اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الباب المفتوح [152] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين


لقاء الباب المفتوح [152] - (للشيخ : محمد بن صالح العثيمين)
الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض عين بإجماع المسلمين، ومن جحد وجوبه فهو كافر، وقد فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة، وحج النبي عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة من الهجرة، ويجب على كل من أراد الحج أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ويحج كحجه عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) فأمرنا أن نقتدي به في حجه عليه الصلاة والسلام.
صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فهذا هو اللقاء الثاني والخمسون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثامن عشر من شهر ذي القعدة عام (1417هـ).وبما أننا على أبواب الحج فإننا سنجعل بدلاً عن التفسير كلاماً في الحج.فنقول وبالله التوفيق: أولاً: الحج مرتبته من الدين الإسلامي أنه أحد أركان الإسلام الخمسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام).وهو فرض بإجماع المسلمين، ومن جحد وجوبه وهو ممن عاش بين المسلمين فإنه يكون كافراً؛ لأن وجوبه مما علم بالضرورة من دين الإسلام، ومن تركه متهاوناً فإنه على خطر؛ لأن من العلماء من قال: إذا ترك الحج تهاوناً فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97] وعلى هذا فالإنسان على خطر إذا تركه. وقد فرض الله تعالى الحج في السنة التاسعة للهجرة، وحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة، فخرج من المدينة في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، ووصل إلى مكة صبيحة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وكان معه الهدي عليه الصلاة والسلام فأحرم قارناً -أي: بالحج والعمرة جميعاً- قال: لبيك حجاً وعمرة.وأما من معه من المسلمين فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:1- منهم: من كان قد ساق الهدي فأحرم قارناً كالنبي صلى الله عليه وسلم.2- ومنهم: من لم يسق الهدي فحج مفرداً.3- ومنهم: من تمتع. فصاروا على ثلاثة أقسام: منهم من أحرم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ومنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة وحج.وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت فبدأ بالطواف، فطاف سبعة أشواط مبتدئاً بالحجر، وفي هذا الطواف رمل ثلاثة أشواط -أي: أسرع في مشيه- ومشى أربعة أشواط، وفي هذا الطواف اضطبع بردائه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر من ابتداء الطواف إلى انتهائه. ثم تقدم بعد الطواف إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً [البقرة:125] وصلى ركعتين قرأ فيهما قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ في الركعة الأولى، وفي الثانية قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مع الفاتحة.ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] (أبدأ بما بدأ الله به) فصعد على الصفا حتى رأى الكعبة فرفع يديه يدعو ويكبر ويهلل، وكان من ذكره في هذا المكان أن قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو، ثم أعاد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو، ثم أعاد الذكر مرة ثالثة، ثم انحدر متجهاً إلى المروة . وفي طريقه مر بالوادي مجرى السيل وهو نازل، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى عليه الصلاة والسلام -أي: ركض ركضاً شديداً- حتى صعد، ثم مشى إلى المروة ، والوادي ليس موجوداً الآن؛ لأن السيول صرفت يميناً وشمالاً لكن موجود فيه علامة ذلك وهي العمود الأخضر من ابتداء أركان الوادي إلى انتهائه، صعد على المروة واتجه إلى القبلة وقال ما قاله على الصفا حتى أتم سبعة أشواط مبتدئاً بـالصفا ومنتهياً بـالمروة ، فكان أول ابتدائه من الصفا وآخر شوط على المروة .ثم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوا نسكهم عمرة، وأن يقصروا ويحلوا من إحرامهم الحل التام حتى النساء، ثم خرج من مكة ونزل في الأبطح بظاهر مكة حتى كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فخرج إلى منى وأحرم من حل من عمرته من مكانه، ثم توجه إلى منى في ضحى يوم الثامن ونزل فيها، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع. ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة ونزل بمكان قبل عرفة يقال له: نمرة ، حتى زالت الشمس، ثم ركب ناقته بعد ذلك -بعد زوال الشمس- ونزل في بطن الوادي وادي هرنة وخطب الناس خطبة عظيمة بليغة، ثم أذن وأقام فصلى الظهر ثم أقام وصلى العصر جمعاً وقصراً، ثم ركب حتى أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه عليه الصلاة والسلام عند الصخرات عند جبل عرفات، وعليه الآن علم قائم منصوب، وقف هناك إلى أن غربت الشمس، وكان على بعيره عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة يدعو الله تعالى يبتهل إليه؛ لأن خير الدعاء دعاء يوم عرفة .ولما غابت الشمس واستحكم غروبها دفع متجهاً إلى مزدلفة ، وكان صلى الله عليه وسلم يأمر الناس بالسكينة، وكلما أتى جبلاً من الجبال -يعني: أتى شيئاً مرتفعاً -أرخى لناقته الزمام حتى تصعد، وكلما وجد فجوة أسرع، وفي أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال لـه أسامة بن زيد وكان رديفه على ناقته: (الصلاة يا رسول الله! قال: الصلاة أمامك) أي: في مزدلفة ، وصل إلى مزدلفة بعد دخول وقت العشاء فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع في محل نزوله حتى تبين الصبح. فلما تبين الصبح صلى الفجر بأذان وإقامة، ولم يذكر في هذه الليلة أنه أوتر ولا أنه صلى سنة الفجر، لكن المعروف من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يدع الوتر حضراً ولا سفراً، وكذلك لا يدع ركعتي الفجر حضراً ولا سفراً، وبناءً على هذا العموم نقول: إن الوتر مشروع ليلة مزدلفة وكذلك سنة صلاة الفجر. ثم ركب بعد أن صلى الفجر حتى أتى المشعر الحرام، فوقف عنده ودعا ووحد الله وكبره إلى أن أسفر جداً، ودفع قبل أن تطلع الشمس متجهاً إلى منى على راحلته، ووقف عند الجمرة وأمر ابن عباس أن يلتقط له سبع حصيات فقط أخذهن بيده صلوات الله وسلامه عليه، وجعل يوترهن ويقول: (بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين) فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم انصرف إلى المنحر فنحر وكان أهدى مائة بعير فنحر منها بيده الكريمة ثلاثاً وستين بعيراً، وأعطى علي بن أبي طالب الباقية فنحرها، وأمره صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بلحومها وجلالها -يعني: حتى جلالها التي كانت مغطاة بها الظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدق به- وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم حلق عليه الصلاة والسلام رأسه وحل من إحرامه التحلل الأول، فتطيب صلى الله عليه وسلم ونزل إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، فطاف سبعة أشواط وليس فيها رمل ولا اضطباع؛ لأن الرمل والاضطباع لمن هم في الطواف الأول، ولم يسع بين الصفا والمروة ؛ لأنه كان سعى بعد طواف القدوم، والقارن والمفرد إذا سعيا بعد طواف القدوم فإنهما لا يعيدان السعي، وصلى بـمكة الظهر. ثم خرج إلى منى وبقي فيها ليلة الحادي عشر، وفي اليوم الحادي عشر بعد الزوال ذهب ماشياً إلى الجمرات فرمى الجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم تقدم قليلاً ووقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله، ودعا دعاءً طويلاً ثم انصرف، ثم اتجه إلى الوسطى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم تقدم قليلاً حتى وقف مستقبل القبلة رافعاً يديه إلى الله ودعا دعاء طويلاً، ثم رمى جمرة العقبة وانصرف إلى رحله. وفي يوم الثاني عشر فعل مثلما فعل في اليوم الحادي عشر، وفي اليوم الثالث عشر فعل كذلك مثلما فعل في اليومين قبله؛ لأنه تأخر، وكان رميه صلى الله عليه وسلم في الأيام الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر، ولهذا لما رمى الجمرات في اليوم الثالث عشر بعد الزوال نزل إلى مكة وصلى الظهر في الأبطح في المحصف ، وبات تلك الليلة -ليلة الرابع عشر- هناك، وفي آخر الليل أمر بالرحيل، فارتحل إلى المسجد الحرام وطاف بالبيت طواف الوداع وصلى الفجر بعد ذلك، ثم رجع قافلاً إلى المدينة . هذا هو خلاصة حج النبي صلى الله عليه وسلم، ولنا في هذا وقفات:
 

أعمال أيام الحج
الموقف الأول: أيام الحج تبين أنها ستة أيام، وهي: اليوم الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
 أعمال اليوم الثاني عشر من أيام الحج
في ليلة الثاني عشر: يبيت الحجاج في منى ، وعرفتم أن البيتوتة في منى واجبة، وأنه لا يجوز التهاون بها، وفي اليوم الثاني عشر نرمي الجمرات كما رميناها في الحادي عشر، ثم من أراد أن يتعجل فلينصرف من منى ومن أراد أن يتأخر فليبق؛ لأن الله خير، فقال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] وأيهما أفضل؟ التأخير أفضل؛ لأن الله أثنى على المتأخرين فقال: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر، والتأسي به خير، ولأن في التأخر زيادة عمل صالح كالبيتوتة ورمي الجمرات.إذا انتهى الحج وأراد الإنسان أن يرجع إلى بلده فلا بد أن يطوف للوداع بدون سعي وبدون إحرام سبعة أشواط، ثم ينصرف فوراً إلى بلده ويكون طواف الوداع آخر شيء، وعلى هذا فمن طاف للوداع ثم خرج ورمى ومشى من منى فإن طوافه في غير محله، ويكون كالذي لم يطف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد أمر أن يكون طواف الوداع آخر شيء، ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (إن صفية قد طافت طواف الإفاضة وكانت حائضاً، قال: فلتنفر) أي: ولا وداع عليها، ولحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن الحائض) قال العلماء رحمهم الله: لو أخر طواف الإفاضة الذي يكون يوم العيد فطافه عند السفر أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد، أي: لو دخلت المسجد وصليت الفريضة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية أجزأتك عن تحية المسجد، كذلك طواف الإفاضة فريضة، وهو أوكد من طواف الوداع، إذا طفته عند السفر أجزأك عن طواف الوداع، ولكن ماذا تنوي؟ نقول: النية هنا لها ثلاث صور: 1- إما أن ينوي طواف الوداع وحده.2- أو طواف الإفاضة وحده.3- أو ينويهما جميعاً.إذا نوى طواف الوداع وحده لم يجزئه عن طواف الإفاضة؛ لأنه لا يجزئ الأدنى عن الأعلى، وقد ذكرت لكم: أن طواف الإفاضة أعلى من طواف الوداع؛ بدليل: أن طواف الوداع يسقط عن الحائض وطواف الإفاضة لا يسقط.وإذا نوى طواف الإفاضة وحده أجزأ عن طواف الوداع، وإذا نواهما جميعاً حصلا له جميعاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
مسائل عند العامة في الحج
يقولون: إن من عليه قضاء رمضان ولم يصم فلا حج له!وهذا غير صحيح لأنه لا علاقة بين قضاء رمضان والحج.ويقول بعضهم: من لم يعق عنه فلا حج له، وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنه لا علاقة بين الحج والعقيقة.ويقول بعضهم: إذا كانت المرأة حائضاً ولم تطف طواف الإفاضة لبست حفاظة على فرجها وطافت وهي حائض، وهذا لا صحة له؛ لأن هذا لو كان جائزاً؛ لقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صفية : لتستذفر بثوب وتطوف كما قال لـأسماء بنت عميس حين ولدت في ذي الحليفة وأرسلت إليه: كيف أصنع يعني: في الإحرام؟ قال: (اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي) ولكن ماذا نفعل إذا كانت المرأة حائضاً ولم تطف طواف الإفاضة وأهلها سيسافرون ماذا تصنع؟ نقول: إن كانت في بلاد السعودية فأمرها سهل لها طريقان:إما أن تبقى هي ومحرمها في مكة حتى تطهر وتطوف، وهذا -والحمد لله- سهل ممكن أن تبقى هي ومحرمها، وإذا طهرت وطافت سافرا بأي وسيلة.. بطائرة.. بسيارة النقل الجماعي.. بسيارة خصوصية بأي وسيلة؛ لأنه سهل في المملكة.أو أنها تسافر إلى مكان عملها وتبقى على التحلل الثاني؛ لأنها لم تحل إلا التحلل الأول فلا يحل لزوجها أن يستمتع بها ولا يعقد عليها النكاح، فإذا طهرت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، إلا أنه في هذه الحال ينبغي أن تحرم بعمرة من الميقات وتطوف وتسعى وتقصر للعمرة ثم تأتي بطواف الإفاضة، هذا إذا كانت في البلاد السعودية .وإذا كانت في الخارج فهنا نختار ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:أنها تتلجم تتحفظ -بأن تضع شيئاً على فرجها يمنع من تسرب الدم إلى المسجد- وتطوف ولو كانت حائضاً؛ وذلك للضرورة؛ لأن من لم تكن في المملكة يشق عليها الرجوع ويشق عليها أن تبقى مع محرمها متخلفة عن القافلة، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] فالضرورات تبيح المحظورات، فإذا كان طواف الحائض حراماً واضطرت إلى ذلك فإنها تفعل ما يخشى منه المحظور، وهو أن تتحفظ -تضع خرقة على فرجها حتى تمنع تسرب الدم إلى المسجد- وتطوف.ولعل ما قلناه الآن فيه الكفاية والله الموفق.
 أعمال اليوم الثاني عشر من أيام الحج
في ليلة الثاني عشر: يبيت الحجاج في منى ، وعرفتم أن البيتوتة في منى واجبة، وأنه لا يجوز التهاون بها، وفي اليوم الثاني عشر نرمي الجمرات كما رميناها في الحادي عشر، ثم من أراد أن يتعجل فلينصرف من منى ومن أراد أن يتأخر فليبق؛ لأن الله خير، فقال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] وأيهما أفضل؟ التأخير أفضل؛ لأن الله أثنى على المتأخرين فقال: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر، والتأسي به خير، ولأن في التأخر زيادة عمل صالح كالبيتوتة ورمي الجمرات.إذا انتهى الحج وأراد الإنسان أن يرجع إلى بلده فلا بد أن يطوف للوداع بدون سعي وبدون إحرام سبعة أشواط، ثم ينصرف فوراً إلى بلده ويكون طواف الوداع آخر شيء، وعلى هذا فمن طاف للوداع ثم خرج ورمى ومشى من منى فإن طوافه في غير محله، ويكون كالذي لم يطف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد أمر أن يكون طواف الوداع آخر شيء، ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: (إن صفية قد طافت طواف الإفاضة وكانت حائضاً، قال: فلتنفر) أي: ولا وداع عليها، ولحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن الحائض) قال العلماء رحمهم الله: لو أخر طواف الإفاضة الذي يكون يوم العيد فطافه عند السفر أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد، أي: لو دخلت المسجد وصليت الفريضة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية أجزأتك عن تحية المسجد، كذلك طواف الإفاضة فريضة، وهو أوكد من طواف الوداع، إذا طفته عند السفر أجزأك عن طواف الوداع، ولكن ماذا تنوي؟ نقول: النية هنا لها ثلاث صور: 1- إما أن ينوي طواف الوداع وحده.2- أو طواف الإفاضة وحده.3- أو ينويهما جميعاً.إذا نوى طواف الوداع وحده لم يجزئه عن طواف الإفاضة؛ لأنه لا يجزئ الأدنى عن الأعلى، وقد ذكرت لكم: أن طواف الإفاضة أعلى من طواف الوداع؛ بدليل: أن طواف الوداع يسقط عن الحائض وطواف الإفاضة لا يسقط.وإذا نوى طواف الإفاضة وحده أجزأ عن طواف الوداع، وإذا نواهما جميعاً حصلا له جميعاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
الأسئلة

 حكم امرأة أقرضت زوجها مالاً وقالت له: إن حججت عني سامحتك
السؤال: والدتي أقرضت والدي سبعة آلاف ريال وقالت له: إن حججت لي وأخذت ما يكفيك سامحتك في البقية، فهل هذا جائز؟الشيخ: فريضة أم نافلة؟السائل: لا. نافلة.الشيخ: والله لا بأس، لكني أرى ألا تفعل إن كانت تريد أن تحسن إليه تسامحه بلا شيء.السائل: هو اقترض منها هذا المال؟الشيخ: أنا فاهم لكنه الآن لا يستطيع أن يوفي؟السائل: نعم. لا يستطيع.الشيخ: إذا سامحته جزاها الله خيراً، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).السائل: لكن لا يحج؟الشيخ: والله لا أرى الاستنابة في حج النافلة، في نفسي منها شيء؛ لأننا نقول للإنسان: إما أن تحج أنت بنفسك ولا تدع أحداً يحج عنك، أنت الآن ما استفدت، الحاج يستفيد في طوافه وسعيه ووقوفه وأنت الآن كأنك أعطيتها دراهم لشخص بسلعة اشتريتها، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية عنه: لا تصح الاستنابة في النفل مطلقاً. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الباب المفتوح [152] للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

http://audio.islamweb.net