اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الدين اتباع وليس ابتداعاً للشيخ : سفر الحوالي


الدين اتباع وليس ابتداعاً - (للشيخ : سفر الحوالي)
في هذه المادة افتتح الشيخ الدرس ببيان أهمية اللقاءات الأخوية، ثم تكلم عن مسألة الاتباع، مبيناً وجوب الاتباع وترك الابتداع، وشرح خلال ذلك سورة الفاتحة مبيناً اشتمالها على أنواع التوحيد، ثم تكلم أول شرك وقعت فيه البشرية، وبيّن أن اختلال أحد شرطي العمل الصالح يؤدي إلى عدم قبول هذا العمل، ثم ذكر صوراً لضلال اليهود والنصارى، وبعض الفرق الإسلامية التي شابهتها.
أهمية حلقات الذكر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد،،،فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل قلوبنا خاشعةً بما نسمع من آياته، وجوارحنا وأعمالنا تابعةً لما بلغنا عن هدي نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.تنبع أهمية حلقات الذكر من أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بها، وكان يبايع عليها أصحابه الكرام، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدين النصيحة) هذه الكلمة العظيمة الجامعة، ولذلك لا بد من التناصح، ولا بد من إعلاء ذكر الله تبارك وتعالى، ولا بد من إغاظة أهل البدع والفجور، بأن يجتمع المؤمنون في بيوت الله تبارك وتعالى كما قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:26-27]. والإخوة الذين تجمعهم رابطة شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بالله تبارك وتعالى، وتوحيده، واتباع سنة نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذه المجالس وحلقات الذكر هي رياضهم، وهي روحهم وريحانهم في هذه الحياة الدنيا، وهي خير البقاع التي يسعى إليها كل مؤمن، ويهفو إليها كل قلب.
 

الدين اتباع وليس ابتداعاً
دين الله الذي أمرنا باتباعه هو دين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دين الإسلام الذي أنزله الله تبارك وتعالى ليمحو به من الأرض كل بدعةٍ ورجسٍ أحدثه المبتدعون، من الشرك والضلالات.. إلى أقل معصية عُصي الله تبارك وتعالى بها، فهو اتباع وليس ابتداعاً، فما معنى هذا؟ إن الله تبارك وتعالى أنزل في كتابه الكريم آياتٍ في آخر سورة الأنعام، هذه الآيات هي الوصايا العشر، التي قال عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنهما: [[من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي عليها خاتمه -أي التي كأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتبها وختمها، وبعث بها إلى كل واحد منا كأنها رسالة خاصة مختومة من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فليقرأ هذه الآيات: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] ]].
 سورة الفاتحة وما تضمنته من بيان حقيقة الاتباع
ولكون هذا الدين اتباعاً وليس ابتداعاً ولا يخضع للهوى -لأهميته ولعظم شأنه- جعله الله تبارك وتعالى في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة، فكل مسلم يقرأ في كل ركعة من صلاته سورة الفاتحة، التي هي أم القرآن، والتي هي أفضل سورة في كتاب الله تعالى، نقرؤها في كل ركعة من الركعات وجوباً، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من صلى صلاةٍ لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج } فهذه فاتحة الكتاب تضمنت هذا المعنى وهو أن الدين اتباع وليس ابتداعاً.وقد تضمنت سورة الفاتحة أمور التوحيد وأمور الدين، ولو أخذنا بالقسمة التي يقسمها بعض العلماء، وهي أن التوحيد أربعة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الطاعة والاتباع؛ فإنها متضمنة في سورة الفاتحة.والقسمة هذه قسمة اصطلاحية، ولا مانع أن تكون أربعة أو أن ترد إلى نوعين، فيقال: إن التوحيد على نوعين: توحيد علمي اعتقادي، وهو يشمل توحيد الأسماء والصفات، وتوحيدٌ عمليٌ طلبي، وهو توحيد العبادة، أو ما يسمى بتوحيد الألوهية، ويدخل توحيد الربوبية في ضمن توحيد الأسماء والصفات , وقد تدخل بعض جوانبه في توحيد الألوهية.والمراد أن التوحيد الذي هو أعظم واجب، والذي هو حق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على العبيد قد تضمنته سورة الفاتحة بأنواعه وبأقسامه، سواءً جعلنا توحيد الطاعة والاتباع قسماً مستقلاً، أو قلنا إن توحيد الطاعة والاتباع هو قسمٌ من توحيد العبادة أو من توحيد الألوهية، فالنتيجة واحدة.فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر في سورة الفاتحة توحيد الربوبية في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فهذه الآية تضمنت توحيد الربوبية، ثم قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وهذا توحيد الأسماء والصفات مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وهذه تضمنت -بالإضافة إلى أنها من الأسماء والصفات- تضمنت التذكير بأعظم يوم، وبركن عظيم من أركان الإيمان وهو يوم القيامة ويوم الجزاء، الذي فيه تُنصب الموازين وفيه تقبل الأعمال أو ترد، وفيه يكون الناس فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم قال بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وهذا هو توحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالعبادة، ولذلك قدم الضمير إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وذلك لحصر العبودية والاستعانة به سبحانه، وذلك مثل قوله تعالى: قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك:29] فهذا هو مضمون ذلك، فعبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هي الغاية التي نسعى من أجلها، وهدفنا وغايتنا هي رضا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ورؤية وجه الله الكريم في الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها- فهذه هي غاية كل مؤمن يعبد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى."إِيَّاكَ نَعْبُدُ" نعبدك وحدك يا رب، نريد وجهك، ونريد أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تمتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، والنظر إلى وجهه الكريم هو الغاية التي شمر لها الصالحون والسابقون. ثم قوله تعالى: "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فالوسيلة والمعين في هذا الطريق لتحقيق هذه الغاية؛ لا يمكن أن تكون إلا منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالأمر كله منه وإليه جل شأنه، وليس لنا حول ولا طول في هذا الأمر. وقد قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: {قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين} فلننظر ما بين النصف الثاني في سؤال العبد عندما يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] يجب علينا أن نتدبر كتاب الله، وأن نعي كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإننا لم نؤمر ولم يفرض علينا أن نردد هذه السورة العظيمة في كل ركعة إلا لحكمة عظمى، وكل كلام الله فيه الحكمة، وفيه العبرة والعظة، فما ظنك بأفضل سورة وهي تردد في كل ركعة من فريضة أو نافلة؟! اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فهذا هو طلبنا الذي نطلبه من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، فما هو الصراط المستقيم؟ الصراط المستقيم هو مضمون قولنا إن الدين اتباع، فالصراط المستقيم هو الإسلام، وهو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو طاعة الله تبارك وتعالى دون أن يحيد الإنسان عنها لا ذات اليمين ولا ذات الشمال، حتى قال من قال من السلف: إن الصراط المستقيم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؛ أي الطريق الذي كان عليه أبو بكر وعمر، والسلف الصالح، فإذا قلنا القرآن، أو الإسلام، أو الدين، أو السنة، أو الخلفاء الراشدين، كل ذلك يدخل في أنه هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يهدينا إليه.ولهذا فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثَّل هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] مثلها عملياً مثل وسائل الإيضاح التي تعرض على الطلبة في المدارس لتتضح لهم بعض المعالم الجغرافية أو الرياضية، خط رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطاً مستقيماً، وخط خطوطاً ذات اليمين وذات الشمال، وقال: هذا هو الصراط، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] فهذا الصراط هو الإسلام وهو السنة، وهذه الخطوط: هي الأهواء والبدع والضلالات التي كثرت، والتي تكثر في كل زمان ومكان تصديقاً لما قاله الرسول: {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: يا رسول الله من هي؟ قال: الجماعة} وفي رواية قال: {ما أنا عليه اليوم وأصحابي} وهذه السبل التي على جنبات الصراط هي هذه الفرق والأهواء، وهي الضلالات التي ندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجنبنا إياها، وندعوه أن يثبتنا على الصراط المستقيم، وهو اتباع دين محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنته.
الابتداع هو أصل ضلال البشرية
والانحراف عن الصراط واتباع الأهواء والبدع قديم، وهذه الآية نفسها تشير إلى ذلك، فهي تشير إلى أمتين انحرفتا عن الطريق وهما اللتان آتاهما الله الكتاب من قبلنا: اليهود والنصارى.بل لو رجعنا إلى أبعد من ذلك؛ لوجدنا أن أصل ضلال البشرية جميعاً وانحرافها من التوحيد إلى الشرك كان بسبب الابتداع وعدم الاتباع.ما وقع الشرك في ذرية آدم إلا بسبب البدع والابتداع واتباع الهوى وتزيين الشيطان، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خلق أبانا الأول آدم نبياً مفطوراً على التوحيد، وفطر جميع ذريته على التوحيد، أي جعل التوحيد فطرةً في قلب كل إنسان، فجعله يعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو وحده الرب المعبود الذي يطلع على كل شيء، والذي يجب أن يتوجه إليه الإنسان بكل نوع من أنواع العبادة، ولهذا كان كل مولود من آحاد الجنس البشري يولد على الفطرة، ثم بعد ذلك: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي أن المجتمع والبيئة والتربية تصرفه عن ذلك.وهذا تصديق لما قاله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هؤلاء ذرية آدم الذين مسح الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على ظهر آدم فكان منه فرقتان سود وبيض وقال تعالى: (هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي) وحينئذٍ أخذ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منهم الميثاق، ويذكر بهذا الميثاق من نسيه يوم القيامة، فيقول: قد أخذت عليك الميثاق وأنت في صلب أبيك ألا تشرك بي شيئاً.
 النية الصالحة وحدها لا تكفي في صلاح العمل
الذين صوروا هذه الصور -صور الرجال الصالحين- هل كانت نيتهم الشر؟ هل كانوا يريدون أن يعملوا هذه الأعمال لتدخلهم النار؟ هل عملوها ونصبوها وعظموها ليبتعدوا عن الله، ولينالهم غضب الله عز وجل؟ هذا شيء لم يريدوه مطلقاً كما هو ظاهر في القصة السابقة، ولذلك لا حجة لأي مبتدع، ولا صاحب هوى، أن يقول: ما قصدنا إلا الخير، ونيتنا طيبة، وهدفنا سليم، هذا صحيح، ونحن لا نتكلم عن نياتكم، فيمكن أن تكون نياتكم طيبة، فإن هدف قوم نوح ونيتهم وغرضهم كان سليماً وما كانوا يريدون لأنفسهم أن يكونوا من أصحاب الجحيم، ولا كانوا يقولون: نريد أن نبتدع في الدين؟ بل كان الغرض سليماً، لكن هذا الغرض لمّا كان من عند أنفسهم، ولما كان ابتداعاً لم يتبعوا فيه شرعاً ولا وحياً من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم ينفع ذلك الغرض.ولهذا لما ننتقل إلى الأمتين -اللتين نستعين الله عز وجل في كل ركعة وفي كل صلاة على ألا يجعلنا كحالهما، وأن يثبنا على الصراط المستقيم، ويجنبنا طريقهما - نجد هذا أيضاً موجوداً بالذات في أمة الضلال: اليهود المغضوب عليهم، خصت الأمة اليهودية بالغضب، كما خصت الأمة النصرانية بالضلال، وكلاهما مشرك، وحكى الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] كلاهما مشرك بالله عز وجل، وكلاهما كافر ومتوعد بالنار، كما نص على ذلك كتاب الله عز وجل، وكما نص عليه نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يبلغ أحداً من هاتين الأمتين دين محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلا يؤمن به؛ إلا كان من أهل النار.ثم لننظر إلى حال هاتين الأمتين، فبعد سورة الفاتحة تقرءون سورة البقرة في كتاب الله، وهذا الكتاب العظيم يشمل كل الكتب السابقة، ومصدقاً لها، ومهيمناً عليها، وكل خبر جاء في الكتب السابقة، فإن القرآن قد شملها وزاد عليها، والقرآن كله شملته بالجملة سورة الفاتحة، فإذا قرأنا سورة الفاتحة فقد قرأنا مجمل ما في القرآن.
أصل الضلال هم اليهود والنصارى
عندما نقرأ سورة البقرة، فإننا نقرأ تفصيل ما قرأنا في سورة الفاتحة، فماذا نجد في سورة البقرة؟ كم فيها من الحديث عن بني إسرائيل! أخبار كثيرة عن بني إسرائيل بنوعيهم: اليهود والنصارى، وإن كان الحديث عن اليهود أكثر، وهنا سؤال هام وهو: لماذا خصت الأمة اليهودية بالغضب؟ ولماذا وكيف عاندوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟.
 الصوفية جمعوا بين نوعي الضلالة
ويتحقق في حق الصوفية وأتباعهم كلا النوعين، فمنهم نوعٌ يلحق باليهود، وهم الذين عصوا الله عز وجل على علم، ونوع آخر يلحق بالنصارى، وهم الذين عبدوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على جهل، وهؤلاء أناس موجودون اليوم، لو سألت من هدى الله منهم؛ لقال لك: إنه كان يجلس ليلة كاملة يقول: سبحان الله أو الحمد لله، طوال الليل كله، وكان يعد أحد عشر ألف مرة، لابد أن يكمل أحد عشر ألف مرة، وأحياناً يقول له الشيخ: سبعة آلاف مرة، فلابد أن يكمل سبعة آلاف مرة.كيف يتعبدون هذه العبادة الطويلة؟ أليس عندك كتاب من كتب الأذكار؟ كالأذكار التي تقال بعد الصلاة؟ مثل تحفة الأخيار، وهو كتاب صغير معروف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره ونفعنا بعلمه، وفيه أذكار نبوية، وهو منتشر، لكنهم لم يسمعوا به؛ لأنهم لا يتلقون إلا من الشيخ يقول: عشرة آلاف، فيقولون: عشرة آلاف، ولو كان الله سبحانه ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالا مائة! لقال هو: جعلناها عشرة آلاف، لأن العشرة الآلاف أكثر من المائة.هل صاحب العشرة آلاف مأجور، وصاحب المائة آثم، لأنه أقل؟ لا! صلاة المغرب هي ثلاث ركعات، فإذا صليناها ثلاثين ركعة وهي أكثر من ثلاث ركعات، فهل يقبل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك منا؟ لا يقبل الله منا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} أي: فهو مردود غير مقبول، فمهما كان هذا العمل، ومهما ظن صاحبه، ومهما حسن قصد صاحبه، فإنه مردود غير مقبول.
قبول الأعمال
فما هو العمل الذي يقبله الله؟ وما هو الدين الذي يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110]، شرطان للعمل لكي يتقبله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكما تعلمون حال الأمة، وكل منا أعلم بحال نفسه، مقصرون في طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكلنا نرجو فضل الله، ونرجو مغفرة الله، ونرجو عفوه، فيا لله العجب! إذا كنا في الطاعات مقصرين فكيف نجتهد في الابتداع؟!كيف نجتهد في البدعة ونحن ما قمنا بإتمام الطاعة؟ ما أدينا الواجبات المفروضة والطاعات التي يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنها في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه) فأحب شيء إلى الله ما افترضه الله، الصلوات الخمس، الصوم، الحج، العمرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أحب شيء يتقرب به إلى الله، الأمة التي لم تقم بالواجب الذي فرضه الله عليها، كيف تجتهد في إقامة البدع، وتستحدث في الدين؟! هل أكملت الواجبات ثم المندوبات حتى تفكر فيما بعد ذلك؟ لن يستطيع أحدٌ ذلك؛ لأن الدين أعظم وأوسع، فما تقرب العبد إلى الله عز وجل بشيء أحب إليه مما افترضه عليه.فمن أراد أن يدل الناس على طريق الخير، ويدعوهم إلى الله، ويذكرهم بالله، وباتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبمحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليبدأ بتذكير الناس وبدعوتهم بما افترض الله تبارك وتعالى عليهم، افترض علينا التوحيد، وهو أعظم واجب، فنبدأ بتعليم الناس التوحيد ودعوتهم إليه، ثم الصلوات الخمس، ثم ترك الفواحش والمنكرات والكبائر الواضحة: كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والخيانة، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وقطيعة الأرحام، وهي محرمات ظاهرة، ومع ذلك متفشية في مجتمعاتنا وموجودة.فالغفلة موجودة عن أداء الواجبات والتزام الطاعات، ثم نريد أن نعمل من البدع: موالد أو رجبيات أو شعبانيات، كل هذا لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، من أين أتيتم بهذا؟ هل جاءت في كتاب الله؟ هل جاءت في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ لو أنها شرعت، ولو أنها في كتاب الله وسنة رسوله، لما جاز لنا أن نقدمها على ما أمر الله تعالى أن نقدمه، وهو التوحيد والأركان الخمسة، فكيف -وهي لم تشرع- تقدَّم وتعلَّم، ويترك الأصل العظيم، الأصل الذي ينجو به العبد بين يدي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! وهو التوحيد.توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هو تجريد هذه القلوب لطاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يتوسل إلى الله إلا بما شرع الله، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] فكل مؤمن وكل مسلم مطالب بأن يبتغي إلى الله الوسيلة، وأن يتقرب إلى ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فبماذا يُتقرب إلى الله؟ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).نبدأ بالواجبات، ثم ننتقل بعد ذلك إلى النوافل؛ بالشرطين السابقين، هذه هي الوسيلة، وما أعظم باب الوسيلة في ديننا! الكلمة الطيبة صدقة، كل تهليلةٍ صدقة، كل تحميدةٍ صدقة، كف الإنسان لسانه عن الشر صدقة... ووسائل إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كثيرة! كل هذه هي الوسيلة، وهي القربة التي يُتقرب بها إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.فلابد في العمل الصالح من شرطين:الأول: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإذا لم يكن العمل خالصاً لوجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فإنه لا يقبله، كإنسان يريد الدنيا بعمله، يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) وقال: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك) لماذا تشرك بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وهو غني عن جميع الأعمال التي تعملها؟! حالك مثل من يهدي إلى تاجر غني -والله هو الغني وله المثل الأعلى- هدية، ويقول: هذا لك، واعط فلاناً منها قليلاً، فيقول لك: اعطها كلها لفلان فأنا لست محتاجاً لها، فكيف والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الغني العظيم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي يقول: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ) وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد:38] سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فيجب أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.والشرط الثاني: أن يكون صواباً وفق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف يكون العمل صواباً، وبماذا؟ بالعلم فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] بعض الناس يصلي عمره خمسين سنة، لكن لو أتينا ونظرنا إلى هذه الصلاة هل هي كما أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهل هي كما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)؟ فلذلك فإنها لا تقبل.
 الصوفية جمعوا بين نوعي الضلالة
ويتحقق في حق الصوفية وأتباعهم كلا النوعين، فمنهم نوعٌ يلحق باليهود، وهم الذين عصوا الله عز وجل على علم، ونوع آخر يلحق بالنصارى، وهم الذين عبدوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على جهل، وهؤلاء أناس موجودون اليوم، لو سألت من هدى الله منهم؛ لقال لك: إنه كان يجلس ليلة كاملة يقول: سبحان الله أو الحمد لله، طوال الليل كله، وكان يعد أحد عشر ألف مرة، لابد أن يكمل أحد عشر ألف مرة، وأحياناً يقول له الشيخ: سبعة آلاف مرة، فلابد أن يكمل سبعة آلاف مرة.كيف يتعبدون هذه العبادة الطويلة؟ أليس عندك كتاب من كتب الأذكار؟ كالأذكار التي تقال بعد الصلاة؟ مثل تحفة الأخيار، وهو كتاب صغير معروف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره ونفعنا بعلمه، وفيه أذكار نبوية، وهو منتشر، لكنهم لم يسمعوا به؛ لأنهم لا يتلقون إلا من الشيخ يقول: عشرة آلاف، فيقولون: عشرة آلاف، ولو كان الله سبحانه ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالا مائة! لقال هو: جعلناها عشرة آلاف، لأن العشرة الآلاف أكثر من المائة.هل صاحب العشرة آلاف مأجور، وصاحب المائة آثم، لأنه أقل؟ لا! صلاة المغرب هي ثلاث ركعات، فإذا صليناها ثلاثين ركعة وهي أكثر من ثلاث ركعات، فهل يقبل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك منا؟ لا يقبل الله منا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} أي: فهو مردود غير مقبول، فمهما كان هذا العمل، ومهما ظن صاحبه، ومهما حسن قصد صاحبه، فإنه مردود غير مقبول.
عبادة الأحبار والرهبان من دون الله
(دخل عدي بن حاتم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقرأ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31].قال عدي-وكان نصرانياً-: يا رسول الله، ما عبدناهم) لأن عدياً يفهم أن العبادة هي الركوع والسجود للأحبار، أو الرهبان، أو الأنبياء، أو الأقطاب، أو الشيوخ، أو العظماء، أو الملوك، أو ما أشبه ذلك ممن يعبد من دون الله -عز وجل- فأجابه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووضح له قال: (ألم يُحلِّوا لكم الحرام فتطيعوهم، ويحرموا عليكم الحلال فتطيعوهم، قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم).
 خطورة الابتداع في دين الله
ألم تعلم أن الله تعالى حرم الابتداع؟ فلا تطع فيه غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ألم تعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يشرعه ولا أذن به، ولا ارتضاه، ولا جعله طريقاً ولا وسيلة إليه؟ فلا تقبله من أي إنسان، لأنه بدعة، والبدعة تبعد ولا تقرب، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي روي من أكثر من طريق: {إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة}.نسأل الله العفو والعافية! إن الذي نسعى إليه وندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دائماً ونرجوه هو أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن تكون آخر كلماتنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يوفقنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عند الموت للنطق بهذه الكلمة العظيمة، وأن يوفقنا في القبر لنجيب بالجواب الصحيح.أما أصحاب البدع فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحجز عنهم التوبة، ومما يدل على ذلك أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يوفقهم عند الاحتضار بالتوبة، جزاءً وفاقاً على ما كانوا عليه من بدع في دين الله، يشرِّع من عند نفسه، ويأمر الناس بما لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فانظروا إلى خطر البدع، تضيع الفرائض، وتضيع حسن الخاتمة، ويأتي الإنسان وقد عمل كثيراً، ولكنه كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف:103] الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].أموال، وجهود، وأعمال، وخشوع، وبكاء، لكن ذلك لا ينفعهم، ولا يجدي شيئاً؛ لأن الله لم يجعل طريقاً إليه إلا اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.لا بد من وجود شرطين في أي عمل حتى يتقبله الله، وهما:-أن يكون خالصاً لوجه الله، وأن يكون صواباً وفق ما أنزل الله تعالى.
الشرك وبداية ظهوره في بلاد العرب
إن الشرك والضلال والانحراف الذي وقع في الجاهلية الأولى، ومن بعدهم إنما وقع نتيجة الابتداع في دين الله تعالى. كانت العرب على دين التوحيد منذ أن بنى إبراهيم الخليل وإسماعيل البيت الحرام، حتى ظهر رجل يقال له: عمرو بن لحي الخزاعي، هذا الرجل ذهب في رحلة إلى الشام، فوجد أُمّةً متحضرة ليست مثل العرب تسكن الخيام وترعى الغنم والإبل، وجد هناك حضارة، وأنظمةً، وملكاً، وأبهةً، فغرته تلك المظاهر، ثم تأمل في دينهم فوجدهم يعبدون الأصنام، إذ أنهم يصورون الصور، ويضعونها في الكنائس كصورة عيسى عليه السلام، وصورة مريم العذراء، وغيرها من الأنصاب والتماثيل، ثم يعبدونها من دون الله، فاستحسن هذا الأمر، لأنه صادر عن أمة متحضرة وليست كالعرب.فأخذ هذه الصور وجاء بها إلى مكة ووضعها العرب بالكعبة، ولهذا رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح: (وهو يجر قُصبه -يجر أمعاءه- في النار) عافانا الله وإياكم، يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وكان أول من سيب السوائب) التي قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103] فهذا كان أول من افترى على الله الكذب، وسيب السوائب، وابتدع هذه البدعة في الإبل: البحيرة، والوصيلة، والحام، هذه الإبل جعل لها علامات معينة تنذر للأصنام، فجاء بالأصنام وأدخل الشرك إلى بلاد العرب، وجاء بهذه البدع ليجعلها قربات إلى الأصنام، فكان هذا الرجل أول من غير ملة إبراهيم عليه السلام من التوحيد إلى الشرك، فحذر منه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.بل جاءت رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصحيحاً للشرك الذي وقع فيه العرب بعد أن كانوا على ملة التوحيد، فمن جاء ليصرفنا عن ملة التوحيد، التي وحدنا الله تبارك وتعالى بها بعد الفرقة، وجمعنا بها بعد الشتات، وأنار بها قلوبنا بعد الظلمة، فلا طاعة له، لأن محمداً صلى الله عليه سلم ليس إمامه وقدوته، وإنما إمامه وقدوته عمرو بن لحي.ولا تستغربوا أن يظهر في كل أمة، أو في كل فترة عمرو بن لحي جديد؛ لأن من السنن الكونية أن يظهر صاحب الشرك؛ فيظهر أصحاب التوحيد، ويظهر الباطل، فيظهر الحق.. وهكذا..، فرعون قال -كما حكى الله عنه-: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24]، ومات هذا الفرعون وانتهى، لكن في كل زمان ممكن أن يظهر فرعون جديد وإن لم يسم نفسه فرعون، وإن لم يقل: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فكل من بدل دين الله، وغير شرعه، وجعل الناس يعبدونه من دون الله، فهو في عمله هذا كـفرعون.ولهذا فقدوة أصحاب البدع والضلال هم قوم نوح الذين غيروا دين الإنسانية من التوحيد إلى الشرك، ثم عمرو بن لحي الذي غير ملة العرب من التوحيد إلى الشرك. أما حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فإن معناه أن كل من يأتي ويدعو إلى أية بدعة من البدع فإن دعوته خاسرة، فإن هذه الطائفة المنصورة سينصرها الله تعالى عليه.
 خطورة الابتداع في دين الله
ألم تعلم أن الله تعالى حرم الابتداع؟ فلا تطع فيه غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ألم تعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يشرعه ولا أذن به، ولا ارتضاه، ولا جعله طريقاً ولا وسيلة إليه؟ فلا تقبله من أي إنسان، لأنه بدعة، والبدعة تبعد ولا تقرب، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي روي من أكثر من طريق: {إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة}.نسأل الله العفو والعافية! إن الذي نسعى إليه وندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دائماً ونرجوه هو أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن تكون آخر كلماتنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يوفقنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عند الموت للنطق بهذه الكلمة العظيمة، وأن يوفقنا في القبر لنجيب بالجواب الصحيح.أما أصحاب البدع فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحجز عنهم التوبة، ومما يدل على ذلك أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يوفقهم عند الاحتضار بالتوبة، جزاءً وفاقاً على ما كانوا عليه من بدع في دين الله، يشرِّع من عند نفسه، ويأمر الناس بما لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فانظروا إلى خطر البدع، تضيع الفرائض، وتضيع حسن الخاتمة، ويأتي الإنسان وقد عمل كثيراً، ولكنه كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف:103] الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].أموال، وجهود، وأعمال، وخشوع، وبكاء، لكن ذلك لا ينفعهم، ولا يجدي شيئاً؛ لأن الله لم يجعل طريقاً إليه إلا اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.لا بد من وجود شرطين في أي عمل حتى يتقبله الله، وهما:-أن يكون خالصاً لوجه الله، وأن يكون صواباً وفق ما أنزل الله تعالى.
نصيحة للأمة
التوحيد التوحيد! والسنة السنة! من تمسك بها نجا، سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي سفينة نوح، من تمسك بها نجا، ومن حاد عنها غرق وهلك، وإن زعم أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، لا عاصم أبداً من عذاب الله، إلا باتباع سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا طريق إلى الله إلا باتباع سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].هذا هو الطريق الوحيد، فمن كان يَدَّعِيْ محبة الله، ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فليتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليقدم حبه على نفسه، وأهله، وماله، وولده، كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ووالده والناس أجمعين) فلا بد أن تكون محبة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الدرجة.والمحبة تتمثل في حب سنته وهديه، فمن والى الفجار، والعصاة، والكفار، فهذا لا يحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل يمكن أن يزعم أحد أنه يحب أحداً ما وهو يخالف طريقته، ويرد أمره، وينقض قوله؟ هذا لا يحبه، وهذه دعوى كاذبة، ولهذا قال تعالى في الآية التي تسمى آية المحنة، أو الفتنة، أو الابتلاء: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية، هكذا قال أكثر من واحد من السلف، فهذا هو المعيار: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فاتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الصراط المستقيم الذي ندعوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في كل ركعة من فريضة أو نافلة أن يثبتنا عليه، قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].وندعوه أن نكون على السنة القويمة، وألا نزيغ عنها على علم، أو نعبده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالجهل والضلال، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ولكم ذلك، ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يهدينا جميعاً الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن يوفقنا لسماع الحق وقبول واتباعه، وأن يجنبنا طريق أهل الأهواء والزيغ والبدع والضلال، إنه سميعٌ مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
 خطورة الابتداع في دين الله
ألم تعلم أن الله تعالى حرم الابتداع؟ فلا تطع فيه غير الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ألم تعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يشرعه ولا أذن به، ولا ارتضاه، ولا جعله طريقاً ولا وسيلة إليه؟ فلا تقبله من أي إنسان، لأنه بدعة، والبدعة تبعد ولا تقرب، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي روي من أكثر من طريق: {إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة}.نسأل الله العفو والعافية! إن الذي نسعى إليه وندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى دائماً ونرجوه هو أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن تكون آخر كلماتنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يوفقنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عند الموت للنطق بهذه الكلمة العظيمة، وأن يوفقنا في القبر لنجيب بالجواب الصحيح.أما أصحاب البدع فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحجز عنهم التوبة، ومما يدل على ذلك أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يوفقهم عند الاحتضار بالتوبة، جزاءً وفاقاً على ما كانوا عليه من بدع في دين الله، يشرِّع من عند نفسه، ويأمر الناس بما لم يشرعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فانظروا إلى خطر البدع، تضيع الفرائض، وتضيع حسن الخاتمة، ويأتي الإنسان وقد عمل كثيراً، ولكنه كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً [الكهف:103] الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104].أموال، وجهود، وأعمال، وخشوع، وبكاء، لكن ذلك لا ينفعهم، ولا يجدي شيئاً؛ لأن الله لم يجعل طريقاً إليه إلا اتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.لا بد من وجود شرطين في أي عمل حتى يتقبله الله، وهما:-أن يكون خالصاً لوجه الله، وأن يكون صواباً وفق ما أنزل الله تعالى.
الأسئلة

  وجوب العدل بين الزوجات
السؤال: ما رأيك في الرجل الذي يتزوج امرأتين ولا يعدل بينهما؟ ثم ما هي نصيحتك لأولئك الأخوات اللاتي حضرن ولأول مرة في هذا المسجد؟ الجواب: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من تزوج امرأتين ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل }.وقد أمر الله تعالى بالعدل وقال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، والعدل مطلوبٌ في كل شيء.وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { والمقسطون هم الذي يعدلون في أهليهم وما ولوا } أي: تولوا من الأعمال. فالعدل به تقوم السماوات والأرض، وعليه قامت، ويجب علينا جميعاً أن يكون العدل هو شأننا ودأبنا في جميع أمورنا، ولا سيما بين الزوجات، فيعدل فيما يملك، في المبيت، وفي النفقة، وفي الأمور الظاهرة التي بينها الشرع بالتفصيل، ولا يجب عليه -وهذا من فضل الله- أن يعدل فيما لا يملك، كأن يميل قلبه إلى إحداهن لكن لا يظهر أمام الأخرى ذلك، وإنما يجب أن يحرص على أن يظهر أمام كلٍ منهما على أنه يعامل الأخرى بالمثل، سواء بسواء، فإن كانت الأولى فلها حق العشرة السابقة، وإن كانت الأخرى فلها حق أنه تزوجها فرضيت به مع أن لديه زوجة.. وهكذا.فالمؤمن يجب أن تكون حياته بالعدل ما أمكن، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {سددوا وقاربوا} العدل عسير، لكنه ليس عسيراً على من سدد وقارب، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ييسره عليه، والنصيحة إلى هذا الأخ أن يتوب وأن يتقي الله، وكل من يفعل ذلك عليه أن يتقي الله تعالى في أهله ونفسه وما ولاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.وأما النصيحة إلى الأخوات فإنها لا تخرج عما ننصح به أنفسنا جميعاً، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، ودين الله عز وجل وكتابه وهدي نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو للمؤمنين وللمؤمنات معاً، وإن ورد الخطاب بصيغة الرجال أكثر، فهو لأنهم قوامون على النساء، والنساء لهم تبع في ذلك كله. فالذي أنصح به إخواني عامة ونفسي به أولاً: هو تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإنها وصية الله إلى الأولين والآخرين، كما قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وهي الوصية التي كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوصي بها أصحابه، وكان أصحابه يتواصون بها.والتقوى في حق الأخت المسلمة لها أمور تختلف عن الرجل؛ لأنها معرضة للفتنة، إما أن تُفتن وإما أن تَفتن؛ ولأنه يدار لها في هذا الزمان ويحاك لها مؤامرة خطيرة، يراد أن تتخذ المرأة المسلمة منفذاً لهدم المجتمع المسلم، ولهدم العقيدة الإسلامية، ولأن النساء هن أكثر أهل النار، كما ذكر ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما اطلع على النار، والنساء بلا شك أكثر عدداً من الرجال، ولعل من أسباب كونهن أكثر أهل النار: أنهن أكثر في العدد، وأيضاً لأنهن أكثر تعرضاً للفتنة وأكثر استجابةً لها.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الدين اتباع وليس ابتداعاً للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net