اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات في الهزائم والانتصارات للشيخ : علي بن عمر بادحدح


تأملات في الهزائم والانتصارات - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
إن الله عز وجل إذا قال فإن قوله حق، وإذا وعد فإنه لا يخلف الميعاد، وقد وعد سبحانه وتعالى هذه الأمة بالنصر والتمكين، إلا أن هذا النصر متخلف فهذه الأيام، وما ذاك إلا بسبب التضييع لدين الله، والبعد عنه سبحانه وتعالى، وكثرة المعاصي والفواحش، والمجاهرة بها في بلاد المسلمين، فإذا رجعت الأمة إلى دين الله، وعملت بأسباب النصر، عندها يتحقق موعود الله لها بالنصر والتمكين.
إعلان النصر قبل المعركة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده على آلائه التي لا تعد ولا تحصى، ونصلي ونسلم على خير خلق الله، وخاتم رسل الله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته، واقتفى أثره، وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة.أما بعد: أيها الإخوة الأحبة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله جل وعلا أن يُكتب هذا اللقاء في موازين حسناتنا، وأن يرزقنا من ورائه نفعاً، وأن يكتب لنا به أجراً.وأبدأ بعد شكر الله جل وعلا بشكر أخي فضيلة الشيخ عبد الوهاب الذي كان سبباً في هذا اللقاء، وأشكر الإخوة الحضور الذين أحسنوا الظن بما قد ينتفعون به من سماع هذا الموضوع، وأما بُعد الشقة واختلاف البلاد فإني أقول: ما جئت من بلد ناء إلى بلديبل جئت من كبد حرى إلى كبديولقيا الوجوه الطيبة والإخوة الصالحين تذكر بالآخرة، وتعين على الطاعة، وتجدد العزم، وتقوي الهمة، وتبعث روحاً جديدة يأنس بها الإنسان، ويشعر أن له إخوة معه على الدرب والعهد، مهما اختلفت ديارهم أو لهجاتهم أو أفكارهم من حيث تعليمهم ومراتبهم الاجتماعية والعلمية، وهذا أمر يشعر به أهل الإيمان بلا خلف أو تفرقة بينهم.موضوع حديثنا هو: (تأملات في الهزائم والانتصارات) فإنه يسلط الضوء على هذا الموضوع من جهة المواقع الفاصلة، والأحداث الكبرى في بعض مراحل تاريخ الأمة المسلمة، والله سبحانه وتعالى قد قص علينا قصص السابقين، وساق لنا قصص الأنبياء والمرسلين؛ لنتدبر فيها، ونستقي منها العبرة، ونقرأ بين سطورها وفي ثناياها الدروس التي كتبها الله سبحانه وتعالى في قواعد محكمة قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، وكما قضى الله سبحانه وتعالى بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وكما قضت حكمته سبحانه وتعالى أن قطع على نفسه الوعد بأنه يدافع عن الذين آمنوا، وربط الشرط بمشروط في قوله جل وعلا: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] غاية الأمر أننا نريد أن نسلط الضوء لنقرأ فيما وراء الأحداث، ولنتأمل في الأمور التي قد لا يكترث الناس بها، ولا تخلد في أذهانهم، ولا تبقى في عقولهم.اقرأ التاريخ إذ فيه العبرضاع قوم ليس يدرون الخبر إن أمة لا تقرأ تاريخها لا يمكن أن تعرف حاضرها، ولا أن تخطط لمستقبلها: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى [يوسف:111] هذه الدنيا كلها بما فيها من الأحداث درس وعبرة يظهر للمؤمن فيها قدر الله عز وجل النافذ، وحكمته البالغة، ومشيئته التي لا يردها شيء، وكذلك تظهر له من خلالها الصورة الحقيقية لأسباب النصر، والصورة الحقيقية لأسباب الهزيمة.وأبدأ بالنقطة الأولى: إعلان النصر قبل المعركة: معلوم أن الانتصار لا يعلن قبل اللقاء، وأنه في المعارك والمهام يبقى الجزم بالنصر حتى اللحظات الأخيرة غير معروف، لكن سنأخذ ومضات سريعة نرى فيها أن النصر أعلن قبل بدء المعركة في كثير من الأوقات، وذلك ينبئ عن أن الذي جزم بهذا النصر قبل اللقاء قد استحضر أموراً معينة، ورأى أسباباً مهيأة، وعرف حقائق إيمانية لا تزول ولا تتغير، فجزم بذلك في أول يوم من أيام الله عز وجل. في يوم الفرقان يوم بدر الأغر، لما قضى الله عز وجل أن يلتقي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الميامين بكفار قريش، ولم يكونوا قد تهيئوا لذلك، وعندما صفت الصفوف، وتعين اللقاء ماذا صنع الرسول صلى الله عليه وسلم؟توجه إلى الله عز وجل وهو يناشد ربه ويسأل مولاه، ويلحف في المسألة، ويلح في الدعاء، ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها -ويلح عليه الصلاة والسلام- اللهم نصرك الذي وعدتني، حتى سقط الرداء من كتفه الشريف صلى الله عليه وسلم، ويبكي أبو بكر رضي الله عنه ويقول: حسبك يا رسول الله! فإن الله منجز لك ما وعد)، أي: يكفي هذا الإلحاح وهذا الدعاء، فماذا حصل بعد ذلك؟أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بحفنة من الحصى، ورمى بها في جهة الكفار وقال: (شاهت الوجوه، ثم قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط، هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع أبي، هذا مصرع أمية بن خلف)، ويعين مواضع مصرعهم، قال الرواة في السير: فما أخطأ واحد منهم ما أشار به صلى الله عليه وسلم، لقد حكم عليه الصلاة والسلام بالنصر؛ لأنه كان يعلم من أصحابه قلوباً مؤمنة بالله، وجباهاً ساجدة لله، وصفاً موتد العرى بالمحبة والألفة في الله عز وجل، فتحققت أسباب النصر، فأعلنه عليه الصلاة والسلام قبل بدء المعركة. وفي موقف أكثر شدة وضراوة وقسوة على المسلمين، اجتمع فيه عليهم شدة البرد، مع شدة الجوع، مع شدة الخوف، مع كثرة العدو، مع خيانة الذي كان نصيراً، وذلك في يوم الأحزاب الذي وصفه الله عز وجل وصفاً عجيباً فقال سبحانه وتعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:10-11] في ذلك الموقف العصيب، وقد اجتمعت قريش وغطفان ومن معهم من بعض القبائل والأحابيش، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وحاصروها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ به وبأصحابه الأمر مبلغاً عظيماً من شدة الجوع والخوف والبرد، ثم يرسل عليه الصلاة والسلام السعدين ليستجليا له خبر قريظة، قال: (فإن كانوا على العهد فأظهروا ذلك، وإن كانوا قد نقضوا فالحنا لي لحناً أعرفه ولا يعرفه غيري)، فلما بلغه الخبر عليه الصلاة والسلام بنقض قريظة للعهد، وكان ذلك بمثابة الطعنة من الخلف، وبمثابة آخر حجر من أحجار البناء الذي يظن في الصورة المادية أنه بدا متهالكاً متداعياً، يوشك أن يسقط على الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه، عندما بلغه هذا الخبر كبر عليه الصلاة والسلام وقال: (الله أكبر، الله أكبر، أبشروا بالنصر)، في عمق المأساة، وفي شدة الكرب، يكبر عليه الصلاة والسلام ويجزم بالنصر، ولم يكن يعرف له سبباً، ولم يكن يعرف من وحي الله عز وجل ما سيقع بعد، ولكنه رأى أسباب النصر: أمة موحدة لله عز وجل، ما لانت ولا داهنت في دينها، ولا باعت مبادئها، ولا غيرت عهدها مع الله عز وجل، أمة متوحدة مترابطة قلبها قلب رجل واحد، فقال عليه الصلاة والسلام: (أبشروا بالنصر). فجاء نصر الله عز وجل من حيث لم يحتسبوا، ولم يشعروا، ولم يعرفوا، فإذا بالريح تطفئ النار، وتكفئ القدور، وإذا بـأبي سفيان زعيم القوم ينهض ناقته ويقول: يا أهل مكة! لا مقام لكم فارجعوا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، وبث في قلوب الكفار الرعب، وجاء النصر.وقد يقول قائل: إن هذا الإخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم وحي فله أن يعلن النصر قبل المعركة، ولكني أقول: إن هذا ليس من هذا النحو، وإن كان المصطفى عليه الصلاة والسلام مسدداً بالوحي، لكن الأمر كان منه عليه الصلاة والسلام نظراً في هذه الأسباب؛ ولذا قد وقع من غير الرسول عليه الصلاة والسلام من أهل الصلاح والإيمان من هذه الأمة الإسلامية من جزم بالنصر، كما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في عام (702هـ) في موقعة (شقحب)، عندما تلاقى المسلمون والتتار، فقد كان شيخ الإسلام رحمة الله عليه يحرض المسلمين على القتال، ويحثهم على الجهاد، ويأمرهم بالدعاء، ثم يقول: والله! إنكم لمنصورون عليهم هذه الكرة، فيقولون له: قل: إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. سبحان الله! يجزم ويحلف، وإذا قيل له: قل: إن شاء الله يقول: إن شاء الله تحقيقاً، أي: أن ذلك واقع لا محالة، ولكنه بمشيئة الله عز وجل، لا تعليقاً كأنه يشك في نصر الله عز وجل، لم جزم شيخ الإسلام بذلك وليس هو ممن يوحى إليه قطعاً؟ هو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه قد رأى بأم عينيه ملامح النصر تتحقق في الأمة المسلمة، فعلم أن قوماً قد لجئوا إلى الله عز وجل، ونابذوا المعاصي، وتوحدت صفوفهم، سينصرهم الله عز وجل؛ لأن وعده لا يتخلف: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].هذه الومضة ليست هي مقصودنا في الحديث، إنما مقصودنا أن النصر والهزيمة لا يتعلق بالأمور المادية الظاهرة، وإنما يتعلق أكثر ما يتعلق بالأمور والأسباب المعنوية الإيمانية التي فيها وفاء بعهد الله، والتزام بشرع الله سبحانه وتعالى.
 

النصر بعد الهزائم الساحقة
ومضة أخرى تدلل على هذا وتقودنا إلى لب حديثنا.النصر بعد الهزائم الساحقة، إن الأمة التي تهزم هزيمة شديدة وقاصمة وقوية لم يتوقع لها أن تنهض من كبوتها، ولا أن تعود إلى عزتها بسرعة، وهذا أمر في المقاييس المادية معروف ملموس، لكننا سنجد كما سأضرب بعض الأمثلة من مواقف التاريخ في حياة الأمة المسلمة ما يعكس هذه الصورة، وذلك يدلنا على أن الهزائم القوية لا تبلغ أحياناً من المهزومين مبلغاً إذا كانت لم تصل إلى إيمانهم، ولم تنل من عزائمهم، ولم تزعزع صلتهم وثقتهم بالله عز وجل، ولم تجعلهم ممسوخين في أفكارهم وفي مبادئهم وفي اعتزازهم بشخصيتهم ودينهم، ولذلك نجد هناك مواقع حاسمة في تاريخ الأمة: في عام (491هـ) اقتحم النصارى بيت المقدس وأخذوها، ودخلوا إلى المسجد الأقصى، وقتلوا فيه من المسلمين كما يذكر ابن كثير نحو سبعين ألف نفس، حتى غاصت ركب الخيول في دماء المسلمين! هزيمة مروعة، وفظاعة من القتل والوحشية تنخلع لها قلوب الرجال الأشداء فضلاً عن غيرهم، ومع ذلك يذكر التاريخ بعد عامين اثنين فقط في عام (493هـ) أنه التقى بعض جيش المسلمين من أهل الشام مع أولئك النصارى فكسروهم كسرة لم يسمع التاريخ بمثلها، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن عدة جيش النصارى كان نحو ثلاثين ألفاً قتلوا عن بكرة أبيهم، وما بقي منهم إلا ثلاثة آلاف أسر بعضهم، وجرح بعضهم، وهرب بعضهم! أولئك الذين هزموا لم يزل فيهم من أسباب النصر ما هيأ لمجموعة قليلة منهم أن يتحققوا بأسباب النصر، ارتباطاً بالله، وثباتاً على منهجه، فنصرهم الله عز وجل وهم لم تهدأ جراحهم بعد، ولم يتنفسوا الصعداء بعد أن هزموا في تلك الموقعة الشديدة.وفي عام (656هـ) دخلت جيوش التتار بغداد، ونعلم سيرة التتار وقصصهم وما عندهم من الفظاعة والهول، ثم بعد عامين اثنين، وفي يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك في عام (658هـ) تأتي موقعة عين جالوت، ويُهزم فيها التتار، وهم الجيش الذي لا يقهر كما يقال، الوحوش التي لم تكن تنتسب إلى البشرية في ذلك الوقت عند الناس، يكسرون كسرة ما سمع بمثلها من قبل، لماذا؟ لأن بعض الأسباب كانت قد تحققت. وقبل ذلك كان الانتصار الأعظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعقاب أحد، لما دارت الدائرة على المسلمين في آخر المعركة، ومضى منهم إلى الله عز وجل سبعون من الشهداء، وأثخن البقية بالجراح، وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنته عليه الصلاة والسلام، ثم رجعوا إلى المدينة، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أهل أحد أن يخرجوا، لأي شيء؟ هل طلبهم أو ندبهم أن يخرجوا للعلاج أو ليخففوا من آثار ما وقع بهم؟أمرهم أن يخرجوا ليلحقوا بـأبي سفيان ومن معه من مشركي قريش، هذا وجراحهم ما تزال تنزف دماء! وما يزال الواحد منهم يحمل يده المقطوعة أو رجله المقطوعة! وأمر ألا يخرج معهم أحد أبداً ممن لم يشهد أحداً، فماذا كان موقف الصحابة؟! ما تخلف منهم رجل واحد: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:172-173] خرجوا وما تخلف منهم رجل واحد؛ لأن الهزيمة لم تبلغ نفوسهم فتضعضعها، ولم تبلغ إيمانهم فتضعفهم، بل كان إيمانهم أعظم من الجبال الرواسي، وهممهم أعلى من ذرى السحاب؛ ولذلك استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اعتبروا مهزومين، بل خرجوا وأقاموا في حمراء الأسد ثلاثة أيام أو أربعة أيام بلياليها، ولما أنصرف أبو سفيان قال: ما بلغنا من القوم مبلغاً، ما قتلنا محمداً صلى الله عليه وسلم، ولا قتلنا أبا بكر ولا عمر ، ولا استأصلنا شأفتهم، ولا غزونا مدينتهم. وكان يفكر بالرجوع، فإذا بأحد الأعراب يمر عليه فقال: ما خبر محمد؟ قال: رأيته يجد هو وأصحابه في أثركم، فلاذ أبو سفيان بالفرار إلى مكة قناعة بالنصر الهزيل الذي وقع له. إذاً: إذا لم تنل الهزيمة من الإيمان ومن النفوس والعزائم فإن الجولة القادمة وشيكة الوقوع بإذن الله سبحانه وتعالى، وقد فطن لهذا أعداء الأمة، فلم يكن اعتناؤهم -بعد دراسة طويلة للحروب الصليبية- بكسر المسلمين عسكرياً وحربياً فحسب، بل كانوا يريدون أن يطيلوا أمد الهزيمة دهراً طويلاً، وأن يعمقوا تأثيرها في النفوس والقلوب والعقول والسلوكيات والأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حتى ينخروا في بنيان الأمة، فلا تقوم لها قائمة في تصورهم: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].
 

بيت المقدس وما حصل فيه من هزائم وانتصارات
الوقفة الثالثة: وهي لب موضوعنا: نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية؛ لنقرأ بين السطور ماذا وقع في الهزائم؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة؟ هذه المفاصل كثيرة، وسأذكر منها اثنين بالتفصيل، وإن سمح الوقت ذكرنا ثالثاً.الأول: ما يتعلق بحقوق بيت المقدس، والثاني: سقوط بغداد، والثالث: موقعة شقحب؛ لأن فيها دروساً عظيمة جداً. في بيت المقدس لننظر كيف كان توجه المسيحيين في ذلك الوقت؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا؟نقرأ في سطور التاريخ وفي وقائعه ما ينبئنا عن أن في كل جولة لابد من تحقق أسباب، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة أو يقع بها -بعد إذن الله عز وجل- النصر، تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية، وتنادوا باسمها، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام، وإلا أن يتنادوا باسم نصرة العقيدة والإيمان، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية، وأخرى باسم البعثية، وثالثة باسم الاشتراكية، فهوت بها كل واحدة إلى هاوية وبعد سحيق.في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين؟ إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء يستصرخ فيه الهمة لقتال المسلمين، فماذا يقول؟يقول: إلى رجال الدين والدنيا تحية وسلاماً، أيها السيد العظيم! حامي حمى العقيدة المسيحية، أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك -يعني: السلاجقة المسلمون- للإمبراطورية الإغريقية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع، وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها ضد المسيحيين الإغريق -وهذا أكثره كذب- فضلاً عن السخرية والتحقير، فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح؛ لذا أستحلفك بمحبة الله وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنى جمعهم من بلادك. فهذا تناد باسم الإيمان والعقيدة الباطلة، وتناد بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها، فهكذا كان تجمعهم في ذلك الوقت، وكانت نظرة حديثهم.بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين، فهذا البابا أريان الثاني يوجه في مؤتمر كليرمونت في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها، فيقول: يا شعب الفرنجة شعب الله المحبوب المختار! لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة، تعلن أن جنساً لعيناً -يقصد به المسلمين- أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب والحرائق، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، وهم يهدمون الكنائس بعد أن دنسوها برجسهم.إذاً: مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول: ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وهنا يربط بمبدأ مهم وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة لارتباطها بمنهج الله، فتثير فيها الهمة والعزيمة، واليوم يغير التاريخ ويدلس لتغيب القدوات الصالحة، ويغيب الأئمة من العلماء، ويغيب القواد من المجاهدين، وتظهر القدوات الفاسدة التي لا تقدم ولا تؤخر، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة.ثم يقول أيضاً لتتضح لنا الأسباب: طهروا -ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى- قلوبكم إذاً من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث.إذاً: طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد، وأن يمنعوا الخلاف والنزاع لتتوحد الصفوف، ونصب لهم هدفاً يهمهم ويشغل بالهم؛ حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به. فماذا كانت صورة الأمة المسلمة في ومضات؟ كان أحد ملوك المسلمين حاكماً للموصل في ذلك الوقت، وبعد سقوط بيت المقدس أراد أن يجمع بعض الجيوش لمحاربة النصارى، لكن الأسباب كانت غير مهيأة ولا مواتية فماذا حصل؟ قتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة، فماذا وقع بعد ذلك؟ كتب ملك الفرنجة إلى طغتكين الذي جاء بعده كتاباً فيه كلمات موجزة، لكنها تنبئ أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه، يقول: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها. كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات؟ كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها؟ كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ورعاية مصلحة الأمة المسلمة؟
  دور صلاح الدين والعلماء في تحرير بيت المقدس
ثم انظروا إلى دور العلماء في عهد صلاح الدين لما جعل لهم مكانتهم البارزة، وجعل لهم قيادتهم الرائدة، وجعل لهم كلمتهم المسموعة، كتب القاضي الفاضل إلى صلاح الدين يقول له: لأن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، والامتثال لأمر شريعته -العالم يقول للقائد والأمير- والمعاصي في كل مكان بادية، والمظالم في كل موضع فاشية. يعني: لابد أولاً أن تصلح هذا الجانب، وأن تصحح هذه الأوضاع الخاطئة. ويقول في رسالة أخرى يشخص الداء الذي في الأمة قبل أن تواجه أعداءها: إنما أوتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، ثم يقول له: ولا نغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل فلاناً، فكل هذه مشاغل، وليس بها النصر، وإنما النصر من عند الله، ولا نأمن أن يكلنا الله إليها والنصر به واللطف منه، وأستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل. هذه هي القيادة العلمية الراشدة الموجهة التي تكشف الخلل وتبين الخطأ، وتدعو إلى الإصلاح الذي فيه صلاح ما بين الأمة وخالقها سبحانه وتعالى.ثم انظروا إلى روح الأمة في ذلك الوقت، المسلمون في عكا حوصروا حصاراً شديداً، لكن ما بلغ شدة الحصار من نفوسهم وعزائمهم، وكانوا يستنجدون بـصلاح الدين ليفك عنهم الحصار، فكتبوا إليه يقولون له: إنا قد تبايعنا على الموت، ونحن لا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلم هذا البلد أحياء، فانظروا كيف تصنعون في شغل العدو عنا، ودفعه عن قتالنا، ثم المحاصرون هؤلاء المستضعفون يقولون لـصلاح الدين: فهذه عزائمنا، وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو، أو تلينوا له، فأما نحن فقد فات أمرنا، نحن قد بعنا أنفسنا لله، وتبايعنا على الجهاد، فلا تلينوا للعدو ولا تضعفوا أبداً.ثم نجد هذه الصور واضحة جداً في قوة المسلمين، وترابطهم وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى، من ذلك ما تشير إليه أيضاً وقائع التاريخ أن صلاح الدين كاتبه أحد ملوك النصارى عندما كان يحاصر عسقلان، فأراد هذا الملك أن يكتب صلحاً مع صلاح الدين قبل الشتاء حتى يرجع إلى بلده، فكتب كتاباً فيه أنه إذا لم يكتب الصلح في هذه الأيام القريبة وإلا فإنه سيضطر أن يشتي في هذه البلاد، وإذا أدركه الشتاء فلن يستطيع أن يتحرك وينتقل، فماذا كتب له صلاح الدين ؟ كتب له كلاماً جميلاً ونفيساً، يقول: أما النزول عن عسقلان -يعني: ترك الحصار- فلا سبيل إليه، وأما تشتيته -يعني: بقاؤه وجنده في هذه البلاد في الشتاء- فلابد منه؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، وإذا أقام إن شاء الله، -يعني: إن ذهب وإن بقي- سيأخذها المسلمون بإذن الله عز وجل، ثم يقول: وإذا سهل عليه أن يشتي هنا ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين، وهو شاب في عنفوان شبابه، ووقت اقتناص لذاته، ما أسهل علي -يقول صلاح الدين- أن أشتي وأصيف وأنا وسط بلادي، وعندي أولادي وأهلي، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى ينزل الله سبحانه وتعالى نصره. هذه روح الأمة ومواقفها في ذلك الوقت.ولما كتب الله لهم النصر ما طغوا ولا بغوا ولا جحدوا نعمة الله عز وجل، ولا فسقوا ولا فجروا، بل صورت لنا كتب التاريخ والمراسلات في ذلك الوقت ما صنع المسلمون، وبأي شيء فرحوا، لم يفرحوا بالأموال، ولا بالبلاد، ولا بالديار، وإنما فرحوا بنصرة دين الله، وتطهير مساجد المسلمين من أوضار المسيحية والتثليث، فكتب القاضي الفاضل من مصر يهنئ صلاح الدين بحطين، ويخبره عن أهل مصر فيقول: والرءوس إلى الآن لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها؛ شكراً لله عز وجل، وكلما فكر -يعني: يقول هو عن نفسه- الخادم أن البيع -يعني: الكنائس- تعود مساجد، والمكان الذي كان يقال فيه: إن الله ثالث ثلاثة يقال فيه: إنه الإله الواحد، يعني: لا أعظم عندي من هذا الفرح، ولا أجمل منه، ولذلك لما كتب صلاح الدين يبشر أخاه بالنصر، قال له: وعاد الإسلام بإسلام بيت المقدس إلى تقديسه، ووضع بنيان التقوى إلى تأسيسه، وزال ناموس ناقوسه -زالت النصرانية- وبطل بنفس النصر قياس قسيسه، ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد، وامتلأ ذلك الفناء بالأتقياء الأماجد، وطنت أوطانه بقراءة القرآن، ورواية الحديث وذكر الدروس، وحديث هدي الهدى، وزارها شهر رمضان مضيفاً لها نهارها بالتسبيح، وليل فطرها بالتراويح. وقال الخطيب القاضي زكي الدين في أول خطبة في يوم جمعة في المسجد الأقصى بعد فتحه وتحريره، قال مخاطباً صلاح الدين : جددتم الإسلام أيام القادسية، والملامح اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ثم قال لهم: فاقدروا هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة.إذاً: رأينا كيف تحقق النصر عندما جاءت هذه الصورة بعد تهيئة أسبابها.
بغداد وما حصل فيها من هزائم وانتصارات
الموقف الثاني: سقوط بغداد أكثر تأثيراً وأبلغ وأعمق في تجلية صورة الهزيمة والنصر، ذكر ابن كثير هذه الحوادث في شهر محرم من عام (656هـ)، والحقيقة أن نص ابن كثير يغني عن كل تعليق، وكل ما نذكره هنا في هذه الوقائع ينبغي أن نربطه بواقع الأمة، ولا يحتاج ذلك لا إلى تعليق، ولا إلى تفصيل، بل إن الناظر يرى ذلك أمام عينيه، ويسمع أحداث ما يقع للمسلمين بأذنيه، فلا يكاد يخطئ شيئاً من ذلك أبداً، والتاريخ -كما يقولون- يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة؛ لأن الأمر مرتبط بسنة الله عز وجل قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62] وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43].
  معركة عين جالوت وما أحرزته من نصر عظيم
بعد سنتين نعود إلى جولة أخرى وهي جولة عين جالوت، وعندما نتأمل سنجد ومضات النصر ظاهرة أيضاً، فهنا المظفر قطز أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله؟ سمع بأمر التتار، وأخذهم لبلاد الشام، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر فماذا صنع؟ ما انتظرهم ولكن توجه إليهم بجيوشه، قال ابن كثير : وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام، يعني: اجتمعت الكلمة من بعض القواد والأمراء المسلمين، ووصف هذا الملك بأنه كان شجاعاً وصالحاً، قال ابن كثير : لا يتعاطى شيئاً مما كان يتعاطاه الملوك والأمراء في ذلك الزمان، أي: من المعاصي والمفاسد. فاجتمع هو والتتار في عين جالوت في الجمعة في اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فكانت النصرة -ولله الحمد- للإسلام وأهله، فهزموا التتار المنتصرين قبل سنتين في بغداد، والذين فعلوا تلك الأفاعيل، فهزموا، وتتبعتهم جيوش المسلمين حتى بلغوا دمشق، ثم تبعوهم إلى حلب، وهم يفرون، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف، إلى ما يقرب من مئات الآلاف. هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة عندما تهيأت بعض أسباب النصر، قال: وقتلت العامة في ذلك الوقت في وسط الجامع شيخاً رافضياً مصانعاً للتتار على أموال المسلمين. وهكذا وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات.ثم قال ابن كثير في وصف قطز : وكان شجاعاً بطلاً، كثير الخير، ناصحاً للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً، قال: ولما كان في القتال قتلت فرسه، فظل يقاتل وهو واقف ينتظر الإمداد، فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرساً بديلاً عنه، فرفض ذلك وظل يقاتل، قالوا: لماذا لم تقبل ونحن نريد ألا تهزم فينهزم بك الإسلام والمسلمون؟ فقال: أما أنا لو قتلت فكنت أذهب إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه.هذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها.إذاً: أيها الإخوة! المقصد هو أننا عندما نرى نصراً فإننا ينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت، وكذلك أمر الهزيمة، فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية، ومن وجود التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها، وإعلانها الحرب على الله سبحانه وتعالى بما تجهر به من معاصي، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه وأن نفطن إليه، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني والمعالم في حياة الأمة.
أسباب الهزيمة الموجودة في الأمة
التغيير والنصر يأتي متأخراً، وحديثنا كان يقدم الهزائم على الانتصارات؛ لأننا إلى حد ما في ظلال الهزائم، والانتصارات هي الأمل المفتقد بإذن الله عز وجل، وقد بدت بشائره وتبدو هنا وهناك في عودة الأمة إلى دينها، ورجوعها إلى ربها، واعتزازها بشخصيتها وإسلامها وإيمانها وولائها لله، وبراءتها من أعداء الله سبحانه وتعالى، وأخذها بأسباب الوحدة والألفة والاجتماع، ونبذها لأسباب الفرقة، وإن كانت هذه الصور ما تزال جزئياً هنا وهناك باقية، ويسعى أعداء الله عز وجل إلى إطالة أمدها، وإلى تعميق آثارها، وإلى توسعة دائرتها حتى لا تقوم للمسلمين قائمة؛ ولذلك أكثر ما يبتلى به المسلمون الشقاق والنزاع، وأكثر ما يسلط عليهم ليفتنوا هو الفساد والانحراف؛ ولذلك أريد أن أوجز الحديث لأختم هذا اللقاء فيما يتعلق بتكريس أسباب الهزيمة في الأمة.
  أسباب الهزيمة في مجال الإعلام
أخيراً المجال الخطير: وهو مجال الإعلام الذي يغير في الأمة، ويرسخ فيها كثيراً من مجالات الانحراف والأخطاء العقدية والسلوكية والفكرية، ويظهر ذلك من صور شتى كثيرة، أبرزها وأهمها: وجود التناقض بين الحكم والواقع، فبينما يأتي البرنامج الذي يسمى برنامجاً دينياً وينشر فيه أن حكم الغناء الحرمة، وحكم الرقص الحرمة، ثم بعده يأتي هذا الغناء وهذا الرقص! فيشعر الناس بالتناقض أو أن يقبلوا هذين، على أن كلاً منهما له حكمه كما يقولون: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، أو أن يضطرب الناس فيظنون الحلال حراماً، والحرام حلالاً، إضافة إلى ما يسلط على الأفكار والمعتقدات من انحرافات، فضلاً عما يفتك بالمسلمين من قضايا الانحراف السلوكي عبر الخلاعة والمجون وغير ذلك. ثم أمر مهم وخطير وهو: تعظيم الأجنبي غير المسلم، وإعطاؤه صورة من الحضارة والعلو والرفعة، حتى إنه لا يظهر إلا بصورة الممجد المعظم، بينما غيره من المسلمين لا يعطى مثل هذه الصورة. وأيضاً: تسليط الأضواء في مجتمعات المسلمين ليس على الأخيار، ولا على الأبرار، ولا على الدعاة العاملين، ولا على العلماء المخلصين، وإنما تسلط الأضواء على من تاريخهم يشهد بخيانتهم للأمة، وانحرافهم عن نهج الله عز وجل، وإن كانوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، فهذه المجالات كلها تكرس أسباب الهزيمة وصورها في واقع المجتمعات؛ ولذلك البشائر التي تبدو في الأفق من هذه الصحوة الإسلامية ينبغي أن تعلم أن البداية هي في علاج هذه الانحرافات والأخطاء، وفي وقف سير الأضرار التي تجرف المجتمعات المسلمة من جراء هذه الميادين والمجالات، وأيضاً أن تعلو بإذن الله عز وجل راية الحق والجهاد. وقد ظهر للمسلمين عياناً أن الأمة إذا ارتبطت بدينها، ورفعت شعار التوحيد، وأرادت أن تقاتل وتحارب، وأن تواجه أعداءها باسم الله، راجية من الله عز وجل أن يحقق لها النصر كما ظهرت صور ذلك أيضاً في كثير من المواطن والبلاد الإسلامية هنا وهناك.
الأسئلة

  الحلول المخرجة من مأزق الأمة اليوم
السؤال: إذا كان هذا حال الأمة فما هو الحل؟ الجواب: الحل ألا ننام ثم نستيقظ وقد انتهت الأمور، ولا أن نجلس في المساجد وندعو وينتهي الأمر، ولكنها سنة الله عز وجل تحتاج إلى جهد وجهاد، وابتلاء، وصبر ومصابرة، حتى يأذن الله عز وجل بأن يحقق نصره، وأن تتكامل هذه الجهود. وينبغي أن نعلم أن الأمر يمتد مع الزمن ومع من هنا وهناك في شرق الأرض وغربها من المسلمين في كل مكان، قد يهزم المسلمون في مكان وينتصرون وتقوى شوكتهم في مكان آخر، وهذا من رحمة الله عز وجل، ومن عجائب التاريخ أنه في الوقت الذي كانت تسقط فيه الأندلس كانت جيوش المسلمين العثمانيين تدق أبواب فيينا في أوروبا الشرقية، وفتحت البوسنة والهرسك في ذلك الوقت الذي سقطت فيه الأندلس تماماً! وحقائق التاريخ تشهد بذلك كثيراً، والله سبحانه وتعالى ناصر عباده، ومنجز وعده، والله نسأل أن يختم لهذه الأمة بالنصر والعز والتمكين في قريب الزمان بإذن الله عز وجل.وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات في الهزائم والانتصارات للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net