اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [50] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


اللقاء الشهري [50] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
في بداية هذا اللقاء فسر الشيخ أوائل الآيات من سورة المطففين، وبيّن عموم معنى المطففين في الآية، كما نثر كثيراً من الفوائد المتعلقة بالمعاملات.وأجاب الشيخ بعد ذلك عن الأسئلة وكان من أهمهما سؤال يتعلق بالعمليات التجميلية وعمليات نقل الأعضاء.
تفسير شامل لمعنى التطفيف في الشريعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فنحن في هذه الليلة نلتقي بإخواننا اللقاء المعتاد الشهري الذي يتم ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذا هو شهر جمادى الآخرة من عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف، نسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم أن ينفعنا بملاقاتنا بإخواننا، وأن يجعل أيامنا سعيدة وآخرتنا أسعد وأسعد إنه على كل شيء قدير.لا أجد شيئاً أتحدث عنه إلا ما يسره الله عز وجل من تفسير السورة التي قرأناها في صلاة العشاء هذه الليلة، لأنني أود من إخواننا جميعاً أن يعتنوا بكتاب الله حفظاً وتدبراً وفهماً وعملاً؛ لأن هذا القرآن الكريم هو الذي به عزة الأمة الإسلامية وبه نجاتها وسعادتها، وقد قال الله عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] وقال عز وجل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون:68] وقال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].علينا -أيها الإخوة- أن نقرأ القرآن فنتقنه لفظاً، وأن نقرأ القرآن فنتدبره معنى، وأن نقرأ القرآن فنعمل به حكماً، هكذا يريد الله تبارك وتعالى منا، لا يريد منا أن نقرأ القرآن مجرد قراءة لفظ؛ لأن مجرد قراءة اللفظ بدون تدبر للمعنى لا فرق بينها وبين رجل أمي لا يقرأ، والدليل على هذا قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] أي: إلا قراءة، فوصف الله هؤلاء القوم بأنهم أميون، كالذي لا يقرأ تماماً. أي فرق بين إنسان يقرأ القرآن ولا يدري ما معناه وإنسان لا يقرأ؟ لا يفترق هذا عن هذا من حيث المعنى، لكن نعم الذي يقرأ القرآن يكون له أجر القراءة ولا إشكال، لكن من حيث المعنى والانتفاع بالقرآن لا فرق بين الأمي وبين الذي يقرأ القرآن بلا تدبر.بناءً على ذلك: أحث إخواننا أن يتدبروا كلام الله عز وجل، ولا سيما المفصل، الذي يبدأ من (ق) إلى آخر القرآن، لأن هذا المفصل هو الذي يقرأ في الصلوات الخمس، يعني: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، لكن الظهر والعصر القراءة فيهما سر، والمغرب والعشاء والفجر القراءة فيهن جهر.في هذه السورة التي قرأناها هذه الليلة قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] ويل: ترد في القرآن كثيراً، فما معنى هذه الكلمة؟ قيل: إنها اسم واد في جهنم، وعلى هذا فتكون اسماً لشيء محسوس، وقيل: إنها كلمة وعيد، فمعنى ويل: أي وعيد شديد لهؤلاء، في القرآن: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:15].. وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1].. فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] والكلمة هذه ترد كثيراً في القرآن الكريم، ومعناها على القول الراجح: أنها كلمة وعيد يتوعد الله تبارك وتعالى بها من أسندت إليه.
 التطفيف الواقع في تقسيم الأشخاص
كذلك -أيضاً- من الحيف والجور أن يتكلم الإنسان في شخص كعالم أو تاجر أو أي إنسان، ثم يذكر مساوئه التي قد يكون معذوراً فيها، ولا يذكر محاسنه، هل هذا من العدل؟ يأتي إلى عالم من العلماء أخطأ في مسألة قد يكون معذوراً فيها، ثم ينشر هذه المسألة التي أخطأ فيها وينسى محاسن هذا العالم الذي نفع العباد بكثير من علمه، هذا لا شك أنه تطفيف وجور وظلم. إذا كنت تريد أن تقوِّم الشخص فلا بد أن تذكر محاسنه ومساوئه، أما إذا كنت تريد أن تتكلم على خطأ معين لتحذر الناس منه؛ فنعم اذكر الخطأ لكن بقطع النظر عن قائله، وقل مثلاً: سمعنا أن بعض الناس يقول كذا وكذا وهو خطأ، ثم تُبين الخطأ، أما أن تريد أن تنشر مساوئ الآخرين دون محاسنهم فهذا ظلم وجور. كذلك -أيضاً- بعض الناس يتكلم مثلاً في واحد من التجار، هذا التاجر قد نفع الناس بتجارته، بإقراض المحتاجين والصدقة عليهم، وبناء المساجد، وأشياء كثيرة، لكن عنده معاملة أخطأ فيها في نظر هذا القائل، فيذهب يسبه بناءً على هذا الخطأ الذي قد يكون هذا التاجر استند فيه على فتوى ربما يكون معذوراً؛ والخطأ على من قال بالخطأ لكنه معذور. هناك الآن تجار لهم خيرات كثيرة، ومحاسن ونفقات، وصدقات، وغير ذلك من المحاسن، لكن أخطئوا في معاملة من المعاملات، وربما يكون هذا الخطأ غير واقعي ولكنه في نظر القائل والمتكلم فيذهب بعض الناس ويضفي ظلالاً على هذه المحاسن ويذهب يتكلم فيه: فلان يبيع في الربا، فلان يتحيل على الربا، فلان يقول كذا وكذا.. ما هو صحيح هذا، العدل والميزان أن تذكر هذا وهذا، اسمع إلى قول الله تعالى في الأعراب: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:102] فالعدل والموازنة أمر مطلوب وإلا لكنت من المطففين الذين يريدون الحق لهم كاملاً ولكنهم يهضمون غيرهم.
تفسير آيات من سورة المطففين
أعود إلى الآية الكريمة: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3] فأقول: ذكر الكيل والميزان هنا إنما هو من باب المثال وإلا فإن المعنى أعم، والضابط: كل من أراد أن يستوفي الحق كاملاً لنفسه ويهضم الآخرين حقوقهم فإنه داخل في هذه الآية.
 تفسير قوله: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ)
قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] كلا في القرآن الكريم واللغة العربية تأتي لمعاني منها أن تكون بمعنى: حقاً، فهنا: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] يعني: حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين. ومن المراد بالفجار هنا؟ الكفار، كتابهم، يعني: أنهم مكتوبون في سجين، وسجين: هي الأرض السفلى بدليل: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18] عليين: أعلى شيء؛ فيكون سجين أسفل شيء، وهذه قاعدة في القرآن الكريم: أن الشيء يعرف بضده، فلولا أنه قال: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18] ما فهمنا معنى سجين، لكن قَابِل كتاب الأبرار وكتاب الفجار، فإذا كان هذا في عليين فالثاني في الأسفل، وهذه قاعدة من التفسير: أنك تعرف الكلمة بذكر ما يقابلها، انظر إلى قول الله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النساء:71]ما معنى ثبات؟ فرادى، من أين عرفت فرادى؟ من قوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [النساء:71].وإلى هنا ننتهي إلى ما نريد أن نتكلم عليه في هذه الآيات الكريمة، وأكرر أنه ينبغي لنا أن نحرص على تدبر القرآن وتفهم معناه، وسؤال العلماء إذا كنا لا نعلم.أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يتلون كتابه حقه تلاوته، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم نلقاه إنه على كل شيء قدير، وإلى الأسئلة نرجو الله أن يوفقنا للصواب.
الأسئلة

  متابعة المأموم للإمام وكيفية المتابعة إذا أخطأ الإمام
السؤال: فضيلة الشيخ: سمعت منكم في إحدى خطب يوم الجمعة أنك تقول: يجب ألا يتابع المأموم الإمام إذا زاد في صلاته عن عدد ركعات الفرض كما لو زاد خامسة، فما صفة التنبيه للإمام؟ أرجو التوضيح، وإذا لم يجلس الإمام واستمر في صلاته في الركعة الخامسة فماذا يفعل المأموم، هل يقوم بمتابعة الإمام، أم يستمر في جلوسه؟الجواب: تنبيه الإمام بينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: (ليسبح الرجال ولتصفق النساء)فيقول الرجل: سبحان الله، لكن أحياناً يقول للإمام وهو قائم إلى الخامسة في الرباعية: سبحان الله. ولكن الإمام يستمر فماذا يصنع؟ نقول: يجلس ولا يتابع الإمام، ثم إذا سلم الإمام سلم معه، وذلك لأن بعض الأئمة يقوم إلى الخامسة لأنه نسي الفاتحة في إحدى الركعات، وإذا نسي الفاتحة في إحدى الركعات لغت الركعة وقامت الركعة التي تليها مقامها، فيأتي بالخامسة بدلاً عن الركعة التي نسي فيها الفاتحة، فتكون صلاة الإمام الآن غير باطلة لأنه أتى بالخامسة ليكمل صلاته التي نقصت بترك ركن من أركانها.أما لو علمنا أن الإمام قام إلى خامسة -أو إلى زائدة أعم- فإننا ننوي المفارقة ونسلم وحدنا وندعه، كما لو كان يصلي الفجر ونعلم أن الرجل قرأ الفاتحة والركوع والسجود تام والقيام من الركوع والجلوس تام والتشهد الأخير -أيضاً- نعلم أنه قرأه فإذا تيقنا أنه قام إلى زائدة فإننا لا نتابعه ونجلس ونسلم، أما إذا لم نتيقن فإننا نجلس ولكن ننتظر حتى يسلم ونسلم معه. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، ونسأل الله تعالى أن نكون ممن قال الله فيهم: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اللقاء الشهري [50] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net