اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نساء عدن إلى الله للشيخ : محمد إسماعيل المقدم


نساء عدن إلى الله - (للشيخ : محمد إسماعيل المقدم)
إنّ طاعة الله تعالى هي حياة الأرواح، وزاد القلوب، وهي الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والنديم في السمر.فقد سعى إليها الأولون سعياً حثيثاً، وشمروا لها تشميراً؛ رجالاً ونساءً، شباباً وشيباً، وقد حفظت لنا كتب التراجم أخبار نساء عابدات قانتات سبقن كثيراً من الرجال، فما أحوجنا إلى معرفة أخبارهن؛ لتكون لنا زاداً في طريق سيرنا إلى الله تعالى.
الحث على طاعة الله تعالى
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي! انظروا إلى عبدي! ثار عن فراشه ووطائه ومن بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه). هذا الحديث قال عنه المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه من رواية ابن مسعود ، والحديث حسنه الألباني ، وقال الشيخ شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح. قوله: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه) (ثار) أي: نهض ووثب بعلو همته، كما قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، والوطاء هو الفراش، واللحاف هو ما يتغطى به (من بين حبه) أي: حبيبه (إلى صلاته) أي: ينهض إلى الصلاة والتنفل والقيام لله تبارك وتعالى، (فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي! انظروا إلى عبدي! ثار عن فراشه) أي: نهض وقام عن فراشه (ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقه مما عندي) أي: رغبة فيما عندي من الجنة (وشفقة مما عندي) أي: خوفاً من عذابه تبارك وتعالى.والثاني يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع) أي: علم ماذا ستكون عقوبته عند الله عز وجل إن هو فر من الأعداء، وعلم -أيضاً- ما له من الثواب الجزيل إذا رجع يقاتل ويجاهد هؤلاء الأعداء، (فرجع حتى أهريق دمه) أي: فرجع يحتسب نفسه عند الله، وقاتلهم منفرداً حتى أهريق دمه، (فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه).وهناك أحاديث أخرى في نفس معنى هذا الحديث، منها: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم، -وذكر أولهم- رجل إذا انكشفت فئة قاتل وراءها، فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا، كيف صبّر لي نفسه؟!) أي: حبس لي نفسه، فقوله: (انكشفت فئة) يعني: انهزمت في أثناء القتال، وقوله: (قاتل وراءها) أي: قاتل بنفسه منفرداً حتى يردها ابتغاء وجه الله عز وجل، (فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول -أي: يقول الله عز وجل-: (انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي نفسه؟!).ثم قال: -(ورجل له امرأة حسنة، وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول)- أي: فيقول الله تبارك وتعالى: (يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد! ورجل كان في سفر، وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء) يعني: يذكر الله تبارك وتعالى، ويثني عليه، ويصلي له في ضراء وسراء. هذا الحديث رواه الطبراني في الكبير وقال: إسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات، وحسنه الألباني .هؤلاء الثلاثة يضحك الله إليهم، اثنان منهم قاما الليل، أحدهما قامه وسط أهله وترك زوجته الحسناء وفراشه الوثير، والآخر قامه في سفر بعد أن كابد السفر وهوله، ومن ضحك الله إليه لا يمكن أن يدعه من الإنعام والإكرام. ( فهؤلاء ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: أحدهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي نفسه! والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد! والذي كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء). ومن هذا الباب -أيضاً- قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي ذر رضي الله عنه: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله) أي: يبغضهم الله تبارك وتعالى (الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم) والسرى هو المشي ليلاً حتى يحبوا أن يمسّوا الأرض. أي: يحبون أن يناموا على الأرض من شدة الإرهاق في السفر، قال: (فينزلون، فيتنحى أحدهم) أي أنه يشاركهم في الإرهاق والتعب وعذاب السفر، ومع ذلك إذا هجعوا وناموا فإنه يتنحى ولا ينام طمعاً فيما عند الله (فيتنحى أحدهم، فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن) والظعن هو الانتقال أو السفر ( والذين يشنؤهم: التاجر الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنان). هذا الحديث عزاه السيوطي في (الجامع) للإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ، ورواه الموطئي -أيضاً- بلفظ آخر بإسناد جيد، وقال الألباني : رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وابن المبارك وابن نصر وابن أبي شيبة والطحاوي ، وصححه الألباني .قوله: (والذين يشنؤهم: التاجر الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنان) (يشنؤهم) أي: يبغضهم الله تبارك وتعالى (التاجر الحلاف) أي: الذي ينفق سلعته ويروجها بالحلف الكاذب، فيصدق الناس قوله بسبب حلفه بالله تبارك وتعالى، ويغفل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) فالحلف قد ينفق السلعة، لكنه يمحق بركة هذا المال الذي جاء بالحلف.وقوله في الحديث: (التاجر الحلاف) فيه ذم للشخص الذي يكثر الحلف حتى ولو كان صادقاً، وأما من يحلف أحياناً وهو صادق، وأحياناً لا يحلف فإنه لا يكون كثير الحلف، فالتاجر الذي يبالغ في الحلف ويكثر منه يبغضه الله تبارك وتعالى ولو كان صادقاً، أما إذا كان كاذباً فهو حلف يهلكه ويغمسه في النار، ومن كان صادقاً لا يخلو من الذم؛ لأنه ينبغي للإنسان أن لا يكثر من الحلف، وإنما يجعل الحلف لعظائم الأمور، أو يقلل منه بشرط أن يكون صادقاً.وهناك أيضاً رواية ثالثة قريبة من هذه الروايات، وهي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو ذر في رواية أخرى: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم) أي: سألهم بالله أن يتصدقوا عليه، ومعلوم أن الإنسان إذا سئل بالله وجب عليه أن يعطي السائل، يقول عليه الصلاة والسلام: (من سألكم بالله فأعطوه)، ويقول الله سبحانه: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1] فالسائلون والناس لو عرفوا هذا لانتفعوا كثيراً، فمن سألك بالله وجب عليك أن تعطيه أيَّ شيء، ولا ترده على الإطلاق. فهذا الرجل أتى هؤلاء القوم، وسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم (فمنعوه) أي: فمنعوه الصدقة ولم يجيبوه (فتخلف رجل بأعقابهم) أي: تخلف في نهاية القافلة أو القوم، وكان رجلاً صادقاً في طاعته لله تبارك وتعالى، فأراد أن لا يُرى أنه تصدق (فتخلف رجل بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه) فهذا يحبه الله (وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به وضعوا رءوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي)، فهذه فضيلة ظاهرة لقيام الليل خاصة في السفر ومع شدة المشقة (ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا،فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم).فهذه بعض الأحاديث التي فيها الحث على طاعة الله تبارك وتعالى، والاجتهاد في ذلك مع إخلاص النية.
 الحث على طاعة الله تعالى في المواسم المباركة
إنّ هذه الأحاديث هي مقدمة هذا الموضوع الذي سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى، وهو موضوع الحث على طاعة الله تبارك وتعالى والاجتهاد فيها، خاصة في هذا الموسم العظيم، وهو موسم يغفل عنه أكثر الناس مع أنه لا يقل أهمية عن رمضان أو عن العشر الأواخر من رمضان.وهذا الموسم هو عشر ذي الحجة، والناس في هذا الموسم على قسمين: فمنهم من ييسر الله له الرحيل إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، ومنهم من يعذر ولا يستطيع الذهاب، فربما رحل بقلبه، وهذا الفريق الثاني الذي لم ييسر الله له السفر إلى بيت الله الحرم قد أقام الله عز وجل له موسماً للطاعات فيه ثواب جزيل جداً إذا اغتنمه، فعلى الإنسان أن يعمره بالصلاة والصيام والصدقة وذكْر الله عز وجل، وقراءة القرآن، وسائر أنواع الخير، وأن يجتهد في ذلك، وينبغي الاستعداد لهذا الموسم قبل مجيئه، وأن يفرغ الإنسان نفسه لطاعة الله عز وجل حتى لا يكون من الخاسرين في هذا السوق العظيم. يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من أيام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه يجاهد في سبيل الله عز وجل فلم يرجع من ذلك بشيء). لقد أقسم الله تعالى بليالي عشر ذي الحجة فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:2] وهي ليالي العشر من ذي الحجة، والعمل في أيام العشر ثوابه العظيم، فهذه فرصة من الفرص النادرة التي يكون فيها الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى، فنحتاج إلى إيقاظ الهمم حتى تسمو نفوسنا إلى طاعة السابقين واجتهادهم، فإن العلماء يذكرون أن أعظم طريقة في إصلاح القلوب وتزكية النفوس هي أن يعايش الإنسان إنساناً أو شيخاً أو قدوة يقتدي به في أحواله، ويعرف السنن من سلوكياته، فإذا عَزَّ هذا -كما في هذا الزمان الذي نعيشه- فإن البديل هو أن يكثر الإنسان من مطالعة أحوال الصالحين، خاصة في القرون الخيِّرة الأولى وما تلاها من حياة من تبعوهم بإحسان، فيطالع أخبارهم حتى يستثير همته، ويكون له فيهم أسوة، فهذا الذي يخرج الأمة المجاهدة، والأمة العابدة، والأمة العاملة لدينها، والتي تحقق العبودية لله وتعرف ما هو هدفها من هذه الحياة، وكيف تستثمره، لا الأمة التي جعلت هدفها هي الأهداف التي يحققها لاعبو الكرة، ولا الأمة التي هدفها أن تصير الأولى في العالم في اللعب واللهو وتنسى الجهاد في سبيل الله.
انشغال المسلمين بالدنيا واللهو ونسيانهم قضايا الأمة الكبيرة
مما يؤسف له أنّه حصل موقف يتحسر فيه المرء على حال المسلمين، فقد قال مراسل الـ(b.b.c) يصف القاهرة: القاهرة من أكثر عواصم العالم ازدحاماً، سواء أكان ذلك في ليل أم في نهار. ويقول: أنا مع طول مكثي في القاهرة ما رأيت العاصمة قبل ذلك على هذه الهيئة، فقد ظهرت عاصمة مصر على حالين متناقضين تماماً: الأولى: أثناء إذاعة المباراة باتت الشوارع وكأن المدينة قد فرض عليها نظام حظر التجول.والصورة الأخرى التي تضادها تماماً هي ما كان من الناس بعدما حصل الفوز العظيم والنصر المبين، وكأن القدس قد استعيدت، وفلسطين قد رجعت، وكأن أفغانستان قد عادت، وكأن شرع الله قد طبق، وكأن كل الأهداف التي تعيش لها هذه الأمة الغافلة اللاهية التي صارت أضحوكة الأمم قد حققت، فترى أفرادها أوائل في اللعب واللهو، أما الجهاد والعيش للهدف الذي خلقنا الله من أجله وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فيسمى تطرفاً. وفي نفس هذا اليوم -أعني يوم الفوز العظيم الذي حققه المجاهدون في ميدان الكرة- أعلن نائب رئيس الأركان الإسرائيلي أن إسرائيل تعتقد حتمية قيام حرب رابعة أو حرب جديدة مع عدة دول عربية، ذكر منها مصر وسوريا والأردن والعراق.وهل ذكر السعودية؟ إنني غير متأكد من ذكر السعودية، ولو ذكرها لكانت المصيبة أكبر؛ لأنهم يطمعون في المدينة المنورة، وفي نفس هذا اليوم الذي صدر فيه هذا التصريح يخرج المحدث المصري يرتعد من الخوف ويقول: كيف هذا؟! هذا يتعارض مع السلام الذي نحن عليه وكذا وكذا، وفي نفس هذا اليوم -أيضاً- خنق ستون طفلاً فلسطينياً في مستشفى الأطفال في محاضنهم من تأثير الغازات المسيلة للدموع التي ألقاها اليهود -لعنهم الله- عليهم، أفنحب أن يكون في كل بيت مأتم؟! فما الفرق بين أن يكون هؤلاء الأطفال إخوانك أو أبناؤك؟! كيف يحصل هذا الانتصار الشعوري، فنحن في نشوة وانتصار كأن فلسطين قد فتحت، وكأن القدس قد عادت، ومثل هذا من التفاهات واللهو واللعب يحصل.يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، وكم في مصر من المضحكات! ولكنه ضحك كالبكاء.ترى الناس يبكون وكأنهم يبكون من خشية الله، إنّا نعيش مأساة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.فالمقصود أن التربية هي التي تنشئ هذه الأمة المجاهدة، وأنا أريد أن أسأل الإخوة المجاهدين الذين يمكثون أمام التلفزيون الساعات الطوال، وربما تخلفوا عن صلاة الجماعة ببسب هؤلاء الشياطين المجرمين فأقول: لو كان بينكم الآن أبو بكر أو عمر بن الخطاب أو خالد بن الوليد أو سعد بن أبي وقاص أو عبد الرحمن بن عوف أو ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب أو صلاح الدين الأيوبي هل كانوا سيمكثون أمام اللعب واللهو وينظرون إلى هذا الجهاز الجديد؟! إنّ هذه صورة جديدة من الجهاد تحشد لها أمة بكاملها، وتحشد لها الملايين وتنفق عليها. فهل تسأل -يا من تسأل وتكثر السؤال-: هل النظر إلى المباريات حلال أو حرام؟ هل عرضت على قلبك هذا السؤال؟! هل كان عمر سيمكث هذه الساعات أمام هذا الباطل وأمام هذا اللغو؟! الله المستعان! إننا نوبخ أنفسنا بمقارنة أحوالنا وأحوال السابقين، فلن نقارن بين رجالنا ورجالهم، بل سنقارن بين رجالنا ونسائهم، ونردد قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أحب الصالحين ولست منهمعلي أن أنال بهم شفاعةوأبغض من تجارته المعاصيإن كنا سواء في البضاعةونقول: أما لك في الرجال أسوة؟!أتسبقك وأنت رجل النسوة؟!وبين أيدينا نماذج من نساء السلف اجتهدن في طاعة الله تبارك وتعالى.
 الحث على طاعة الله تعالى في المواسم المباركة
إنّ هذه الأحاديث هي مقدمة هذا الموضوع الذي سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى، وهو موضوع الحث على طاعة الله تبارك وتعالى والاجتهاد فيها، خاصة في هذا الموسم العظيم، وهو موسم يغفل عنه أكثر الناس مع أنه لا يقل أهمية عن رمضان أو عن العشر الأواخر من رمضان.وهذا الموسم هو عشر ذي الحجة، والناس في هذا الموسم على قسمين: فمنهم من ييسر الله له الرحيل إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، ومنهم من يعذر ولا يستطيع الذهاب، فربما رحل بقلبه، وهذا الفريق الثاني الذي لم ييسر الله له السفر إلى بيت الله الحرم قد أقام الله عز وجل له موسماً للطاعات فيه ثواب جزيل جداً إذا اغتنمه، فعلى الإنسان أن يعمره بالصلاة والصيام والصدقة وذكْر الله عز وجل، وقراءة القرآن، وسائر أنواع الخير، وأن يجتهد في ذلك، وينبغي الاستعداد لهذا الموسم قبل مجيئه، وأن يفرغ الإنسان نفسه لطاعة الله عز وجل حتى لا يكون من الخاسرين في هذا السوق العظيم. يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من أيام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه يجاهد في سبيل الله عز وجل فلم يرجع من ذلك بشيء). لقد أقسم الله تعالى بليالي عشر ذي الحجة فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:2] وهي ليالي العشر من ذي الحجة، والعمل في أيام العشر ثوابه العظيم، فهذه فرصة من الفرص النادرة التي يكون فيها الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى، فنحتاج إلى إيقاظ الهمم حتى تسمو نفوسنا إلى طاعة السابقين واجتهادهم، فإن العلماء يذكرون أن أعظم طريقة في إصلاح القلوب وتزكية النفوس هي أن يعايش الإنسان إنساناً أو شيخاً أو قدوة يقتدي به في أحواله، ويعرف السنن من سلوكياته، فإذا عَزَّ هذا -كما في هذا الزمان الذي نعيشه- فإن البديل هو أن يكثر الإنسان من مطالعة أحوال الصالحين، خاصة في القرون الخيِّرة الأولى وما تلاها من حياة من تبعوهم بإحسان، فيطالع أخبارهم حتى يستثير همته، ويكون له فيهم أسوة، فهذا الذي يخرج الأمة المجاهدة، والأمة العابدة، والأمة العاملة لدينها، والتي تحقق العبودية لله وتعرف ما هو هدفها من هذه الحياة، وكيف تستثمره، لا الأمة التي جعلت هدفها هي الأهداف التي يحققها لاعبو الكرة، ولا الأمة التي هدفها أن تصير الأولى في العالم في اللعب واللهو وتنسى الجهاد في سبيل الله.
نماذج من نساء السلف العابدات
فنقول: إن المرأة المسلمة التي رباها القرآن والسنة قد فقهت عن الله تبارك وتعالى أمره، وتدبرت في حقيقة الدنيا ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشت من حشمتها، وتجافى جنبها عن مضجعها، وتناءى قلبها عن المطامع، وارتفعت همتها عن السفاسف، فلا تراها إلا صائمة قائمة باكية نائحة، وقد حفل التاريخ الإسلامي بالخيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الجد عن علم ورسوخ عقيدة، لا عن حماقة وجهالة، كما تجد في كثير ممن وصفن بالنسك والتصوف، تجد في دواوين الإسلام أخباراً كثيرة عن النساء العابدات، بدءاً من صدر العهد النبوي إلى ما تلاه من القرون. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى النساء بعد صلاة العيد فكلمهن في الصدقة، فأخذن ينزعن الفتخ والقرط والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال رضي الله عنه، وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن)، وبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين، وكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:18]. لقد كان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة وحسن الأحدوثة، فأصبح بالإسلام مما تفيض منه الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضات الله عز وجل.
 واعظة ذا النون المصري رحمها الله تعالى
وقال ذو النون المصري : خرجت ليلة من وادي كنعان فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل علي وهو يقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] ويبكي، فلما قرب مني السواد إذا هي امرأة عليها جبة من صوف وبيدها ركوة، فقالت وهي فزعة مني: من أنت؟ فقلت: رجل غريب، فقالت: يا هذا! وهل يوجد مع الله غربة؟! قال: فبكيت لقولها، فقالت لي: ما الذي أبكاك؟! قلت: قد وقع الدواء على داء قد قرح فأحسن في نجاحه، قالت: فإن كنت صادقاً فلم بكيت؟ قلت: يرحمك الله! والصادق لا يبكي؟! قالت: لا، قلت: ولم ذاك؟ قالت: لأن البكاء راحة القلب. وسكت متعجباً من قولها.
نماذج من نساء الخلف العابدات

 الصالحة فخرية بنت عثمان البكرية رحمها الله تعالى
وأخيراً فخرية بنت عثمان البكرية ، وقد كانت من أسرة عظيمة الجاه، موفورة الغنى، ولكن ذلك لم يطب لها، فخرجت وتزهدت وتنسكت، وقلبت الراحة والمنام إلى الصلاة والقيام، وقنعت من العيش برغيف وقدح ماء، فذلك قوتها كل يوم، وكانت أشبه الناس بـرابعة في الوحدة والدنيا والتزلف، هاجرت إلى بيت المقدس، وأقامت أربعين عاماً تقف الليل كله بباب المسجد الأقصى تصلي حتى يفتح الباب، فتكون أول داخل وآخر خارج. وبعد: فإننا نهدي هذه الصور من سير النساء إلى إخواننا المسلمين ونقول: فلو كان النساء كمن ذكرنالفضلت النساء على الرجالفما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال ونقول:أما لك في الرجال أسوةأتسبقك وأنت رجل نسوةوقد قيل:فذاك الفخر يا همم الرجالتعالي فانظري كيف التعالي نسأل الله عز وجل أن يجعلنا بالخير موصوفين، ولا يجعلنا له -فحسب- وصافين، وأن يرزقنا سهراً في طاعته ومناجاته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 حكم العمل في المحاماة
السؤال: هل يجوز العمل في المحاماة؟الجواب: مهنة المحاماة الغالب عليها الشر، وتعلم القوانين الوضعية الكافرة التي تخالف شرع الله تبارك وتعالى، وقد يكون فيها إعانة الظالمين، ويكون هَمّ المحامي في الغالب -إلا من عصم الله وقليل ما هم- أن يأخذ الدراهم المعدودة مقابل إنجاء هذا الرجل، سواءٌ كان ظالماً أم مظلوماً، فقد يتسبب في أن يكون من المجادلين عن الخائنين أو المجرمين، ويجوز من الناحية الشرعية التوكيل في الخصومة والنقاش والجدال والدفاع عن النفس، فيمكن أن أوكل شخصاً عنده هذه الكفاءة عني ليخاطب باسمي إذا كان أكفأ مني في ذلك، ففكرة المحاماة هي فكرة التوكيل في الخصومة من الناحية الشرعية، لكن يشترط في ذلك أن تكون في حق، أما أن يستعمل براعته الإنشائية والخطابية في هذه الأمور من أجل أن ينصر الظالم فلا شك أن هذا من التعاون على الإثم والعدوان.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نساء عدن إلى الله للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

http://audio.islamweb.net