اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العبودية الصحيحة للشيخ : سفر الحوالي


العبودية الصحيحة - (للشيخ : سفر الحوالي)
الحرية المزعومة اليوم في عصرنا الحاضر ما هي إلا نداءات زائفة، وشعارات براقة، تهدف إلى هدم الدين، وتقويض أساسه، والتمرد على الشرع، والتجرؤ على ارتكاب الباطل، ومخالفة الحق. والحياة السعيدة لا تتحقق إلا بالعبودية لله سبحانه وتعالى بمعناها الصحيح الذي كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. وفي هذه المادة يبتدئ الشيخ بالتساؤل عن حقيقة الحرية في عصرنا الحاضر، ثم يبين المفهوم الصحيح لمعنى العبودية، وانحراف الناس عنه، موضحاً أن المخرج من هذا هو التمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.
المفهوم الصحيح للعبودية
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعــد:نقول لكم جميعاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."العبودية الصحيحة"، هذا العنوان قد يثير الانتباه، وقد يقال: نحن الآن في عصر العبودية أم في عصر الحرية؟ فنقول: نحن الآن في عصرٍ يدّعي أهله جميعاً شرقاً وغرباً أنه عصر الحرية!! ولم تبلغ دعوة الحرية في أي وقت من الأوقات، وفي أي قرن من القرون مثلما بلغت في هذا القرن.إنَّ هذه الحرية المدَّعاة والمزعومة التي يعيش العالم شرقاً وغرباً على أحلامها، وعلى أوهامها، بلغت بهم مبلغاً عظيماً، حتى إنك لو واجهت أحداً من هؤلاء وقلت له: إنك عبد، أو إنك تعيش في عبودية، لغضب منك ونفر أشد النفور؛ لأن التمرد على الله -عز وجل- والاستكبار عن عبادة الله -عز وجل- لم يبلغ في أي وقت من الأوقات، مثلما بلغ في هذا القرن المسمى "قرن الحضارة والرقي والتطور"!وهل العالم البشري فعلاً يعيش الآن في عصر الحرية أم في عصر العبودية؟ وإذا كان يعيش في عصر العبودية فما سر هذه العبودية؟ ولمن تُقدم هذه العبودية؟ وما هي العبودية الصحيحة البديلة التي يجب أن يتعبد البشر بها؟ ومن هو المعبود الأوحد الذي يجب أن تتجه إليه العبودية وحده لا شريك له؟ يجب أن نعلم أن هذه القضية ليست قضيتنا نحن المسلمين فقط، بل هي قضية العالم كله، هذا العالم المخدوع الذي يظن أنه في عصر الحرية، وهو مكبلٌ بأنواع العبوديات، وأغلالها، ولكنها جميعاً مع الأسف ليست لله عز وجل، وإنما هي عبوديات لأربابٍ من دون الله.فكيف نعرف حقيقة العبودية؟ وكيف نعرف أننا نعيش في قرن العبودية الأكبر؟ وكيف نعرف أن هذا العالم هو أبعد ما يكون عن الحرية الصحيحة؟ وأين نجد الحرية الصحيحة؟ وكيف نعرف العبودية الصحيحة؟!!إن مفهوم العبودية هو نفسه مفهوم العبادة، الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فهو الغاية من خلق الإنس والجن، فالغاية من وجود الثقلين هو عبادة الله، وهو العبودية الصحيحة لله تعالى، وقد شرَّف الله تبارك وتعالى أحب خلقه إليه وأعظمهم عنده، وهو رسولنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أعلى درجات التكريم بأن قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] قال (بِعَبْدِهِ ) في لحظة التكريم التي لم يبلغها أحد، إذ لم يبلغ أحد من البشر من التكريم إلى أن يرفعه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إليه، كما رُفع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الإسراء، ومع ذلك يقول الله تبارك وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1].فهذه غاية الأوصاف، وغاية الألقاب التي يحرص كثيرٌ من الناس على أن يضخموها، فأعظم لقب، وأشرف وصف اختاره الله عز وجل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أنه عبد، ونقول في الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إذاً: أعظم مقام، وأعظم رتبة، هي العبودية، فكلما تحققت فيك العبودية لله -عز وجل- أكثر، كلَّما كنت أعظم درجة، وأعلى رتبة، وهذا هو المعيار والميزان الصحيح.
 مفهوم العبودية عند الصحابة
إنَّ العبوديات كثيرة في هذا العصر، ولكننا نريد أن نستعرض أو نعرف كيف وقع الانحراف في العبودية في أذهان الأمة الإسلامية.كانت بداية الانحراف في أنَّ جيل الصحابة رضي الله عنهم الذي عرف حقيقة الإخلاص، وحقيقة العبودية، وبلغ الدرجة العليا في العبودية لله،لم يبق هو المعيار والقدوة، فجاءت أجيالٌ من بعده انحرفت في مفهوم العبودية، ولم تعرف ما هي العبودية الصحيحة، ولا كيف تقدم العبودية لله عز وجل.هذه الأجيال عندما جاءت ظنت أنَّ العبودية هي فقط أداء نوع من العبادات، فإذا أدَّاها وعمل بعدها ما عمل، أو أهمل في واجبه، أو ضيع في مسئولياته، أو أساء إلى إخوانه، أو أي شيء آخر، فلا شيء عليه مادام قد صلَّى، وحقق العبودية، هذا مما وقع فيه المسلمون ومما انحرفوا في فهمه، فلم يفهموا من العبودية إلا أنواعاً معينة، وتركوا أنواعاً أخرى.كان الصحابة رضي الله عنهم، كما يقول بعضهم: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)، فعندما ينام يحتسب هذه النومة هل هي عبادة؛ أم لا؟لأنه يستعين بها على الطاعة، وهي القيام لصلاة الفجر، فالحياة كلها عبادة، والعمر كله عبادة، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] فالحياة كلها عبادة لله عز وجل، وعمله كله ينصرف لله عز وجل، حتى اللقمة يضعها في فمِّ زوجته له بها أجر، وهي عبادة، حتى الرجل إذا أتى أهله، كما سأل الصحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) إذا عفَّ نفسه عن النظر إلى الحرام، وعن ارتكاب الحرام، وعفَّ هذه المسلمة التي بين يديه، فهي عبودية. وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفهمون العبودية بالمعنى العام الواسع الشامل، ولذلك لما حققوا العبودية لله، حقق الله تعالى لهم عبودية العالمين من ملوك الفرس، وملوك الروم، ونحن الآن في القرن العشرين، هناك دولتان تتحكمان في العالم وتسيطران على مقدرات العالم في الشرق وفي الغرب، وفي عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعهد الصحابة كان هناك دولتان أيضاً، فكان الفرس في الشرق، والروم في الغرب، وكل منهما يتحكم في العالم، وكان أضيع الشعوب على الإطلاق هم شعوب قبائل الجزيرة العربية، فلما جاء النور، وأنزل على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجاء الجيل الذي عرف العبودية لله، وحقق العبودية لله تعالى، جعل الله عز وجل ملوك هاتين الدولتين عبيداً لهؤلاء الأعراب، الذين كانوا أعراباً بالأمس، وخرجوا حفاة عراة، لماذا؟! اعبد الله حق عبادته يُسخِّر لك الله عز وجل كل شيء، حتى في عملك اليومي. إذا قمت في الصباح وجعلت الآخرة أكبر همك، جمع الله عز وجل همك، وأعطاك الخير وبارك لك، وإذا جعل الإنسان -والعياذ بالله- الدنيا أكبر همه، شتت الله همه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له.فهذا الجيل الذي تجرد لله -عز وجل- وحقق العبودية لله عز وجل أخضع الله له العالمين، ولذلك جيء بملوك الروم وملوك الفرس مقيدين بالسلاسل إلى هذه البلاد الجرداء الصحراء، جاءوا عبيداً لمن عبدوا الله عز وجل حق عبادته، فلما ضيَّع المسلمون عبوديتهم لله عز وجل، أصبحوا هم -كما هو واقعنا الآن- عبيداً لهؤلاء الكفار، وما أكثر ما أخذ من بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الانحراف في مفهوم العبودية
إنَّ الله عز وجل يقول: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] هذا كان جواباً للصحابة رضي الله عنهم لما انهزموا يوم أحد، فكيف بنا الآن، فإذا حققنا عبودية الله عز جل حقق الله لنا النصر على العالمين.
 نماذج من الانحراف العصري
سمعنا من كثير من الإخوة أنه تقوم مظاهرات في بعض الدول -التي هي إسلامية في الأصل- وتقول: ماو ماو رب الكادحين، أي كانوا يقولون: إن ماوستوق -هذا الزعيم الشيوعي الذي هلك- رب الكادحين، فتعطى الربوبية لهذا الفرد، فهنا ربوبية عصرية في حق هذا الرجل العصري الذي جاء بهذا المذهب الوضعي.هناك ربوبية أخرى يجعلها المتصوفة للشيخ، أو للقطب، أو للغيث، كما يسمونه، وهو أنه يشِّرع كما يشاء، حتى أن من يذنب ذنباً؛ لا بد أن يأتي إلى الشيخ ويستغفر له -والعياذ بالله- ويقول للشيخ: أنا تبت، فاستغفر لي يا شيخ، أو فاغفر لي يا شيخ والعياذ بالله.هذان النموذجان من العبودية: عبودية الأرباب الذين نصبوا أنفسهم آلهة من دون الله عز وجل، يُشرِّعون، ويُحللون، ويُحرمون، ويضعون المناهج للبشرية الضائعة، والعبودية الأخرى وهي عبودية الذين أرادوا أن يعبدوا الله، فعبدوه على ضلال، ويدَّعون أنهم أولياء لله، ويزعمون أنهم هم المقربون إلى الله، وأن ما عداهم أهل البدعة، وأهل الضلال.
المخرج من الانحراف في العبودية
إن العبودية المنحرفة تحيط بالشباب المسلم من كل ناحية، وتكتنفه من كل جهة، وليس هناك من حلٍ لهذا الشباب إلا أن يعرف العبودية الصحيحة التي عَبَدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه بها ربهم عز وجل.
 التوبة والرجوع إلى الله
فلنعد إلى العبودية الصحيحة، وهي ما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشرعه، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من التعبد لله عز وجل، وعبودية الجهاد في سبيل الله، وعبودية الإتقان في العمل، وعبودية إنكار المنكر؛ ولو أدى ذلك إلى التضحية؛ والخسارة -التي ظاهرها خسارة، وهي ربح أكبر- وعبودية الإحسان إلى الأهل بإعانتهم على تقوى الله ونصحهم عليها، وعبودية المعاملة بالحسنى مع إخواننا المسلمين، وعبودية الأمانة في كل شيء، وعبودية معرفة المسئولية كما في الحديث:{كلكم راع وكل راعٍ مسؤول عن رعيته} إن كنت مدرساً أو كنت قائداً، أينما كنت فأنت مسئول، ولذلك الجيل الذي فتح العالم، كان نوعاً فريداً؛ لأنه حقق العبودية لله عز وجل، كان قائد الجيش أول من يتقدم في المعركة، وكان في سبيل الله ولله، وكان الجيش يطيعه أيضاً؛ لأنها كلها لله، وفي سبيل الله، فلو أن كلاً منا جعل هذا الجيل الفريد قدوته، ونظر إلى نفسه، وقال: هل أنا أعمل لله؟هل أؤدي هذا العمل في سبيل الله عز وجل؟وهل أعامل من ولاني الله عز وجل أمره، أعامله لله، وفي ذات الله، وفي سبيل الله؟لا بد أن نتفكر في هذا، وإلا قد نُسأل ونفاجئ، ويأتي الموت، وحينئذٍ لا يملك الإنسان الاعتذار، وما هذه الحياة الدنيا؛ إذا جاء الموت ووافى الأجل، إلا كالحلم الذي ينقضي، فيفيق الإنسان، ويقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] فيقال له: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100] انتهى الأمر، لا ينفع تمني العودة؛ لأن الله عز وجل يقول: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] فأعطانا الله تعالى العمر، وأعطانا التذكر، والتدبر، وخاصة ونحن -الحمد لله- على مستوى من العلم، والموعظة، وسماع الذكر، وقراءة القرآن، ولسنا كإخواننا المسلمين في إفريقيا، الذين يعيشون في مجاعة وتشرد وتعب، أو في أطراف الهند. نحن -والحمد لله- هنا بجوار الحرمين، والعلم عندنا، والقرآن بين أيدينا وبلغتنا، فكيف نُعِرْضُ عنه؟ وإن لم نطبقه نحن، وإن لم نحقق ما جاء به ونحقق العبودية لله عز وجل، فأي شعب نتوقع أن يحققها؟ وإن لم نتمثلها نحن كإخوة مدنيين وعسكريين وموظفين وطلاب، فمن نتوقع أنه يحقق هذا الدين؟ والله عز وجل قد توعد وعيداً شديداً قاطعاً، فقال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] وقد حصل هذا عندما ترك العرب هذا الدين وتخاذلوا، وعبدوا المناصب والدنيا؛ فجاء الأتراك وفتحوا العالم، ثم جاء الهنود، وجاءت الشعوب وتولت أمر المسلمين، وفتح الله بها العالم.فيجب أن نعي هذه الحقيقة، ويجب أن نتدبرها، وأن نتفكرها جميعاً، وأن نعظ أنفسنا أولاً، ونعظ إخواننا ومن نستطيع بها، وأن نعتبرها واجباً فردياً عينياً علينا جميعاً، أن نذكر أنفسنا بما أمر الله وبما أنزل الله تبارك وتعالى.نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يحققون العبودية الخالصة الصحيحة لله عز وجل.
الأسئلة

  وصية
السؤال: فضيلة الشيخ: هل من وصية أخيرة تقدمونها للمستمعين؟الجواب: ليس هناك من كلمة إلا ما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] فنوصيكم وأنفسنا جميعاً بتقوى الله عز وجل ومراقبة أمره ونهيه، والائتمار بأمره، والوقوف عند حدوده، ونسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يغفر لنا ولكم الزلل والتقصير وسهو اللسان، وسهو العمل، ويرحمنا برحمته، ويجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً إنه سميعٌ مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العبودية الصحيحة للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net