اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشرك قديماً وحديثاً للشيخ : سفر الحوالي


الشرك قديماً وحديثاً - (للشيخ : سفر الحوالي)
في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن أهمية التوحيد وفضله، محذراً من الشرك وخطره، وعواقبه, ومبيناً أوجه الاختلاف والشبه فيه قديماً وحديثاً، ثم أورد تقسيمات للشرك، موضحاً العقاب المترتب على كل نوع منها.
الشرك والتوحيد
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين, أما بعد:فإن مما كان ينبغي أن نتحدث عنه نماذج من حياة السلف الصالح ممن غلب عليهم جانب الرجاء أو عرفوا به؛ لنعرف الفرق بين الرجاء الإيماني الشرعي، وبين مجرد الغرور والأماني وترك الطاعة, لكن كما هو معلوم أن هذا الكتاب -شرح الطحاوية- مجموع من عدة كتب ونقول، وإضافات للمؤلف -رحمه الله تعالى- فنقصه شيء من الترتيب, وشيء من تجميع الموضوعات أو الجزئيات المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، فالرجاء مثلاً: تكلم عنه المصنف هنا, ثم أدخل فيه الأَسْبَابَ التي تسقط العقوبة ولها علاقة بالرجاء, ثم بعد ذلك أتبعه فقرة أخرى, وهي قوله: ''والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام'' فعاد فذكر الخوف والرجاء والمحبة أيضاً, وذكر كلاماً للهروي؛ فلذلك يحسن أن نؤخر بقية الكلام في الرجاء إلى حيث أخره المصنف رحمه الله في الفقرة القادمة إن شاء الله.وها هنا موضوع عظيم جداً، وهو وإن جاء به المصنف رحمه الله تعالى ضمن الكلام عن الرجاء, فإنه باب عظيم، بل إنه أعظم أبواب العقيدة كلها، وهو يستحق الحديث عنه لذاته دون أن يكون تابعاً لأي موضوع آخر, بل كل موضوع في العقيدة فهو تابع له، وهو معرفة الشرك وخطره وضرره، وبالمقابل معرفة التوحيد الذي هو حق الله تبارك وتعالى على العبيد.
 عواقب الشرك
فلما كان الشرك بالله منافياً بالذات لهذا المقصود، كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحَرَّمَ اللهُ الجنة على كل مشرك، وأباحَ دَمَه ومالَه لأهل التوحيد، فالذي رفض وأبى واستكبر أن يكون عبداً لرب العالمين يستحق من العقوبة أن يكون عبداً لمن يعبد رب العالمين.وهذا مما يدل على فضل التوحيد وأهله، وعلى إهانة الله تبارك وتعالى للشرك وأهله، فلا مُكرِم لهم, ولا قيمة لهم عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كائناً ما كان، وأما هذه المنظمات الدولية التي ترفع عقيرتها بالمناداة بحقوق الإنسان زاعمة أنه لارق في هذا القرن, ولم يعلموا لجهلهم أن أعظم الحقوق على الإطلاق هو حق الله على عباده بأن يُعبد وحده ولا يُشرك معه أحد, لأنه هو الذي من أجله خُلق الإنسان, ومن أجله قامت السماوات والأرض وبه قامت.. أما أن يكون من حقوق الإنسان -كما جاء في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان- أنه يجوز للإنسان أن يغير دينه كما يشاء, ولايحق لأحدٍ منعه؛ فهذا الميثاق إضاعة لأكبر وأعظم حق, وهو حق الله تبارك وتعالى.نعم أعطى الإسلام الحرية للإنسان ابتداءً في الدخول في هذا الدين لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] لكن بعد ذلك ليس له الرجوع عنه، وإن ارتد قُتل. فهذا الدين دين الحرية الحقة, الذي يحرر الإنسان من الشهوات, ومن عبادة الشيطان, ومن عبادة الأنداد والبشر والأحبار والرهبان والكهان والأباطرة وغير ذلك؛ ممن ادعى الربوبية أو الألوهية مع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهؤلاء لما تركوا القيام بعبودية الله, استحقوا أن يكونوا عبيداً لمن قام بحق العبودية لله وهم المؤمنون، ولذلك إذا ترك المؤمنون التوحيد, سُلِّط الكافرون عليهم عقوبةً لهم, ولأنهم عرفوا الحق وتركوه, وتنكبوا طريقه. يقول: ''وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملاً، أو أن يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها رجاء، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه نداً، وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه'' أعظم وأسوأ صفتين في الإنسان واحدة منها تكفي وإذا اجتمعتا فلا شر أكبر منهما، كما قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] غاية الجهل أن يجعل مع الله نداً، وغاية الظلم أن يسقط حق الله ويعطيه لغير الله -أي الشرك- فإذا اجتمع الظلم والجهل, فكل شر في الدنيا خَطَرَ على بَالِكَ فهو آت من قبل الظلم أو الجهل، فالمشرك جاهل بالله لأنه ما قدّر الله حق قدره ولهذا عَبَدَ معه غيره, وهو ظالم لنفسه أشد الظلم، لأنه يصرف حق الله الخالص ويعطيه لغيره من عبد مخلوق مثله فيكون كما قال فرعون وقومه: وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47] والمقصود أن أصل الشر والبلاء يأتي من قبل العابدين لا المعبودين من دون الله فهم أسماء سماها العابدون، ولم لم يعبدوهم ما كانوا شيئاً؛ فلو قال قوم فرعون لفرعون حين قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] لو قالوا: لا، أنت بشر مثلنا ما فعل شيئاً، فما بالك بالحجارة وغيرها، فالسبب العابدون، ولذا لا ينفعهم يوم القيامة أن يقولوا: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا [الأحزاب:67] لأنه لولا هذا الجاهل ما تفرعن المتفرعن.
أقسام الشرك
ثم يبين بعد ذلك أقسام الشرك يقول: ''الشرك شركان -وهذا من حيث الأصل- شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته, والآخر: شرك يتعلق بعبادته ومعاملته'' الأول: في أسمائه وصفاته وأفعاله، أي فيما هو من خصائصه تبارك وتعالى، أما الثاني: فهو في معاملته وفي عبادته، وفيما يتقرب العباد به إلى الله عز وجل، يقول: ''وإن كان صاحبه -يعني النوع الثاني من الشرك-.يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله'' ولذلك أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة وأشباههم ماذا يقولون في تعريف التوحيد؟ يقولون: التوحيد أن تعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، أي اعتقاد أنه واحد ليس مركباً ولا مبعضاً وليس اثنين ولا ثلاثة، وهو واحد في ذاته, واحد في أسمائه, واحد في صفاته, واحد في أفعاله، ومعلوم أن هذا ليس هو التوحيد, بل هذا جزء من التوحيد، ويجب أن يُكَمَّل بأن يُعْبَدَ وحده لا شريك له ويُتَقَرَّبَ إليه وحده لا شريك له, فيكون إخلاصك ورجاؤك ويقينك ومحبتك وإنابتك ورغبتك ورهبتك وصلاتك وصيامك وحجك ونذرك كله لله.
 شرك لا يغفر
ثم قال: ''هذا الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر'' الشرك في المعاملة والعبودية ينقسم إلى أكبر وأصغر، ومغفور وغير مغفور، ''النوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور'' النوع الأول شرك منه كبير، وشرك منه أكبر, ولا شيء منه أصغر، أما هذا النوع فمنه أكبر, كمن يصلي لغير الله أصلاً, أو كمن يكون رياؤه في أصل الدين، كالمنافقين الذين يشهدون أنه لا إله إلا الله رياءً، أما الذي يشهد أن لا إله إلا الله, وآمن بالله, وصدق بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالقرآن عن حق, فرياؤه في بعض عبادته: (في جهاده أو في صلاته أو في دعوته) فهذا يدخل في الكبائر, وقد يحبط العمل وقد لا يحبطه, وذلك بحسب قوته, وهذا الذنب مغفور, وليس معنى قولنا مغفور: أنه لا يؤاخذ عليه، كلا! بل نقصد أنه داخل تحت المشيئة؛ بخلاف الشرك الأكبر، فإن الله تعالى لا يغفره، ثم ذكر بعد ذلك شيئاً من أنواع هذا الشرك، مثل: شرك الألفاظ, وشرك الإرادات, وشرك النيات إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى مما بين به حقيقة هذا الذنب العظيم، نسأل أن يعافينا وإياكم والمسلمين من ذلك.والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشرك قديماً وحديثاً للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net