الصحابة هم خير قرون هذه الأمة، فقد زكاهم رب البريات من فوق سبع سماوات، وأنزل فيهم آيات بينات تتلى على أسماع الورى. الصحابة .. حُبُّهم قربى وإيمان، وبغضُهم وسبُّهم كفر وطغيان، أجمع على خيريتهم وفضيلتهم وعدالتهم علماء الإسلام، ولهم من السابقة والفضل ما عجزت عن تسطيره الأقلام، وحيَّر في وصفه العقول والأفهام. عن الصحابة ومع الصحابة نعيش صوراً مشرقة من حياتهم، لنتوصل في الأخير إلى أهم الفروق بيننا وبين الصحابة، والتي من أثرها كانت لهم هذه المكانة العظيمة في الإسلام.

منزلة الصحابة في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وقيُّوم السماوات والأراضين، ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبه، الذي إذا أطيع شكر، وإذا عصي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب، وإذا عُومل أثاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، ورسوله إلى عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمةً للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجةً على خلقه أجمعين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن نعم الله علينا عظيمة، وآلاءه جسيمة، لا يعدها العادُّون، ولا يحيط بها المتشدقون: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18]، وأعظم نعمةٍ أنعم الله بها عليك -يا عبد الله- هي: نعمة هذا الدين، نعمة الإسلام، هذه النعمة التي حُرِمها أناس، فأصبحوا في الظلمات يتخبطون، وفي غيِّهم وسكرتهم يعمهون: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44]، واختصك الله من بينهم، فجعلك من أهل (لا إله إلا الله)، ومن أتباع محمدٍ رسول الله.

ومما زادني شرفاً وفخراً>>>>>وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك: يا عبادي>>>>>وإن صيرت أحمد لي نبيا

فالحمد لله على نعمته، والشكر له على فضله ومنته.

أخي الحبيب! إن هذا الدين لم يكن ليصل إليك صحيحاً، سالماً من التحريف، نقياً من الشوائب؛ لولا أن الله تعالى تعهَّد بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، تعهد سبحانه بحفظه على أيدي رجال .. رجال اختارهم واختصهم لهذه الأمانة العظيمة، والمهمة الجسيمة .. رجال نظر الله إلى قلوبهم، فوجدها أفضل القلوب، وأنقى القلوب، وأطهر القلوب بعد قلوب الأنبياء والرسل، فاصطفاهم لصحبة نبيه، واجتباهم لحمل دينه وتبليغ شرعه، إنهم الصحابة، رضي الله عن الصحابة.

الصحابة وما أدراكم ما الصحابة! جيلٌ فريد، وعهدٌ مجيد، خير من صلى وصام وجاهد كل كفارٍ عنيد، فلا تعجب! فهم حازوا شرف صحبة رسول العزيز الحميد، وفضل الصحبة لا يماثله فضلٌ ولا عزٌ ولا فخرٌ ولا مزيد.

من الذي باع الحياة رخيصةً>>>>>ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

أم مَن رمى نار المجوس فأطفئت>>>>>وأبان وجه الصبح أبيض نيِّرا

ومن الذين دكوا بعزم أكفهم>>>>>باب المدينة يوم غزوة خيبرا

ثناء القرآن ومدحه لصحابة رسول الله

الصحابة زكاهم رب البريات، من فوق سبع سماوات، وأنزل فيهم آيات بينات، تتلى على أسماع الورى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح:29].

الصحابة رضي عنهم ربهم، ورفع ذكرهم، وغفر ذنبهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح:18].

الصحابة إلى الإيمان هم السابقون، وفي الخيرات يتنافسون، وفي المكرمات هم الأولون: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100].

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:74].

الصحابة هجروا الدار والولد، وتحملوا الأذية والكَبَد، في رضا الواحد الأحد: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:8-9].

إنهم رجال! وأنعِمْ بهم من رجال! رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37].

فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

ثناء السنة النبوية على الصحابة

الصحابة -يا مسلمون- حُبُّهم قربى وإيمان، وبُغْضُهم وسَبُّهم كفرٌ وطغيان، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: (لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) علَّق على هذا الحديث ابن حجر رحمه الله في الإصابة قائلاً: وهذا الخطاب لـخالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، سيف الله المسلول، ولأقرانه من الذين أسلموا في الحديبية وفتح مكة، وهم من الصحابة، فكيف بمن هم دونهم؟!

فلا إله إلا الله! ما أعظم فضلهم! ولا إله إلا الله! ما أجل قدرهم! ولا إله إلا الله! ما أولى حقهم!

روى أحمد والترمذي وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الله .. الله! في أصحابي، الله .. الله! في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبِحُبِّي أحبهم، ومن أبغضهم فبِبُغْضِي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه).

وفي مسلم عنه عليه الصلاة والسلام: (خير أمتي القرن الذي بعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

وروى مسلم أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (النجوم أمَنَةٌ لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).

أقوال علماء الإسلام في صحابة رسول الله

أيها المسلمون! هل بعد ثناء ربهم عليهم كلام؟! وهل بعد توثيق الرسول مطعنٌ فيهم وملام؟! فهم الأئمة الأعلام، العدول الكرام، قَصُرت الهمم أن تبلغ أدناهم، وأنَّى لها ذلك؟! فإن لهم من السابقة والفضل ما عجز عن تسطيره الأقلام، وحيِّر في وصفه العقول والأفهام، فقد أجمع على خيريَّتهم وفضيلتهم وعدالتهم علماء الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: ومن نظر في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرة، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل عَلِمَ يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة مِن قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.

وقال النووي رحمه الله: الصحابة كلهم عدول، مَن لابس الفتن وغيرهم بإجماع مَن يُعْتَدُّ به.

وقال ابن الصلاح : ثم إن الأمة مُجْمِعَةٌ على تعديل جميع الصحابة، حتى مَن لابس الفتن منهم، وذلك بإجماع العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم في الإجماع، إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهَّد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك، لكونهم نَقَلَة الشريعة.

وقال الخطيب البغدادي في الكفاية مبوباً على عدالتهم (ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة): وأنه لا يُحْتاج إلى سؤالٍ عنهم، وإنما يجب في مَن دونهم، وكل حديثٍ اتصل إسناده بين مَن رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن، فلا يحتاج أحدٌ منهم مع تعديل الله لهم -وهو المطَّلِع على بواطنهم- إلى تعديل أحدٍ من الخلق.

وقال الإمام المبجل أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة في فضل الصحابة، وأفضلهم في رسالته أصول السنة قال: وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكرٍ الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ، نقدِّم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة: أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام. ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر : (كنا نَعُدُّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، وأصحـابه متوافرون: أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ونسكت) ثم من بعد ذلك أصحاب الشورى، وأهل بدرٍ من المهاجرين، ثم أهل بدرٍ من الأنصار، مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدر الهجرة والسابقة أولاً فأولاً، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، القرن الذي بُعِثَ فيهم، كل مَن صحبه سنةً، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صَحِبَه، وكانت سابقتُه معه ما سمع منه ونظر إليه نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه، ولو لقُوا الله بجميع الأعمال.

كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا منه، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل لصحبته من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير. انتهى.

كن كالصحابة في زهدٍ وفي ورعٍ>>>>>فالقوم هم ما لهم في الناس أشباهُ

عُبَّاد ليلٍ إذا جن الظلام بهم>>>>>كم عابدٍ دمعه في الخد أجراهُ

وأسْد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم>>>>>هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ

صور من حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

وفي هذه الليلة -أحبتي في الله- سوف أعطر أسماعكم بصورٍ من حياة أولئك الرجال، أولئك الرجال الذين عجزت النساء أن يأتين بمثلهم، وأشنِّف آذانكم بمواقف ليست من نسج الخيال، بل نقَلَها لنا الثقات في بطون كتب السير والأمهات.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم>>>>>إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

صور مشرقة من حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وأولى هذه الصور هي: مع أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه:

عمر ، ويكفي أنه عمر ، فالمعروف لا يُعَرَّف.

قال صاحب كتاب رجال حول الرسول ، وكأنه يتكلم بلساني ويبوح عما يختلج في جناني، قال: لستُ أكتبُ تاريخاً لـعمر ، ولا أزيد الناس معرفةً بعظمته وشأنه، ولا أزكي نفسي بالكتابة عن رجلٍ أحبه الله واصطفاه، إن المحاولة التي أنا بصددها أكثر تواضعاً من هذا كله، إني أصْغِي إلى أمير المؤمنين لا أكثر، وأتطلع إليه لا أقل، وفي دروب التاريخ سنحاول أن نلتقي بالرجل الذي لم نسعد باللقاء معه في دروب المدينة، حيث كانت سجاياه وعظمته تملأ الزمان والمكان بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت من عدالة الحاكمين، وزهد القادرين، وإخبات الناسكين، وقوة الودعاء الراحمين، ووداعة الأقوياء المتقين.

أجل نريد أن نعيش لحظاتٍ في رحاب فاروق الأمة، ونأخذ من سماعنا عوض ما فاتنا من المشهد الحي، ونلقي السمع والبصر والفؤاد بين يدي هذا القوي الأمين، والمعلم الذي ليس له بين المعلمين نظير، ونقضي في معيته لحظاتٍ ترفع من قدر حياتنا.

حسبي وحسب القوافي حين أرويها>>>>>أني إلى ساحة الفاروق أهديها

يا رب هب لي بياناً أستعين بهِ>>>>>على حقوق أمورٍ طام راعيها

إخواني: إن الحديث عن عمر -رضي الله عن عمر - لا تكفيه الساعتان والثلاث والأربع، فإن كل لحظةٍ في سيرة هذا الإمام العادل حريٌّ بنا أن نقف عندها، ونأخذ منها العِبَر، ونقطف منها أطايب الثمر، فهو مثالٌ للإخلاص، مدرسةٌ للأخلاق، أديم مُلِئ إيماناً وعلماً، ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه، صاحب الموافقات، والمواقف المشرفات، مَن منا لا يعرف: حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمتَ؟! مَن منا لم يقرأ: [قرقر يا بطن أو لا تقرقر، والله ليس لك إلا الزيت حتى يشبع أطفال المسلمين] وذلك في عام الرمادة.

يا من يرى عمراً تكسوه بردته>>>>>والزيت أدمٌ له والكوخ مأواهُ

يهتز كسرى على كرسيه فرقاً>>>>>مِن ذكره وملوكُ الروم تخشاهُ

أحبتي في الله: أقف أنا وأنتم على صورةٍ مشرقةٍ مضيئةٍ لفاروق الأمة، نقفها على استحياء ألا نسرد سيرته كاملةً رضي الله عنه وأرضاه.

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، وغيره من علماء السير والتاريخ: لما حاصر المسلمون النصارى في بيت المقدس، وضيَّقوا عليهم، أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدُم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتَبَ أمير الجيش أبو عبيدة رضي الله عنه إلى عمر يخبره بذلك، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه بقدومه عليهم، وارتحل عمر رضي الله عنه نحوهم من المدينة النبوية إلى بيت المقدس في الشام، وعند قدومه خرجوا لاستقباله، وهم ينتظرون مقدم أمير المؤمنين، وإذا هم برجلٍ مقبلٍ لوحده على بعير، تلوح صلعته للشمس، لا غطاء على رأسه ولا عمامة، ليس عليه إلا ثوب فيه أربع عشرة رقعة، وعندما اقترب كان هناك نهرٌ معترض، فنزل من على بعيره، وخلع نعليه، فأمسكهما بيده، وخاض الماء هو وبعيره، فلما وقف أمامهم، فإذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فقال له أبو عبيدة : [قد صنعتَ اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض]، والمعنى أي: فعلتَ فعلاً استنكرناه، المسلمون ينتظرون، والنصارى واقفون، وأنت تقدم علينا لوحدك بلا خدم، بلا موكب، بلا حرس، بلا حشود، لا جيوش، وبهذا اللباس، ثوبٌ مرقع، وأنت خليفة المسلمين، الرجل الأول في الدولة الإسلامية، الذي تهتز العروش والجيوش عند ذكر اسمك! فلما قال أبو عبيدة رضي الله عنه تلك المقالة ضربه عمر على صدره وقال له: [أوَلَو قالها غيرك يا أبا عبيدة ! إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله -الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر!- نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، مهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله].

والله -يا مسلمون!- ما ساد الصحابة ولا أفلح القوم، ولا فتحوا الأمصار، ولا زلزلوا عروش الكفار إلا لَمَّا كان هذا شعارهم، وفي الحروب والخطوب حداءهم، فليتك أبا حفص ترى حالنا! ليتك يا خليفة رسول الله تنظر مآسينا، وآلامنا، وجراحنا!

أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ>>>>>فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ؟!

رفاقك في الأغوار شدوا سروجهمْ>>>>>وجيشُك في حطين صلوا وكبروا

نساء فلسطين تكحلن بالأسى>>>>>وفي بيت لحمٍ قاصرات وقُصَّرُ

وليمون يافا يابسٌ في حقولهِ>>>>>وهل شجرٌ في قبضة الظلم يثمرُ؟!

والله -يا عباد الله- إن ما تعيشه الأمة هذه الأيام مِن ذلٍ وهوان هو: بسبب بعدهم عن أسباب العز والنصر، تركوا الأسباب الإلهية، وتعلقوا بالأوحال والقاذورات الأرضية، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]، تبايعوا بالعينة، رضوا بالزرع، تبعوا أذناب البقر، تركوا الجهاد، فكانت النتيجة هذا الذل الذي -والله وبالله وتالله- لن يُرفع حتى تعود الأمة إلى أسباب مجدها، وعزها، ونصرها، ولن ينقشع حتى تئوب إلى كتاب ربها وسنة نبيها.

شباب الحق للإسلام عودوا>>>>>فأنتمْ مجدُه وبكم يسودُ

وأنتمْ سر نهضته قديماً>>>>>وأنتمُ فجره الباهي الجديدُ

اللهم يسر لهذه الأمة أمراً يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُذَلُّ فيه أهل المعصية، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!

صورة مشرقة من حياة أسيد بن الحضير رضي الله عنه

الوقفة الثانية هي: مع صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام، كان إسلامه فتحاً من الفتوح، فإسلامه كان سبباً في إسلام مَن اهتز عرش الرحمن لموته سعد بن معاذ ، وإسلام جموع غفيرة من الأوس، إنه أسيد بن الحضير رضي الله عنه وأرضاه:

ذلك الرجل الذي بلغ من المكانة في قومه أن لقَّبوه بالكامل؛ لرجاحة عقله ونبالة أصله؛ ولأنه ملك السيف والقلم، ولما أسلم ما زاده الإسلام إلا رفعةً ومكانة، وما زاد بعده إلا سمواً في الأخلاق والديانة.

أحبابي في الله: لن أحدثكم في هذه العجالة عن إيمان أسيد ، وعبادته، وشجاعته، وبطولاته، وصولاته، ونصره لدين الله، بل سوف أقف أنا وإياكم على حادثةٍ مضيئة في حياة هذا الإمام الذي سَطَّر التاريخُ من أمره عجباً، فاسمعوا، وتأملوا!

منذ أن طرق القرآن أذن وقلب أسيد رضي الله عنه وأرضاه، أولع به ولعاً عظيماً، وتعلق به تعلقاً شديداً، وأقبل عليه إقبال الظامئ على المورد العذب في اليوم القائظ، وكان رضي الله عنه وأرضاه رخيم الصوت، مبِيْن النطق، مشرق الأداء، تطيب له قراءة القرآن أكثر ما تطيب إذا سكن الليل، ونامت العيون، وصفت النفوس.

وفي ليلةٍ من الليالي صفت سماؤها، ولمعت نجومها في منظرٍ بديع يخلب الألباب، فلا تملك إلا التسبيح لرب الأرباب، اشتاقت نفس أسيد رضي الله عنه لقراءة القرآن، فانطلق يتلو بصوته الرخيم الحنون: بسم الله الرحمن الرحيم، الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:1-4].

فإذا به يسمع فرسه وقد جالت جولة، أي: دارت دورةً كادت تقطع بسببها رباطها، فتوقف عن القراءة، فسكنت الفرس وقرَّت، فعاد يقرأ: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5]، فدارت الفرس دورةً أشد من الأولى وأقوى، فسَكَتَ فسَكَنَتْ، فقرأ، فجالت، وكرر ذلك مراراً، كان كلما قرأ هاجت الفرس، وإذا سَكََتَ سَكَنَتْ، فخاف على ابنه أن تطأه الفرس إذا انقطع رباطها، فذهب ليوقظه فإذا به يرى في السماء غمامةً كالمظلة، لم تر العين أروع ولا أبهى منها قط، وقد عُلِّق بها أمثال المصابيح، فملأت الآفاقَ ضياءً وسناءً، وهي تصعد إلى الأعلى حتى غابت عن ناظرَيه، فلما أصبح مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقص عليه ما رأى، فقال عليه الصلاة والسلام: (تلك الملائكة كانت تستمع لك يا أُسيد! ولو أنك مضيت في قراءتك لرآها الناس ولم تستتر منهم).

كان الصحابة رضي الله عنهم يتحينون أوقات قراءة أسيد ، ويتسابقون إلى سماع قراءته، استعذاباً واستحساناً لها، فكما استعذب قراءته أهل الأرض استعذبها أهل السماء: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ>>>>>شيبا بماء فعادت بعدُ أبوالا

أحبابي: عودةٌ سريعةٌ لواقعنا، ونظرةٌ إلى حال بيوت المسلمين، ومقارنةٌ بينها وبين بيت أسيد رضي الله عن أسيد، ذلك البيت الذي أسِّس على التقوى، وطاعة المولى، لا يُسْمَع فيه إلا كلام الله، ولا ترى فيه إلا ما أحل الله، ولا تجد بين جدرانه إلا ما يرضي الله، قارِنوا بينه وبين أكثر بيوت المسلمين؛ المعازف والقينات، والدشوش والقنوات، والملاهي والمحرمات، تماثيل وصور للذكرى، والفنانين والفنانات، والخبيثين والخبيثات، بيوت عشعشت فيها الشياطين، فباضت وفرخت كل ضَياعٍ وفسادٍ وعهرٍ ودمارٍ وهلاك، ظلمات فوق ظلمات، تمر من جوار منزل فإذا الأرض ترتج، ويكاد البيت ينهد، أمن زلازل أرضية؟! أو صواعق سماوية؟! لا والله، بل من الطبول والمزامير، والصراخ والتصفيق والصفير، وإِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19].

ثم بعد ذلك يأتونك يشكون، فمنهم من يشكو هماً وغماً، وآخر حزناً وألَماً، وأكثرهم ضيقاً وضنْكاً، ونسُوا وتناسَوا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124]، حَلَّت بهم الهموم والحسرات، وعصفت بهم الغموم والكربات، وتاهت خطاهم في دروب الغفلات، يبحثون عن الراحة والسكينة، وينقِّبون عن السعادة والطمأنينة، وغاب عن بصيرتهم: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

أحبابي: افتحوا قلوبكم، واسمعوا هذه القصة، وتأملوها -يا رعاكم الله- وتدبروها.

الزمان: في أحد القرون المفضلة الأولى.

المكان: فوق منزل بيتٍ من بيوت المسلمين.

الأم وابنتها فوق سطح منزلهم، ما الغرض؟! تنفِّسان عن نفسيهما، فوق سطح منزلهما، وذلك أقصى درجات اللهو عندهم، ما خرجوا إلى الشوارع، ما اتجهوا إلى الملاهي، ما زاحموا في الأسواق، أو سافروا إلى البلاد المتحضرة بزعمهم (للسياحة) أو (للصياعة) متحررين من القيود البدائية، والأفكار الرجعية.

أحبابي: لا أطيل عليكم، عودةٌ إلى الأم وابنتها، البنت تشير إلى سطح أحد المنازل قائلة: يا أماه! يا أماه! أين الجذع الذي كنت أراه دائماً فوق سطح ذلك المنزل؟! إني لا أراه، أين اختفى؟! إني لا أراه، أين ذهب؟!

فردت الأم في حسرةٍ وعبرة: أيُّ جذعٍ يا ابنتي؟! إنه فلانٌ العابد، كان دائماً يصلي فوق سطح منزله، وقد مات اليوم، مات واختفى الجذع يا ابنتي.

إخواني: أستميحكم عذراً أن أخاطب هذه البنت عبر سطور التاريخ:

بنيتي! تألمتِ على فقد جذعٍ واحدٍ غاب عنك، ووُضِع في التراب، ولقي رب الأرباب؟!

بنيتي! عندي لكِ جذوع كثيرة، جذوع كثيرة منتصبة دائماً على أسطح بيوت المسلمين، جذوع لا تركع، ولا تسجد، ولا تذكر الله كجذعك يا ابنتي، إن جذوعنا صامتة جامدة، ولكنها تنخر فينا، كما ينخر السوس في الخشب!

بنيتي! إن جذعكِ به تُسْتَنْزل الرحمات، أما جذوعنا فلولا شيوخٌ رُكَّع، وأطفالٌ رُضَّع، وبهائم رُتَّع ما نزلت قطرةٌ من السماء بسببها!

بنيتي! إن جذعنا يسمى: (الدش) ليس (دش) الماء والاستحمام، وإن كان كل منهما يغسل، (فدش) الماء يغسل البدن مِن الأوساخ والنجاسات، ودش السطوح يغسل الروح من العقيدة والدين والأخلاق والفضائل، فيتركها خاويةً على عروشها من الإيمان والتقوى، ومراقبة المولى، فتصبح كالبهيمة العجماء، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44].

أتعصي الله وهو يراك جهراً>>>>>وتنسى في غدٍ حقاً لقاهُ

وتخلو بالمعاصي وهو دانٍ>>>>>إليك ولستَ تخشى مِن سُطاهُ

وتنكر فعلها وله شهودٌ>>>>>على الإنسان تكتب ما حواهُ

فويل العبد من صحفٍ وفيها>>>>>مساويه إذا وافى مساهُ!

ويا حزن المسيء لشؤم ذنبٍ>>>>>وبعد الحزن يكفيه جواهُ!

ويندم حسرةً من بعد فوتٍ>>>>>ويبكي حيث لا يجدي بُكاهُ

يعض يديه من أسفٍ وحزنٍ>>>>>ويندم حسرةً مِمَّا دهاهُ

فبادر بالمتاب وأنت حَيٌّ لعلك أن تنال به رضاهُ

صورة مشرقة من حياة جليبيب الأنصاري رضي الله عنه

الوقفة الثالثة: وإلى صفحةٍ أخرى مشرقةٍ في تاريخ البشرية، وصورةٍ مضيئةٍ في جبين الأمة .. صورة طغى نورها وضياؤها؛ مستوقفاً إيانا لنتأمل في منارةٍ من منارات الإيمان، وعلَمٍ من أعلام البطولة والشجاعة والتضحية، ونموذجٍ فريدٍ تخرج من مدرسة خير الأنام محمدٍ عليه الصلاة والسلام إنه: جليبيب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه:

فافتحوا آذان قلوبكم، وتأملوا، واعتبروا يا رعاكم ربكم!

روى أحمد في مسنده ، ومسلم في صحيحه وغيرهم عن أبي برزة الأسلمي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ من الأنصار: (زوجني ابنتك، فقال: نِعِمَّ وكرامةٌ يا رسول الله! ونُعْمَ عيني، فقال عليه الصلاة والسلام: إني لست أريدها لنفسي، قال: فلِمَن يا رسول الله؟! قال: لـجليبيب ، فقال: يا رسول الله! أشاور أمها، فأتى أمها فأخبرها الخبر، فتشاوروا، فقالوا: ليته غير جليبيب ، لا نسب، ولا مال، ولا دار ...).

أحبابي في الله: إن الذي يتأمل واقعنا وحال أكثر الأسر الآن يجد أن هذه المقاييس؛ النسب والمال والدار ثابتةٌ في عقولهم، راسخة في نفوسهم، أما الدين فقد تجده في أسفل القائمة إن كان له مكانٌ في القائمة، يأتي الرجل يطلب الزواج فتتألم عندما تعرف الأسئلة عنه والتثبت من حاله، السؤال الأول: كم الراتب؟ والثاني: ما هي وظيفتك؟ وعلى أي مرتبة؟ والبيت أهو ملكٌ أم إيجار؟ ومن أي القبائل؟ وهو قبيلي أم (خضيري)؟

وأين الدين؟ وأين الصلاة؟ وأين الصلاح؟ وأين الاستقامة؟ وأين السنة؟ والله مآسٍ إخوتي في الله! مآسٍ يوم أن حرصت الأسرة على تزويج صاحب المال، وصاحب الجاه، وصاحب المنصب، ولا تسأل عن دينه وصلاحه، فكانت النتيجة أن تلك البنت الضعيفة والمرأة المسكينة أصبحت تحت ذلك الزوج الذي ما عرف الله، فإذا هي تترك الصلوات، وتنفر عن الطاعات، وتنغمس في المحرمات، وتعرض عن رب البريات، فاستبدلت الأغاني عوضاً عن الذكر والقرآن، وخلعت حجاب العفة والطهر، وتلطخت بأوحال السفور والخسران، أصبحت كاسيةً من كل عيبٍ ذميم، عاريةً من كل خلقٍ كريم، وأصبحت معيشتها في الدنيا ضيقاً وضنكاً، ومآلها إلى عذابٍ ونارٍ تلظى إن لم يتغمدها الله برحمةٍ منه وفضل.

أحبابي: إن هذه النظريات الجاهلية وضعها محمد صلى الله عليه وسلم تحت قدمه الشريفة، وأعلنهـا مدويـةً صريحة: (كلكم لآدم، وآدم من تراب)، الأحمر والأسود والأبيض كلهم يعودون لرجلٍ وامرأة، وخاطبك أيها الولي، وخاطبكِ أيتها الأم، وخاطبكِ أيتها البنت: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير).

وعودةٌ إلى قصتنا، وإلى الأب والأم، تشاور الأب والأم في تزويج جليبيب، فقالت الأم: (... لا لَعَمْر الله، لا تزوجـه، فلما أراد الأب أن يقـوم؛ ليخبر الرسول عليه الصلاة والسلام بالرد، قالت البنت الصالحة ...) قالت البنت التقية، البنت العفيفة، البنت التي تربت على (قال الله، وقال رسول الله)، ما تربت على المسلسلات والتمثيليات، ولا على الأغاني الماجنات، وما نشأت على القنوات والفضائحيات، وما طالعت المجلات الخليعات، ولا كانت من الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، الغاديات الرائحات في سخط رب الأرض والسماوات.

إنها بنتٌ تربت على: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وفتاةٌ نشأت على: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، وجوهرةٌ دستورها: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، ومؤمنةٌ قدوتها: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب:21]، ويكفي هذه الأنصارية تزكيةً وفخراً أن الرسول صلى الله عليه وسلم دلَّ عليها، وحث على الزواج منها، والرسول -بأبي هو وأمي- لا يدل إلا على كل خيرٍ وفضيلة. (... فقالت البنت الصالحة لأبويها: مَن خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت البنت المباركة الموفقة: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟! ادفعوني؛ فإنه لن يضيعني) الله أكبر يا عباد الله! ما أعظم إيمان هذه البنت، وامتثالها، وطاعتها لأمر رسول الله، ويقينها أن في طاعته عليه الصلاة والسلام كل خيرٍ وكل سعادة وفلاحٍ في الدنيا قبل الآخرة!

أحبابي: هي ما شاهدت جليبيباً، ولا غرها ماله ولا حسبه وجماله، بل همها أن رسول الله أمر بذلك، هذا همها وشاغلها، فكان لسان مقالها وحالها: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، فكانت عاجل بشراها أن دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم صُبَّ عليها الخير صباً صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً)، فكانت من أنعم الناس عيشاً.

أما ما كان من خبر جليبيب فإنه خرج مع الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوةٍ من الغزوات، وبعد أن فتح الله على المسلمين وأفاء عليهم، قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (انظروا! هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال عليه الصلاة والسلام: ولكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه في القتلى، قال: فطلبوه، فوجدوه بجوار سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عليه فقال: قتل سبعة وقتلوه! هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه -مرتين أو ثلاثاً-، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعدَيه، وحُفِر له، ما له سريرٌ إلا ساعدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وُضع في قبره رضي الله عنه وأرضاه).

لقد مات بين الضرب والطعن ميتةً >>>>>تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ

تردى ثياب الموت حمراً فما أتى>>>>>لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضرُ

ثوى طاهر الأردان لم تبقَ بقعة>>>>>غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر

الفرق بيننا وبين الصحابة

وأصل -أحبتي في الله- أنا وإياكم إلى أهم نقطةٍ في محاضرتنا، وإلى الهدف من لقائنا، والعبرة والعظة من حديثنا، وهو سؤالٌ أسأله نفسي قبل إخواني: ما الفرق بيننا وبين الصحابة؟!

ما هي الأسباب التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه من الرفعة، والعز، والنصر، والتمكين، وسعادة الدنيا قبل الآخرة؟!

ما هي الأسباب التي جعلت من جبار الجاهلية، وعدو الدين والمسلمين عمر بن الخطاب فاروق الأمة، وخليفة رسول الرحمة؟!

الإمام العابد الزاهد، خير من مشى على الثرى بعد الأنبياء والمرسلين وأبي بكرٍ رضي الله عنه، عمر الذي فتح قلوب الرجال قبل الأمصار.

ما الأسباب التي جعلت الملائكة تنزل تستمع لقراءة أسيد رضي الله عنه وأرضاه؟!

ما الأسباب التي جعلت جليبيباً يترك الزوجة والدنيا ليلقي نفسه بين أعداء الدين، لتُقْطَع أوصالُه، وتسيل دماؤه على أرض الشهادة مقبلاً غير مدبر؟!

ما الفرق بيننا وبين حنظلة؟!

حنظلة وما أدراكم ما حنظلة ! غسيل الملائكة، فلماذا غسلته الملائكة؟!

إن في أمره عجباً! سمع المنادي ينادي للجهاد في معركة أحد، فلبى النداء، فكتب الله له الشهادة.

قال أبو أسيد الساعدي : (فنظرنا إليه بعد نهاية المعركة، فإذا رأسه يقطر ماءً، فسألنا زوجه، قالت: خرج جنباً، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة).

أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا>>>>>جثمان حنظلة والروح تختطفُ

وكلم الله من أوسٍ شهيدهمُ>>>>>من غير ترجمةٍ زيحت له السجفُ

ما الفرق بيننا وبين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه؟

إنه جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين رضي الله عنه :-

الذي حمل الراية في غزوة مؤتة ، وعندما التقى الجيشان عقر فرسه حتى لا ينتفع بها الأعداء، وشق صفوف الروم وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابُها>>>>>طيبةٌ وباردٌ شرابُها

والروم رومٌ قد دنا عذابُها>>>>>كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها

عليَّ إذ لاقيتها ضرابُها

فقطعوا يمينه، فحمل الراية بشماله، فقطعوا شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فأصيب بثالثةٍ فأقبل على ربه شهيداً، فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضَرَّجان بالدماء وهو مصبوغ القوائم).

عليه سلام الله ما أشرق الضحى>>>>>ورحمته ما شاء أن يترحما

تحية شهمٍ باع لله نفسه>>>>>مقاصده أغلى وأعلى وأعظما

ما الفرق بيننا وبين عبد الله بن رواحة رضي الله عنه؟

رضي الله عن عبد الله بن رواحة الذي قال له المسلمون وهو خارجٌ إلى غزوة مؤتة: صحبكم الله ودفع عنكم. فقال عبد الله :

لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا

أو طعنةً بيدَي حران مجهزة >>>>>بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي>>>>>يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

ثم مضى هو وأصحابه إلى المعركة ودارت رحاها، وحَمِي وطيسُها، وإذا بصائحٍ يصيح: يا عبد الله بن رواحة ! يا عبد الله بن رواحة ! وهو في جانب العسكر معه ضلع جملٍ ينهشه، ولم يكن ذاق طعاماً منذ ثلاثة أيام، يُخبره باستشهاد جعفر الطيار ، وزيد بن حارثة، فرمى بالضلع وقال لنفسه: وأنتِ في الدنيا، ثم تقدم فقاتل، فأصيبت إصبعه فقال:

هل أنتِ إلا إصبعٌ دميتِ!>>>>>وفي سبيل الله ما لقيتِِِ!

يا نفسُ إلا تقتلي تموتي>>>>>هذه حياض الموت قد صليتِ

وما تمنيتِ فقد لقيتِ>>>>>إن تفعلي فعلهما هُديتِ

وإن تأخرتِ فقد شقيتِ

ثم قال لنفسه: يا نفس إلى أي شيءٍ تتوقين؟! إلى فلانة؟ هي طالقٌ ثلاثاً، وإلى فلانة وفلان -غلمان له-؟! وإلى بستاني؟! هو لله ولرسوله.

أقسمتُ يا نفس لتَنْزِلَنَّهْ>>>>>طائعةً أو لَتُكْرَهَنَّهْ

فطالما قد كنتِ مطمئنَّةْ>>>>>مالي أراكِ تكرهين الجنَّةْ؟!

فقاتل حتى استشهد، فرآه الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبيه متكئِين في الجنة.

ما الفرق بيننا وبين أنس بن النضر؟

أما أنس بن النضر الذي وقف بسيفه عندما انكشف المسلمون في غزوة أحد، فتقدم فإذا هو بـسعد بن معاذ، فقال: [يا سعد! يا سعد! واهاً لريح الجنة، إني أجدها دون أحد ]، فرمى بنفسه وسط المشركين، فجالَد بسيفه حتى قُتِل، فما عُرِف حتى عرفته أخته بشامةٍ أو ببنانه، وفيه بضعٌ وثمانون ما بين طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ بسهم.

من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ>>>>>ـمك فوق هامات النجوم منارا

كنا جبالاً في الجبال وربما>>>>>سرنا على موج البحار بحارا

بمعابد الإفرنج كان أذاننا>>>>>قبل الكتائب يفتح الأمصارا

لم تنسَ أفريقيا ولا صحراؤها>>>>>سجداتنا والأرضُ تقذف نارا

وكأن ظل السيف ظل حديقةٍ>>>>>خضراء تنبت حولنا الأزهارا

أرواحنا يا رب! فوق أكفِّنا>>>>>نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

المظاهر والصفات التي تميز بها الصحابة عنا

أيها الأحباب: ما هو الفرق بيننا وبين أولئك الرجال؟! هل الفرق في كثرة الأعضاء؟! أو طولاً بلغوا به عنان السماء؟! أمام عرضاً سدوا به الشوارع والطرقات؟! أو قوةً بدنيةً دكوا بها البنايات؟!

الاهتمام بصلاح القلوب

أحبابي: إن الفرق بيننا وبينهم شبر واحد، شبرٌ بين القلب والبطن، هم ملئوا ونحن ملأنا، هم ملئوا قلوبهم إيماناً وإخلاصاً وتقوى، رغبةً ورهبةً وخشيةً وخشوعاً وخضوعاً، إنابةً واستعانةً واستغاثةً وتوكلاً، ونحن ملأنا البطون من الملذات والشهوات، ولم نبالِ أمن الحال كانت أم من المحرمات، حرصنا على إشباع البطون والفروج، ونسينا قلوبنا التي في الصدور، بل تناسَينا تلك المضغة التي في صلاحها سعادتُنا في الدنيا والآخرة.

الانقياد لله وامتثال أمر رسول الله

الفرق بيننا وبين الصحابة: الانقياد لله، وامتثال أمر رسول الله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]، فلا تأخير، ولا تسويف، ولا تلكُّؤ، ولا تباطؤ، الله أمر، وثبت عن رسوله الخبر، ليس لك إلا المسارعة بالتنفيذ قبل أن ينزل عليك الوعيد! أين سرعة الاستجابة لأمر الله يا عباد الله؟! نسمع الأوامر، ونقرأ الزواجر من العزيز القاهر، فلا يهتز الجنان، ولا تقشعر الأبدان، ولا تسارع الأركان من خوف الواحد الديان، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

الفرق بيننا وبين الصحابة يا مسلمون: محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، تلك المحبة التي تجعلك تقدم الله ورسوله على نفسك، وولدك، وزوجك، ومالِك، والناس أجمعين، قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: -وذكر الأولى- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين).

قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22].

تلك المحبة الحقيقية التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، واختبر بها عباده: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، هذه هي المحبة الحقيقية، هي الاتباع يا مسلمون! فعلى قدر طاعتك لأمر الله، واتباعك لرسول الله تكون محبتك يا عبد الله، فأنت يا من تدعي محبة الله ورسوله لابد أن نرى ذلك في صلاتك، في صيامك، في أخلاقك، وملبسك، وهيئتك، وجميع شئون حياتك.

يا مدعي حب طه لا تخالفه>>>>>الخُلْف يحرم في دنيا المحبينا

أراك تأخذ شيئاً من شريعته>>>>>وتترك البعض تدوينا وتهوينا

خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به>>>>>أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا

الزهد في الدنيا وطلب الآخرة

الفرق بيننا وبين الصحابة: أنهم جعلوا همهم الله والدار الآخرة، جعلوا همهم أن يفوزوا برَوحٍ وريحان، وربٍ راضٍ غير غضبان، فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].

جعلوا همهم قصوراً؛ لبنةٌ مِن فضة، ولبنةٌ من ذهب، تجري من تحتها الأنهار، وجعلنا همنا بيوتاً دنية؛ من طينٍ مبنية، تجري من تحتها النجاسة أكرمكم الله.

جعلوا همهم حوريات حسان، مخلوقاتٍ من زعفران، لو اطلعت إحداهن على الدنيا أظلم من نورها النيِّران، ونحن همنا نساءٌ مخلوقات من طين، فأين نساء الطين من الحور العين.

فاعمل لدارٍ غداً رضوانُ خازنُها>>>>>الجار أحمد والرحمن بانيها

قصورُها ذهبٌ والمسكُ طينتها>>>>>والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها

يأتي مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه من مكة ، وهو من أنعم أهلها:

يأتي تاركاً النعيم، معرضاً عن الدنيا، مسلماً، مهاجراً، مجاهداً في سبيل الله، يريد الله والدار الآخرة.

وفي معركة أحد يحمل اللواء بيمينه فتُقْطَع وهو يقرأ قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144]، فيحمل اللواء بشماله، فتُقْطَع وهو يتلو: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144] فيضمُّ الراية بصدره وعضُدَيه وهو يتلو: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144]، ثم أنفذته الرماح فمات شهيداً رضي الله عنه وأرضاه، فما وجدوا ما يكفنونه به إلا نميرة، إذا غطوا بها وجهه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فمر به الرسول عليه الصلاة والسلام فرآه فقرأ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23].

وعمير بن الحمام:

الذي سمع الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال عمير : بَخٍ بَخٍ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حَمَلك على قولك: بَخٍ بَخٍ؟! قال: والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال عليه الصلاة والسلام: فإنك من أهلها)، فأخرج تمراتٍ فجعل يأكل منهن، ثم قال: [لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلة، فرمى بها ثم قاتل حتى قُتِل رضي الله عنه].

فحي على جنات عدنٍ فإنها>>>>>منازلنا الأولى وفيها المخيَّمُ

ولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرَى نعود إلى أوطاننا ونسلَّمُ؟!

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

أحبابي في الله: لا يُفْهَم من كلامي أنني أريد أن نكون كالصحابة، فهذا من المحال، وضَرْب الخيال، فإنهم رضي الله عنهم وأرضاهم لا كان ولا يكون مثلهم، فهم أفضل الخلق، وصفوة القرون، وخير من أخرجت البطون بعد الأنبياء والمرسلين، وقد تقدم تفصيل ذلك في أول حديثنا.

أريد أيها الأحباب أن نسير على خطاهم، ونهتدي بهداهم، نتتبع آثارهم، ونتحسس أخبارهم، نأخذ مما أخذوا، ونقتبس من النور الذي اقتبسوا، نريد أن يخرج من بيننا رجالٌ يقتدون بهم، تُعَزُّ بهم الأمة، ويرتفع بهم الذلُّ والغمة، رجالٌ أمثال:

- سعيد بن المسيب .

- والحسن البصري.

- والأئمة الأربعة.

- والإمام البخاري.

- ومسلم.

- رجالٌ أمثال ابن تيمية.

- وابن القيم.

- وابن كثير.

- وابن الصلاح.

- رجالٌ أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب.

- وأولاده.

- وأحفاده.

- رجالٌ أمثال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.

- والعلامة محمد بن ناصر الدين الألباني.

- والعلامة محمد بن صالح العثيمين.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم>>>>>إذا جَمَعَتْنا يا جرير المجامعُ

رحمة الله عليهم أجمعين، وجمعنا الله وإياهم في جنات النعيم، مع النبيين والشهداء والصدِّيقين، وحسن أولئك رفيقاً.

أمتي هل لك بين الأمم>>>>>منبرٌ للسيف أو للقلمِ؟!

أتلقاكِ وطرفي حاسرٌ>>>>>أسفاً من أمسك المنصرمِ

ألِإِسرائيل تعلو رايةٌ >>>>>في حمى المجد وظلِّ الحرمِ

أومَا كنتِ إذا البغيُّ اعتدى>>>>>موجةً مِن لهبٍ أو مِن دمِ

آهٍ يا أمتي! آهٍ يا أمتي! آهٍ يا أمتي! متى يعود مجدكِ؟! ومتى تشرق شمسكِ؟! متى يزول هذا الظلام؟! متى ينقشع هذا الغمام؟! متى ترتفع عنكِ الجروح والآلام؟! متى؟! متى؟! متى؟! إنه قريبٌ بإذن الله، والإجابة عند كل مسلم.

يا أمة المجد قومي مزقي الحجبا>>>>>وأشعِلِي في ليالي دهرِك الشهبا

لا تذكري صلاح الدين صفصفةً>>>>>مِن غير بذلٍ، صلاح الدين قد ذهبا

اللهم هيّئ لهذه الأمة أمراً رَشَداً، يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُذَلُّ فيه أهل المنكر والغواية.

اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةَ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةَ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

وصلاةً وسلاماً على النبي المختار.



 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أولئك آبائي للشيخ : علي بن محمد آل ياسين

http://audio.islamweb.net