اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , في صحبة الإمام أحمد للشيخ : علي بن عمر بادحدح


في صحبة الإمام أحمد - (للشيخ : علي بن عمر بادحدح)
المقصد من عرض سير العلماء والدعاة والمصلحين هو أخذ العظة والعبرة، والاستفادة من مواقفهم عند حلول الفتن، وكيف صبروا وثبتوا على الحق، وإن قتلوا وحبسوا وعذبوا.وعندما يطالع المسلم تلك النماذج لا يسعه إلا أن يقتدي بأولئك الرجال الأفذاذ، ويصبر كما صبروا، ويرجو الثواب والأجر من الله.
جولات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام أحمد بن حنبل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فهذا موعدنا مع الدرس السابع والأربعين، وهو بعنوان: في صحبة الإمام أحمد ، وهي صحبة كريمة مع إمام جليل، وغرض الصحبة أن ننظر في حاله، وأن نستمع إلى أقواله، وأن نقتبس من أفعاله، غير أنا جزماً لا نزعم أنا نحيط بسيرته، ولا نجمع جميع دروس وعبر مواقفه وأقواله وأفعاله، فإن المدعي لذلك كمن يدعي قدرته على أن يجمع ماء البحر في قارورة، فلو ادعى ذلك فلن يحظى إلا بقدر ملء هذه القارورة من ماء البحر، وحسبنا أن نغترف من بحر علمه وفضله وجوده وكرمه وجميع خلاله الحميدة، فإن في ذلك ما ينفع ويهدي بإذن الله عز وجل، في زمن قل فيه الثقات، وصعد فيه النكرات، واختلطت فيه الأولويات، وقل من الناس من عاد يميز بين الغث والسمين، ومن يفقه فقه أولئك الأئمة رحمة الله عليهم ورضوان الله عنهم، وكما قال القائل أقول: من أين أبدأ قولي أيها البطل وأنت أبعد مما تخطب الجُمَلُ كل القوافي التي استنصرتها وقفت مبهورة وبدا في وجهها الوجلماذا نقول وصرح العلم شامخة أركانه وبناء المجد مكتملماذا تقول قوافي الشعر عن رجل كل يقول له هذا هو الرجلولذلك حسبنا ومضات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام الجليل أحمد رحمة الله عليه؛ وسنمضي بصحبة متنوعة، غرضنا منها أن نرى التمايز والبون الشاسع بينما كانوا عليه وما صرنا إليه، عل ذلك يقوي العزم على اقتفاء آثار السلف، وأن نفقه فقههم الإيماني، وأن نسلك سلوكهم القرآني، فنبدأ مع الإمام أحمد بعيداً عما تستلهمه التراجم من ذكر المولد والشيوخ والتلاميذ، وما يتعلق بالرحلة في طلب العلم ونحو ذلك؛ لأنا نريد أن نخلص إلى ما هو أكثر تأثيراً فينا واحتياجاً لنا بإذن الله عز وجل.
 الجولة الحادية عشرة: نماذج من أدعية الإمام أحمد
نمضي مع دعوات الإمام أحمد ، وقد كانت له دعوات جليلة عظيمة، حتى إن ابن الجوزي أفرد فصلاً في دعوات الإمام أحمد ، لنرى كيف كان دعاء أولئك الصالحين، من دعائه رحمة الله عليه أنه كان يقول دبر كل صلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك. وكم من الناس من يقع في المسألة لغير الله عز وجل من غير أن يشعروا، ويقعون في شيء من الرجاء أو الخوف لغير الله سبحانه وتعالى. ينبغي أن يكون المسلم محباً للخير عند الآخرين؛ لأن هذا من علامة كمال الإيمان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فهذه النفسية إن وجدت في قلب المؤمن نظر إلى الطائع، فإذا به ينظر إليه نظرة محبة وإجلال واقتداء، وإذا نظر إلى العاصي لم ينظر إليه نظرة ازدراء واحتقار، بل نظرة شفقة ورحمة ورغبة في الإصلاح والإرشاد مع النصح واللطف، وهذا هو الذي يفارق فيه المسلم الفطن الحكيم في دعوته من ينظر إلى الناس شزراً ولا يرى فيهم إلا شراً ولا يتوقع منهم إلا نكراً، فكأنه يفرح بخطيئة الرجل ويفرح بزلته في القول، وإذا به يريد أن يجرم الناس أو يفسقهم أو يبدعهم أو يكفرهم، هذه نفس مريضة مظلمة ليست نفساً مشرقة بالإيمان محبة للخير، فكان من دعاء الإمام أحمد رحمة الله عليه حين كثرت الأهواء والفتن والبلايا وانحرافات العقيدة في عهده فكان يقول: اللهم من كان على هوىً أو على رأي وهو يظن أنه على حق وليس هو على حق فرده إلى الحق، حتى لا يضل من هذه الأمة أحداً.انظروا إلى القلب الشفيق الرحيم، وقد رأى الفتن تغتال العقول وتفسد القلوب، وأشفق على هذه الأمة مما جاءها من هذا البلاء، ومن هذه الفتنة العمياء، ومن هذه المقالات الفلسفية والانحرافات العقلية فكان يدعو بهذا الدعاء.وكان يقول في دعائه: اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترنا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا؛ أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية. ومن دعائه أيضاً يقول: اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر علينا فنطغى، ولا تقلل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغاً لنا، وأغننا بفضلك يا رب العالمين. هذه الدعوات تبين لنا فقه الإمام أحمد وبصره بهذا الأمر.
موقف الإمام أحمد من فتنة خلق القرآن وثباته
إن أمر الفتنة والمحنة التي وقعت للإمام أحمد هي أبرز صورة ومرحلة من مراحل حياته، بدأت في العام الثامن عشر بعد المائتين واستمرت إلى العام الرابع والثلاثين بعد المائتين، وابتلي فيها الإمام أحمد بصور شتى، كان منها: السجن، والضرب ومنها: أن يعلق من رجليه فيدلى رحمة الله عليه، وكان منها: أن يلف في بساط ويداس وهو في داخل البساط حتى يدمى رحمة الله عليه، وكان كالطود الشامخ؛ لأن عنده حجة مفحمة وبرهاناً قاطعاً أعيا به العقول وأخرس به الألسنة، ووقف الجميع أمامه لا يملكون إلا حجة الضعيف، وحجة الضعيف هي القوة والبطش، تلك الحجة التي أظهرها فرعون مع موسى، فإنه لما انقطعت حجته وحيلته قال: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] وهي الحجة التي قالها النمرود لما أعيته الحجة مع إبراهيم الخليل عليه السلام فلذلك أذكر أولاً بعض المواقف والرؤى التي كانت قبل المحنة ذكرت في كتاب كامل عن محنة الإمام أحمد بن حنبل يقول أحدهم: رأى الإمام أحمد في المنام: كأن عليه بردة مخططة وكأنه بالرجل يريد المسير إلى الجامع يوم الجمعة، فاستعبرت بعض أهل التعبير؛ فقال: هذا يشتهر بالخير؛ قال: فما أتى عليه إلا قريب حتى ورد ما ورد من المحنة. ويروى عن الإمام أحمد أنه قال: رأيت في المنام علي بن عاصم فأولت علياً بالعلو، وعاصماً عصمة من الله عز وجل فالحمد لله على ذلك، فعلا بين الناس ذكره، وعصمه الله عز وجل من الفتنة والمحنة، ومن عجيب ما كان عنده من الحجة مثل هذه المواقف، كان إذا أرادوه على شيء قال: ائتوني بشيء من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم ربما جاء ببعض الآيات التي يستشهدون بها مثل قوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62] أليس القرآن شيئاً؟ إذاً: فيكون مخلوقاً، هذه هي أصل فتنة خلق القرآن، فيقول لهم: يقول الله عز وجل: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] فدمرت كل شيء إلا ما أراد الله عز وجل فلا يكون هذا عموماً مطلقاً، بل فيه ما هو مستثنىً بأمر الله سبحانه وتعالى، ويحتجون عليه باحتجاجات أخرى فإذا به يرد عليهم هذه المقالات كما احتجوا بقوله سبحانه وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] فقالوا: أليس القرآن مجعولاً فإذاً هو مخلوق؛ فقال لهم: يقول الله سبحانه وتعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5] فهل معناها خلقهم كعصف مأكول، أو أن الجعل ما يصير إليه الشيء وينتهي إليه. وذكروا له قوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء:2] والمحدث مخلوق، فقال لهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1] فقال هنا: القرآن ذي الذكر هو القرآن، فهو معرف بأل، وأما (ذكر) غير المعرف فلا يراد به القرآن، فكلما جاءوه بحجة ألجمهم حجة أخرى، فما استطاعوا أن يظهروا عليه بالحجة، فأرادوا أن يكون ظهورهم عليه بالقوة والفتنة والمحنة.
 ثبات الإمام أحمد في الفتنة وثباته أمام الشيطان عند الوفاة
الإمام أحمد ابتلي بالضراء فصبر، وابتلي بالسراء فشكر، وجاءته الدنيا صاغرة تحت قدميه فلم يخفض رأسه لينظر إليها، بل ظل شامخ الرأس ووطئها بأقدامه ماضٍ على طريق الله سبحانه وتعالى، وكانت وفاته أيضاً درساً وعبرة، فإنه رحمة الله عليه مرض نحو تسعة أيام، وجعل يطلب أبناءه وأحفادهم وجعل يشمهم ويودعهم، وكان في وقت مرضه إذا اشتد عليه يقول: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثم يغمى عليه، فسأله ابنه؟ فقال: إن الشيطان كان يقول: فتني يا أحمد ، يعني: لم أستطع أن أبلغ منك مبلغاً؛ يقول: فكنت أقول: لا بعد، لا بعد، حتى مات.كان يخشى على نفسه الفتنة حتى في مثل هذه اللحظات، قيل: إن الإمام أحمد سمع حديثاً عن ترك الأنين فلم يئن، حتى لا يدخل في الجزع من قضاء الله سبحانه وتعالى، ولما مات الإمام أحمد خرجت بغداد كلها في جنازته، حتى قالوا: لم يصلوا العصر ذلك اليوم؛ لأن وفاته في صبيحة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول عام (241هـ) وكانت ولادته أيضاً في الثاني عشر من ربيع الأول عام (164هـ).يقول الذهبي : فأحصي من حضر جنازته فكانوا: ألف ألف نفس، وظل الناس يصلون على قبره وقتاً طويلاً.وفرح الناس بموكب جنازته لما أظهرت من نصرة السنة، وإن كانوا قد حزنوا لموت الإمام رحمة الله عليه.فهذه وقفات سريعة أمضيناها مع الإمام أحمد ، وإن كانت كل واحدة منها جديرة بأن تكون موضعاً للاقتداء، ورؤية للواقع الذي نحن فيه، لما بيننا وبين الإمام وغيره من الأئمة من بون شاسع، خاصة فيما يتعلق بالصلة بالله عز وجل، والتقوى والورع مع العلم والفقه في الدين، وفيما يتعلق بالنفوس وتهذيبها والإخلاص وتحريره لله سبحانه وتعالى، ورعاية مصلحة الأمة والجهاد في سبيل نشر دعوة الله عز وجل والثبات على ذلك.نسأل الله أن يرزقنا حسن الاقتداء والتأسي بأمثال هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم.
الأسئلة

 طلب الرد على من يطعن في المناهج الدراسية وغيرها
السؤال: هنا في الأسبوع الماضي ذكر أن أحدهم كتب عن المناهج الدراسية كتابة غير جيدة، وأن الكاتب نفسه كتب عن البث المباشر في هذا الأسبوع بأسلوب يفهم منه أن الغرب أفضل من المسلمين وبطريقة لم يذكر فيها الأسلوب الأمثل للتصدي لمثل هذه الأفكار الهدامة ما هو دورنا نحو هذا؟ الجواب: اكتب للجريدة فإنها تنشر، وقد ذكر الكاتب أنه يريد من يرد عليه أو من يخالفه في الرأي؛ واكتب لمن ترى أن بيده أمراً حتى يصلح؛ لأن هذا الفساد ليس بالضرورة أن يكون لمجرد رأي راءٍ أو لقول قائل أو لكتابة كاتب أن يقر، وأن يسكت عنه؛ بل الناس ينبغي أن يقولوا الحق وأن يلهجوا به ويبلغوه، ودين الله عز وجل هو الأحق أن يتبع؛ لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ومعلوم أن أكثر ما ينبغي أن نحرص عليه هو أن نعرف أن هذه البلاد بما فيها من الحرمين قائمة بإذن الله عز وجل على شرع الله سبحانه وتعالى، وينبغي ألا يقبل أي شيء مما يخالف هذا الشرع، والأنظمة المنصوص عليها سواء في التعليم أو في الإعلام أو في غيرها مبنية ومصاغة صياغة تراعي أحكام الشرع، فبموجب الشرع وبموجب النظام مثل هذا القول ومثل هذه المطالبة مخالفة للشرع أولاً، ومخالفة للنظام ثانياً؛ فالمعترض عليها صاحب حجة قوية.فالله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , في صحبة الإمام أحمد للشيخ : علي بن عمر بادحدح

http://audio.islamweb.net