اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أمثال القرآن للشيخ : سعيد بن مسفر


من أمثال القرآن - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن ضرب الأمثال أسلوب تربوي بليغ التأثير عظيم النفع، ولأهمية هذه الأمثال في إيصال المراد فقد عُني بها القرآن وعنيت بها السنة.وقد حث الله سبحانه وتعالى على النظر والتأمل في الأمثال التي ضربها، والتي لا يعقلها إلا العالمون.وقد تناول هذا الدرس أمثالاً تدور حول ثلاثة أصناف، وهم:أولاً: المعرض عن دين الله.ثانياً: الذي يعلم ولكنه لا يعمل.ثالثاً: من يعلم ويعمل ثم ينتكس ولا يثبت.
أهمية الأمثال في الكتاب والسنة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.اللهم ما أعطيتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا على ما تحب، وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغاً وقوة لنا فيما تحب.لقد طَرَأَ في بالي حديث حب الله عز وجل للعبد، وإلقاء الحب والقبول له في أهل السماء، ثم في أهل الأرض، وقد طَرَأَ في بالي معانٍ كثيرة كنت أتمنى أن تكون موضوع هذا الدرس، وهو: كيف ينال العبد محبة الله؟! لأنه ليس مهماً أن تُحِبَّ أنت، ولكن المهم أن تُحَبَّ، فكم من مدعٍ للمحبة لم ينلها، ولم يصل إليها! ولكنني ملزمٌ بالحديث فيما أعلن عنه من عنوان وهو: (من أمثال القرآن) ولعلها تحين إن شاء الله فرصة أخرى فيما بعد للحديث عن أسباب نيل محبة الله عز وجل.أيها الأحبة: الأمثلة وضَرْبُها أسلوب تربويٌ بليغ التأثير، جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ضمن الأساليب المؤثِّرة التي تقرب المعاني، وتوضح الأمور، وقد عُنِي بها القرآن، وعُنِيت بها السنة المطهرة، وجاءت الأمثال كثيرة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى عدَّ بعض العلماء الأمثال التي وردت في القرآن فقط بثلاثة وأربعين مثلاً، كلها لتقريب المعنى؛ لأن المثال وسيلة إيضاح، والمعلم الناجح هو الذي يستطيع أن يستخدم وسائل الإيضاح لإيصال المعاني والمعلومات إلى أذهان الطلاب والتلاميذ، والأمثلة أفضل وسيلة توضح المراد والمعنى؛ لأنها نموذج تقرب المعنى إلى الذي يسمع، فيفهم بضرب المثال أكثر مما يفهم بسرد الكلام، ولو اشتمل السرد على أبلغ المعاني، وعلى أعظم الأساليب، إلا أن المثال يفهم سريعاً، ولذا كثرت الأمثال في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

بعض أمثال العرب ومقارنتها مع أمثال القرآن
أيها الإخوة: كم من الأمثال تدور على ألسنة الناس! ولكن في القرآن وفي السنة ما هو أبلغ وأعمق منها:
 قول العرب: (لا تلد الحية إلا حية)
من الأمثال أيضاً في لغة العرب قولهم: (لا تلد الحية إلا الحية):الحية لا يأتي ولدها أو ابنتها إلا مثلها حية، لا تتوقع أن يأتيك شيء لطيف من حية.ولكن القرآن جاء بأبلغ من هذا في قوله تبارك وتعالى على لسان نوح عليه السلام: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:27] متى قال نوح هذا؟ما قاله ابتداءً، فنوحٌ مِن أولي العزم، عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام، وهو من الخمسة أصحاب الفضيلة والمقام الرفيع، دعا إلى الله مدة قدرها (ألف سنة إلا خمسين عاماً) مارَسَ شتى الأساليب، وأخذ بجميع الأنواع: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً [نوح:5] كان يدعو ليلاً ونهاراً، نحن كم ندعو؟ إذا ألقى أحدنا درساً في الأسبوع قال: والله إني تعبتُ، وإذا جلس مع شخص يتكلم بكلمتين، قال: الحمد لله نحن نعمل لهذا الدين ليلاً ونهاراً: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُـمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً [نوح:5-8] دعوة علنية ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً [نوح:9] دعوة سرية، وبعد هذا العمر الطويل والجهد العظيم يوحي الله إليه ويقول له: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36] كم عددهم؟ في أصح الروايات أنهم (اثنا عشر) رجلاً، ثمرة تسعمائة وخمسين سنة، يقول الله: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40] آمن معه اثنا عشر رجلاً، مع هذا العمر الطويل والجهد المكثف، والأساليب المتنوعة، لم يستجيبوا ولم يدعُ نوح عليهم؛ لكن لما أوحى الله إليه أنهم لن يؤمنوا، دعا الله عليهم؛ لأنه لا فائدة، ومادام أنه لن يؤمن أحد منهم، فلماذا يبقون؟! فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26] لماذا؟! قال: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ [نوح:27] أحد احتمالين:الأول: إما أن يضلوا هؤلاء (الاثني عشر) الذين هم عندي الآن؛ لأن تأثيرهم سيكون بليغاً، والكثرة تغلب.الثاني: أنهم إذا لم يضلوا الذين آمنوا؛ فإن أولادهم الذين يأتون منهم فجرة وكفرة: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:27] و(لا تلد الحية إلا الحية) كما تقول العرب، إذاً لا معنى لبقائهم، دمِّرهم يا رب عن بكرة أبيهم فاستجاب الله دعوته.لماذا استجاب الله دعوة نوح؟لأنه استنفد جميع جهده، فالإنسان لا يعتمد على دعائه لله وينام! لا. بل إن نوحاً عَمِلَ وعَمِلَ وعَمِلَ، وعدَّد، ونوَّع، وبذل كل ما عنده، ولما عرف بواسطة الوحي أنه لن يؤمن أحد، إذاً فما معنى أن يبقوا أحياء وهم لم يؤمنوا، فلابد من التدمير، فدعا الله، وقال: ربِّ إنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10].فاستجاب الله له الدعوة، وقـال تعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر:11]* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر:12] ليس فقط مكاناً معيناً، بل الأرض كلها تحولت إلى ينابيع وإلى ماء، حتى موقد النار (التنور) الذي يتوقع أن الماء في كل مكان إلا هو ليس فيه ماء بل فيه نار؛ لكن فار التنور، والأرض كلها صارت ماءً فَالْتَقَى الْمَاءُ [القمر:12] ماء السماء على ماء الأرض فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12] أي: أُحْكِم من قِبَل الرب تبارك وتعالى، وحَمَله الله عز وجل على السفينة ذات الألواح والدُّسُر أي: المسامير تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] تجري برعاية الله.وقد قال الله تبارك وتعالى: فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [المؤمنون:27] أمره الله أن يحمل فيها أهله ومَن آمن معه، فظن نوح عليه السلام أن الأهلية هنا أهلية النسب، فقال لَمَّا رفض ولدُه أن يركب: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] أنت قلت: يركب أهلي، وهذا ابني أبى أن يركب فلا تغرقه، قال الله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [هود:46] انظروا القوة في العبارة، لكن الأنبياء يعرفون الله، فنزَّه الله: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود:47] يُنَزِّه الله وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي [هود:47] لا إله إلا الله! يستغفر ويطلب الرحمة من سؤاله لله أن ينجي ابنه، رغم أنه لم يسأل بدافع الأبوة، ولا الحنان، وإنما بدافع الوعد من الملك الديان، أنه من أهله، فظن أنه يركب باعتباره من الأهل.فصحح الله نظرة نوح عليه السلام. وقال: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] الأهلية هنا هي: أهلية العقيدة، وأهلية الملة والدين، وما دام كافراً فليس من أهلك. ففي هذا إشارة إلى أن العلاقة التي تربط الناس بعضهم ببعض هي علاقة العقيدة بالدرجة الأولى، ثم تأتي بعد ذلك الروابط الأخرى؛ لكن إذا انتفت علاقة العقيدة فلا علاقة قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:22] لا إله إلا الله!
مثل المعرض عن دين الله
أمثال القرآن -أيها الإخوة كما ذكرتُ لكم- كثيرة، ولا يعقلها -كما قال الله في كتابه- ولا يعلمها ولا يفهمها إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وفي هذا دعوةٌ لطلاب العلم، وحثٌّ على النظر والتأمل ومعرفة تلك الأمثال، ومعرفة مراد الله منها، حتى يُحْسَب من يتأملها ويعرفها عند الله من العالمين، وفيه إشارة إلى أن مَن لا يعقل أمثال القرآن أنه محسوبٌ في زمرة الجاهلين، وإن كان يحمل شهادة عليا، أو كان في نظر الناس من المثقفين أو من الواعين؛ لكنه لم يعِ أمثال القرآن، فالله ينفي عنه العلم، ويثبت له الجهل، ويعده من زمرة الجاهلين. وقد اخترتُ -أيها الإخوة- في هذا الدرس بعض الأمثال من كتاب الله عز وجل التي تقرب المعاني، وأكتفي بثلاثة أمثال.المثال الأول: مثل مَن يُعرض عن دين الله:يُدعى إلى الله، وتوضح له الطريق التي يسلك بها طريق النجاة، وتوضع له المعالم والأنوار والإضاءات التي تدله على الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، فيَصُمُّ أذنيه، ويعمي عينيه، ويعرض عن طريق الهداية، بل يرفض ويهرب، فهذا ضرب الله عز وجل له مثلاً في كتابه الكريم من أسوأ الأمثلة، وشبهه الله عز وجل بالحُمُر الوحشية، فالحُمُر منها حُمُر أهلية، ومنها حُمُر وحشية، ويجمعها لفظ (الحُمُر) أي: حمير، والأهلية: هي التي تُسْتَخدم، وهي التي تُرْكَب ومعروفة عند الناس، والحُمُر الوحشية من فصيلة الحمير؛ ولكنها غير مستأنِسَة، ولا يألفها الناس ولا تألفهم، وهي متوحشة، تعيش في البراري والقفار، هذه الحمير مِن طبيعتها أنها تعيش في حالة عظيمة من الرهبة والخوف إذا رأت الأسد أو السبع، جميع الحيوانات تخاف من الأسود ومن السباع؛ لكن بعض الحيوانات تملك رباطة جأش، وتملك قوة صراع، وإمكانية دفاع، إلا حمار الوحش، من حين يرى الأسد أو السبع على مسافة بعيدة يهرب هروباً يكاد يموت، ويتكسر ظهره، بل وربما لم يره بعد؛ لكن فقط من مجرد الشم. ويذكر هذا العلماء في كتبهم أنه يفر فراراً عنيفاً، أحياناً يتكسر من كثرة جريه، يحسب أن الأسد قد صار على ظهره، وبينهما مسافة طويلة.فقد شَبَّه الله عز وجل مَن يكره العلماء، ويكره الدعاة، وينفر من مجالس العلم، ولا يحب سماع كلام الله، ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم كالحُمُر، يقول الله عز وجل: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر:49]؟! سؤال استنكاري!لأي شيء يعرضون عن ذكر الله؟!لأي شيء يتجاهلون داعي الله؟!لماذا؟! أليس يعنيهم؟! وما الذي يعنيهم في الأرض غير هذا؟!إن أول ما ينبغي التركيز عليه في اهتمامات العبد: أن يسأل لماذا وجد؟! ولن يخبره لماذا وجد إلا الذي خلقه، ولم يترك الله الإنسان يسأل، بل أرسل الرسل ليبينوا للناس لماذا خُلِقوا؛ لكن الناس الذين أعرضوا لا يريدون، ولهذا يقول الله: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:49-51] القسورة في لغة العرب: الأسد، والسبع.فهؤلاء في إعراضهم إذا رأوا الداعية، أو العالم، أو مجلس العلم، أو دعاهم أحد إلى شيء يفرون، ومن قبل كانوا يفرون بأقدامهم كما تفر الحمير بأقدامها، والآن يفرون بسياراتهم!لماذا؟! قال: جاء (المطوِّع).(المطوِّع) هذا يطوِّعك، و(المطوِّع): اسم فاعل، أي: يطوِّعك لله، يريدك بدل أن تكون مطوِّعاً للشيطان تكون مطوِّعاً لله؛ لأنك إما أن تكون طائعاً لله، أو طائعاً للشيطان، فهذا يطوِّعك ويجعلك طائعاً، وصفة الطائع صفة كريمة قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] فلماذا تفر منه؟!إن فرار الإنسان من أهل العلم، وإعراض الإنسان عن الدعاة، ورغبته في غير مجالس الذكر، دليل على أن عقليته عقلية الحمير، وأن مرتبته مرتبة البهائم، بل هو أعظم وأذل وأخس، يقول الله تبارك وتعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] لماذا أضل سبيلاً؟لأن الأنعام سارت فيما سخرها الله عز وجل وخلقها من أجله، أما هؤلاء فهم أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنهم لم يسيروا في الطريق الذي رسمه الله لهم، ولا حققوا الغرض والهدف الذي من أجله خلقهم الله عز وجل.
 أهمية الذكر وعاقبة المعرضين عنه
إن ذكر الله حياة للقلوب يقول الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وهذا الدين كله ذكر، والرسول صلى الله عليه وسلم كانت وظيفته الأولى التذكير، يقول الله: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21] والمؤمن ينتفع بالذكرى، يقول الله: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] لا تنفع الناس أجمعين، وإنما تنفع طائفة من الناس هم أهل الإيمان-جعلنا الله وإياكم منهم- وجميع الشعائر والعبادات التي شرعها الله هي من أجل ذكره، فإنك تصلي لتذكر الله، يقول الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] تصلي لذكر الله، الحج لذكر الله، الصيام لذكر الله، وجميع الشعائر من أجل ذكر الله.بل شرع الله عز وجل في يوم الجمعة وهو يوم الذكر، ويوم عيد المسلم، ويوم العبادة، ويوم التفرغ من كل الأعمال من أجل الذكر والشكر، شرع الله لنا في هذا اليوم أن نقرأ سُوَراً معينة نص فيها على الذكر، فكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة السجدة والإنسان؛ لأن في سورة السجدة قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة:22].وفي سورة الإنسان قول الله عز وجل: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ [الإنسان:29] إن هذا الدين ذكرى فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً [الإنسان:29].وشرع للخطيب يوم الجمعة أن يقرأ سورة (ق) في الخطبة، تقول أم عطية في الحديث الصحيح : (ما حفظت سورة ق إلا من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ بها في الخطبة) وهذه سنة تكاد تكون ميتة، ولا أحد يأتي بها من الخطباء إلا القليل، كان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة ق فقط، يقسمها في الخطبتين وينزل، وكفى بها واعظة، لأنها اشتملت على كل أمر العقائد، الخَلْق، والبَدْء، والمعاد، والحشر، والحساب، وعذاب النار، ونعيم الجنة، ولأن فيها قول الله عز وجل: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45].وشرع الله للناس -أيضاً- أن يقرءوا سورة الكهف -والحديث بِمجموع طرقه ورواياته يصل إلى درجة المقبول، فيُعْمَل به عند أهل العلم- وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء الله له ما بين الجمعتين) لماذا؟ لأن فيها قول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:57].وشرع للإمام في صلاة الجمعة أن يقرأ بسورة الأعلى والغاشية.أما سورة الغاشية؛ فلأن فيها قول الله عز وجل: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21].وأما سورة الأعلى؛ فلأن فيها قول الله عز وجل: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:9-10].أيها الإخوة: الذكرى والعمل بهذا الدين وتذكر أمر الله، وتذكر شريعة الله، وعذاب الله ونعيمه، وعظمته، كل هذا مطلوب، ولا يأتي إلا حينما تسمع من العلماء، وتجلس في مجالسهم، وتقرأ كتب العلم، وتشتري شريط أهل العلم، لماذا؟ حتى تتذكر؛ لكنك حينما تعرض عن الشريط فلا تسمعه، وتعرض عن إذاعة القرآن فلا تسمعها، وتعرض عن الكتاب الإسلامي فلا تقتنيه، وتعرض عن الصحيفة الإسلامية فلا تشتريها، وعن المجلة الإسلامية فلا تقرأها، وعن حلق العلم فلا تحضرها، وإذا أتى يوم الجمعة فإن أكثر المعرضين لا يشهدون خطبة الجمعة، ينام إلى أن يعرف أن الخطبة قد انتهت، فإذا علم أن الخطبة قد انتهت، قام وصلى ركعتين ومشى، فمِن أين تأتيه الذكرى؟! من أي مجال؟! وقد سد جميع الطرق النافذة إلى قلبه.إن الإسلام يجعل للمسلمين وجبة أسبوعية ممثلة بخطبة الجمعة، ويؤكد على ضرورة الإنصات والاستماع، حتى إنك إذا مسست الحصى والإمام يخطب فقد لغوت، ومَن لَغَا فلا جمعة له، لماذا هذا التأكيد؟ لكي تسمع، ولكي يبلغ الخطيب دين الله؛ لكنّ المصلين لا يأتون إلا بعد الخطبة أو عندما تنتهي، ومما يؤسف له أن في معظم المساجد يبدأ الخطيب والمسجد ليس فيه إلا صف أو صفان، ثم يأتون والإمام يخطب إلى أن يُنْهِي الخطبة والناس ما زالوا آتين! فهذا إعراض، وعدم رغبة، و-والعياذ بالله- وهذه صفة المنافقين الذين يقول الله فيهم: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] ليست لله يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] والعياذ بالله!
مثل من يعلم ولا يعمل
المثال الثاني: مثال لمن يسمع ولا يعرض، يسمع ما شاء الله، ويشتري الشريط، ويسمع الكلام- ولكنه لا يعمل؛ لأن ثمرة السماع هي العمل، نحن لا نريد من الناس أن يسمعوا لمجرد قضاء الأوقات ولمجرد المتعة والتعليقات، وفلان والله ما شاء الله خطيب، وفلان يقول كلاماً وكلاماً! لا. ليس هذا هو الغرض، وإنما الغرض الحقيقي من وراء الدعوة، ومن وراء الذكر، حلق العلم، ومن وراء كل هذا أن نحمل الأمة على العمل بالعلم، فإذا سمعت ولم تعمل فكأنك لم تعمل شيئاً، علم بلا عمل كشجر بلا ثمر، ما رأيك في شجرة في فناء منزلك من أشجار الزينة، ما شاء الله طيبة؛ لكنها ليست مثمرة، وأنت تموت جوعاً، ماذا تعمل بها؟ لا تنفعك بشيء، فهي شجرة خضراء؛ لكن ليس فيها ثمر.كذلك من الناس من عنده علم لكن ليس عنده ثمرة، وليس عنده عمل، ولهذا مصيبة الأمة اليوم -أيها الإخوة- ليست في عدم العلم، بل مصيبتها في عدم العمل، وإلا فإن العلم يقدَّم من أول مرحلة دراسية، من السنة الأولى والولد يُعَلَّم: مَن ربك؟! ما دينك؟! مَن نبيك؟! وفي السنة الثانية يُعَلَّم: الأصول الثلاثة، وفي السنة الثالثة يُعَلَّم: المسائل الأربع، وفي السنة الرابعة يُعَلَّم: التوحيد وأنواعه، وفي السنة الخامسة ما بعدها من المسائل، فلا ينجح إلى السنة السادسة إلا وهو -ما شاء الله- قد عرف دروس العقيدة كاملة، وأساسياتها، وعرف الفقه، وأساسياته، وعرف الحديث الأربعين حديثاً النووية وعرف التفسير في المتوسط وفي الثانوي؛ لكن أين العمل؟! لأنه أُخِذَ بنية غير نية العمل فلم يُعْمَل به، النية من العلم الشهادة، فإذا أُخِذَت الشهادة نُسِيَ العلم، يحفظ هذه النصوص الميتة في نظره، إلى أن تأتي ورقة الامتحان ويتقيأ بها على الورقة، واسأله عنها بعد أسبوع تجده لا يعرف كلمة، انتهى غرضه منها، فهو حفظها ووضعها في الورقة؛ لكي يأخذ ورقة زور، شهادة، اسمها شهادة زور، ما دام لا يَعْمَل بما فيها.
 جزاء من طلب العلم لغير الله
أيها الإخوة: إن على طالب العلم أن يأخذ العلم بنية العمل، وبنية القربى إلى الله، والنجاة من عذاب الله، وبنية أن يعبد الله بهذا العلم، وإلا فإن (مَن طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليجاري به العلماء، أو ليبتغي به عرضاً من الدنيا، لم يرح رائحة الجنة) -نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء- ليماري به السفهاء، ليجاري به العلماء، ليبتغي به عرضاً من الدنيا، يريد وظيفة فقط، لم يرح رائحة الجنة، أي: يلقى هذه؛ لكن ليس له هناك شيء؛ لأنه لم يعمل من أجل الجنة، ولم يطلب العلم من أجل الجنة، بل طلب العلم من أجل أن يأخذ شهادة فأخذ الشهادة وانتهى الأمر؛ لكنه لو طلب العلم من أجل الله، ومن أجل أن يعرف طريق الله، ولكي يعبد الله على بصيرة وعلى نور، فقرأ كتاب الله، وقرأ سنة رسول الله، ولم يُباهِ، ولم يُجارِ، ولم يُمارِ، ولم يستعلِ، ولم يتكبر، وإنما تواضع، وهذا شأن علماء السلف رحمهم الله، كانوا قمماً في العلم، ومع هذا فهم متواضعون إلى أبعد درجات التواضع، وبعض الناس تجده صفراً في العلم؛ ولكنه مغرور، يظن أنه على شيء، وهو ليس على شيء، وإن علم فإنما يعلم نصوصاً فقط، وهذه النصوص ليست هي العلم، العلم هو العمل، والخشية، والخوف، العلم الرغبة فيما عند الله، أما أن تكون عالماً ولا تخاف الله، عالماً وتجترئ على حدود الله، عالماً وتضيع أوامر الله؟! فلا.جاءني أحد الإخوة يوماً من الأيام وأنا في أبها ، وكان مؤذناً في أحد المساجد، وهو رجلٌ أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب؛ لكنه يخاف الله، عنده في قلبه خوف من الله، جاءني وهو يشتعل غضباً، قال: يا شيخ! كيف هذا الكلام؟!قلت: نعم. ماذا هناك؟!قال: أنا مؤذن المسجد الفلاني، وحول المسجد عمارة فيها أربع شقق، يسكنها أربعة (دكاترة) يقول: منذ أن سكنوا إلى الآن لم يدخلوا المسجد، يقول: وكنتُ أتصور عندما أسمع مَن يقول: يا (دكتور)! كنتُ أحسب أنهم (دكاترة) في (المستشفى)، فقلت: هذا ليس غريباً؛ لكني الآن علمتُ أنهم (دكاترة) في كلية الشريعة، يقول: من حين سكنوا إلى نصف السنة ما دخلوا المسجد، أحدهم يدرس تفسيراً، والثاني يدرس الفقه المقارن، والثالث يدرس الأصول، والرابع يدرس اللغة العربية، (دكاترة) يدرسون القضاة ويخرِّجون القضاة؛ لكنهم لا يصلون في المسجد، إذاً: فما قيمة العلم عند هؤلاء؟! كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] هذا المثل لا يحتاج توضيحاً.العلم: العمل، والعلم: الخشية، يقول الشاعر:إذا لم تستفد بالعلم هديـاً فليتك ثم ليتك ما علمتا العلم يرفعك إلى الله، ويقربك إلى طاعة الله؛ لكنك إذا كنت تتعلم وتزداد ضلالاً وبُعداً عن الله، فإن هذا مصيبة، والعياذ بالله!فهذا المثال الثاني للذين يتعلمون ولا يعملون، وهذا المثال سيئ، كمثل الحمار، والحمار -والعياذ بالله- من الحيوانات التي تضرب بها الأمثال في البلادة والجهل، و-أيضاً- فيه خصلة ذميمة وهي نكارة الصوت، يقول الله عز وجل: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19] وفعلاً أي صوت من البهائم تسمعه لا تشمئز منه؛ لكن دع حماراً ينهق بجانبك، يكاد يفجر أذنك، ثم إنه صوت قبيح وخبيث، فكذلك من يحمل العلم ولا يعمل به مثل الحمار، وإذا تكلم فمثل نهيق الحمار، يضرب به المثل في كراهية الصوت، والعياذ بالله!وأيضاً يضرب به المثل في الجهل، إذا رأوا جاهلاً قالوا: أجهل من حمار أهله.ويقال في المثل العربي: ( أخزى الله الحمار، مالاً لا يُزَكَّى ولا يُذَكَّى ) الذي عنده حمار، لا هو يُذَكَّى إذا مات، ولا عليه زكاة، فلا مصلحة منه لا في حياته ولا في موته، ويقولون: أخزى الله الحمار مالاً لا يُزَكَّى -تُدْفَع عليه زكاة- ولا يُذَكَّى -فيؤكل- وإنما ليس منه مصلحة، لكنه يزكى في حالة واحدة وهي: إذا كان عرضاً من عروض التجارة، إذا كان هناك شخص يتاجر في الحمير فإن عليه إخراج زكاتها؛ لأن عروض التجارة كلها تشملها الزكاة، لكن لو لم يكن لديه تجارة وإنما يهوى جمع الحمير، وعنده (مائة) حمار فليس فيها زكاة، فيقولون: ( أخزى الله الحمار مالاً لا يُزَكَّى ولا يُذَكَّى ).وأيضاً يقال فيه: إنه من ضلاله عنده قياس؛ لكنه يستعمل القياس بطريق الجهل، ولذا إذا رفعت يدك لضربه يخفض برأسه، يحسب أن يدك سوطاً، يقيس كل شيء عنده بالسوط؛ لأنه يخاف من العصا، ويخاف من الضرب، فأي شيء ترفعه، فإنه يظن أنه سوط لضلاله وجهله.فما ضرب الله عز وجل بهذا المثل لمن لا يعمل إلا على سبيل التبكيت، وعلى سبيل التشنيع والتنفير، حتى لا يصير الإنسان مثل الحمار، حينما يكون له علم ولا يعمل به.
مثل من يعلم ويعمل لكنه لا يثبت
المثال الثالث وهو يأتي ثمرة للثاني: مَن عَلِم وعَمِل؛ لكنه لا ثبَت:
 الأصناف الثلاثة الذين شبههم الله بالحيوانات
أيها الإخوة: هذه هي الأمثلة الثلاثة التي ضربها الله تبارك وتعالى لهذه الأصناف الثلاثة:الصنف الأول: مَن يُعرض عن دين الله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر:50].الصنف الثاني: مَن لا يعرض؛ يسمع ولكنه لا يعمل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5].الصنف الثالث: مَن لا يعرض ويعمل؛ لكنه لا يستمر، ولا يثبت، وإنما ينتكس، كما قال الله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الأعراف:176].أعوذ بالله وإياكم أن نكون مثل هذه الأشياء!ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينير بصائرنا، وأن يرزقنا العلم والعمل والثبات عليه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 الدعوة إلى الله مسئولية الجميع
السؤال: إنه بسببك -بعد الله- اهتدى مِن هذه المحاضرات التي تلقيها أناسٌ كثير، ووفقك الله لكل خير.والذي أرجوه منك: أن تنبه على الإخوة الدعاة أن يذهبوا إلى الشباب في أماكن اجتماعهم، في (الأحواش) والاستراحات، وإنقاذهم بعد الله من هذه الغفلة التي يعيشونها في السهر على (البلوت) والنظر إلى (الدشوش) فجزاكم الله خيراً؟الجواب: جزى الله الأخ الكريم خيراً، فإنه بهذا الانتباه واللفت الجيد يضعنا أمام مسئوليتنا أمام الله عز وجل، فإن هذا الدين -أيها الإخوة- هو مسئولية كل مسلم، وبموت النبي صلى الله عليه وسلم وباعتباره آخر الأنبياء وخاتم النبيين حيث لا نبي بعده، نقول: إذاً مَن يدعو إلى هذا الدين؟!تدعو إليه أمته، يقول الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كلهم دعاة، وهؤلاء الذين يعيشون على الأرصفة، وفي (الأحواش) والبراري والقفار، ويسهرون على اللعب، والأغاني، والأفلام، هؤلاء إخوة لنا في الإسلام، أبناء الفطرة، والدين، ليسوا أصحاب عقائد ضالة، وليس عندهم خرافات، ولا بدع، ولا ضلالات، وإنما عندهم شهوات، وطبقة من الغفلة، والشهوة، ما إن تأتي أنتَ بـ(قال الله، وقال رسوله) إلا وتجد لها تلك الجدوى؛ لكن مَن يقوم بهذا الدور؟!أنت -يا أخي- وبالأسلوب الحسن، وبالعبارة اللطيفة، وبالجد، وبالوصول إلى القلب، لا بالانتهار، والتعالي، والاحتقار لهم، وإنما بالحب لهم، بالسلام عليهم، والابتسامة لهم، وبالعرض عليهم، إذا مررتَ على مجموعة وهم جالسون فقل: السلام عليكم -وهم من حين أن يروك ينفرون منك؛ لأن شكلك واضح أمامهم، وذلك مِن قصر ثوبك، ومِن لحيتك، وتدينك، وهم في فسق، والشيطان يغطي على قلوبهم، فإذا جئت ابتسم أولاً وقل: السلام عليكم، كيف الحال يا إخوان؟! إن شاء الله طيبون.بعض الناس يأتي ليدعو فيقول -غاضباً-: السلام عليكم، ماذا تفعلون؟!فيقولون: الله أكبر عليه! لا يأكلنا بعينيه!لا -يا أخي- أنت داعية! الداعية يدعو بهذا الأسلوب؟!أنت الآن إذا أرسلك أبوك تدعو شخصاً لغداء أو لعشاء، كيف تدعوه؟تقول: الوالد يسلم عليك -وتبتسم- ويريدك أن تأتي لتتعشى عندنا إن شاء الله.لكنك لو جئت إلى عنده وتقول: الوالد أرسلني ويقول: تتعشى عندنا ولكنك قلت ذلك بأسلوب فيه غضب وحدة وقلة احترام.فسيرفض دعوتك ويقول: لا أريد عشاءك، ولا آتيك.وإذا كانت الدعوة إلى أرز ولحم تحتاج إلى أسلوب، فكيف تريد أن تدعو شخصاً إلى الله وإلى دينه، تدعوه إلى أن يترك شهواته، ويتمرد عليها، ويستجيب لأمر مولاه، ويخضع لشريعة الله، وأنت تنهره وتغلظ عليه؟!بل ابتسم له وقل: السلام عليكم، كيف حالكم -يا إخوان؟- طيبون؟! كيف حالك -يا أخي؟- أنت زميلي في الدراسة! والله إني أحبك من تلك الأيام -ولو أنك لست صادقاً، ولا تحبه؛ ولكنك تحب أن الله يهديه-.وبعد قليل: انظروا -يا إخواني- والله هذه الحياة فانية وسنموت.ومباشرة انزل بهم في القبور، نعم؛ لأن القبر لا أحد يستطيع أن يماري فيه، كيف حالنا في القبر -يا إخواني؟- القبر يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنه أنه: (روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار). اللهم إنَّا نسألك من فضلك يا رب.أيها الإخوان: لِمَن تكون الروضة مِن رياض الجنة؟!ستجدهم هم بأنفسهم يجيبونك ويقولون: للمؤمنين، وللمتدّينين.ولمن الحفرة مِن حفر النار -أيها الإخوان؟- قالوا: نعوذ بالله! والله لا نريدها. حسناً.. ما تريدونها؟! قالوا: نعم.إذاً: لِمَ -يا إخواني- لا نطيع الله عز وجل؟! لِمَ لا نقرأ كتاب الله عز وجل؟! ما رأيكم؟! هل آتيكم كل ليلة وكل أسبوع وأنتم جالسون، أعلِّمكم آيةً أو حديثاً، وأمضي.ماذا يقولون؟! يقولون: جزاك الله خيراً، إذاً السلام عليكم. ولا تقعد، بعض الناس يقعد معهم إلى أن يغيِّر عليهم، وينكِّد عليهم، حتى يقولوا: والله لم نعد نريد أن نرى وجهه هذا؛ لأنهم ما جاءوا من أجل الذكر، هم جاءوا من أجل أن يلعبوا، ومن أجل أن يطربوا، وأن يسهروا، وأنت إذا جئت، فضع حبة العلاج هذه وامْشِ، ودعهم يلعبون؛ حتى تأتي مرة ثانية، وتضع علاجاً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، وخامساً، إلى أن يهديهم الله.هذا هو الأسلوب، وليس هذا الأسلوب الذي أقوله فقط، بل هناك أساليب كثيرة، وإخواننا والحمد لله عندهم خبرات، وعندهم إمكانيات في قضية الدعوة؛ لكن من يقوم فقط؟ كل واحد يقول: نفسي.. نفسي..! والدين مَن يدعو إليه أيها الإخوان؟!فأنا أقول: هؤلاء إخواننا، وفي ذمتنا، وفي عُهدتنا ومسئوليتنا، وكما أنقذنا الله، فينبغي أن نمد حبال النجاة لإخواننا حتى ينقذهم الله بأيدينا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من أمثال القرآن للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net