ترجع إلى أهلها فتنذرهم وتحذرهم، (فلولا نفر) أي: فهلا خرج نافراً مع رسول الله في المغازي، مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، فيحث الله سبحانه وتعالى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم على الخروج معه في مغازيه للتعلم منه ونقل هذا العلم إلى القبائل، أما وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نستطيع الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه فلا يسعنا إلا اتباع سننه، والاطلاع على سيرته صلوات الله وسلامه عليه، وقد شاب السيرة كثيرٌ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا تثبت، ولكن ثم قدر كبير كاف ووافٍ ثابت من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، فضلاً عما في كتاب الله سبحانه وتعالى من بيان لهذه السير والمغازي. فلنتناول شيئاً من هذا الثابت من خلال كتاب ربنا سبحانه، ومن خلال سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة، ففيها مدّكر ومعتبر.
 

سنة الابتلاء
يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، والناس لهم تبع، وذلك عقب غزوة أحد: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140-141] ، حزن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهم والغم الذي لحقهم وأصابهم في غزوة أحد، كيف يحدث هذا وهم مسلمون مؤمنون ومعهم سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم؟ تنالهم الهزيمة وتلحقهم الجروح، يشج رأس نبيهم صلى الله عليه وسلم، وتكسر رباعيته -أي: السن التي في المقدمة-، ويقتل أحب رجل إليه وهو عمه حمزة ، ويمثّل به، فتبقر بطنه، وتستخرج كبده وتلوكها هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان ، ويمثّل بـأنس بن النضر ويمزق جسمه، ولا يعرفه أحد إلا أخته وعرفته ببنانه، أي: بأطراف أصابعه.حزن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وحزنوا لمقالة أبي سفيان : أعل هبل، فقال الله لهم مخففاً ومسرياً عنهم، ومعلماً لهم ولمن جاء من بعدهم: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [آل عمران:140] قتل وجرح، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140] وذلك يوم بدر، وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، سنة الله في الحياة أن الأيام دول، أنت اليوم منتصر وغداً مهزوم، أنت اليوم صحيح معافى تعزي الناس، وتشهد جنائزهم، وهم غداً معك يعزونك في مصابك، ويشهدون جنائزك، هذه حال الحياة الدنيا، الكافر والمؤمن فيها سواء، لم يقدر على الكفار دائماً بالهزيمة، ولم يقدر على المؤمنين دائماً بالنصر، بل الأيام دول كما أخبر الله جل ذكره، وقد سأل هرقل أبا سفيان عن حالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل حاربتموه؟ قال: نعم.قال: كيف كانت الأيام بينكم وبينه؟ وكيف كانت الحروب؟ قال: الحروب بيننا وبينه دول، ننال منه مرة، وينال منا مرة.قال هرقل : وهكذا حال الرسل، يدال عليهم ثم تكون لهم العاقبة. فهذا هو شأن الحياة الدنيا، لا تبقى لشخص على وتيرة واحدة، ولو كان النصر دائماً حليفاً للمؤمنين لأورثهم طغياناً وكبراً واستغناء عن الله سبحانه وتعالى، ولكن يكسروا ويدال عليهم مرة، ثم يعلو أمرهم وينتشر قولهم، هذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه.يشترك الكفار وأهل الإيمان في مصائب الدنيا وفي حلاوتها قال الله جل ذكره: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: فمتاع الحياة الدنيا يشترك فيه الكفار والمؤمنون: خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32]، أي: لا يشارك المؤمنين فيها أحد يوم القيامة، فهكذا حال الحياة الدنيا.
 صبر أتباع الرسل عند البلاء
قال الله: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران:145-146]، (ربيون) في تفسيرها أقوال، أحدها: العلماء، والثاني: الألوف، وكأينٍ من نبي قاتل معه ألوف كثيرون، وعلماء كثيرون، وأبرار كثيرون، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [آل عمران:146]، ما وهنوا وما ضعفوا في سبيل الله، بل احتسبوا ذلك عند الله، ليسوا كمن قال الله فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]، فمن الناس من يظهر تمسكاً بالكتاب والسنة ثم أمام أدنى ابتلاء يسقط ويولي الأدبار، نعوذ بالله من تولية الأدبار!أما الربيون فليسوا كذلك، ثبتهم الله، قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا [آل عمران:146]، إمامهم محمد صلى الله عليه وسلم يبتلى فيصبر، تسيل يديه بالدماء فيقول لإصبعه والدم ينزف منها: (وهل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت)، أما إخواننا الآن فليسوا كذلك: أخٌ يلتحي، فتأخذه الشرطة يوماً فلا يرجع إلا وهو منتكس! كأن الهموم استحوذت عليه -والعياذ بالله-، أي خورٍ أشد من هذا الخور؟ لم يضرب ولم يلطم ولم يؤذ فترك الجمعة والجماعات، وولى الأدبار من أجل شرطيّ قبض عليه في كمين لاتباعه لسنة النبي الأمين عليه الصلاة والسلام! الربانيون ليسوا كذلك، فالربانيون أو الربيون ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فالله يحبهم، والله يحب الصابرين، فما كانوا قولهم -حتى تتأسوا بهم- إلا أن قالوا عند حلول المصائب ونزول البلايا ولقاء العدو: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا [آل عمران:147]، هكذا قالوا؛ علموا أن عدوهم ينتصر عليهم بسبب ذنوبهم، فطلبوا من الله المغفرة، قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147]، طلبوا من الله المغفرة، لم يزكوا أنفسهم بل اعترفوا بإسرافهم على أنفسهم بالذنوب، وهذا حال المؤمن لا يزكي نفسه بل يتواضع ويخشى من صغار الذنوب، قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا فلا يثبت إلا من ثبته الله وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . إذاً: قبل طلب النصر نطلب مغفرة الذنوب، هكذا ينبغي أن يكون العبد قبل طلب النصر والرزق يطلب مغفرة الذنوب، لا ترفع الأكف إلى الله وأنت ظالم ومعتد وآثم، لا ترفع أكف الضراعة إلى الله وقد لوثت نفسك بمظالم العباد، بل اطلب من الله غفران الذنوب والحط من الخطايا ثم سله الرزق والعافية: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:147-148].
قبض الله العلم من الأرض
صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً -وفي رواية: رؤساء جهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ؛ فضلوا وأضلوا).قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد)، هذا قبل أشراط الساعة الكبرى، أما من أشراط الساعة الكبرى: أن ينتزع العلم من قلوب العباد، قال حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، فيسرى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى في الأرض منه آية، ويقول الشيخ الكبير كلمة واحدة علقت بذهنه من الدين: لا إله إلا الله، فيقول له ولده: يا أبت! ما هذه الكلمة التي تقولها، فيقول: يا بني! وجدنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها)، هذا بين يدي الساعة، لكن قبل الأشراط الكبرى للساعة، العلم يقل، قال عليه الصلاة والسلام: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويكثر الجهل).
 السنة في قبر الموتى والعلماء وغيرهم
ثم مات أقوامٌ معاصرون، ففي بلدنا هذا مات بعض أهل العلم، فالتف الناس حول جنازته كما هو وارد عن رسول الله، وفي الدعاء للأموات خير، والميت رحمه الله تعالى كان محسناً، ولكنه بشر من البشر، يجري عليه ما يجري على البشر، فقد قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، لكن نحن الذين جئنا بعد الأموات لا ينبغي أبداً أن نفتن بأي شخصٍ كائناً من كان؛ فعبادتنا لربنا هي الأصل، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وليس من الأموات أحد بمعصوم، فأقوال كل شخص يحكم عليها بموافقتها للكتاب والسنة أو بمخالفتها للكتاب والسنة، ولكن الذي أحزننا -ونسأل الله العوض والخير- أن يتخذ قبر الشيخ المتوفى رحمه الله تعالى بجوار المسجد، وتنشأ حوله مقصورة، وقد علمنا جميعاً حديث نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حين قال في مرض موته: (لا تجعلوا قبري عيداً، لا تجعلوا قبري عيداً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).معشر الإخوة: لنا شرعٌ يتبع مهما كان الميت، مات الشيخ محمد شعراوي رحمه الله تعالى، ونسأل الله أن يوسع له في قبره، وأن ينور له فيه، ولأمواتنا ولعموم المسلمين، آمين يا رب العالمين! ولكنه بشر، ملزم بشريعة رسول الله كما يلزم بها غيره، لكن عندما تفشى في أصحاب الوجاهات مخالفات للسنن، وفارقوا بها غيرهم؛ والناس يهتمون بأصحاب الوجاهات ويصلون عليهم صلاة الغائب، وصلاة الغائب لم تصلَّ إلا على من لم يصل عليه أصلاً، أما إذا مات شخص وصُلي عليه في بلدته أو مكانه فلا تشرع عليه صلاة الغائب، فنبينا ما ثبت عنه أنه صلى صلاة الغائب إلا على النجاشي، وكان النجاشي بأرض الحبشة، فمات بها وكان أهلها من الكفار، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً لأصحابه: (إن أخاً لكم قد مات بالحبشة، فصف أصحابه، وكبر بهم أربع تكبيرات)، أما حال الناس الآن: أنهم إذا مات شخصٌ له وجاهة صلوا عليه صلاة الغائب، وإذا مات مسلم آخر لم يصلوا عليه صلاة الغائب، فهذه التفرقة لا دليل عليها لا من كتاب ولا من سنة.مات الشيخ محمد متولي شعراوي رحمه الله، وجعلوا قبره مجاوراً للمسجد محاطاً بمقصورة؛ فنخشى غاية الخشية ألا يمر عام إلا وقد أُنشئ له مولد، وقد أقيمت حول قبره بدعة، ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يوصي فيقول لـعلي : (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته)، مشرفاً، أي: عالياً، إلا سويته. وعمر لما ذهب يستأذن عائشة أن يقبر بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل ابن عمر وقال له: قل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن بجوار صاحبيه، فإن أذنت فالحمد لله، وإن لم تأذن فردوني إلى مقابر المسلمين، فأذنت عائشة ، وعثمان الخليفة البار الراشد دُفن في مقابر المسلمين، فما أخال ولا أظن أحداً أكثر منه غنى، عثمان من أهل الجنة، صاحب رسول الله، الحيي الكريم يدفن مع سائر المسلمين، وكذلك طلحة والزبير وسائر أصحاب النبي الأمين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.فالشاهد: أن الشيخ رحمه الله تعالى لا نعلم أبداً أنه أوصى أن يبنى له هذا القبر وأن يدفن فيه، ولا نعلم هل دفن فيه أم لا؟ بل يخبرنا إخواننا أنه جزاه الله خيراً دفن في مقابر المسلمين، لكن نخشى أن هذا البناء الموجود القائم الآن يحال إلى قبر، وأن ينتقل برفاته إليه، فيصبح عنده عيد من الأعياد المبتدعة، ومولد من الموالد المستقبحة المستهينة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.ليس للشيخ رحمه الله ذنبٌ فيما أحدثوه من بعده، فالعزير ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: المسيح ابن الله، فإن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]، وقال تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، أما نحن فيلزمنا اتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وندعوا للميت بالرحمة، ولا نفتن به، ولا نصرف عن ديننا بسببه، ولا نحدث في ديننا إحداثاً ونتحمل نحن آثامها وآثام من ارتكبها، لنا ديننا ولنا هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فنحذر أيما تحذير من اتخاذ القبور مساجد، ومن المغالاة في حب الأشخاص حتى لا نفتن، ليس الشيخ محمد رحمه الله بأفضل من الحسين سيد شباب أهل الجنة، ولا بأفضل من الحسن ، ولكن له منا جميعاً أن نكثر من الدعاء له ولسائر الأموات أن يرحمهم الله سبحانه، وأن يفسح لهم في قبورهم وأن ينور لهم فيها، نسأل الله سبحانه أن يوسع لهم جميعاً في القبور، وأن ينور لهم فيها.ثم أيضاً أقواله كأقوال غيره من أهل العلم لا تؤخذ بالتسليم المطلق، بل هو قد أصاب في مسائل وأخطأ في أخرى، كما أصاب الصحابة في مسائل وأخطئوا، أقواله كأقوال غيره تعرض على الكتاب والسنة، فهما خير حكم، بل لا حكم غيرهما على الأقوال والأشخاص، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر كما قال الإمام مالك رحمه الله، فيا عباد الله! الله الله! في سنة نبيكم محمد وفي اتباع الشرع، لا تحيدوا عنه ولا تنحرفوا عنه.
التحذير من إيواء أهل البدع والمحدثين
ثم نذكركم بحديث لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ قد خالفه الكثيرون إما جهلاً منهم وإما استخفافاً به، ألا وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض)، أما تغيير منار الأرض، فتغيير العلامة التي تحدد حد الأرض التي لك ولصاحبك.أما الذي يعنينا هو حديث: (لعن الله من آوى محدثاً) ، فكثير من الناس يؤجرون بيوتهم لأقوام لا أخلاق لهم ولا دين، فإذا رفع إيجار السكن أو الدكان، يؤجر له بصرف النظر عن دينه، فإذا أسكنت رجلاً فاسداً في بيتك أو امرأة من البغايا أو تاجرة للمخدرات، أو أسكنت رجلاً فاسقاً في البيت أو يبيع الدخان في محل لك، أو يتخذه مقهى أو ملهى من الملاهي المحرمة؛ فأنت آثم، ولا تبعد عن الذين آووا المحدثين، ولا عن اللعنة التي توعدك بها رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، كذلك الذين يئوون أصحاب الموالد، ويستقبلونهم، ويحيون البدع في بيوتهم، هؤلاء أيضاً ينسحب عليهم حديث رسول الله: (لعن الله من آوى محدثاً)، فجدير بكل صاحب بيت ومحل وعمل ألا يئوي إليه محدثاً من المحدثين، بل عليه أن يفكر أن الفاسد إذا سكن البيت، فأول من تصاب به أنت، وأول من تبتلى به ذراريك، لا تسكن في بيتك رجلاً قبيحاً غير محترم، لا تسكن في بيتك نساء كاسيات عاريات يفتنك وأبناءك، لا تسكن في البيت امرأة متبرجة تتبرج أمامك وأمام أبنائك، فكم من بلية حدثت بسبب هذا الاختلاط المزري! فيا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم! طهرنا من عيوبنا، وأعنا على إصلاح أخطائنا، واسترنا في حياتنا وبعد مماتنا وعند لقائك، يا رب العالمين! اللهم! صل وسلم وبارك على نبينا محمد أفضل صلاة وأتم تسليم، اللهم! ارحم أمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين! وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 السنة في قبر الموتى والعلماء وغيرهم
ثم مات أقوامٌ معاصرون، ففي بلدنا هذا مات بعض أهل العلم، فالتف الناس حول جنازته كما هو وارد عن رسول الله، وفي الدعاء للأموات خير، والميت رحمه الله تعالى كان محسناً، ولكنه بشر من البشر، يجري عليه ما يجري على البشر، فقد قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، لكن نحن الذين جئنا بعد الأموات لا ينبغي أبداً أن نفتن بأي شخصٍ كائناً من كان؛ فعبادتنا لربنا هي الأصل، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وليس من الأموات أحد بمعصوم، فأقوال كل شخص يحكم عليها بموافقتها للكتاب والسنة أو بمخالفتها للكتاب والسنة، ولكن الذي أحزننا -ونسأل الله العوض والخير- أن يتخذ قبر الشيخ المتوفى رحمه الله تعالى بجوار المسجد، وتنشأ حوله مقصورة، وقد علمنا جميعاً حديث نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حين قال في مرض موته: (لا تجعلوا قبري عيداً، لا تجعلوا قبري عيداً)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).معشر الإخوة: لنا شرعٌ يتبع مهما كان الميت، مات الشيخ محمد شعراوي رحمه الله تعالى، ونسأل الله أن يوسع له في قبره، وأن ينور له فيه، ولأمواتنا ولعموم المسلمين، آمين يا رب العالمين! ولكنه بشر، ملزم بشريعة رسول الله كما يلزم بها غيره، لكن عندما تفشى في أصحاب الوجاهات مخالفات للسنن، وفارقوا بها غيرهم؛ والناس يهتمون بأصحاب الوجاهات ويصلون عليهم صلاة الغائب، وصلاة الغائب لم تصلَّ إلا على من لم يصل عليه أصلاً، أما إذا مات شخص وصُلي عليه في بلدته أو مكانه فلا تشرع عليه صلاة الغائب، فنبينا ما ثبت عنه أنه صلى صلاة الغائب إلا على النجاشي، وكان النجاشي بأرض الحبشة، فمات بها وكان أهلها من الكفار، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً لأصحابه: (إن أخاً لكم قد مات بالحبشة، فصف أصحابه، وكبر بهم أربع تكبيرات)، أما حال الناس الآن: أنهم إذا مات شخصٌ له وجاهة صلوا عليه صلاة الغائب، وإذا مات مسلم آخر لم يصلوا عليه صلاة الغائب، فهذه التفرقة لا دليل عليها لا من كتاب ولا من سنة.مات الشيخ محمد متولي شعراوي رحمه الله، وجعلوا قبره مجاوراً للمسجد محاطاً بمقصورة؛ فنخشى غاية الخشية ألا يمر عام إلا وقد أُنشئ له مولد، وقد أقيمت حول قبره بدعة، ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يوصي فيقول لـعلي : (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته)، مشرفاً، أي: عالياً، إلا سويته. وعمر لما ذهب يستأذن عائشة أن يقبر بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل ابن عمر وقال له: قل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن بجوار صاحبيه، فإن أذنت فالحمد لله، وإن لم تأذن فردوني إلى مقابر المسلمين، فأذنت عائشة ، وعثمان الخليفة البار الراشد دُفن في مقابر المسلمين، فما أخال ولا أظن أحداً أكثر منه غنى، عثمان من أهل الجنة، صاحب رسول الله، الحيي الكريم يدفن مع سائر المسلمين، وكذلك طلحة والزبير وسائر أصحاب النبي الأمين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.فالشاهد: أن الشيخ رحمه الله تعالى لا نعلم أبداً أنه أوصى أن يبنى له هذا القبر وأن يدفن فيه، ولا نعلم هل دفن فيه أم لا؟ بل يخبرنا إخواننا أنه جزاه الله خيراً دفن في مقابر المسلمين، لكن نخشى أن هذا البناء الموجود القائم الآن يحال إلى قبر، وأن ينتقل برفاته إليه، فيصبح عنده عيد من الأعياد المبتدعة، ومولد من الموالد المستقبحة المستهينة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.ليس للشيخ رحمه الله ذنبٌ فيما أحدثوه من بعده، فالعزير ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: المسيح ابن الله، فإن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101]، وقال تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، أما نحن فيلزمنا اتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وندعوا للميت بالرحمة، ولا نفتن به، ولا نصرف عن ديننا بسببه، ولا نحدث في ديننا إحداثاً ونتحمل نحن آثامها وآثام من ارتكبها، لنا ديننا ولنا هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فنحذر أيما تحذير من اتخاذ القبور مساجد، ومن المغالاة في حب الأشخاص حتى لا نفتن، ليس الشيخ محمد رحمه الله بأفضل من الحسين سيد شباب أهل الجنة، ولا بأفضل من الحسن ، ولكن له منا جميعاً أن نكثر من الدعاء له ولسائر الأموات أن يرحمهم الله سبحانه، وأن يفسح لهم في قبورهم وأن ينور لهم فيها، نسأل الله سبحانه أن يوسع لهم جميعاً في القبور، وأن ينور لهم فيها.ثم أيضاً أقواله كأقوال غيره من أهل العلم لا تؤخذ بالتسليم المطلق، بل هو قد أصاب في مسائل وأخطأ في أخرى، كما أصاب الصحابة في مسائل وأخطئوا، أقواله كأقوال غيره تعرض على الكتاب والسنة، فهما خير حكم، بل لا حكم غيرهما على الأقوال والأشخاص، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر كما قال الإمام مالك رحمه الله، فيا عباد الله! الله الله! في سنة نبيكم محمد وفي اتباع الشرع، لا تحيدوا عنه ولا تنحرفوا عنه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net