اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشرك قديماً وحديثاً [2] للشيخ : سفر الحوالي


الشرك قديماً وحديثاً [2] - (للشيخ : سفر الحوالي)
إن حقيقة ما يقع من الإشراك بالله سبحانه وتعالى على وجه المعمورة هو تشبيه المخلوق بالخالق في بعض ما هو من خصائص الله سبحانه كالعبودية، والدعاء، والخوف والرجاء، ورجاء النفع والضر، والمنع والعطاء وغير ذلك، ولذلك من صرف شيئاً من خصائص الله سبحانه وتعالى لغيره فقد ظن بالله ظن السوء، وقال على الله عز وجل بغير علم، فهذه أعظم الذنوب التي ارتكبها العبد المشرك مع ربه سبحانه وتعالى.
حقيقة الشرك
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة المؤمنون: ما زلنا في الموضوع المهم الجلل الذي دونه كل موضوع، وهو موضوع الشرك، حقيقته وخطره وضرره، وكنا في درس سابق بحمد الله تعالى وتوفيقه قد قرأنا للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، كلاماً قيماً نفيساً عن الشرك وعن التعطيل، ووقفنا عند شرك الإرادات والنيات، فنكمل إن شاء الله تبارك وتعالى كلامه رحمه الله؛ لأن الموضوع قد لا يأتي له مناسبة أخرى، وإن جاءت فبعد حين، ونحن نعلم أن أهم ما ندعو إليه هو التوحيد، وأن أوجب ما ينبغي أن نتعرف عليه من الأضداد هو ضد التوحيد وهو الشرك بالله تعالى، الذي هو أكبر الذنوب.والذي جاء الحديث عنه في متن الكتاب بمناسبة الكلام عن الرجاء، وذلك أن المشرك لا رجاء له عند الله تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ [هود:16] فلا يرجون رحمة الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن يستدرجهم من حيث لا يعلمون.ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (إذا عرفت هذه المقدمة -من الكلام الذي تقدم كله في درس سابق- انفتح لك باب الجواب على السؤال المذكور)، فالسؤال المذكور الذي سألناه عن الكبائر وأنواعها، ولماذا كان الشرك أكبرها وأعظمها وأخطرها؟ فيقول:(حقيقة الشرك مما تقدم) يعني: تبين لنا، قاعدة مهمة نستنتجها مما تقدم وهي: أن حقيقة الشرك هي التشبه بالخالق، وتشبيه المخلوق به، هذا أوجز ما يمكن أن يقال في حقيقة الشرك، ومعرفة لماذا كان هو أعظم الذنوب وأعظم ما عصي الله تبارك وتعالى به؟الشرك هو التشبه بالخالق تبارك وتعالى، أو تشبيه المخلوق به تبارك وتعالى، هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال.يريد ابن القيم رحمه الله تعالى أن يرد على الذين نفوا الصفات، قالوا: حتى لا نقع في التشبيه، مثلما تقدم معنا في صفة العلو مثلاً، وموضوع الرؤية والكلام، وغيرها من مباحث الصفات التي شرحناها والحمد لله.فالعلة واحدة عند الذين ينكرون صفات الله تبارك وتعالى من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، أنهم يقولون: لو أثبتنا الصفات لوقعنا في التشبيه، فنقول: أنتم لا تفهمون حقيقة التشبيه، التشبيه الذي هو الشرك عكس ما تظنون، التشبيه هو تشبيه الخلق بالخالق، لا كما تظنونه إثبات صفات الله، أما تشبيه الخالق بالمخلوقين، كمن يقول: إن الله له يد كيد المخلوقين، أو يقول: إن الله له سمع كسمع المخلوقين، أو يستوي كاستواء المخلوقين، هذا وقوعه في العالم قليل.الله تعالى فطر النفوس على أن هذا غير موجود وغير حاصل، ووقوعه قليل وإن وقع فهو مما ينكر، ولا شك أنه مناف للتوحيد لا ريب في ذلك، لكن هم لا يقصدون ذلك، يقصدون إثبات الصفات، والسلف الصالح والحمد لله يثبتون الصفات لله تبارك وتعالى كصفات المخلوقين، ولكن يقولون: كما قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].يثبتون السمع والبصر وجميع الصفات مع إثبات أنه ليس كمثله شيء وليس له كفواً أحد، وهل تعلم له سمياً، وإن وقع الاشتراك اللفظي في الاسم فالحقيقة غير الحقيقة، كما أن الوجود غير الوجود، والذات غير الذات، متفقون معنا أن ذات الله تبارك وتعالى لا تشبهها ذات، وأن وجود الله تبارك وتعالى لا يماثله وجود، إذاً: فبقية الصفات تتبع الذات، وتتبع صفة الوجود المجمع عليها، وهذا مذهب واضح والحمد لله، منهج رحب واضح سهل الفهم، ولا ينكره إلا مكابر، لكن ليس هذا، وإن زعم من زعم كـالرازي وأمثاله ونسبوه إلى رجل لا عقل له ولا نقل، وهو المنجم المشهور أبو معشر الفلكي منجم من المنجمين، كان في الإسلام لا يعرف له فضل ولا خير وسابقة ولا دين، هو الذي يقول: إن أول شرك وقع هو أن الناس اعتقدوا أن الله سبحانه وتعالى له يد كيد المخلوقات، وله عين كعين المخلوقات، فعبدوا الأصنام.هذا كلام فارغ، ومغاير للحقيقة وللواقع التاريخي، ولما صحت به الأحاديث، وبالعكس: الذين عبدوا الأصنام شبهوها بالله، ولم يشبهوا الله بالأصنام، هذا هو الواقع.
 

الخصائص الإلهية
فيقول: (وليس في إثبات الأسماء التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم) فعكس من نكَّس الله تعالى قلبه وأعمى عين بصيرته، وأركسه، وجعل التوحيد تشبيهاً والتشبيه تعظيماً وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق بالخصائص الإلهية.
 السجود من خصائص الإلهية
يقول: (إذا عرفت هذا: فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغير الله فقد شبه المخلوق بالله، ومنها التوكل، فمن توكل على غير الله فقد شبهه أيضاً بالله، وقس على ذلك التوبة والحلف، يكون منها الحلف باسمه تعظيماً وإجلالاً).هذا الكلام لا يقوله الإمام ابن القيم هكذا، لأجل الرد على الواقع في عصره من شيوخ الطرق، فهو يعالج واقعاً مؤلماً مريضاً في عصره، كانوا يستغيثون بالشيخ ويسجدون له، كان بعض المريدين يسجد لشيخه، وآخرهم هذا المهدي الذي ظهر في السودان يدعي أنه المهدي، وعبد الله التعايفي كانوا يسجدون له سجوداً، ويستغيثون به ويتوكلون عليه، والشيخ هو الذي يعلمهم، يقول بعض مشايخهم: الشيخ الذي لا ينقذ مريده أو تلميذه وإن كان في أطراف الأرض أو أوساط البحر ليس بشيخ! يعني: الشيخ هو الإله، تعالى الله عما يصفون!فالذي يستطيع أن ينجي تلاميذه في ظلمات البر والبحر هو الشيخ!! فأصبحوا يتنافسون في ذلك، حتى قال بعضهم: لو جئتم إلى قبري ودعوتموني ولم أغثكم فلست بشيخ، انظروا كيف وصل بهم ادعاء الألوهية! نسأل الله العافية.والحلف بالشيخ صار أعظم من الحلف بالله، ولهذا يذكر هذه الأمثلة؛ لأنه يعيش ذلك ويعانيه في زمانه.قال: (فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفاً ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله، ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، وأن يذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه). ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (يحشر المتكبرون يوم القيامة على هيئة الذر يطؤهم الناس بأخفافهم).سبحان الله! الجزاء من جنس العمل، الناس يحشرون يوم القيامة على خلق أبيهم آدم، طوله ستون ذراعاً، إلا المتكبرون الذين كانوا يتكبرون على خلق الله، ويرون أن من واجب الناس أن يعظموهم ويبجلوهم ويخضعوا لهم، ويحبوهم ويطروهم ويمدحوهم، هؤلاء يحشرون على هيئة الذر، انظر الفرق! يطؤهم الناس بأقدامهم، جزاءً وفاقاً بما كانوا يصنعون في الدنيا، أياً كان السبب الداعي.. مال.. منصب.. اعتقادات باطلة كشيوخ الصوفية الذين يرون أنه يجب على المريدين أن يعظموهم، وأن يلحسوا أقدامهم وأكفهم وركبهم، أياً كان المتكبر فقد تشبه بالخالق، فإذاً: ينطبق عليه الحديث الذي يقول الله تبارك وتعالى فيه: (العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما عذبته)ثم يضرب ابن القيم رحمه الله مثالاً: وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذاباً يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح: (من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)ما هي العلة؟ القضية ليست قضية أن الشخص صور فقط، يجب أن تطرد العلة في كل من ادعى شيئاً من خصائص الألوهية، أو نازع الله تبارك وتعالى فيما هو من خصائصه تبارك وتعالى.يقول: فهؤلاء من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، لتشبههم بالله في مجرد الصنعة، يخلق كخلقه، يصنع كهيئة خلق الله.. هذا ما فعله المصور، ومع ذلك فهي جريمة عظمى، وهو من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فكيف من تشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ليس هناك رسمة ولا صنعة، وفي الحديث الصحيح: (لا أحد أحب إليه المدح من الله)فالذي يجب أن يطرى ويمدح ويعظم، وأن تقال له الألقاب هو الله.ثم قال: (والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلاهيته؟) وهنا يضرب مثالاً آخر، وهو من الأدلة على أن جانب التوحيد من أعظم ما يراعيه الشرع في كل الأمور، وسد كل الذرائع التي توصل إلى الشرك، فيضرب مثالاً بهؤلاء الناس الذين يحبون الألقاب ينازعون بها الله تبارك وتعالى في ملكه، وفي ربوبيته وإلاهيته. فيقول: من تشبه في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه.. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الملوك ولا ملك إلا الله، أو ولا مُلك إلا لله، وفي لفظ أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك)مجرد أنه تسمى، قد لا يكون عمل عملاً، أو دعا الناس ليعملوا أعمالاً توجب ألوهيته وربوبيته كقول فرعون : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] لكن هذا كل ما قد يكون عمله أنه سمى نفسه باسم لا يجوز إلا لله، ولا يطلق إلا على الله تبارك وتعالى، فهذا استحق أن يكون أخنع الأسماء، وأن يكون أغيظ رجل على الله تبارك وتعالى.فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذي يحكم على الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره، إذا تبين هذا فهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة.ثم يفتح لك ابن القيم باباً عظيماً من أبواب العلم، ويؤصل قضية عظيمة بأجمل وأوضح ما يمكن، ثم ينتقل منها إلى قضية أخرى فتجد علماً، لا ينقل كلاماً هكذا ليس له فائدة علم مؤصل مرتب مبني على الأدلة، على نظرة شاملة، وهذه التي لا تجدها عند كثير من العلماء في القديم فضلاً عن المتأخرين، مثل الإمامين ابن تيمية وابن القيم رحمهم الله ومن سار على نهجهما، هذه ميزة للمدرسة السلفية بأنها مدرسة قوية، هذه المدرسة التي جددها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تبارك وتعالى عليه، وما عمله ابن تيمية ما هو إلا تجديد للمنهج الذي كانت عليه الثلاثة القرون المفضلة، لم يأت بشيء من عنده أبداً.فالآن ينقلك من سر عظيم بعد أن تجلت عندك هذه الحقيقة العظيمة، حقيقة الشرك وهو هذا التشبيه، ينقلك إلى حقيقة أخرى عظيمة جداً.
أعظم الذنوب إساءة الظن بالله تعالى
يقول: (إذا تبين هذا فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به). إذاً: القضية ليست قضية رجاء -أضعف منازل المريدين- كما يقول الهروي أو يقول الصوفية ، لا. أعظم الذنوب إساءة الظن بالله سبحانه وتعالى، وهي باب لموضوع آخر سيأتي فيما بعد، قد يقال: أليس أعظم الذنوب هو القول على الله تعالى بغير علم كما في الآية؟ نقول: انتظروا سيفتح الشيخ باباً إلى باب إلى باب حتى تجدوا مدناً من مدن العلم والخير في هذه العبارات الموجزة.يقول: (فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته). أي أن مسيء الظن بالله ظن به خلاف الكمال الذي تقتضيه هذه الأسماء والصفات التي تثبت له، يقول: ولهذا توعد الله سبحانه وتعالى الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [الفتح:6] أعوذ بالله! انظروا شدة الوعيد نتيجة هذا الظن بالله تبارك وتعالى.وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23] ما هي الصفة التي أنكرها هؤلاء؟ الصفة التي أنكرها هؤلاء هي صفة العلم، وأن الله لا يعلم كثيراً من أعمالهم. يقول: (وقال تعالى عن خليله إبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [البقرة:124] ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:123] شرف عظيم أن يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملته، هذا من أعظم الدلالة على إمامته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولما قال لقومه: مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:85-87] .. أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:86] أئفكاً: افتراء لا أصل له ولا حقيقة ثم يعقب على ذلك: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:87].يقول: فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظنكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى العبودية لغيره؟ ماذا ظننتم به حتى عبدتم غيره معه أو من دونه؟!يقول: (فلو ظننتم بالله ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المتفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36] فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجها، وإلى من يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم وإلى من يستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة حاجتهم).نتيجة حاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، انظروا إلى هذه العبارات العظيمة.
 إدخال الوسائط بين الله وخلقه إساءة ظن به سبحانه
قال: (فأما القادر بنفسه على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، كما قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] وكما في حديث أبي ذر المشهور في خطاب الله تبارك وتعالى لعباده). فإذاً: الغني بذاته، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، يقول: هذا إدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص في حق ربوبيته وإلاهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، هذا الظن أسوء الظن بالله.فالموضوع إدخال الوسائط!!قال: وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه) أي فليس من المعقول أن يشرع الله سبحانه وتعالى للناس أن يتخذوا بينه وبينهم وسائط وهو العليم بكل شيء، وهو قادر على كل شيء، الغني عن كل أحد، المتصرف في كل أمر، الذي رحمته وسعت كل شيء، أيحتاج لواحد يأتي فيدخل بينه وبين خلقه فلا يعبد إلا من طريقه، أو يدعى هذا من دونه بزعم أن يوصل العبادة إلى الله؟! تعالى الله عما يشركون!يقول: (يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله، والرب تعالى هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأليه والتذلل والخضوع). ولهذا عندما نقول كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد العظيمة، ففيها كلمة (إله) وإذا عُرف معناها عرفنا معنى كلمة: لا إله إلا الله، فما معنى الإله؟ أوجز وأفضل تعريف لهذه الكلمة.. أن الإله هو الذي تألهه، والوله: غاية الحب، فغاية الحب ونهاية الحب تسمى: الوله، فالإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وخضوعاً وذلاً وتعظيماً وانقياداً ورغبة ورهبة ورجاءً.إذاً: لا إله إلا الله، هذا هو الذي تصلح له هذه الصفات تبارك وتعالى.
ما قدروا الله حق قدره
يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى بعد هذا الكلام أمثلة عظيمة جداً ونافعة، رداً على جميع الطوائف، مما يدل على ما له من الفقه والحكمة، فإنه رد على جميع الطوائف من خلال هذه القاعدة العظيمة، وهي قاعدة أن شر الذنوب وأعظمها وأقبحها هو سوء الظن بالله، وهو الذي أوقع في الشرك.يقول بعد أن ذكر الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج:73]: (الله أكبر! كل من يعبدون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وأيضاً: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]).يعني: هذه الآلهة من البشر أو من الشياطين أو غيرهم ضعفهم كضعف الذباب! ومع ذلك لو أنه أخذ شيئاً منهم لا يستنقذوه منه، بل هم أضعف: (ضعف الطالب والمطلوب) ثم قال: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74] أي: لم يحسنوا الظن به، يعني: أساءوا الظن بالله، ولهذا ما قدروه حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، فالإله عندهم كما هو عند كثير من الغافلين عندما تكلمه عن الله، تعالى الله عما يصفون كأنك تكلمه عن أي شخص، بل ربما لو كلمته عن بعض المخلوقين الذين لهم هيبة وقوة لارتجف وأرعاك أذنيه لكن إذا قلت: يا أخي اتق الله! يا أخي! أنا أخبرك بكلام الله، فتجده غير مبالٍ.. ما قدر الله تعالى حق قدره، ولا عرفه حق معرفته. ولهذا قلنا كما تحدثنا في درس سابق: إن مشكلة الناس في جميع العصور والأوقات، وفي كل زمان ومكان، أنهم ما عرفوا الله، وما قدروا لله قدره، فأشركوا به، اتبعوا شرائع البشر وتركوا شريعته لسوء ظنهم به، ولأنهم ما قدروا الله حق قدره أحبوا بعض الخلق أكثر من محبتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ما قدروا الله حق قدره حتى يعرفوا قدر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء منهم من يدعي أنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  ما قدر الله حق قدره من هان عليه أمره
قال: (وكذلك لم يقدر الله تعالى حق قدره من هان عليه أمره فعصاه).كأن الشيخ ابن القيم رجع إلى موضوع الكتاب الأساس (المعاصي والعشق) لكن هو يأتي بالأشياء المهمة الأساسية ثم يأتي بهذه.تقول: اتق الله يا أخي، هذا حرام! فيقول: هذا. بسيط لا يضر.. تقول: يا أخي! اتق الله وصل! افعل كذا! يقول: ليس هناك مشكلة. هان عليه أمره، هل قدره حق قدره؟ لم يقدره.إذاً: ضيع حق الله وأهمل ذكره، غفل قلبه عن ذكر الله، آثر هواه وشهواته ورغباته، وأعرض عن طلب رضا الله، وأطاع المخلوقين وجعل طاعتهم عنده أهم من طاعة الله، يعني: جعل لله الفضل من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله.إذاً القضية ليست أننا عصينا أو غفلنا، وإنما المشكلة من فعل ذلك وكلنا كذلك نسأل الله أن يرحمنا برحمته ما قدرنا الله حق قدره، لماذا؟ لأن له الفضلة من قلوبنا، والهم والتفكير في الدنيا، على السيارات والعمارات والزوجات والأبناء والوظائف. قد يبتعث شخص خمس عشرة سنة للعلم ليس لله منها كلمة واحدة.وكذلك يوجد أناس كل يوم يكتبون قصائد، مجلدات من الشعر ليس لله منها شيء، ومجالس وسهرات، يبدأ في الحكاية ويضحك الناس ويحكي لهم طوال الليل كل يوم، وليس لله شيء من هذا القول، يتكلم ويذهب.. ليس لله شيء، نسأل الله العفو والعافية.وعمله كدح.. ليل نهار.. كم لله من هذا الكدح؟لا شيء، يغضب لكن ليس لله، يرضى لكن ليس لله ينتقم لا لله؟ يثور لنفسه وشهواته، ماذا جعل لله؟!وماله: شهوة.. تمشية.. نزهة.. رحلة.. خرجة.. إلى آخره، خذ ما شئت من المال، لكن أعط عشرة ريالات لله، وإن أعطى لله فإنما هو الفضلة، مثلاً: لو نجح واحد من أولاده لأعطاه هدية، لو كان لاعب كرة من أولاده وأتى بهدف يعطيه سيارة أو مليوناً أو أي شيء، ولو واحد من أولاده حفظ جزءاً من القرآن أعطاه عشرة ريالات أو خمسين ريالاً.إذاً: هل أنت تحسن الظن به؟!يقول: والله عندنا الرجاء نحن أمة محمد.. والله نحن نحسن الظن بالله.. يا شيخ ما أحسنت الظن به، من هذا حاله والله ما أحسن الظن بالله، ولا أحسن الرجاء، لو أحسن الظن لأحسن العمل، لو أحسنت الظن به لعظمت أمره ونهيه، ووقفت عند حدوده، وسعيت إلى مرضاته بكل طريقة، وكنت مع أوليائه، إن لم تجاهد أعداءه فكن محباً لأوليائه بقلبك.يا إخوة! أناس يتفكهون في المجالس بالدعاة .. بالهيئة.. بالمقاومة.. سبحان الله! تحاربون أولياء الله الذي رزقكم وأعطاكم المال والمناصب والخير، فإن لم تكونوا مع أوليائه فلا تقفوا مع أعدائه، لكن الشيطان أعماهم وأصمهم، فهذا موقفهم من الله سبحانه وتعالى.فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، وأمر لأجله بالأمر الديني كان من أكبر الكبائر عند الله، وكذلك الكبر وتوابعه كما سبق، فإن الله سبحانه خلق الخلق، وأنزل الكتاب؛ لتكون العبادة والطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك، ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، يقول الله تعالى في القرآن: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة:72] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)لهذا كان أعظم وأكبر الذنوب.
القول على الله بلا علم
قال: (ويلي ذلك في كبر المفسدة القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله... إلى آخره).قال: (فهذا أشد شيء منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والأمر، وقدحاً في نفس الربوبية وخصائص الرب).قلنا أن القول على الله من أعظم الذنوب ونستدل على ذلك بآية الأعراف؛ لأن الله تعالى يقول في الآية: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151] وبعد الفواحش الإثم والبغي، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] إذاً: هذا أكبر، مرتبة حسب درجتها في العظم.فإذا صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثماً عند الله، فإن المشرك المقر بصفات رب العالمين خير من المعطل الجاحد لصفات الكمال، كما أن من أقر بالملك للملك ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل له شريكاً في الملك أو بعض الملك هذا خير ممن يجحد صفات الملك وينكر الملك بالكلية، هذا الفرق بينهما.يعني: إذا كان القول على الله تعالى بغير علم صادر من عالم يعلم الحق، فهو أعظم الذنوب جميعاً، وهنا خصوصية ذلك، أن الذين يفترون على الله الكذب أكثرهم ممن يعلمون الحق، ويعلمون أن الله تعالى لا يليق به ما يفترون عليه من الكذب، فهؤلاء عارضوا أصل القضية ونازعوها.
  ما قدر الله حق قدره من هان عليه أمره
قال: (وكذلك لم يقدر الله تعالى حق قدره من هان عليه أمره فعصاه).كأن الشيخ ابن القيم رجع إلى موضوع الكتاب الأساس (المعاصي والعشق) لكن هو يأتي بالأشياء المهمة الأساسية ثم يأتي بهذه.تقول: اتق الله يا أخي، هذا حرام! فيقول: هذا. بسيط لا يضر.. تقول: يا أخي! اتق الله وصل! افعل كذا! يقول: ليس هناك مشكلة. هان عليه أمره، هل قدره حق قدره؟ لم يقدره.إذاً: ضيع حق الله وأهمل ذكره، غفل قلبه عن ذكر الله، آثر هواه وشهواته ورغباته، وأعرض عن طلب رضا الله، وأطاع المخلوقين وجعل طاعتهم عنده أهم من طاعة الله، يعني: جعل لله الفضل من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله.إذاً القضية ليست أننا عصينا أو غفلنا، وإنما المشكلة من فعل ذلك وكلنا كذلك نسأل الله أن يرحمنا برحمته ما قدرنا الله حق قدره، لماذا؟ لأن له الفضلة من قلوبنا، والهم والتفكير في الدنيا، على السيارات والعمارات والزوجات والأبناء والوظائف. قد يبتعث شخص خمس عشرة سنة للعلم ليس لله منها كلمة واحدة.وكذلك يوجد أناس كل يوم يكتبون قصائد، مجلدات من الشعر ليس لله منها شيء، ومجالس وسهرات، يبدأ في الحكاية ويضحك الناس ويحكي لهم طوال الليل كل يوم، وليس لله شيء من هذا القول، يتكلم ويذهب.. ليس لله شيء، نسأل الله العفو والعافية.وعمله كدح.. ليل نهار.. كم لله من هذا الكدح؟لا شيء، يغضب لكن ليس لله، يرضى لكن ليس لله ينتقم لا لله؟ يثور لنفسه وشهواته، ماذا جعل لله؟!وماله: شهوة.. تمشية.. نزهة.. رحلة.. خرجة.. إلى آخره، خذ ما شئت من المال، لكن أعط عشرة ريالات لله، وإن أعطى لله فإنما هو الفضلة، مثلاً: لو نجح واحد من أولاده لأعطاه هدية، لو كان لاعب كرة من أولاده وأتى بهدف يعطيه سيارة أو مليوناً أو أي شيء، ولو واحد من أولاده حفظ جزءاً من القرآن أعطاه عشرة ريالات أو خمسين ريالاً.إذاً: هل أنت تحسن الظن به؟!يقول: والله عندنا الرجاء نحن أمة محمد.. والله نحن نحسن الظن بالله.. يا شيخ ما أحسنت الظن به، من هذا حاله والله ما أحسن الظن بالله، ولا أحسن الرجاء، لو أحسن الظن لأحسن العمل، لو أحسنت الظن به لعظمت أمره ونهيه، ووقفت عند حدوده، وسعيت إلى مرضاته بكل طريقة، وكنت مع أوليائه، إن لم تجاهد أعداءه فكن محباً لأوليائه بقلبك.يا إخوة! أناس يتفكهون في المجالس بالدعاة .. بالهيئة.. بالمقاومة.. سبحان الله! تحاربون أولياء الله الذي رزقكم وأعطاكم المال والمناصب والخير، فإن لم تكونوا مع أوليائه فلا تقفوا مع أعدائه، لكن الشيطان أعماهم وأصمهم، فهذا موقفهم من الله سبحانه وتعالى.فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، وأمر لأجله بالأمر الديني كان من أكبر الكبائر عند الله، وكذلك الكبر وتوابعه كما سبق، فإن الله سبحانه خلق الخلق، وأنزل الكتاب؛ لتكون العبادة والطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك، ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، يقول الله تعالى في القرآن: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة:72] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)لهذا كان أعظم وأكبر الذنوب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشرك قديماً وحديثاً [2] للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net