اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحاديث الآحاد في العقيدة للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني


أحاديث الآحاد في العقيدة - (للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني)
نزل القرآن باللغة العربية، واشتمل على نصوص واضحة الدلالة، ثم تأثرت عقول بعض المسلمين بعلم الكلام والفلسفة؛ فصعب على تلك العقول فهم الشرع على ظاهره، فجعلوا قواعد ومصطلحات تهدم الدين.وفي هذه المادة يتحدث الشيخ رحمه الله عن بعض هذه الانحرافات، ذاكراً منها در أحاديث الآحاد في العقيدة واشتراط التواتر في أخبارها، وتصدى لمناقشة هذه الفكرة والرد عليها وتزييفها وبيان بطلانها.
حكم بيع التقسيط وارتباطه ببيع العينة
السؤال: ...............................................الجواب: لا يجوز في الإسلام، ولو أنكم تنبهتم لتعريفي لبيع العينة لعرفتم أن جواب هذا في نفس هذا التعريف؛ لأنه (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، و(ما لا تكون المعصية إلا به فهو معصية).بيع العينة الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام مصيبة من مصائب الأمة، إذا أصابتهم ذلوا، وهو قائم على بيع التقسيط، ويحتاج إلى مزيد شرح وبيان.بيع التقسيط هو المقدمة الأولى والأخيرة لبيع العينة؛ لأن هذا الذي يريد ذاك القرض بالربا، لا أحد يقرضه قرضاً حسناً مع الأسف الشديد، وهذا من تفكك عرى الأمة الإسلامية؛ وذلك بسبب ابتعادها عن الشريعة المحمدية، ولأنه يحتاج المال ولا أحد يقرضه، وهو لا يريده عن طريق الحرام في حد زعمه، فالشيطان يسول له أن هذه طريقة تحصل فيها على القرض ولو بطريق الربا، ويزعمون أنهم يخلصونه من الربا بصورة بيع وشراء، فهذا المستقرض عندما يأتي إلى التاجر ويقول له: هذه السيارة بكم؟ فيقول له التاجر: تريدها نقداً أو بالتقسيط؟ والمشتري جاء وجيبه أفرغ من فؤاد أم موسى! ليس معه ريال، ولهذا يجيبه قائلاً: بل بالتقسيط، فيقول له: بالتقسيط بمائة دينار، بألف دينار، بألفي دينار، فيقول له: سأشتري إذاً! البائع لما سأله: بالنقد أو بالتقسيط؟ وضع سعر التقسيط زائداً (2%) أو (5%) طمعهم وجشعهم، فهذا لما وافق على التقسيط أعطاه السعر زيادة على النقد، ومن هنا جاء بيع العينة؛ لأنه سوف يرجع المشتري ويقول للبائع: هذا الذي اشتريته أنا منك بألف دينار، من الممكن أن تشتريه مني بأقل من السعر، ولأنه يعرف مدى حاجته للمال، فيقول صاحب السلعة الأولى: نعم، فكانت هذه صورة لبيع العينة. مثلما ذكرنا آنفاً، فبيع العينة المحذر عنه في هذا الحديث قائم على بيع التقسيط.فإذاً: لا يمكن إقامة هذا الربا المحرم الذي هو بيع العينة إلا في مقدمة بيع التقسيط، ومع ذلك فهناك أحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، تنهى نهياً صريحاً عن بيع التقسيط الذي ابتلي به المسلمون لسببين، وهما نفس السببين المذكورين في الحديث: أحدهما: التكالب على الدنيا، فتراه حريصاً على جمع المال، ولا يسأل أمن حلال أو حرام؟ وإنما يريد مصاريف .. يريد أن يشتري .. يريد أن يربح.. يريد .. يريد .. إلخ.السبب الثاني: يحتالون على الشرع، يقول لك أحدهم: هذا بيع يا أخي! بيع التقسيط. لكن الرسول يقول: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، وفي حديث آخر: (نهى عن بيعتين في بيعة)، وفي لفظ: (.. عن صفقتين في صفقة)، قيل لراوي الحديث وهو سماك بن حرب من التابعين: [ما معنى نهى عن بيعتين في بيعة؟ قال: أن أبيعك هذا نقداً بكذا ونسيئةً بكذا وكذا]، هذا هو بيع التقسيط اليوم تماماً.والرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الأول، بين أن الزيادة التي يأخذها التاجر مقابل الشرط على أخيه المسلم في الوفاء، بسبب بيع التقسيط بيع ربا؛ لأنه قال: (من باع بيعتين في بيعة) أي: من عرض بيعتين، وفي النهاية لو قلب البيعتين إلى بيعة إما تقسيطاً وإما نقداً .. (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما -أي: أنقصهما سعراً وثمناً- أو الربا) إن أخذ الزيادة، أي أنه قال: هذا نقداً بمائة وتقسيطاً بمائة وعشرة، فإذا أخذ مائة وعشرة مقابل التقسيط فالعشرة ربا، هذا في نص حديث الرسول عليه الصلاة والسلام.فيا أخي! إن مصيبتنا اليوم نحن المسلمين مصيبة لا يحلها أو لا يقدر عليها إلا الله عز وجل!! لكن: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105] .
 

توجيه حديث الجارية (... أين الله؟)
السؤال: حديث الجارية: (... أين الله؟ قالت: في السماء). هل هو جواب عن فرضية مكان أو فرضية مكانة؟الجواب: ليس هذا ولا هذا، أي: إن الجواب ليس عن سؤال مكانة ولا عن مكان.أما أنه ليس سؤالاً عن المكانة؛ فلأن مكانة الله المعنوية معروفة لدى كل المسلمين بل حتى الكافرين. وأما أنه ليس سؤالاً عن المكان فذلك؛ لأن الله عز وجل ليس له مكان.وفي الواقع أنا أشعر أن هذا السؤال من أخ مسلم يعتبر محاضرة، والسبب أنكم لا تسمعون هذه المحاضرات، وإنما تسمعون محاضرات في السياسة والاقتصاد، لدرجة أن كثيراً منكم ملَّ من تكرارها، أما محاضرات في صميم التوحيد، كالمحاضرة التي ستسمعونها الآن، مع أني مضطر إلى أن أختصر في الكلام؛ لأنه حان وقت الانصراف، لكن لابد مما لابد منه، فهذا السؤال يحتاج إلى محاضرة، لكن نقول:إن الله منزه عن المكان باتفاق جميع علماء الإسلام، لماذا؟لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي في صحيح البخاري عن عمران بن حصين : (كان الله ولا شيء معه)، ولا شك أن المكان هو شيء، أي: هو شيء وجد بعد أن لم يكن، وإذا قال الرسول: (كان الله ولا شيء معه) معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه الحقيقة متفق عليها.
 معنى (في السماء)
إذاً: ما المعنى الصحيح للفظة (في السماء)؟ السماء لها معانٍ في اللغة لا نتفلسف كثيراً بذكرها، لكن من هذه المعاني: السماء الدنيا الأولى، والثانية، و... إلخ، ومن هذه المعاني: العلو المطلق، كل ما علاك فهو سماء، فالسماء الأولى والثانية هذه أجرام مخلوقة، فإذا قلنا: الله في السماء، معناه حصرناه في مكان، وقد قلنا: إنه منزه عن المكان، إذاً: كيف نفهم؟ الجواب من الناحية العلمية: (في) في اللغة ظرفية، فإذا أبقيناها على بابها وقلنا: الله في السماء، وجب تفسير السماء بالعلو المطلق، أي: الله فوق المخلوقات كلها حيث لا مكان، بهذه الطريقة آمنا بما وصف الله عز وجل به نفسه بدون تشبيه وبدون تعطيل.فإن التشبيه أن أقول: كما أنا في هذا المكان، وحاشاه! والتعطيل أن نقول كما تقول المعطلة : الله ليس في السماء، وإذا كان ربك يقول: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] وأنت تقول: ليس في السماء، هذا هو الكفر.هذا معنى الآية فيما إذا تركنا (في) على بابها.أحياناً في اللغة العربية تقوم أحرف الجر بعضها مكان بعض، فـ (في) هنا ممكن أن تكون بمعنى (على)، فحينئذً: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] أي: من على السماء، فتكون السماء في الآية بمعنى الأجرام التي خلقها ربنا تعالى، فهو عليها وفوقها، وليس في شيء منها؛ لأنه منزه عن المكان، هذه هي عقيدة السلف، ومن أجل ذلك نحن ندعو المسلمين إلى أن يرجعوا إلى عقيدة السلف وإلى منهج السلف حتى يستقيموا على الجادة، وحتى يصدق فيهم أنهم رجعوا إلى الوصفة الطبية النبوية، التي جعلها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وصفة لخلاص المسلمين من الذل الذي ران ونزل عليهم (... حتى ترجعوا إلى دينكم)، فالرجوع الرجوع معشر المسلمين جميعاً إلى الله وإلى كتابه وإلى حديث نبيه وعلى منهج السلف الصالح! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مفهوم العقيدة ودلالة أحاديث الآحاد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .أما بعد:فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.المقصود من العقيدة في اصطلاح العلماء هو: (كل خبر جاء عن الله أو رسوله، يتضمن خبراً غيبياً لا يتعلق به حكمٌ عمليٌ شرعاً).هو كل خبر جاء عن الله أو رسوله، يتضمن خبراً غائباً عنا وعن عقولنا باعتبارنا بشراً لا نعلم الغيب، وليس معه حكمٌ شرعي عملي، أما إذا كان الخبر المشار إليه كتاباً أو سنة فيه حكم عملي، فهذا لا يَصُفّونَه في صَفّ العقائد، وإنما يحشرونه في صف الأحكام الشرعية، هذا هو الاصطلاح.
 الرد على من رد حديث الآحاد في العقيدة
نقول لهم: أولاً: قولكم: إن حديث الآحاد لا يعطي يقيناً؛ هذا لا دليل عليه إلا ظنهم، ليس عندهم دليل من الكتاب والسنة إطلاقاً بأن حديث الآحاد لا يعطي اليقين، وإنما يفيد الظن، فإن من أحاديث الآحاد في اصطلاح علماء الحديث الذي يرويه الرجلان والثلاثة، تتسلسل الرواية هكذا، بمعنى: إذا فرضنا حديثاً رواه ثلاثة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ..أبو بكر وعمر وعثمان، أو غيرهم من الصحابة، ثم روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات التابعين، كـسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود بن يزيد وغيرهم، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات أتباع التابعين، من الذي يقول: إن هذا الحديث لا يفيد اليقين، وما الدليل على ذلك؟ وهو حديث آحاد، ثلاثة من الصحابة حفاظ لاشك عندنا في صدقهم أولاً، ولاشك عندنا في ضبطهم وحفظهم ثانياً، ثم ننتقل إلى الطبقة التي تلي هؤلاء من التابعين، ثم إلى الذين يلونهم، كلهم موصوفون بأنهم ثقات وحفاظ، من الذي يقول: إن هؤلاء إذا اتفقوا على رواية حديث بدون تمالؤٍ بينهم -أي: بدون تواطؤ- إنما مجرد تلاق، أي: أن فلاناً من الصحابة يقول: سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: وأنا سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: سمعت الرسول، ثم تابعي عن هذا وتابعي عن هذا .. وهكذا، فهذا الحديث عند علماء الاختصاص في الحديث يقولون: هذا الحديث يفيد اليقين؛ لأنه يستحيل عادةً مثل هؤلاء الثلاثة -وليس عددهم عدد التواتر- تواطؤهم عن الكذب، بل هناك حديث آحاد بالمعنى اللغوي، أي: ما رواه إلا فرد واحد، أما المثال السابق فهو حديث آحاد في الاصطلاح، وأما لغةً فقد رواه ثلاثة.الآن نأتي إلى حديث رواه فرد واحد من الصحابة وإسناده صحيح، لكنه اقترن به قرينة، وهي أن الأمة كلها تلقت هذا الحديث بالقبول، فلم يوجد فيهم -أولاً- من طعن فيه، ولم يوجد فيهم -ثانياً- من أعرض عنه ولو برد العمل به بعلة قادحة فيه، وإنما كلهم سلموا به، والذين لم يأخذوا به قالوا: عندنا ما هو أقوى منه، ولم يقولوا: حديث ضعيف، وإنما قالوا: عندنا ما هو أقوى منه دلالة من الناحية الأصولية، فمع أن هذا الحديث لم تجمع الأمة على الأخذ به، لكن الأمة مع ذلك تلقته بالقبول، حتى الذين لم يأخذوا به قدموا عذرهم في عدم الأخذ به.مثلاً: الأحناف لا يأخذون بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، لكن لا يرفضونه بل يقولون: هذا حديث آحاد، وحديث الآحاد إذا عارض ظاهر القرآن لا يؤخذ به عندهم، ما قالوا: هذا حديث غير صحيح، فإذاً: هذا حديث يقال: تلقته الأمة بالقبول، وأنكر السلف بالعمل به، هذا النوع من الحديث وهو فرد غريب يقول علماء الحديث بأنه يفيد اليقين.إذاً: ليس هناك أدلة في الكتاب والسنة على أن الإنسان في حل من ألا يأخذ بالحديث الصحيح؛ لا لشيء إلا لأنه آحاد، وهذا بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة العامة، فإنه يخالف أيضاً هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وسلف الأمة، أما هديه عليه الصلاة والسلام فنعرف يقيناً أنه كان يرسل أفراداً إلى أشخاص من الملوك والرؤساء، أو إلى قبائل، كما فعل بالنسبة إلى علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل حينما أرسلهم إلى اليمن، وأرسل أفراداً آخرين كـدحية -مثلاً- بكتابه إلى ملك الروم، ونحو ذلك، فكل هذه أدلة عملية من الرسول عليه الصلاة والسلام يصدق هذا المفهوم الصحيح، أنه لا فرق أبداً بين حديث عقيدة أو حديث أحكام؛ لأن الراوي فرد، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل أولئك الرسل، نعلم بالضرورة أنه أرسلهم إلى أقوام ليفقهوهم في الدين، ويبلغوهم أيضاً ما تعلموه من الرسول عليه الصلاة والسلام، فنحن نعلم يقيناً أن معاذ بن جبل بلغهم العقائد، بلغهم بمعنى: أوضح الأحاديث التي سمعها من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي على القسمين السابقين:قسم منها فيها عقائد محضة، وقسم منها فيها أحكام مع عقائد.فهل قامت الحجة بإرسال الرسول عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الأفراد ليعلموا أولئك الأقوام دينهم؟نحن نقول جازمين: إن الحجة قد قامت عليهم، وأنه لا يمكن أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم فرداً لا يصلح لإقامة الحجة على أولئك الأقوام، الذين هم بحاجة إلى أن يقتنعوا بكلام الوسيط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فـمعاذ وأبو موسى وغيرهم من الصحابة قد بلغوا أولئك الناس الإسلام الذي فهموه من الرسول عليه الصلاة والسلام وتلقوه عنه، وقامت الحجة بذلك؛ لأنه يستحيل أن يرسل الرسول عليه الصلاة والسلام من لا تقوم الحجة به، كما لو قيل: إن دحية لما ذهب إلى هرقل لا تقوم الحجة به؛ لأنه فرد، وخبر الفرد لا تقوم به الحجة إلا في الأحكام الشرعية، مع العلم بأن معاذاً وأمثاله إنما بلّغوا الشريعة بكاملها؛ عقيدة وأحكاماً شرعية.لذلك بالإضافة لتلك النصوص العامة لا يجوز للمسلم أن يفرق يبن حديث وحديث، وأن يجيز لنفسه رد حديث بمجرد أن فيه أمراً غريباً غيبياً.مثلاً: حديث عذاب القبر الوارد عن ابن عباس رضي الله عنه، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنـزه من البول ...) إلى آخر الحديث، الشاهد فيه: قال: (أما إنهما ليعذبان) وهم من هذه الأمة المكلفين وليسوا من الكفار، لكن ذنبهم أن أحدهما كان يسعى بالنميمة، والآخر كان لا يتحفظ من مساس البول، فكان يصيب بدنه وثوبه هذه النجاسة، فعذب على ذلك كل منهما في القبر .. هذا أمر غيبي هل يصدق بعذاب القبر أم لا؟ فلسفة سابقة تقول: لا؛ لأن هذا حديث آحاد، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما حدث بهذا الحديث سمعه ابن عباس، ماذا كان موقفه؟آمن به بلا شك ولا ريب، فـابن عباس حينما حدث التابعي به ماذا كان موقف التابعي تجاهه؟هو نفس موقف ابن عباس تجاه نبيه، وهكذا تسلسل العمل بالحديث بين الرواة بدون فلسفة التفريق بين العقيدة وبين الأحكام، ولذلك نحن ندعو دائماً وأبداً إلى أن نتفهم شريعتنا على طريقة السلف الصالح، فـالسلف الصالح من جملة طريقتهم وهديهم أن يتلقوا أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يؤمنوا بها وأن يصدقوا بها؛ سواءً كانت في الأحكام أو في العقائد.ومن شاء أن يوجه سؤالاً حول هذا البحث، سواء كان سؤالاً توضيحياً أو سؤالاً استشكالياً؛ لأنه عندي لا فرق بين عقيدة وأخرى، سواءً كانت مفهومة عند البعض أو مجهولة عند الآخرين، فالآخرون يجب أن يتعلموا، والذين قد علموا يجب عليهم أن يبلغوا، ونحن نعتقد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين كانوا يحضرون مجالسه العلمية، لم يكونوا كلهم في نسبة واحدة في الثقافة الشرعية، ونعلم أن أبا بكر وأمثاله من كبار الصحابة كانوا يسمعون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام مراراً وتكراراً؛ لأنهم كانوا يحدثون أقواماً بما لم يسمعوا من قبل، فيكون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لبعض الناس تكراراً، وبالنسبة للآخرين ابتداءً، فيجب على الأولين أن يتحملوا هذا التكرار ثم لا يذهب ذلك عليهم سدى؛ لأن التكرار يركز بالمفاهيم في الأذهان، وأنا على يقين بأن الذين سمعوا هذا البحث مرة أو مرتين، لا يستطيعون أن يعلنوه إذا ابتلوا بأناس من علماء الكلام، من الذين تأثروا بهذه الفلسفة التي ليست من الإسلام في شيء، فإذاً: عليهم أن يصبروا إذا ما سمعوا التكرار في مثل هذا الموضوع، وأن هذا له علاقة بالعقيدة، والعقيدة يجب التثبت فيها ومعرفة أدلتها وطريقة مجادلة المخالفين فيها أكثر من الأحكام عند أولئك الناس الذين يفرقون بينها، أما نحن فالشريعة عندنا كلها عقيدة، وإذا لم تحمل ولم تقبل على العقيدة فلا فائدة من هذه الأحكام التي خلت من العقيدة، وهذا ما لا يقوله مسلم، لهذا أقول: من كان له سؤال فليتفضل.
حكم النية في تمييز العمل
السؤال: إذا أراد الإنسان أن يعمل عملاً فهل يستحضر حكم هذا العمل، كالسلام من صلاة الصبح أو من سنة الصبح، أم أنه يعتبر سنة لأنه من شعائر الإسلام؟ الجواب: يجب أن تعرف أنه كما لا يجوز أن تحط من الحكم، مثلاً: هو فرض فتنزل به إلى مرتبة السنة، وتعمل به على أنه سنة، كذلك لا يجوز أن ترفع من شأن الحكم، فإذا كان سنة وأنت ترفعه وتجعله في مقام الفريضة، فلا يجوز لا هذا ولا هذا أبداً، فالسلام عندما تسلم كالصلاة التي تصليها، عندما تصليها فأنت تستحضر في نفسك أن هذه الصلاة ليست فريضة، وإنما هي سنة الفجر كما قلت. وهذا يكفي.كذلك لما تقول لأخيك المسلم: السلام عليكم، أنت تؤسس في نفسك أن هذا السلام واجب، أو -لا سمح الله- إذا كنت تعتقد أنه سنة كما يظن البعض فتكون مخطئاً، فيكفي أن تقول: السلام عليكم، وأنت على علم بأن هذا من الواجب، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر به.السؤال: ألا يعد فعله هذا من شعائر الإسلام؟الجواب: لا، لا يجوز، أليست الصلوات الخمس من شعائر الإسلام؟ أليس الأذان من شعائر الإسلام؟
 الرد على من رد حديث الآحاد في العقيدة
نقول لهم: أولاً: قولكم: إن حديث الآحاد لا يعطي يقيناً؛ هذا لا دليل عليه إلا ظنهم، ليس عندهم دليل من الكتاب والسنة إطلاقاً بأن حديث الآحاد لا يعطي اليقين، وإنما يفيد الظن، فإن من أحاديث الآحاد في اصطلاح علماء الحديث الذي يرويه الرجلان والثلاثة، تتسلسل الرواية هكذا، بمعنى: إذا فرضنا حديثاً رواه ثلاثة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ..أبو بكر وعمر وعثمان، أو غيرهم من الصحابة، ثم روى هذا الحديث عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات التابعين، كـسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود بن يزيد وغيرهم، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثة من ثقات أتباع التابعين، من الذي يقول: إن هذا الحديث لا يفيد اليقين، وما الدليل على ذلك؟ وهو حديث آحاد، ثلاثة من الصحابة حفاظ لاشك عندنا في صدقهم أولاً، ولاشك عندنا في ضبطهم وحفظهم ثانياً، ثم ننتقل إلى الطبقة التي تلي هؤلاء من التابعين، ثم إلى الذين يلونهم، كلهم موصوفون بأنهم ثقات وحفاظ، من الذي يقول: إن هؤلاء إذا اتفقوا على رواية حديث بدون تمالؤٍ بينهم -أي: بدون تواطؤ- إنما مجرد تلاق، أي: أن فلاناً من الصحابة يقول: سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: وأنا سمعت الرسول، وصحابي آخر يقول: سمعت الرسول، ثم تابعي عن هذا وتابعي عن هذا .. وهكذا، فهذا الحديث عند علماء الاختصاص في الحديث يقولون: هذا الحديث يفيد اليقين؛ لأنه يستحيل عادةً مثل هؤلاء الثلاثة -وليس عددهم عدد التواتر- تواطؤهم عن الكذب، بل هناك حديث آحاد بالمعنى اللغوي، أي: ما رواه إلا فرد واحد، أما المثال السابق فهو حديث آحاد في الاصطلاح، وأما لغةً فقد رواه ثلاثة.الآن نأتي إلى حديث رواه فرد واحد من الصحابة وإسناده صحيح، لكنه اقترن به قرينة، وهي أن الأمة كلها تلقت هذا الحديث بالقبول، فلم يوجد فيهم -أولاً- من طعن فيه، ولم يوجد فيهم -ثانياً- من أعرض عنه ولو برد العمل به بعلة قادحة فيه، وإنما كلهم سلموا به، والذين لم يأخذوا به قالوا: عندنا ما هو أقوى منه، ولم يقولوا: حديث ضعيف، وإنما قالوا: عندنا ما هو أقوى منه دلالة من الناحية الأصولية، فمع أن هذا الحديث لم تجمع الأمة على الأخذ به، لكن الأمة مع ذلك تلقته بالقبول، حتى الذين لم يأخذوا به قدموا عذرهم في عدم الأخذ به.مثلاً: الأحناف لا يأخذون بحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، لكن لا يرفضونه بل يقولون: هذا حديث آحاد، وحديث الآحاد إذا عارض ظاهر القرآن لا يؤخذ به عندهم، ما قالوا: هذا حديث غير صحيح، فإذاً: هذا حديث يقال: تلقته الأمة بالقبول، وأنكر السلف بالعمل به، هذا النوع من الحديث وهو فرد غريب يقول علماء الحديث بأنه يفيد اليقين.إذاً: ليس هناك أدلة في الكتاب والسنة على أن الإنسان في حل من ألا يأخذ بالحديث الصحيح؛ لا لشيء إلا لأنه آحاد، وهذا بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة العامة، فإنه يخالف أيضاً هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وسلف الأمة، أما هديه عليه الصلاة والسلام فنعرف يقيناً أنه كان يرسل أفراداً إلى أشخاص من الملوك والرؤساء، أو إلى قبائل، كما فعل بالنسبة إلى علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل حينما أرسلهم إلى اليمن، وأرسل أفراداً آخرين كـدحية -مثلاً- بكتابه إلى ملك الروم، ونحو ذلك، فكل هذه أدلة عملية من الرسول عليه الصلاة والسلام يصدق هذا المفهوم الصحيح، أنه لا فرق أبداً بين حديث عقيدة أو حديث أحكام؛ لأن الراوي فرد، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسل أولئك الرسل، نعلم بالضرورة أنه أرسلهم إلى أقوام ليفقهوهم في الدين، ويبلغوهم أيضاً ما تعلموه من الرسول عليه الصلاة والسلام، فنحن نعلم يقيناً أن معاذ بن جبل بلغهم العقائد، بلغهم بمعنى: أوضح الأحاديث التي سمعها من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي على القسمين السابقين:قسم منها فيها عقائد محضة، وقسم منها فيها أحكام مع عقائد.فهل قامت الحجة بإرسال الرسول عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الأفراد ليعلموا أولئك الأقوام دينهم؟نحن نقول جازمين: إن الحجة قد قامت عليهم، وأنه لا يمكن أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم فرداً لا يصلح لإقامة الحجة على أولئك الأقوام، الذين هم بحاجة إلى أن يقتنعوا بكلام الوسيط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فـمعاذ وأبو موسى وغيرهم من الصحابة قد بلغوا أولئك الناس الإسلام الذي فهموه من الرسول عليه الصلاة والسلام وتلقوه عنه، وقامت الحجة بذلك؛ لأنه يستحيل أن يرسل الرسول عليه الصلاة والسلام من لا تقوم الحجة به، كما لو قيل: إن دحية لما ذهب إلى هرقل لا تقوم الحجة به؛ لأنه فرد، وخبر الفرد لا تقوم به الحجة إلا في الأحكام الشرعية، مع العلم بأن معاذاً وأمثاله إنما بلّغوا الشريعة بكاملها؛ عقيدة وأحكاماً شرعية.لذلك بالإضافة لتلك النصوص العامة لا يجوز للمسلم أن يفرق يبن حديث وحديث، وأن يجيز لنفسه رد حديث بمجرد أن فيه أمراً غريباً غيبياً.مثلاً: حديث عذاب القبر الوارد عن ابن عباس رضي الله عنه، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال: (أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنـزه من البول ...) إلى آخر الحديث، الشاهد فيه: قال: (أما إنهما ليعذبان) وهم من هذه الأمة المكلفين وليسوا من الكفار، لكن ذنبهم أن أحدهما كان يسعى بالنميمة، والآخر كان لا يتحفظ من مساس البول، فكان يصيب بدنه وثوبه هذه النجاسة، فعذب على ذلك كل منهما في القبر .. هذا أمر غيبي هل يصدق بعذاب القبر أم لا؟ فلسفة سابقة تقول: لا؛ لأن هذا حديث آحاد، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما حدث بهذا الحديث سمعه ابن عباس، ماذا كان موقفه؟آمن به بلا شك ولا ريب، فـابن عباس حينما حدث التابعي به ماذا كان موقف التابعي تجاهه؟هو نفس موقف ابن عباس تجاه نبيه، وهكذا تسلسل العمل بالحديث بين الرواة بدون فلسفة التفريق بين العقيدة وبين الأحكام، ولذلك نحن ندعو دائماً وأبداً إلى أن نتفهم شريعتنا على طريقة السلف الصالح، فـالسلف الصالح من جملة طريقتهم وهديهم أن يتلقوا أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يؤمنوا بها وأن يصدقوا بها؛ سواءً كانت في الأحكام أو في العقائد.ومن شاء أن يوجه سؤالاً حول هذا البحث، سواء كان سؤالاً توضيحياً أو سؤالاً استشكالياً؛ لأنه عندي لا فرق بين عقيدة وأخرى، سواءً كانت مفهومة عند البعض أو مجهولة عند الآخرين، فالآخرون يجب أن يتعلموا، والذين قد علموا يجب عليهم أن يبلغوا، ونحن نعتقد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين كانوا يحضرون مجالسه العلمية، لم يكونوا كلهم في نسبة واحدة في الثقافة الشرعية، ونعلم أن أبا بكر وأمثاله من كبار الصحابة كانوا يسمعون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام مراراً وتكراراً؛ لأنهم كانوا يحدثون أقواماً بما لم يسمعوا من قبل، فيكون حديث الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لبعض الناس تكراراً، وبالنسبة للآخرين ابتداءً، فيجب على الأولين أن يتحملوا هذا التكرار ثم لا يذهب ذلك عليهم سدى؛ لأن التكرار يركز بالمفاهيم في الأذهان، وأنا على يقين بأن الذين سمعوا هذا البحث مرة أو مرتين، لا يستطيعون أن يعلنوه إذا ابتلوا بأناس من علماء الكلام، من الذين تأثروا بهذه الفلسفة التي ليست من الإسلام في شيء، فإذاً: عليهم أن يصبروا إذا ما سمعوا التكرار في مثل هذا الموضوع، وأن هذا له علاقة بالعقيدة، والعقيدة يجب التثبت فيها ومعرفة أدلتها وطريقة مجادلة المخالفين فيها أكثر من الأحكام عند أولئك الناس الذين يفرقون بينها، أما نحن فالشريعة عندنا كلها عقيدة، وإذا لم تحمل ولم تقبل على العقيدة فلا فائدة من هذه الأحكام التي خلت من العقيدة، وهذا ما لا يقوله مسلم، لهذا أقول: من كان له سؤال فليتفضل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحاديث الآحاد في العقيدة للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

http://audio.islamweb.net