اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [68] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


اللقاء الشهري [68] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن تفسير بعض آيات سورة الفرقان، مع ذكر بعض الفوائد والتوجيهات، ثم بعد ذلك يجيب عن الأسئلة الواردة في هذا اللقاء.
في ظلال سورة الفرقان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.أما بعد:فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في ليلة الأحد الثالث من كل شهر ما لم يوجد مانع، وهذا اللقاء هو الثامن والستون من اللقاءات الشهرية، وهذه الليلة هي ليلة الأحد السادس عشر من شهر جمادى الثانية عام (1420هـ).وسوف نتكلم في هذا اللقاء عما بقي من آيات آخر سورة الفرقان.وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77] ولا حرج علينا أن نعيد ما قبلها لما فيه من الفائدة.يقول الله تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً [الفرقان:75] (أولئك) أي: الذين اتصفوا بتلك الصفات السابقة من قوله: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] إلى هذه الآية: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75] والذي يجزيهم ذلك هو الله عز وجل، لكنه لم يسم للعلم به، والشيء المعلوم إذا لم يسم فلا حرج، أرأيتم قول الله عز وجل: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28] فإن الخالق هو الله، حذف لأنه معلوم. إذاً: يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [الفرقان:75] الذي يجازي هو الله عز وجل، وحذف لأنه معلوم، لا أحد يمكن أن يدخل أحداً الجنة إلا الله عز وجل، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أهل الجنة إذا مروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار واقتص لبعضهم من بعض الاقتصاص النهائي الذي يزيل الغل والحقد في الصدور، فإذا أتوا إلى باب الجنة وجدوه مغلقاً، يحتاجون إلى أن يشفع لهم أحد في فتحه، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا بعد أن وصلوا إلى الجنة فكيف إذا لم يصلوا إليها؟! لا يمكن الوصول إلى الجنة ولا يمكن جزاء الغرفة إلا من قبل الله عز وجل، وقولنا: الغرفة، المراد به الجنس، وإلا فهي أكثر من واحدة، كما قال تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37] غرفات: جمع غرفة، فالمراد بقوله: (الغرفة بما صبروا) المراد الغرفات وهي غرفات الجنات، كما قال عز وجل: لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الزمر:20].
 

أنواع الصبر
وقوله عز وجل: بِمَا صَبَرُوا [الفرقان:75] الباء هنا للسببية، أي: بسبب صبرهم، و(ما) مصدرية؛ لأن ما بعدها يؤول بالمصدر، وتقدير الكلام بعد (ما) المصدرية: بصبرهم، أي: يجزون الغرفة بصبرهم، والصبر: الحبس، ومنه قول العرب: قتل فلانٌ صبراً أي: محبوساً مقيداً. والمراد بالصبر هنا الصبر على ثلاثة أمور:الأول: الصبر على طاعة الله.الثاني: الصبر عن معصية الله.الثالث: الصبر على أقدار الله.
 تفسير قوله تعالى: ((وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً)..)
خَالِدِينَ فِيهَا [الفرقان:76] خلوداً دائماً أبدياً، لا موت، ولا مرض، ولا نوم، ولا هم، ولا غم، ولا نصب، ولا تعب، حتى إن الرجل ليشتهي الثمرة على الغصن فيتدلى له الغصن حتى يأخذ الثمرة، قال الله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:54] قال العلماء: إن الإنسان إذا اشتهى الثمرة انهزع الغصن بأمر الله عز وجل حتى يأخذ الثمرة بدون تعب. لا فيها غم ولا خوف، يقول الله تعالى لهم: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) هذا والله النعيم، رضوان الله أبدي لأهل الجنة. اللهم اجعلنا من أهل الجنة.خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان:76] يعني: ما أحسنها! وهذه الجملة تفيد التعجب، أي: ما أحسن مستقرهم! وما أحسن مقامهم! فهم في نعيم ومستقر آمنين .. : لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48].قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77] أي: لولا عبادتكم لم يعبأ الله بكم شيئاً ولأهلككم، ولولا دعاؤكم لأهلككم .. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45].فَقَدْ كَذَّبْتُمْ والخطاب للكفار .. فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً [الفرقان:77] أي: سوف يكون العذاب لزاماً لكم لأنكم التزمتم الكفر في حياتكم فلزمكم العذاب بعد مماتكم.اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، اللهم نجنا من النار، وأسكنا دار القرار. وإلى هنا ينتهي الكلام على الآيات الأخيرة من هذه السورة.أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن تدبر كلامه وعمل به وصار قائده إلى جنات النعيم، إنه على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة

  حكم جمع العصر إلى الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ! كنت أسافر مع والدي وأنا صغير لم أبلغ، وكان والدي يجمع الجمعة والعصر، وكنت أصلي معه أنا وإخواني، وقال له بعض الناس: إن هذا العمل لا يجوز، حيث إن فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين أفتى بذلك، فذهب والدي وسأل فأفتاه بعض أهل العلم وقالوا له: يجوز لك أن تجمع الجمعة مع العصر؛ لأن السفر له خاصية، وبعد مدة ترك والدي الجمع بينهما، فهل علينا قضاء ما فات من الصلوات؟الجواب: أما الصغار فليس عليها قضاء؛ لأنهم دون البلوغ فلم يكلفوا، وأما الكبار فما داموا قد استفتوا عالماً فإثمهم على من أفتاهم وليس عليهم شيء. وأما حكم المسألة: فإن القرآن والسنة يدلان على أنه لا يجوز جمع العصر إلى الجمعة لا في سفر ولا في حضر، والدليل من القرآن العزيز قول الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] أي: لها وقت محدد، فإذا صلى الإنسان الصلاة قبل وقتها فهي غير صحيحة، إلا إذا صح أنها تجمع لما قبلها فهي صحيحة، وهنا نقول: السنة دلت على أن العصر لا تجمع للجمعة لوجود سبب الجمع ولم يجمع الرسول عليه الصلاة والسلام وأنا أسأل الآن: المطر من أسباب الجمع أم لا؟الجواب: نعم من أسباب الجمع، وكذلك الوحل في الأسواق من أسباب الجمع، وقد وجد هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع العصر وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله! -اسمع كلام الصحابة، الصحابة رضي الله عنهم فصيحون صريحون- قال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ورفع الناس أيديهم، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس وهو راوي الحديث: وكانت السماء صحواً، وما نرى في السماء سحاباً ولا قطعة من سحاب، وما بيننا ويبن سلع من بيت ولا دار - وسلع جبل في المدينة معروف إلى الآن، تأتي من قبله السحاب- يقول: فنشأت من ورائه سحابة مثل الترس، فارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته) سبحان الله! إن الله على كل شيء قدير إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] وكان المطر يتحادر من لحيته لأن سقف المسجد من عريش، وأنتم تعرفون العريش فإنه يوجد الآن في الفلاية بساتين ما يسمى عريشاً أو يسموه المجبب، وهو من السعف، فنزل المطر من فوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فما نزل إلا والمطر يتحادر من لحيته، ثم صلى وبقي المطر أسبوعاً كاملاً ليلاً ونهاراً لا يقف، وما رأوا الشمس. وفي الجمعة الثانية دخل رجل أو الرجل الأول، وقال: (يا رسول الله! غرق المال وتهدم البناء) وذلك من المطر، يحتمل أن الزروع لكثرة الأمطار غرقت، والمواشي جرفتها الشعاب وهلكت، أما تهدم البناء فواضح؛ لأن البناء كان من الطين فتهدم .. (فادع الله يمسكها عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. قال أنس: فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت) الله أكبر! سبحان الله العظيم! انفرجت بأمر الله، فخرج الناس يمشون في الشمس.ويتبين من هذا أن الجمعة الأولى فيها سبب الجمع وهو المطر، ولم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم، والجمعة الثانية فيها سبب الجمع وهو الوحل ولم يجمع، ومن المعلوم أنه لو كان الجمع سائغاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم: (وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). ثم نقول: هل الجمعة كالظهر، أم أنها تفارقها في الأحكام؟ تفارقها في أكثر من ثلاثين حكماً، فكيف يصح أن نقيس الجمعة على الظهر؟! هذا قياس فاسد؛ لوجود النص المانع من القياس، ولظهور الفرق الموجب للتفريق. فمن قال بجواز جمع العصر إلى الجمعة فقد أخطأ، والدليل كما سمعتم من القرآن: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] والأصل: أن العصر لا تصلى إلا إذا دخل وقت العصر، ومن السنة ما سمعتم. والقياس غير صحيح لأمرين:أولاً: لمصادمة الدليل.ثانياً: لأنه قياس مع الفارق، ولا يقاس فرع على أصل إلا إذا تشابه في كل شيء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [68] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net