اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , محبة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ : علي بن عمر بادحدح


محبة النبي صلى الله عليه وسلم - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم، وهي دليل على اتباع الشرع، ولها صور وعلامات ومظاهر وأسباب يكشفها الواقع، ويظهرها الحال، ويقطف ثمرتها المؤمن الوسط بين الغلو والجفاء.
معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومفهومها
الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، وشرفنا بالانتساب للنبي العدنان عليه الصلاة والسلام، نحمده سبحانه وتعالى على ما أفاض من النعم، وما وقى ودفع من النقم، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.والصلاة والسلام التامان الأكملان على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، علم الهدى، ومنار التقى، محمد خير البرية، وسيد البشرية صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد: فالحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم منزلة رفيعة، والحديث عن محبته عليه الصلاة والسلام متعة عظيمة، ثم الألسنة تترطب بذكره والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وأما الآذان فتتشنف بسماع سيرته وهديه وحديثه عليه الصلاة والسلام، وأما العقول فتخضع لما ثبت من الحكم والسنة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، وأما الجوارح والأعضاء فتنتفع وتتمتع بموافقة هديه وفعله وحاله صلى الله عليه وسلم، بل حياتنا كلها مرتبطة بهديه وسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام.وما عسى أن يكون الحديث عن محبته صلى الله عليه وسلم؟ وهل يمكن أن يوفى مثل هذا الموضوع حقه في سويعة من الزمان، أو في بضع محاضرات وإن كثرت؟ إن حقه وقدره ومقامه والواجب له عليه الصلاة والسلام أعظم من ذلك كله، ولكن حسبنا أن يكون لنا في مثل هذه الأوقات ما يحيي قلوبنا، وينشط عزائمنا، ويقوي هممنا، ويبعث نشاطنا، ويحرك مشاعرنا، ويؤجج عواطفنا، لنرتبط ارتباطً أوثق، ونتبع اتباعاً أكمل لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حتى ننال خير الدنيا والآخرة وفلاح الدنيا ونجاة الآخرة، بإذن الله عز وجل.وعندما نظرت في هذا الموضوع رأيته كمحيط متلاطم الأمواج، قعره عميق، ودرره كثيرة وعظيمة، فعسى أن نقتبس شيئاً من ذلك وننتفع به بعون الله سبحانه وتعالى.هاهنا وقفات نبدأها بمفهوم ومعنى محبة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ونعرج من بعد على حكم هذه المحبة، ثم نقف مع دواعيها التي تحث عليها وتقرب إليها، ثم نتوقف عند الأسباب التي تجلب تلك المحبة، لنخلص منها إلى الصور والمظاهر التي تبديها لنا وتكشفها لنا في واقع مشاعرنا وكلماتنا وأفعالنا، ثم وقفة قبل الختام في ثمار هذه المحبة وخيراتها وآثارها، لننتهي إلى المحبة بين الغلو والجفاء، ولعلنا نستطيع أن نلم بذلك وإن كان في الأمر عسر، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال القائل: أبر بني الدنيا وأعظم من شكر وأكرم مخلوق على سائر البشر به الله قد أهدى إلى الناس رحمةً ومنه ضياء الحق في الكون قد ظهرتبارك ربي إذ أعد محمداً وزكاه بالتقوى وبالعلم والخبرثبات اعتقاد الحق من أخلاقهوخير عباد الله أقدر من صبرجهير بأمر الله يدعو مبشراًوينصح من لاقاه بالآي والنذرحري بإصلاح الفساد ومرشدإلى سبل الخيرات في البدو والحضردعا الناس بالتوحيد والحب والوفاوجادل بالحسنى وأقنع بالأثرذرا الهمة القعساء بعض صفاتهوأقدم مقدام وأحلم من قدررعاه إله الكون خير رعايةفأنبت نبتاً طيب الأصل والثمر عليه الصلاة والسلام. والمحبة في لغة العرب يعرفونها بضدها لوضوحها وجلائها، فإن ذهبت إلى جل المعاجم وجدتهم يقولون: المحبة ضد الكره والبغض، وأُحِبُّه أي: أوده. وشخص بعضهم هذا المعنى تشخيصاً أوسع فقال: أحببت فلاناً في الأصل بمعنى: أصبت حبة قلبه. أي: شغاف قلبه وكبد قلبه وفؤاده. والمقصود أن المشاعر تتسلل في هذه الموافقة والمجانسة والميل إلى أعماق الفؤاد وسويداء القلب فتصيب حبته، أي: جوهره وأصله ومكمنه، فتكون حينئذ ليست عرضاً ظاهراً ولا صوراً جوفاء، بل حقيقة تنبض بها خفقات القلب، وتظهر في مشاعر النفس، بل تبدو في بريق العين، وقسمات الوجه، وابتسامة الثغر، وحسن الثناء والمدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه المحبة قال عنها ابن القيم ووافقه ابن حجر عليها: المحبة لا تحد -أي: لا يذكر لها تعريف-؛ إذ هي أمر ينبعث بالنفس يصعب التعبير عنه. ولعمري إنه لكلام دقيق، فهل تستطيع أن تقول: إني أحب فلاناً عشرة أرطال، وفلاناً عشرين رطلاً.كلا لا تستطيع، وهل تستطيع أن تكتشف للحب سبباً؟بعض الناس تلقاه فترى كأن فؤادك قد مال إليه، وقلبك قد هفا له، وبعض الناس قد تعاشره دهراً وما يزال في قلبك انقباض عنه، وفي نفسك وحشة منه، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالمحبة سر من أعظم ما تتجلى به عظمة خلق الله في هذا الإنسان.ما بين غمضة عين وانتباهتهايبدل الله من حال إلى حالفكم من محبوب لكلمة أو لموقف ربما تغير القلب عليه، ونفرت النفس منه، ولذلك هذه العواطف والمشاعر لا تضبط بهذه الكلمات والتعريفات، وإن كان قد ذكر بعض العلماء للمحبة تعريفات اصطلاحية كثيرة، من ذلك ما قاله القاضي عياض رحمه الله في شفائه: المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب. عندما توافقه وتجانسه وتميل إليه وتتبعه فذلك دليل المحبة، لكن لو وقفنا لوجدنا أن هذا التعريف ليس تعريفاً للمحبة، بل هو وصف لأثرها، فالمحبة انبعثت في القلب فمال الإنسان إلى من يحبه ووافقه، وهذا أمره واضح.ثم المحبة لها جوانب، منها محبة الاستلذاذ، كحب الصور الجميلة والمناظر والأطعمة والأشربة، تلك محبة فطرية، أو تكون محبة بإدراك العقل، وتلك المحبة المعنوية التي تكون لمحبة الخصال الشريفة والأخلاق الفاضلة والمواقف الحسنة، وهناك محبة تكون كذلك لمن أحسن إليك وقدم لك معروفاً، فتنبعث المحبة حينئذ لتكون ضرباً من ضروب الحمد والشكر، فينبعث الثناء بعد ذلك ترجمة لها وتوضيحاً لمعانيها. قال الإمام النووي رحمه الله: وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم بما جمع من الجمال الظاهري والباطني، وكمال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين لهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم، والإبعاد من الجحيم، فإن نظرت إلى وصف زينته صلى الله عليه وسلم فجمال ما بعده جمال، وإن نظرت إلى أخلاقه وخلاله فكمال ما بعده كمال، وإن نظرت إلى إحسانه وفضله على الناس جميعاً وعلى المسلمين خصوصاً فوفاء ما بعده وفاء، فمن هنا تعظم محبته صلى الله عليه وسلم، ويستولي في المحبة على كل صورها وأعظم مراتبها وأعلى درجاتها، فهو صلى الله عليه وسلم الحري أن تنبعث محبة القلوب والنفوس له في كل لحظة وثانية، وحركة وسكنة، وقول وصمت، وفي كل تقلبات حياتنا، ولذلك ينبغي أن ندرك عظمة هذه المحبة.ويقول ابن تيمية: وليس للخلق محبة أعظم ولا أتم من محبة المؤمن لربه، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى، وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله. وذلك ما سنفيض القول فيه في بعض تلك الأحوال، وحسبي أن نعرج على هذه المعاني. وهنا وقفة نتمم بها ما بدأناه، فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم من جوانب شتى: في جانب العقل معرفة وعلماً، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب ونحو ذلك، ومحبة بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميل عاصف، فالنفس تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية، ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وعمله وفعله عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن نقول: إن المحبة اتباع فحسب، فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول: إنها الحب والعاطفة الجياشة، فأين صدق الاتباع؟ لا ينفع هذا وحده، فأين المعرفة والعلم التي يؤسس بها من فقه سيرته وهديه وأحواله عليه الصلاة والسلام؟لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس والعقل والفكر وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمل حينئذ المحبة لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها لنؤدي بعض حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا.
 

حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم
ما عسى أن يكون حكم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الوجوب؟! فهي واجبة على كل مسلم قطعاً ويقيناً، والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى الذي جمع فيه في آية واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامح النفوس ووضعها في كفة، وحب الله وحب رسوله في كفة فقال: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]. قال القاضي عياض رحمه الله: فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً وبلاغةً وحجةً على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظيم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وتوعدهم بقوله: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]، ثم فسقهم بتمام الآية فقال: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، وأعلمهم أنه ممن ضل ولم يهده الله عز وجل.فهذه آية عظيمة تبين أهمية ووجوب هذه المحبة، ويأتينا كذلك دليل آخر وهو عظيم وموجز وبليغ في قول الحق جل وعلا: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]. ويبين ابن القيم رحمه الله الدلالة على وجوب هذه المحبة في هذه الآية من وجوه كثيرة، ضمنها أمرين اثنين: الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها، أي: أولى به من نفسه وأحب إليه منها. فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه. الثاني: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً، بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم، يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه التصرف إلا ما تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أولى به من نفسه، أي: بما جاء به الله عز وجل وبلغه من آياته وأقامه ونشره من سنته صلى الله عليه وسلم، والآيات في هذا كثيرة.أخي الكريم! الإيجاز هو مقصدنا في هذا، وإلا فإن قوله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] من الأدلة العظيمة الشاهدة على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً لا نزاع أن محبة الله واجبة، وأن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته هو طريق إلى محبة الله كما سيأتي في قوله: (من أحبني فقد أحب الله) والآيات أكثر من أن تحصى في هذا المقال.وأما أحاديث صلى الله عليه وسلم فصريحة جلية واضحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة، ومن ذلك حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري ، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله ووالده وولده والناس أجمعين)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.وكلنا يعرف الحديث الصحيح المشهور في قصة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما قال عمر : (يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا -والذي نفسي بيده- حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: عليه الصلاة والسلام: الآن يا عمر). ولم يكن قول عمر الأول أنه ليس محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه على حقيقته، إنما أخبر عن مقتضى الطبع، الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيء إليه نفسه، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمصطلح الإيماني أقر عمر بالمعنى الإيماني وبأنه يفضل ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، فقال له حينئذ صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر). ومما يستدل به كذلك من هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله عنه: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). ثم إن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار كما ذكر ذلك الإمام الخطابي ، ولذلك عمر في جوابه الأول ذكر الطبع، ثم بعد ذلك ذكر فيه الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان.ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين: أحدهما فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته وبعثته، وتتلقى ما جاء به بالمحبة والقبول والرضا والتسليم، وثانيهما محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله، ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة. ومن الأدلة كذلك ما ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور المحفوظ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار). ومن الأحاديث حديث أنس عن الرجل الذي جاء سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم عاد إليه فقال: ما أعددت لها. قال: حب الله ورسوله. فقال: فإنك مع من أحببت)، وفي الرواية الأخرى قال الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك مع من أحببت. قال: أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم). ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث جميل أخرجه مسلم في صحيحه، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله). هذا الحديث ربما من اجتهد وجاهد قد يكون مقصوداً به؛ لأنه يخبر عمن جاء بعده، فيقول عليه الصلاة والسلام: (من أشد الناس حباً لي ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله). وحديث ابن عباس أيضاً قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي) رواه الترمذي في سننه وحسنه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .وكلنا محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وجوب، ومحبة اختيار وتعظيم له عليه الصلاة والسلام، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج إلى الأدلة، ولكننا نريد أن نعظم هذه المحبة في قلوبنا ونحن نرى الآيات التي تتلى إلى قيام الساعة توجب هذه المحبة وتبرزها عظيمة عالية في مقامها مقترنة بمحبة الله عز وجل، بل راجحة بكل ما تتعلق به القلوب من أنواع المحاب الدنيوية في شتى صورها وأنواعها، فعلنا حينئذ ندرك هذا، وندرك أيضاً عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص القاطعة الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تتردد، وقلبك الذي يخفق، فضلاً عن محبة الزوجة والأبناء، أو الأمهات والآباء، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبة لمخلوق من بني آدم في الدنيا وفي الخليقة كلها، وهي التي استحقها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ووجبت على كل مؤمن مسلم لله سبحانه وتعالى.
 

دواعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم
لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إننا قطعاً لن نقول هذا السؤال وكأننا لا نريد هذه المحبة، ونسأل: (لماذا) على سبيل عدم الرغبة، كلا، وإنما نريد مرة أخرى أن نهيج القلوب والمشاعر لهذه المحبة، وأن نؤكدها ونحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحقق بها المشاعر، وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله عز وجل.
  خصائصه وخصاله العظيمة
ويكفينا في ذلك قول الله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وكم اجتمع فيه عليه الصلاة والسلام ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم! فكان هو مجتمع المحاسن عليه الصلاة والسلام.حسبنا ذلك في هذه الدواعي وإلا فالأمر كثير، فإن الذين مالت قلوبهم وملئت حباً لرسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه إنما سبى قلوبهم واستمال أنفسهم بما كان عليه من الخلق وحسن المعاملة وكمال الرحمة وعموم الشفقة وحسن القول، إلى غير ذلك مما هو معلوم من شمائله عليه الصلاة والسلام.
مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم وعلامتها
نذكر هنا مظاهر المحبة وعلامتها، فلكل شيء دليل ولكل ادعاء برهان، ولكل حقيقة في الباطن أثر وبرهان وصورة في الظاهر، ولنذكر بعض هذه المعاني العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
  حب صحابته والترضي عنهم
من حب النبي عليه الصلاة والسلام حب صحابته، ومن أبغض أحداً من صحابته فهو كاذب في حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أبغض بعضاً أو كلاً أو واحدةً من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب في محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأعظم على الله وعلى رسوله الفرية، وكان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، وفي حديث أنس الصحيح: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار). فحب الصحابة وحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان ومن محبة النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو زرعة الرازي في كلامه على معتقد أهل السنة والجماعة: إذا رأيت أحداً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما نقل ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والطعن بهم أولى، وهم زنادقة. قال الخطيب البغدادي رحمه الله: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم بنص القرآن في آيات كثيرة، منها: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن حجر : اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقال صاحب العقيدة الطحاوية رحمه الله: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نشك في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من أبغضهم ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإحسان وبغضهم كفر وطغيان.فهذا من علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم الظاهرة البينة، وهي مما ينبغي أن يكون معلوماً ومعروفاً، والأمر في ذلك كثير وعظيم.
الأسباب الجالبة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم
ونريد بذلك الطريق التي تقربنا والأعمال التي توصلنا إلى هذه المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
  الذب عن السنة والدفاع عنها
فكم -وللأسف الشديد- من عدوان يعتدى فيه على ذات الرسول عليه الصلاة والسلام من المسلمين وغير المسلمين، وكثيراً ما تجد أحداً يقوم بذلك، والأمر أوسع من هذا.
مواقف المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم
ليس هناك أكثر محبة ولا أصدق ولا أعظم محبةً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وخذ هذه المواقف، وكل واحد منها حري بنا أن نعيده وأن نكرره ونحفظه ونتذكره لنعلم كيف كانت محبة القوم رضوان الله عليهم. هذا عمرو بن العاص يقول مصبراً نفسه: ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه. من هيبته لم يكن يستطيع أن يتفرس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن محبته كان يتوق ويشتاق إليه عليه الصلاة والسلام.وسئل علي بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم: كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخذ هذا الوصف من ابن عمه وزوج ابنته والفصيح البليغ علي بن أبي طالب؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. وهذا من مآثر الصحابة رضوان الله عليهم.وروى الشعبي -والحديث بطرقه حسنه أهل العلم- أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولو أني لم آتك فأراك لظننت أني سأموت. ثم بكى الأنصاري رضي الله عنه. يقول: أنت أحب إلي، والآن هناك فرصة، فآتي فأراك فتسكن نفسي، وإن كنت أتصور أني لا أراك سأموت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبكاك؟ قال: ذكرت يا رسول الله أنك ستموت فترفع مع النبيين ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك. يعني: لن أراك في الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبره بشيء حتى نزل قوله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبشر) فبشره بأنه يكون معه مادام قد أحبه. ومن أعظم هذه المواقف ما رواه أنس رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد خاص أهل المدينة حيصة -يعني: في القتال عندما اختلت الأمور- قالوا: قتل محمد صلى الله عليه وسلم. حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها -يعني: كلهم ماتوا واستشهدوا رضوان الله عليهم- قال: وما أدري بأيهم استقبلت أولاً، فلما مضت على أحدهم قالت: من هذا؟ قالوا: أبوك، أخوك، زوجك، ابنك، وهي تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: أمامك. وهي ما زالت تمضي، قال: فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب). وفي رواية أخرى لـسعد بن أبي وقاص في قصة هذه المرأة قالت: (ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل). أي: هينة.وأبو بكر رضي الله عنه لما كان في مكة واجتمع كفار قريش يريدون أن يضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يدافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتركوا الرسول وتوجهوا إلى أبي بكر وضربوه بنعالهم، قال الراوي: فضربوه بنعالهم في وجهه حتى سقط مغشياً عليه، ولم يعرف وجهه من أنفه -أي: من شدة التورم- قال: ثم حمل ما يشك في موته من شدة ما لقي من الضرب. قال: فلما أفاق كان أول ما قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: هو بخير كما تحب. قال: لا حتى أراه. فحمل يهادى بين الرجلين، فلما رآه تهلل وجهه فرحاً رضي الله عنه وأرضاه. وهذا من مواقف الحب الصادق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذه المواقف العظيمة ما كان من قصة زيد بن الدثنة رضي الله عنه، الذي أسره أهل مكة، ثم خرجوا به ليصلبوه، وقد صلبوه بالفعل، فقال له أبو سفيان -وكان إذ ذاك على كفره-: أتحب أن محمداً مكانك وأنت في أهلك وولدك؟ أي: أنت الذي اتبعت محمداً صلى الله عليه وسلم فجاءك هذا الموقف، والآن ستصلب فهل تحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك وولدك. فماذا كان الجواب؟ قال: والله ما أحب أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة وأنا في أهلي وولدي. فقال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً -صلى الله عليه وسلم-. أعظم حب وأوفاه وأوسعه، ولذلك قالوا: نفديك بأنفسنا وأرواحنا وهناك مواقف كثيرة لابد من ذكرها لبعض السلف من التابعين لنعرف أن هذه المحبة هي جوهر إيماننا وأساس من أسس إسلامنا. هذا مالك بن أنس يقول عن أيوب السختياني رضي الله عنه: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أوثق منه.يعني: في مكانة عالية رحمه الله. قال عنه مالك : وحج حجتين -وحج مالك معه-، قال: فكنت أرمقه ولا أسمع منه. يعني: لا يسمع منه الحديث، قال: غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه. أي: أخذ عنه الحديث لما رأى من إجلاله وفيض محبته وتأثره بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا مصعب بن عبد الله يروي عن مالك ، يقول: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه -أي: يشفقون عليه- فقيل: له في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون! وذكر الإمام مالك محمد بن المنكدر من أئمة التابعين، وكان سيد القراء، قال: ما نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه رحمه الله. والحسن البصري جاءنا بمثل جميل، وهذا باب ضاق المقام عن أن أذكره، وهو حب الجمادات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه) والجذع الذي كان يخطب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فلما بني له منبر طلع يخطب على المنبر، فإذا الجذع يحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع له حنين سمعه الناس كلهم، فنزل النبي عن المنبر فوضع يده على الجذع فسكنه فسكن، وكان الحسن البصري رحمه الله إذا ذكر حديث حنين الجذع وبكائه يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى لقائه، فأنتم أحق أن تشاقوا إليه صلى الله عليه وسلم. ويقول بعض السلف: كنت آتي صفوان بن سليم -وكان من المتعبدين المجتهدين- فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم عنه الناس ويتركوه.وأختم هذا الباب بهذه القصة وأذكرها بطولها، وقد ذكرها الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء، وهي قصة رائعة، والذهبي إمام من أئمة أهل السنة، وجهبذ من الجهابذة ومن النقدة أئمة الجرح والتعديل، ولا يكون عاطفياً تماماً دون أن يكون له الأساس والمستند العلمي، يقول في ترجمة عبيدة بن عمرو السلماني -وهو من التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه- يقول: محمد: قلت لـعبيدة : إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من قبل أنس بن مالك فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض. يعني: أحب إلي من كل ذهب وفضة في الأرض قال الذهبي : قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس.ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين سنة، وهو من التابعين وليس بعيد العهد بالنبوة ، ويقول الذهبي : فما الذي نقوله نحن في وقتنا، لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت، أو شسع نعل كان له، أو قلامة ظفر، أو شقفة من إناء شرب فيه، فلو أنفق الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده أكنت تعده مبذراً أو سفيهاً؟ كلا. فابذل مالك في زيارة مسجده الذي بنى فيه بيده، والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عند حجرته في بلده، والتذ بالنظر إلى أحده وأحبه، فقد كان نبيك صلى الله عليه وسلم يحبه، وتملا بالحلول في روضته ومقعده، فلن تكون مؤمناً حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم، وقبل حجراً مكرماً نزل من الجنة، وضع فمك لاثماً مكاناً قبله سيد البشر بيقين، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظفرنا بالمحجن -يعني: العصا -الذي أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر ثم قبله لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل. ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل. ثم قال: وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الذهبي : فنقول نحن إذ فاتنا ذلك -يعني: ليس عندنا يد أنس ، فكيف نقبل شيئاً قبله الرسول صلى الله عليه وسلم؟- حجر معظم بمنزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وسلم لاثماً له، فإذا حججت فقبل، وإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه، وقل: فم مس بالتقبيل حجراً قبله خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من نفائس القول لأئمتنا وعلمائنا رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم أجمعين، والباب في هذا يطول كما ذكرت.
  الذب عن السنة والدفاع عنها
فكم -وللأسف الشديد- من عدوان يعتدى فيه على ذات الرسول عليه الصلاة والسلام من المسلمين وغير المسلمين، وكثيراً ما تجد أحداً يقوم بذلك، والأمر أوسع من هذا.
ثمار محبة النبي صلى الله عليه وسلم
ثمار المحبة يكفينا فيها ثمرتان: أولاهما: أن هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة، والإكثار من العبادة، وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيد من الطاعات. ثانيهما: وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاة من النار، ولحوقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال: (المرء مع من أحب) وفي الدنيا كذلك إعانة على هذه الطاعات؛ لأنه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في شأن محبة الله وموافقة رسوله: (حتى أكون يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) إلى آخر ما هو معلوم.
  الذب عن السنة والدفاع عنها
فكم -وللأسف الشديد- من عدوان يعتدى فيه على ذات الرسول عليه الصلاة والسلام من المسلمين وغير المسلمين، وكثيراً ما تجد أحداً يقوم بذلك، والأمر أوسع من هذا.
محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء
هنا وقفة أخيرة، وأظن -والله أعلم- أننا كنا مستمتعين بهذا الحديث، ومما ذكرنا من الآيات والأحاديث في عظمة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، ومواقف الصحابة إن هذه المحبة التي قلناها ما بال بعضنا يفسدها بغلو يخرج عن حد الاعتدال، أو جفاء يبتعد فيه المسلم عن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم محبته عليه الصلاة والسلام، والأمر في هذا يطول كثيراً، والشذوذ والخلاف والخروج عن مقتضى سنته ومحبته في هذا الباب كثير، وخير الأمور أوسطها، فالغلو خرج به قوم إلى صور كثيرة لا تخفى من حيث الواقع، لكني أذكرها من حيث المنهج والمبدأ، فمنهم من يجعل المدح مدخلاً لذكر ما هو خالص مستحق لله عز وجل لا يجوز أن يشاركه فيه غيره، ولا نصف به غيره وإن كان هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ادعيَّ لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما هو حق لله ومن خصائص الله سبحانه وتعالى فهذا يأباه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علمه للناس في وقته وزمانه، كما قال: (لا تقل: ما شاء الله وشئت. ولكن قل: ما شاء الله، ثم شئت). وبعضهم يقول: هذه ألفاظ تعبر عن المشاعر وما نقصد بها عين هذه الألفاظ. نقول: سبحان الله! هل أنتم أعلم أو أحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لم ترك التنبيه على الألفاظ إذا كانت ليست مؤثرة، وليست بذات تأثير في النفس والفكر والعقل، وكانوا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويثنون عليه، وهو يقول عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ولكنه يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) كيف أطروه؟ قالوا: هو الله. وخرجوا به عن حد بشريته ونبوته، وخرجوا به عن حد تعظيمه الذي ينافي مقامه ومكانه، فهذا غلو ليس مطلوباً بحال.وضرب آخر من الغلو، وهو الإتيان بمخالفات عملية فعلية لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بادعاء المحبة، أو في أوقات وأفعال وأعمال وأحوال تدعى فيها محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالاجتماع لمحبته مع وجود ما هو مذموم من الاختلاط والغناء والخروج عن حد الاعتدال، أو ما هو مضمن من ادعاء أمور غيبية بحلول روحه أو تجسد روحه أو رؤيته يقظة وغير ذلك من هذه الأمور التي لا تثبت، بل يثبت في عموم الأدلة وبعض الأحوال في خصوصهم ما يناقضها ويعارضها، فهذا ادعاء ليس له دليل وليس له حجة، بل هو -كما قلنا- معارض.ثم أيضاً أمر ثالث من الغلو، وهو الادعاء والاختراع لأمور وأقوال وأحوال لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا الصلاة عليه، ووردت في أحاديثه صيغ كثيرة من الصلوات، وهناك صيغ فيها إطلاق للصلاة والسلام عليه عدد قطر الأمطار وهذا لا بأس به، لكن أن نخصص صلوات معينة لابد من أن تحفظ وتذكر بعدد من المرات من أين لنا هذا؟ ومن أين لنا أن نوجب على الناس أو أن نسن لهم أو أن نشرع لهم ما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامه أوثق وأقوى، وهو الذي أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام؟ونجد كذلك ادعاءات كثيرة فيما يتعلق بالأقوال والأحاديث بعضها ضعيف وبعضها موضوع، وبعضها لا يثبت، ومع كل هذا يقال وينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بادعاء الرغبة في المحبة، أو التحبيب، هذا كله خارج عن حد الاعتدال.ويمكن أن نقول: هناك تنبيهان أساسيان في هذا: أولهما أنه يجب على المسلم المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين ما هو حق لله عز وجل ولا يجوز أن يوصف به ولا أن ينسب إلا لله عز وجل، وبين ما هو حق لرسوله صلى الله عليه وسلم. فتعظيم الالتجاء وطلب كشف الضراء وغير ذلك أثبته النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، وبين في نصوص القرآن ما يدل على ذلك، وهذا وغيره لووا أعناق بعض النصوص حتى توصلت إلى مثل هذا. ثانيهما: التفريق بين صور التعظيم المشروع أو الداخل في دائرة المشروع وبين ما هو معلوم وظاهر أنه مخالف لهدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا باب طويل. وأما الجفاء فكما أننا ننكر الغلو ونحذر منه فكذلك الجفاء، فبعض الناس في قلبه شيء من جفاء ولا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، ولا يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذُكر، وإذا ذُكر مرة صلى، وإذا تكرر ذكره ثانية أو ثالثة لم يصل، كأن الصلاة تشق عليه أو ثقيلة على لسانه، حتى إنه يترك زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام والتعلق بسنته، إلى غير ذلك من صور كثيرة. ويمكن أن نذكر بعضاً من صور الجفاء، فمنها: البعد عن السنة باطناً وظاهراً، فترك سنن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب من الجفاء ومجانبة محبته عليه الصلاة والسلام، ولذلك ليست المحبة ادعاءً؛ إذ كثير من أحوالنا ظاهراً وباطناً فيها مخالفة للرسول، فكيف لا نشعر أن في هذا نقصاً لمحبتنا للرسول عليه الصلاة والسلام؟وكذلك رد الأحاديث الثابتة والصحيحة، وهذا ضرب كبير من الجفاء والرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: (ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله) يعني: ليس هناك مكان أو اعتبار لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فيقول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن ما أحل رسول الله كما أحل الله، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله) ثم كذلك نرى الآن الكثير من الناس يتحدثون بموجب مفسدات عقولهم، يقول لك: هذا حديث لا يعقل، وهذا لا يصلح في هذا الزمان. هذا كله ضرب من المخاطر العظيمة في شأن المحبة، بل في شأن الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك العدول عن سيرته، وعدم الهيبة والتعظيم والإجلال عند ذكر حديثه، وهذا باب طويل سيأتينا ذكر له إن شاء الله تعالى، ولذلك نزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]. وعرف الصحابة ذلك، فكان ثابت بن قيس ممن اعتزلوا مجلس النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه جهوري الصوت، ومن بعده عمر بن الخطاب قال لرجلين كانا يرفعان صوتيهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنكما من غير أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً. فحرمته حياً كحرمته ميتاً، عليه الصلاة والسلام.ومن الجفاء هجران السنن المكانية، بأن نهجر زيارة مسجده، وزيارة مسجد قباء، والأماكن التي كان يتنقل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل قدما توافق قدماً، أو جبهة توافق جبهةً، وتستشعر وأنت في الروضة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنت في أحد كل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تحيي في قلبك هذه المعاني، وقد وجدت شباباً في الجامعات لم يذهبوا إلى المدينة مطلقاً وهم من أهل هذه البلاد، لم يذهبوا إلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يروا مسجده، ولم يزوروا قبره، ولم يصلوا في روضته، ولم يشهدوا قباء، ولم يروا جبل أحد، كيف يكون هذا والناس لا نقول: يضربون أكباد الإبل، وإنما يطيرون بالطائرات النفاثات ليأتوا لحج بيت الله الحرام، ولزيارة مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام والسلام على قبره عليه الصلاة والسلام، فلا ينبغي أن يكون عندنا مثل هذا الجفاء.وبعض الناس عنده نقطة مهمة جداً، وهي الحساسية المفرطة لذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام، والصلاة عليه، وذكر مآثره، وذكر ما ثبت في تعظيمه، يقول: لا نريد هذه مبالغة حتى نسد باب الذرائع. وليس الأمر كذلك، فتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام واجب، ومحبته واجبة، ومادام ذلك قد ثبت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وفي معجزاته من تفجر الماء من بين يديه، وانشقاق القمر، وفي خصائصه وشمائله الكثيرة المأثورة المذكورة المشهورة التي امتلأت بها صحاح كتب السنة فلماذا لا نعظم النبي صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا نثير هذه السيرة والمواقف لتكون محبته أعظم في القلوب؟ ليس هناك من حرج ولا حساسية، وإن كان هناك من يغلو فلا يسعنا أن نسد أو نوقف أو نمنع هذه الأحاديث والأحوال ونقول: سداً لباب الذريعة! كلا. فما ثبت لابد أن يقال ويعاد ويعلم ويشهر ويذكر حتى يكون مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته على الوجه الذي أراده الله عز وجل لنا وأراده لنا رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن أعظم الهجر والجفاء لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم الابتداع، فكل مبتدع يتلبس ببدعة يخالف بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ضرب من الجفاء، كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: افعل وهو يفعل غيره ونقيضه.وعدم معرفة قدر الصحابة وذمهم هو ضرب من الجفاء، فكيف تدعي حب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تذم أصحابه الذين كانوا عن يمينه ويساره الذين فدوه بأرواحهم، وجعلوا صدورهم دروعاً تتلقى السهام ليذودوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! كيف يمكن لأحد أن يدعي محبته وهو يظن أو يتهم أو يشنع على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين؟ كل هذا ضرب من الهجران والجفاء الذي هو من أشد وأفظع ما يرتكبه مسلم في بعده عن دين الله عز وجل، وعن مقتضى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الجفاء عدم العناية بالسيرة النبوية، وعدم معرفة الخصائص والخصال الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخصائصه عظيمة جداً أكثرها لا يعرفها الناس، ولا يقرءون ولا يعرفون أحاديثه الثابتة حتى في الأمور المادية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع تسبيح الحصى، وقال -كما في صحيح مسلم-: (إني أعرف حجراً كان يسلم علي بمكة) وهذا قبل بعثته، وهناك فصل كامل في محبة الجمادات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال العلماء: هي محبة حقيقة لا يعرف كنهها، وفي الحديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه). فينبغي لنا أن ننتبه لهذا، وأن نكون في هذا الميدان الوسط بين الغلو والخروج عن حد الاعتدال والبعد عن الجفاء وترك ما ينبغي لرسول الله عليه الصلاة والسلام من محبة وإجلال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم محبة رسوله في قلوبناً، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم عندنا من محبة أنفسنا وأهلينا وآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وبناتنا، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأنينة قلوبنا، وانشراح صدورنا، وأن يجعل محبته عوناً لنا على طاعة الله عز وجل وحسن الصلة به؛ إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.
  الذب عن السنة والدفاع عنها
فكم -وللأسف الشديد- من عدوان يعتدى فيه على ذات الرسول عليه الصلاة والسلام من المسلمين وغير المسلمين، وكثيراً ما تجد أحداً يقوم بذلك، والأمر أوسع من هذا.
الأسئلة

 حكمة الدعاء للنبي بالأدعية المأثورة
السؤال: لماذا نسأل الله الشفاعة والمقام المحمود لرسول الله عليه الصلاة والسلام وقد علمنا مسبقاً أنه يعطاها يوم القيامة؟الجواب: نحن عندما ندعو بعد الأذان نقول ذلك، لكن السؤال هو: لماذا ندعو للنبي صلى الله عليه وسلم بأدعية أخرى مأثورة؟ هذا ذكره العلماء، وذلك أن هذا من فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا؛ لأنك حينما تدعو للرسول صلى الله عليه وسلم وقد أعطاه الله ذلك فأنت لن تفيد بدعائك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما تستفيد بهذا الدعاء وتؤجر عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى دعائي ودعائك واستغفاري واستغفارك، لذلك ذكر العلماء هذا المعنى، وهو أن الدعاء والثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤجر عليه صاحبه. نسأل الله عز وجل أن يعظم أجورنا، وأن يلحقنا برسوله صلى الله عليه وسلم على خير فيما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من أتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام متمسكين بسنته ومتبعين لهديه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , محبة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net