اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرسل والرسالات للشيخ : سيد حسين العفاني


الرسل والرسالات - (للشيخ : سيد حسين العفاني)
الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان لا يتم الإيمان إلا به، وأهمية الإيمان بالرسل نابعة من أنهم الواسطة بين الله وبين خلقه، والمبلغون لشرعه، والأمناء على وحيه، وهم من دلوا الخلق على الله، وعرفوهم بحقوقه، وأقاموا دينه، وجاهدوا فيه.وقد ضل في باب الرسل والأنبياء طوائف من الناس بين غال فيهم جعلهم فوق رتبتهم، وجاف عنهم متنقص لهم، وهدى الله أصحاب المنهج الحق إلى الصواب في المسألة، فأنزلوا الرسل منازلهم واعتقدوا الحق فيهم.
الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير من ما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].أما بعد:فالإيمان برسل الله تبارك وتعالى والإيمان بالرسالات أصل من أصول الإيمان بالله تعالى، يقول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] .وقال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136].
 

تعريف النبي والرسول والفرق بينهما

 الرد على من قال إن النبي غير مأمور بالبلاغ
فأما بطلان القول بأن النبي لم يأمره الله عز وجل بالبلاغ فمن أوجه: الدليل الأول: أن المولى عز وجل نص صراحة في القرآن الكريم أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل، والإرسال يقتضي البلاغ، فعندما أقول لك: أنا أرسلتك إلى قوم، فالمعنى: بعثتك إليهم حتى تبلغهم شيئاً معيناً، فالإرسال يقتضي البلاغ، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج:52]، فالله عز وجل نص على أنه أرسل الرسل ووجههم كما وجه الأنبياء إلى قوم بعينهم، فالإرسال يقتضي البلاغ. الدليل الثاني: ما رواه الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام النسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط)، أي: النبي يأتي يوم القيامة ومعه جماعة من الناس، قال: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد). فمعنى قوله: (رأيت النبي ومعه الرهط) أو: (رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان) أن النبي تكلم معهم وبلغهم شيئاً من أمر الله، فاستجابوا له وامتنع الباقون، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت النبي)، لم يقل: رأيت الرسول. فإذا قال أحد: إن الحديث مروي بالمعنى، قلنا: هذا رواه الإمام مسلم ، والإمام مسلم كان يروي الحديث باللفظ دون المعنى.الدليل الثالث: قول الله تبارك وتعالى عن يوسف: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]، ويوسف كان نبياً ومع هذا بلغ الرسالة إلى صاحبي السجن بنص القرآن الكريم. الدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246] وهذا يوحي أن النبي كان يبلغ شيئاً من وحي الله تبارك وتعالى وينفذ تعليمات الملك إلى قومه. الدليل الخامس: وهو أوضح الأدلة على وجوب البلاغ على الأنبياء، وهو حديث الحارث الأشعري كما في الوابل الصيب: (إن الله سبحانه وتعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى عليه السلام: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات تعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب).ولو كان لا يجب عليه البلاغ لأنه نبي وليس برسول، لما قال: إني أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب؛ لأن ترك الأمر المستحب لا يوجب عقاب المولى عز وجل.إذاً: التعريف الذي نحن نختاره: أن الرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله.فسيدنا موسى عليه السلام نزل برسالة وهي التوراة، وبعد موت موسى عليه السلام قام أنبياء بشريعة التوراة وليس بشريعة جديدة، وإنما قاموا يبلغون ويقررون شريعة رسول الله الذي قبلهم، ولذلك فإن داود وسليمان وزكريا ويحيى -وهم أنبياء- بعثهم الله تبارك وتعالى بشريعة موسى عليه السلام، وهي التوراة، ولذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري : (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم -أي: تحكمهم- الأنبياء بشريعة موسى، كلما مات نبي خلفه نبي).
عدد الأنبياء والمرسلين وحكمة الله في ذلك
عدد الأنبياء والرسل مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول، عدد الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر.والله عز وجل من رحمته بالخلق أرسل عدداً كثيراً من الأنبياء والرسل، يقول المولى عز وجل: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24].ويقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].وروى الإمام أحمد في مسنده حديثاً صححه الشيخ الألباني عن أبي ذر الغفاري قال: (قلت: يا رسول الله! كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً).وفي رواية أبي أمامة عن أبي ذر قال: (قلت: يا رسول الله! كما وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً).وسيدنا أبو ذر يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً)، رواه الإمام أحمد ، وأورده التبريزي في مشكاة المصابيح، وقال الشيخ الألباني : حديث صحيح.وهناك رسل قصهم الله عز وجل في القرآن، ورسل قصهم علينا الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، ورسل لم يخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم شيئاً؛ يقول الله تبارك وتعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، ومعنى ذلك: أن في رسل المولى عز وجل من لم يقص الله من أخبارهم شيئاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.ويقول المولى عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78].فنحن نؤمن بأن الله عز وجل أرسل رسلاً وأنبياء، وقص علينا بضعاً منهم في القرآن الكريم، وقص علينا الرسول شيئاً عنهم في السنة، والله عز وجل تفرد بأخبار رسل لم يقصها على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يأتي أحد فيقول: الرسل والأنبياء هم المذكورون في القرآن الكريم فقط، فنقول له: بل هناك رسل غيرهم لا نعرف عنهم شيئاً، فهناك رسل لم يقصهم الله تبارك وتعالى.
 الرد على من قال إن النبي غير مأمور بالبلاغ
فأما بطلان القول بأن النبي لم يأمره الله عز وجل بالبلاغ فمن أوجه: الدليل الأول: أن المولى عز وجل نص صراحة في القرآن الكريم أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل، والإرسال يقتضي البلاغ، فعندما أقول لك: أنا أرسلتك إلى قوم، فالمعنى: بعثتك إليهم حتى تبلغهم شيئاً معيناً، فالإرسال يقتضي البلاغ، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج:52]، فالله عز وجل نص على أنه أرسل الرسل ووجههم كما وجه الأنبياء إلى قوم بعينهم، فالإرسال يقتضي البلاغ. الدليل الثاني: ما رواه الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام النسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط)، أي: النبي يأتي يوم القيامة ومعه جماعة من الناس، قال: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد). فمعنى قوله: (رأيت النبي ومعه الرهط) أو: (رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان) أن النبي تكلم معهم وبلغهم شيئاً من أمر الله، فاستجابوا له وامتنع الباقون، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت النبي)، لم يقل: رأيت الرسول. فإذا قال أحد: إن الحديث مروي بالمعنى، قلنا: هذا رواه الإمام مسلم ، والإمام مسلم كان يروي الحديث باللفظ دون المعنى.الدليل الثالث: قول الله تبارك وتعالى عن يوسف: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]، ويوسف كان نبياً ومع هذا بلغ الرسالة إلى صاحبي السجن بنص القرآن الكريم. الدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246] وهذا يوحي أن النبي كان يبلغ شيئاً من وحي الله تبارك وتعالى وينفذ تعليمات الملك إلى قومه. الدليل الخامس: وهو أوضح الأدلة على وجوب البلاغ على الأنبياء، وهو حديث الحارث الأشعري كما في الوابل الصيب: (إن الله سبحانه وتعالى أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى عليه السلام: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات تعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب).ولو كان لا يجب عليه البلاغ لأنه نبي وليس برسول، لما قال: إني أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب؛ لأن ترك الأمر المستحب لا يوجب عقاب المولى عز وجل.إذاً: التعريف الذي نحن نختاره: أن الرسول هو من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله.فسيدنا موسى عليه السلام نزل برسالة وهي التوراة، وبعد موت موسى عليه السلام قام أنبياء بشريعة التوراة وليس بشريعة جديدة، وإنما قاموا يبلغون ويقررون شريعة رسول الله الذي قبلهم، ولذلك فإن داود وسليمان وزكريا ويحيى -وهم أنبياء- بعثهم الله تبارك وتعالى بشريعة موسى عليه السلام، وهي التوراة، ولذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري : (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم -أي: تحكمهم- الأنبياء بشريعة موسى، كلما مات نبي خلفه نبي).
الأنبياء والرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم والسنة النبوية

 ذكر نبوة يوشع بن نون وبيان الفضيلة التي اختصه الله بها
وسيدنا يوشع بن نون فتى موسى كان نبياً، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف:60]، ولا يوجد نص على نبوته في القرآن الكريم. وقد خصه الله بفضيلة عظيمة، حيث إن الله عز وجل ما حبس الشمس إلا له، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والإمام مسلم : (غدا نبي من الأنبياء -وهو سيدنا يوشع بن نون - فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يلم بها ولما يلم بها)، يعني: رجل عقد على امرأة ولم يدخل بها؛ لأنه سيبقى مشغولاً بها. قال: (ولا رجل قد بنى بنياناً ولم يرفع سقفه)، أي: لأنه يريد أن يأتي بالحديد والإسمنت فهو مشغول عن الجهاد. قال: (ولا رجل قد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها، فغدا فدنا من القرية -بيت المقدس- حين صلى العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً، فحبست له الشمس). قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي انفرد بروايته الإمام أحمد -وهو حديث صحيح على شرط البخاري -: (إن الشمس لم تحبس إلا لـيوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس).
بيان من اختلف في نبوتهم

 الأدلة على نبوة الخضر
ويدل على ذلك سياق القصة، فالله تبارك وتعالى يقول: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، قال العلماء: هذه رحمة النبوة، والعلم هو علم الوحي الذي اختص الله به نبيه الخضر. وهذا الدليل ليس واضحاً قوياً. والدليل الثاني وهو أوضح: أن سيدنا موسى نبي ورسول من أولي العزم، وهو معصوم في تحمل الرسالة وفي أدائها وفي تبليغها، وقد أجمع علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي، أو أن ينقص منه، أو أن يشك فيه، أو أن ينسى شيئاً منه، هذا في جانب التبليغ؛ قالوا: فكيف يجوز لنبي معصوم من أولي العزم مثل موسى عليه السلام أن يتلقى العلم من رجل غير معصوم. يعني: لو كان الخضر ولياً فيمكن أن يخطئ في العلم ويمكن أن يصيب، فكيف يتلقى المعصوم علمه من رجل غير معصوم في تبليغ العلوم الشرعية، بل ويحرص على لقياه ولو أن يمضي ثمانين سنة، وعندما يقابله يتواضع له ويجله ويجلس منه مجلس المتعلم الذليل، قالوا: وهذا يحق في شأن الخضر؛ لأنه نبي يعلم موسى أن الله عز وجل قد خصه بأسرار من علمه تبارك وتعالى لم يخص بها موسى. ولذلك جاء في القصة التي يروونها: أن العصفور أتى ونقر نقرة من ماء البحر فوضعها على فخذ الخضر، فقال: أتدري ما يقول العصفور يا موسى؟! قال: علم ذلك عند ربي، قال: يقول العصفور: أنت يا خضر! على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ولا موسى، وموسى على علم علمه الله إياه لا أعلمه أنا ولا أنت، وأنا على علم علمني الله إياه لا تعلمه أنت ولا موسى، وما علمي وعلمك وعلم موسى بجانب علم الله إلا كهذه القطرة إلى جانب الماء. أي: اختص الله عز وجل نبيه الخضر بشيء من الوحي لم يخص به موسى عليه السلام، فاحتاج موسى إلى معرفته؛ حتى يستزيد من هذا العلم. وأيضاً الخضر أقدم على قتل الغلام وخرق السفينة، ولو كان هذا مجرد خاطر فقد أجمع العلماء على أن الأولياء خواطرهم غير معصومة، ولا يجوز للولي أن يخرق ظاهر الشريعة، ويقول بسقوط التكليف، ولا يقول: أنا ولي ويفعل الفاحشة؛ فضلاً عن أن الخضر يقول: أوحي إلي بالقتل، وزيادة على ذلك يقول: إنه أمر بقتل الغلام، وأنه لو امتد به العمر لكان سبباً في كفر والديه، فكيف يعلم هذا؟ والدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، ففصل الخضر لموسى أن هذا وحي من الله تبارك وتعالى، قال: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، ويقول المولى عز وجل: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]. وهذا يدل على أن الخضر كان نبياً ولم يكن ولياً.
الاختلاف في كون الخضر حياً أم قد مات
وهل الخضر حي الآن أو قد مات؟ اختلف في ذلك أقوال العلماء، حتى اضطرب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، فهو يقول عنه في مجموع الفتاوى في صفحة: إنه حي، وفي الصفحة التي بعدها يقول: إنه ميت، وهذه فتوى صريحة لا تحتمل تأويلاً، وهي بحاجة إلى مراجعة في مجموع الفتاوى، وهذا مما اضطرب فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية .وذهب جمع كثير من العلماء إلى: أن الخضر حي لم يمت، وأن إلياس حي لم يمت، ووردت في ذلك أخبار كثيرة؛ وهي ضعيفة وباطلة لدرجة أن الإمام النووي قال: إن الرجل الذي يخرج من المدينة ويقتله المسيح الدجال ثم يحييه مرة ثانية هو الخضر. قال هذا في شرح مسلم، وهذا القول قول مرجوح. وذهب كبار المحدثين ومنهم الإمام البخاري وابن دحية وابن كثير وابن حجر العسقلاني إلى أن الخضر قد ميت.والدليل على أن الخضر قد مات: ما قاله الإمام أحمد بن حنبل لما سأله إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يشاهدان ويروى عنهما؟ فقال: من أحال على غائب لم ينصف. ثم قال الإمام أحمد: وما ألقى هذا إلا الشيطان. والدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما كان جالساً في حلقة من أصحابه كما رواه الإمام البخاري : (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد). والدليل الثالث: أنه لو كان الخضر حياً لكان قاتل في معركة بدر وفي أحد وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكان فك الخلاف في سقيفة بني ساعدة ولاستشاره المسلمون، فليس من المعقول أن يذهب إلى البراري والفيافي والقفار والجبال ويترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يحارب وحده حتى يشج رأسه في أحد، وكيف والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).وكيف وقد أخذ الله عز وجل الميثاق على النبيين والخضر منهم؛ يقول المولى عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]. فكيف يترك الخضر نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان حياً؟! هذا لا يعقل ولا يجوز.
 الأدلة على نبوة الخضر
ويدل على ذلك سياق القصة، فالله تبارك وتعالى يقول: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، قال العلماء: هذه رحمة النبوة، والعلم هو علم الوحي الذي اختص الله به نبيه الخضر. وهذا الدليل ليس واضحاً قوياً. والدليل الثاني وهو أوضح: أن سيدنا موسى نبي ورسول من أولي العزم، وهو معصوم في تحمل الرسالة وفي أدائها وفي تبليغها، وقد أجمع علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي، أو أن ينقص منه، أو أن يشك فيه، أو أن ينسى شيئاً منه، هذا في جانب التبليغ؛ قالوا: فكيف يجوز لنبي معصوم من أولي العزم مثل موسى عليه السلام أن يتلقى العلم من رجل غير معصوم. يعني: لو كان الخضر ولياً فيمكن أن يخطئ في العلم ويمكن أن يصيب، فكيف يتلقى المعصوم علمه من رجل غير معصوم في تبليغ العلوم الشرعية، بل ويحرص على لقياه ولو أن يمضي ثمانين سنة، وعندما يقابله يتواضع له ويجله ويجلس منه مجلس المتعلم الذليل، قالوا: وهذا يحق في شأن الخضر؛ لأنه نبي يعلم موسى أن الله عز وجل قد خصه بأسرار من علمه تبارك وتعالى لم يخص بها موسى. ولذلك جاء في القصة التي يروونها: أن العصفور أتى ونقر نقرة من ماء البحر فوضعها على فخذ الخضر، فقال: أتدري ما يقول العصفور يا موسى؟! قال: علم ذلك عند ربي، قال: يقول العصفور: أنت يا خضر! على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ولا موسى، وموسى على علم علمه الله إياه لا أعلمه أنا ولا أنت، وأنا على علم علمني الله إياه لا تعلمه أنت ولا موسى، وما علمي وعلمك وعلم موسى بجانب علم الله إلا كهذه القطرة إلى جانب الماء. أي: اختص الله عز وجل نبيه الخضر بشيء من الوحي لم يخص به موسى عليه السلام، فاحتاج موسى إلى معرفته؛ حتى يستزيد من هذا العلم. وأيضاً الخضر أقدم على قتل الغلام وخرق السفينة، ولو كان هذا مجرد خاطر فقد أجمع العلماء على أن الأولياء خواطرهم غير معصومة، ولا يجوز للولي أن يخرق ظاهر الشريعة، ويقول بسقوط التكليف، ولا يقول: أنا ولي ويفعل الفاحشة؛ فضلاً عن أن الخضر يقول: أوحي إلي بالقتل، وزيادة على ذلك يقول: إنه أمر بقتل الغلام، وأنه لو امتد به العمر لكان سبباً في كفر والديه، فكيف يعلم هذا؟ والدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، ففصل الخضر لموسى أن هذا وحي من الله تبارك وتعالى، قال: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، ويقول المولى عز وجل: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]. وهذا يدل على أن الخضر كان نبياً ولم يكن ولياً.
بيان أن الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل
الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل، لا كما يقول أصحاب الأفكار القذرة الذين اخترعوا ديناً اسمه الوحدة الوطنية، وترى الواحد منهم يصعب عليه أن يقول: إن النصارى كفرة، وهذا جاء في آية من آيات القرآن لا من عند أهل السنة ولا أتى به أهل السنة، بل هذا جاء في كتاب الله عز وجل إن كانت لكم عقول وإن كنتم مسلمين، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء:150-151]. وإذا أتيت بواحد منهم وقلت: أنت تعترف بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ يقول لك: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهذه الشهادة لو قالها نصراني دخل في الإسلام.ولو أن أحداً ارتد عن الإسلام فإنه لا يرجع إليه إلا بالنطق بالشهادتين وبنقض ما ارتد به وخرج به من الإسلام، يعني: إن كان قال: الصلاة في الإسلام ليست واجبة، فنقول له: أنت مرتد، ارجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين، ثم بالإقرار بأن الصلاة واجبة، أي: يعترف بما جحده.وإذا قال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول للعرب وليس للناس جميعاً، أي: أنه معترف بالرسول لكن للعرب فقط وليس لجميع الناس؛ فإن علم ذلك من حاله فنطقه بالشهادتين لا يكفي لدخوله في الإسلام، بل لا بد من الإقرار بأن محمداً رسول الله إلى الناس كافة، وأن رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع. فهؤلاء كفرة بنص القرآن الكريم.
 الأدلة على نبوة الخضر
ويدل على ذلك سياق القصة، فالله تبارك وتعالى يقول: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، قال العلماء: هذه رحمة النبوة، والعلم هو علم الوحي الذي اختص الله به نبيه الخضر. وهذا الدليل ليس واضحاً قوياً. والدليل الثاني وهو أوضح: أن سيدنا موسى نبي ورسول من أولي العزم، وهو معصوم في تحمل الرسالة وفي أدائها وفي تبليغها، وقد أجمع علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي، أو أن ينقص منه، أو أن يشك فيه، أو أن ينسى شيئاً منه، هذا في جانب التبليغ؛ قالوا: فكيف يجوز لنبي معصوم من أولي العزم مثل موسى عليه السلام أن يتلقى العلم من رجل غير معصوم. يعني: لو كان الخضر ولياً فيمكن أن يخطئ في العلم ويمكن أن يصيب، فكيف يتلقى المعصوم علمه من رجل غير معصوم في تبليغ العلوم الشرعية، بل ويحرص على لقياه ولو أن يمضي ثمانين سنة، وعندما يقابله يتواضع له ويجله ويجلس منه مجلس المتعلم الذليل، قالوا: وهذا يحق في شأن الخضر؛ لأنه نبي يعلم موسى أن الله عز وجل قد خصه بأسرار من علمه تبارك وتعالى لم يخص بها موسى. ولذلك جاء في القصة التي يروونها: أن العصفور أتى ونقر نقرة من ماء البحر فوضعها على فخذ الخضر، فقال: أتدري ما يقول العصفور يا موسى؟! قال: علم ذلك عند ربي، قال: يقول العصفور: أنت يا خضر! على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ولا موسى، وموسى على علم علمه الله إياه لا أعلمه أنا ولا أنت، وأنا على علم علمني الله إياه لا تعلمه أنت ولا موسى، وما علمي وعلمك وعلم موسى بجانب علم الله إلا كهذه القطرة إلى جانب الماء. أي: اختص الله عز وجل نبيه الخضر بشيء من الوحي لم يخص به موسى عليه السلام، فاحتاج موسى إلى معرفته؛ حتى يستزيد من هذا العلم. وأيضاً الخضر أقدم على قتل الغلام وخرق السفينة، ولو كان هذا مجرد خاطر فقد أجمع العلماء على أن الأولياء خواطرهم غير معصومة، ولا يجوز للولي أن يخرق ظاهر الشريعة، ويقول بسقوط التكليف، ولا يقول: أنا ولي ويفعل الفاحشة؛ فضلاً عن أن الخضر يقول: أوحي إلي بالقتل، وزيادة على ذلك يقول: إنه أمر بقتل الغلام، وأنه لو امتد به العمر لكان سبباً في كفر والديه، فكيف يعلم هذا؟ والدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، ففصل الخضر لموسى أن هذا وحي من الله تبارك وتعالى، قال: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، ويقول المولى عز وجل: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]. وهذا يدل على أن الخضر كان نبياً ولم يكن ولياً.
نفي وجود رسل بين عيسى ومحمد عليهما السلام
والنبوة لا تثبت إلا بدليل صحيح إما من القرآن وإما من السنة.وأما من قال: إن قرقيس وخالد بن سنان والرسل الذين أرسلهم الله عز وجل إلى آل ياسين في سورة يس رسل؛ فنسأله: هل هناك رسل بعد سيدنا عيسى عليه السلام، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا نبي بيني وبينه)؟ فليس هناك أنبياء بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سيدنا عيسى.فلو قال: إن هؤلاء الأنبياء بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز، فإن كانوا قبل عيسى فخير وبركة كما ذهب إليه الشيخ عمر الأشقر .وقول من قال: إن خالد بن سنان -وهو عربي- كان نبياً من الأنبياء بين عيسى والمصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخلت عليه بنت خالد بن سنان قال: (أهلاً بابنة أخي، أهلاً ببنت نبي ضيعه قومه) فهذا الحديث لا يصح. والأنبياء من العرب أربعة: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر !
 الأدلة على نبوة الخضر
ويدل على ذلك سياق القصة، فالله تبارك وتعالى يقول: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]، قال العلماء: هذه رحمة النبوة، والعلم هو علم الوحي الذي اختص الله به نبيه الخضر. وهذا الدليل ليس واضحاً قوياً. والدليل الثاني وهو أوضح: أن سيدنا موسى نبي ورسول من أولي العزم، وهو معصوم في تحمل الرسالة وفي أدائها وفي تبليغها، وقد أجمع علماء المسلمين أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فلا يجوز للنبي أن يزيد في الوحي، أو أن ينقص منه، أو أن يشك فيه، أو أن ينسى شيئاً منه، هذا في جانب التبليغ؛ قالوا: فكيف يجوز لنبي معصوم من أولي العزم مثل موسى عليه السلام أن يتلقى العلم من رجل غير معصوم. يعني: لو كان الخضر ولياً فيمكن أن يخطئ في العلم ويمكن أن يصيب، فكيف يتلقى المعصوم علمه من رجل غير معصوم في تبليغ العلوم الشرعية، بل ويحرص على لقياه ولو أن يمضي ثمانين سنة، وعندما يقابله يتواضع له ويجله ويجلس منه مجلس المتعلم الذليل، قالوا: وهذا يحق في شأن الخضر؛ لأنه نبي يعلم موسى أن الله عز وجل قد خصه بأسرار من علمه تبارك وتعالى لم يخص بها موسى. ولذلك جاء في القصة التي يروونها: أن العصفور أتى ونقر نقرة من ماء البحر فوضعها على فخذ الخضر، فقال: أتدري ما يقول العصفور يا موسى؟! قال: علم ذلك عند ربي، قال: يقول العصفور: أنت يا خضر! على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ولا موسى، وموسى على علم علمه الله إياه لا أعلمه أنا ولا أنت، وأنا على علم علمني الله إياه لا تعلمه أنت ولا موسى، وما علمي وعلمك وعلم موسى بجانب علم الله إلا كهذه القطرة إلى جانب الماء. أي: اختص الله عز وجل نبيه الخضر بشيء من الوحي لم يخص به موسى عليه السلام، فاحتاج موسى إلى معرفته؛ حتى يستزيد من هذا العلم. وأيضاً الخضر أقدم على قتل الغلام وخرق السفينة، ولو كان هذا مجرد خاطر فقد أجمع العلماء على أن الأولياء خواطرهم غير معصومة، ولا يجوز للولي أن يخرق ظاهر الشريعة، ويقول بسقوط التكليف، ولا يقول: أنا ولي ويفعل الفاحشة؛ فضلاً عن أن الخضر يقول: أوحي إلي بالقتل، وزيادة على ذلك يقول: إنه أمر بقتل الغلام، وأنه لو امتد به العمر لكان سبباً في كفر والديه، فكيف يعلم هذا؟ والدليل الرابع: قول الله تبارك وتعالى: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، ففصل الخضر لموسى أن هذا وحي من الله تبارك وتعالى، قال: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، ويقول المولى عز وجل: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]. وهذا يدل على أن الخضر كان نبياً ولم يكن ولياً.
موقف العقلانيين اليوم تجاه الأنبياء والوحي والعقل والرد عليهم
والعقلانية تقول: إن الأنبياء الخمسة والعشرين كانت لزمان العيش في الجبال، وأما في القرن العشرين ونحن نركب الصواريخ ونطلق الأقمار فإن الناس غير محتاجة للرسل، وإن العقل بمفرده كاف لهداية البشرية؛ بدليل أنهم يردون الوحي الذي هو حق المولى عز وجل من القرآن ومن السنة ويقدمون عليه العقل، فيجعلون العقل حاكماً على الكتاب والسنة.
 بيان عدم التعارض بين العقل الصريح والوحي الصحيح
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الوحي يخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول.والعقل السليم النظيف لا يصطدم بالوحي الصريح الصحيح، فالوحي يخبر بمحارات العقول، أي: عن الحاجات التي يحتار فيها العقل، فالوحي يفسرها له ويوضحها، فهو يخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول، يعني: لو كان العقل نظيفاً وسليماً مائة في المائة فلا تأتي سنة صحيحة بمخالفته كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: درء تعارض المنقول مع صريح المعقول، أو: درء تعارض العقل والنقل.
نسبة أهل الكتاب القبائح إلى الأنبياء
وأما موقف الأدعياء من عصمة الأنبياء فهناك قبائح نسبها إليهم اليهود عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم القيامة، وقبائح نسبها إليهم النصارى عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم القيامة.
 ثانياً نسبة النصارى القبائح إلى الأنبياء
أما بالنسبة للنصارى فليسوا بأفضل من اليهود في هذا، فقد نسبوا إلى الأنبياء والرسل القبائح، منها: ما ورد في إنجيل متى: أن عيسى عليه السلام من نسل سليمان بن داود عليهما السلام، وإن جده فارض هو من نسل الزنا. وهذا أوردوه في إصحاح متى الأول عدد (10).وفي إنجيل يوحنا إصحاح (2) عدد (4): أن يسوع أهان أمه في وسط جمع من الناس، أي: شتم أمه في وسط جمع من الناس. فأين هذا من قول الله تبارك وتعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي [مريم:32]؟وأيضاً في إنجيل يوحنا إصحاح (10) عدد (8): أن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص. يعني: أن سيدنا المسيح عليه السلام قال: إن كل الأنبياء سراق، وهذا طبعاً لا يجوز.
موقف الفرق من عصمة الأنبياء

 بيان جواز وقوع النسيان والغضب من الأنبياء
والأنبياء يجوز عليهم ما يجوز على البشرية من غضب أو نسيان، كما صح في الحديث: (إن المولى عز وجل حين خلق ذرية آدم نثرهم بين يديه، وجعل بين عيني كل منهم وبيصاً من نور، ثم قال آدم: يا رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: من هذا يا رب؟! قال: نبي من آخر أمتك من ذريتك، قال: ما اسمه؟ قال: اسمه داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: فزده من عمري أربعين، فلما جاءه ملك الموت قال: أوليس قد بقي من عمري أربعين سنة؟ قال: أوليس قد أعطيت ابنك داود، فأخطأ آدم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وأخطأ آدم فأخطأت ذريته)، فإذاً: يجوز عليهم النسيان، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني . وأيضاً يجوز عليهم الغضب، فإن نبياً من الأنبياء لدغته نملة، فأمر بمتاعه فأخرج من تحت الشجرة، ثم حرق قرية النمل، فعاتبه الله عز وجل فقال: (فهلا نملة واحدة)، ومن هنا جاء النهي وتحريم قتل النمل.
ضلال الخوارج في عصمة الأنبياء والرد عليهم
وبعض الفرق الضالة، مثل العجاردة أتباع عبد الكريم بن عجرد من الخوارج قالوا: إن النبي قد يزيد أشياء في الوحي؛ لأن سورة يوسف ليست من القرآن الكريم ففيها العشق والعاشق والمعشوقة، وهذا لا يكون من كلام الله، ليس من عند الله. والأزارقة جوزوا الكفر على الأنبياء قبل البعثة وبعد البعثة، فقالوا: ممكن للنبي أن يبعثه ربه بالرسالة ويبلغها ثم يكفر. وهذا قالت به الأزارقة من الخوارج الذين هم جماعة نافع بن الأزرق .وأما الفضلية من الخوارج فجوزوا الذنب على الأنبياء بعد البعثة، وكل ذنب عندهم كفر، فكفروا الأنبياء، وجوزوا كفر الأنبياء بعد البعثة. والأزارقة الذين قالوا بجواز الكفر على الأنبياء قبل البعثة وبعدها استدلوا بقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]. والإمام أحمد قال: من قال بكفر النبي قبل البعثة يعزر ويؤدب، وهذا القول قول سوء، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه قط. وأما قول الله عز وجل: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7] فإن الضلال في اللغة يطلق ويراد به أشياء، فيأتي الضلال بمعنى: الاضمحلال، يعني: الذهاب، كما في قوله تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ [السجدة:10]، أي: إذا غبنا في الأرض، تقول: ضل اللبن في السمن، وضل السمن في اللبن، يعني: غاب السمن في اللبن. فالضلال يأتي بمعنى الذهاب والاضمحلال.ويأتي الضلال أيضاً بمعنى: الكفر، ويأتي أيضاً بمعنى: الذهاب عن حقيقة الشيء، كما في قول الله عز وجل: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52]، يعني: لا يذهب عن حقيقة الشيء بل يعلم حقيقة كل شيء، وكما في قوله عز وجل: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]. إذاً: يكون معنى قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7]، أي: ووجدك غافلاً عن أحكام الشرائع، لا تعرف الظهر كم ركعة، والعصر كم ركعة، والمغرب كم ركعة، والعشاء كم ركعة. وفي تفسير ثان وإن لم يختره الشيخ الشنقيطي ولكن اختاره قوم كثيرون من علماء التفسير، قالوا: وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7]، أي: محباً، أي: ووجدك محباً للهدى فهداك.وقد جاء القرآن بذلك، فقال إخوة يوسف لأبيهم: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف:95]، يعني: في حبك القديم ليوسف.وهناك قول أصرح وهو قول كثير عزة لـعزة:هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققايعني: حبك أشاب مني المفرقا.عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقايعني: بعد هذه السنين كلها وبعد شيبي في حبها.فيكون معنى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7] أي: وجدك محباً للهدى فهداك.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
 بيان جواز وقوع النسيان والغضب من الأنبياء
والأنبياء يجوز عليهم ما يجوز على البشرية من غضب أو نسيان، كما صح في الحديث: (إن المولى عز وجل حين خلق ذرية آدم نثرهم بين يديه، وجعل بين عيني كل منهم وبيصاً من نور، ثم قال آدم: يا رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، قال: من هذا يا رب؟! قال: نبي من آخر أمتك من ذريتك، قال: ما اسمه؟ قال: اسمه داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: فزده من عمري أربعين، فلما جاءه ملك الموت قال: أوليس قد بقي من عمري أربعين سنة؟ قال: أوليس قد أعطيت ابنك داود، فأخطأ آدم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وأخطأ آدم فأخطأت ذريته)، فإذاً: يجوز عليهم النسيان، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني . وأيضاً يجوز عليهم الغضب، فإن نبياً من الأنبياء لدغته نملة، فأمر بمتاعه فأخرج من تحت الشجرة، ثم حرق قرية النمل، فعاتبه الله عز وجل فقال: (فهلا نملة واحدة)، ومن هنا جاء النهي وتحريم قتل النمل.
الأسئلة

 ما ينبغي لطالب العلم من العبادة وطلب العلم
السؤال: ما هي الخصال التي تنصح طلاب العلم بالتحلي بها؟الجواب: السلفيون المفروض أن يكونوا أرق الناس أفئدة، فالرجل المتحلي بالعلم لا بد أن يكون من أرق الناس، وطالب العلم منوط به حفظ العلوم الشرعية مثل البخاري ومسلم نقول له: طلب العلم أولى، ولكن لو لم تكن كـ البخاري ولا الألباني ولا ابن باز ولا ابن عثيمين ، ولا حتى تخطب جمعة، ولا تدرس درساً فعليك أن تحرص على العبادة والطاعات، وعليك الأخذ بقسط وافر من قيام الليل وخاصة في الشتاء، وقد صح عن عمر بن الخطاب أنه قال: الشتاء غنيمة العابدين.وقال أبو هريرة كما وصح عنه: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، فالتعب بالصوم والبرد ينسيك ألم الجوع، ثم تذهب إلى الله عز وجل بيوم قد حكم لك فيه بالصيام.ويقول الحسن البصري: إن الملائكة لتفرح بالشتاء للمؤمن.ويقول يحيى بن معاذ: ليل الشتاء طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك. فعلى الإنسان أن يكثر من قيام الليل، وعليه أن يكثر من الصيام فيأخذ نفسه ويجربها في صيام الإثنين والخميس، فإن استقامت يجربها في صيام يوم وإفطار يوم، وهذا أفضل الصيام.و عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما مات حتى سرد الصوم، وكذلك عائشة ومالك بن أنس، لكن لا تأتي اليوم وتقول: أصلي من العشاء إلى الفجر وأصوم يوماً وأفطر يوماً، وبعد أسبوع تبغض نفسك العبادة، فلا تصلي حتى الصلوات الخمس. فالإنسان يأخذ نفسه بالتدرج حتى يستقيم على حال، فيأخذها بقيام الليل، ثم بالصيام، ثم بكثرة الأذكار، ثم بكثرة ذكر الموت وزيارة المقابر. ونقول للإخوة: عليكم بصلاة الفجر ولو عرفتم وغلب على ظنكم أنكم لا تصلون الفجر فناموا في المسجد لو كنتم عزاباً، ولو كنتم متزوجين فناموا عند أهاليكم ثم تعالوا إلى المسجد حتى لا تفوتكم صلاة الفجر، يقول صلى الله عليه وسلم: (لو علم الناس ما في ركعتي الفجر لأتوهما ولو حبواً). وإذا أراد الرجل أن يرطب قلبه فليرطبه عند ثلاث: عند قراءة القرآن، وعند صلاة الفجر، وعند الذكر، فإن وجده وإلا فليعلم أن الباب مغلق، وليسأل الله عز وجل أن يمن عليه بالقلب فليس له قلب.وبالنسبة للورد القرآني فاجعل لك ورداً تختمه كل أسبوع، تبتدئ من ليلة السبت ثم تختم يوم الخميس، وقد ورد أن الصحابة كانوا يختمون في الأسبوع.وإن ترقى بك الحال وعظم بك المقام فاختم في كل ثلاثة أيام، ولكن عليك بالوسط، فاختم في الأسبوع، ولا يفوتنك ولو ركعتين من القيام، وعليك بالصيام وكثرة الذكر والصمت وزيارة المقابر وصلاة الجماعة والحرص عليها، والمواظبة على الصف الأول وعلى صلاة الفجر.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الرسل والرسالات للشيخ : سيد حسين العفاني

http://audio.islamweb.net