اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً للشيخ : سعيد بن مسفر


وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
يقدم المرء على ربه وحيداً فريداً كما خلقه أول مرة، ليس معه شيء غير عمله الصالح أو السيئ، وفي ذلك اليوم يتفاضل الصالحون بأعمالهم الصالحة في درجات الجنة، ويتهاوى المذنبون في دركات النار والعياذ بالله.وللإنسان هيئات وأحوال يقدم بها على ربه كل بحسب طاعته وعصيانه، وقد ذكر الشيخ أربع هيئات لقدوم الإنسان على الله يوم القيامة.
معنى قوله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد: أيها الأحبة في الله! عنوان درسنا هو: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95] هذه الآية الكريمة، تقرر مرجعية الناس كلهم إلى الله بعد أن يتخلوا عن كل إمكانياتهم وقدراتهم، وما كانوا يظنون أنه يمكن أن ينفعهم وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95] بدون مال، وجاه، ومنصب، وولد، وبلا حول، ولا قوة، بل كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] يُخلق الإنسان ويأتي إلى الدنيا فرداً، ويستقبل في خرقة، ويعيش فترة من العمر إلى أن يموت، ثم يموت ويرجع إلى الله فرداً مودعاً في خرقة أخرى وهي خرقة الكفن، وهو بين الخرقتين حياته تتوقف ومصيره في الآخرة على ضوء سلوكه وعمله فيما بين الخرقتين: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94] ما خولكم الله عز وجل من المال والأولاد والزوجات والدور والقصور والجاه والمكانة والمنصب والرتب كلها تركتموها وراء ظهوركم وجاء الإنسان إلى الله، يخرج من الدنيا كما تخرج الشعرة من العجين، جاء بالعمل: إما حسنات وإما سيئات؛ حسنات اكتسبها من سيره في طريق الله، والتزامه بكتاب الله، وتمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتسب الحسنات.أو سيئات حملها على ظهره نتيجة وقوعه فيما حرم الله، أو تركه لما أمر الله، وأما تصديقه لما أخبر الله فيحمل إما سيئات أو حسنات يقول الله عز وجل: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] ما هو إلا ما كنتم تجمعون وتحتلون من الدنيا هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90] القضية قضية عمل، عندك عمل تنجو وتفلح، ليس عندك عمل تسقط ولو كنت من كنت، إن الله لا ينظر إلى الصور والأجسام والأشكال، ولكن ينظر فقط إلى القلوب وأعمال القلوب الحية السليمة المطمئنة الرقيقة، المنيبة المخبتة الخاشعة التي تخشع لعظمة الله.فهذه القلوب الله عز وجل يرفع بها أصحابها يوم القيامة بالعمل الصالح، من جاء بالحسنة.. العملة الدارجة يوم القيامة ليست الريال ولا الدرهم ولا الدينار ولا الدولار وإنما الحسنات فقط. بعض الناس في الدنيا فقير المال لكنه مليونير حسنات، وبعض الناس في الدنيا غني في المال لكن ليس عنده حسنة، فقير في الآخرة -والعياذ بالله- ولهذا يقال: إذا رأيت أحداً ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، إذا نافسك في الدنيا يبني بجوارحك أربعة خمسة أدوار، ابن أنت في الجنة واشتغل في القرآن، احفظ كتاب الله، حفظ زوجتك وأولادك وبناتك كتاب الله، اذهب كل يوم إلى المسجد، كل يوم أنت وأهلك، زوجتك مع الأمهات، وبناتك مع التلميذات، وأولادك مع الأولاد، وأنت مع الكبار في المسجد من بعد العصر إلى بعد العشاء في الحلقات؛ تخرجون وعندكم مثل الجبال من الحسنات، لماذا؟ لأن بكل حرفٍ من القرآن تقرءونه عشر حسنات (لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ما هذه التجارة يا إخواني؟! ولكن ما بال الناس يزهدون فيها؛ لأنهم لا يعرفون قيمة الحسنات، ولا يعرف قيمة الحسنات إلا العالم بالله، مثل الذهب لا يعرفه إلا صاحب الخبرة، ولو أتيت بالذهب عند الفحام، فسوف يرميه لأنه يريد فحماً فقط، وأيضاً لو أتيت عند الذي يجمع البعر والروث كي يفعل به سماداً لرماه لا يعلم أنه ذهب، وكذلك الذي يعرف الله ويعرف دين الله وحقيقة الحياة يعرف قيمة الحسنات، ولهذا يجمع فيها ويحصل منها ويسابق إليها ولا يشبع من خيرٍ حتى تكون نهايته الجنة.قال تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95] جاءت الآيات الكريمات في القرآن الكريم لتبين لنا في مواضع ثانية كيف الإتيان على الله؟ وكيف القدوم عليه؟
 

هيئة قدوم المجرم على ربه
ذكر ربنا عز وجل هيئات للقدوم عليه سبحانه وتعالى:الهيئة الأولى: أن تأتي إلى الله مؤمناً يقول عز وجل: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه:75] أي: في الجنة.الهيئة الثانية: أن تأتي إلى الله مجرماً يقول الله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ [طه:74-75] لا يوجد إلا إتيانين على هيئتين، إما إيمان وعمل صالح، أو إجرام، وكلمة إجرام عامة، يدخل فيها الكافر، والمنافق، والفاسق، كل من ليس عنده إيمان وعمل صالح يصنف مع الفريق هذا الذي يدخل النار.إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ [طه:75] وفي كلمة (ربه) هنا نوع من الإشارة إلى أنه ما دام ربك فلماذا تأتي إليه وأنت مجرم؟!ربك الذي خلقك وأوجدك من العدم، ربك الذي رباك بالنعم وفضله وإنعامه عليك كيف تعصيه؟ كيف تقدم عليه وأنت مجرم؟!ربك صاحب الفضل عليك الذي خلقك من العدم ويخلقك في بطن أمك خلقاً من بعد خلقٍ في ظلمات ثلاث، فأبوك يضعك نطفة وأمك تستقبلك شهوة، ثم يخلط الله بين ماء الرجل وماء المرأة، ثم يتعهد الله هذه النطفة بتلك المراحل من الأطوار الخلقية أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم بعد المضغة تصير عظاماً، ثم يكسو الله العظام لحماً، ثم ينشأه الله خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين!فأنت في بطن أمك لا أحد يعلم عنك إلا الله: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم:32] يجري لك الله عز وجل في بطن أمك الغذاء، والهواء، وجميع الإمكانات التي تريدها، ويزودك بكل الأعضاء التي تحتاجها، يجعل لك أقداماً في البطن وأنت لا تسير في البطن لكن من أجل أنك عندما تخرج إلى دنيا تحتاج فيها إلى الأقدام، ويجعل الله في رأسك عيوناً وأنت لا ترى في البطن؛ لكن لأن الله يعلم أنك سوف تخرج إلى الدنيا وتحتاج إلى البصر، يجعل الله لك أيدي، وبعد ذلك إذا جئت إلى الدنيا، الله يربيك وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53] فما دام هو الخالق والمربي والمنعم فكيف تأتيه وأنت مجرم؟إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً [طه:74] كلمة مجرم مفهومها عند الناس مفهوم محدود، بينما هي في الشرع لها مفهوم أوسع، مفهوم الإجرام عند الناس أنها القتل، والسرقة، والزنا، وترويج المخدرات، وقطع السبل، وهذا لا شك إجرام.
 صفة جهنم وما أعد الله فيها للمجرمين
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ [طه:74]. ثم جاء توضيح جهنم، ماذا فيها ؟ قال عز وجل: لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [طه:74] كيف لا يموت ولا يحيا؟ قالوا: لا يموت فيستريح ولا يعيش حياة كريمة وإنما يحيا حياة عذاب وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17] أكبر أمنية عند أهل النار الموت وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ [الزخرف:77] يعني يميتنا لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] فيرد عليهم مالك بعد زمن، ورد في التفسير بعد قدر عمر الدنيا، بعد إذ خلقها الله حتى يفنيها مرتين، ولا يوجد جواب، وبعد ذلك يقول لهم: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] يعني: مكانكم جيد، لماذا؟ قال: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:78-80].. لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [طه:74]. بالله يا إخوة! كيف يحيا من طعامه النار؟ أنت الآن هل تستطيع تعيش عيشة معقولة في درجات الحر الشديد وما عندك مكيف؟ لا. وما عندك مروحة؟ لا. وما عندك ماء بارد؟ لا تستطيع بل تموت، طيب كيف من فراشه نار لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] بعد ذلك الطعام زقوم لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية:6] ضريع: شجر من شجر جهنم، لا ينزل إلا الزقوم ثم ينشف في الحلق ويلصق مثل الغراء، فيكاد الشخص يموت ويريد أن يموت فلا يموت، ليته يموت! فيذكر أنه كان في الدنيا يجيز الغصة هذه بالماء، فيطلب ماء ويقول: أعطوني ماء، قال الله: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً [محمد:15] الحميم: هو الذي بلغ درجة متناهية في الغليان حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:44] يعني: حار جداً وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً [محمد:15] ماذا يفعل هذا الماء؟ لا ينزل فقط، لا. ينزل وينزل معه الأمعاء فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15].. وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] تخرج أمعاؤهم من أدبارهم، الماء الحار الذي أحرقها كواها، وبعد ذلك في شراب آخر في جهنم اسمه الغسلين، وهذا الغسلين الذي يخرج من فروج الزناة، هذا شراب أهل الخمر في الدنيا، يقول عليه الصلاة والسلام: (من شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب؛ سقاه الله من ردغة الخبال، قالوا: وما ردغة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أهل النار) العرق والدم والقيح والصديد الذي يسري من أهل النار يجمع في أواني من نار ويقدم لهم (ومن شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب؛ سقاه الله من نهر الغوطة قيل: ما نهر الغوطة يا رسول الله؟! قال: نهر يجري في جهنم من فروج المومسات) المومسات يعني: الزانيات يتحول فرجها إلى نهر يجري بالدم والقيح والصديد، ويقول عز وجل في قضية الشرب: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:15-17] لا يستطيع أن يبلعه؟ وأنا ضربت لهذا مرة بمثال: لو جيء برجل وجيء له بكوب مملوء بالقيح والصديد وقيل له: اشرب وإلا ضربت بالسيف، طبعاً هو يريد الحياة وسيشرب، فإذا بلغ إلى هذا المكان، ثم ذاقه لا يستطيع فيرى السيف فيقول: من أجل السيف اشرب، فإذا شرب شربة واحدة ونزلها إلى بطنه ماذا يحصل له؟ تخرج أمعاؤه كلها وكبده ولهذا يقول: اضربني بالسيف؛ لأن السيف حاصل، الموت موت بالسيف ولا بخروج كبده، لا يتحمل، يقول الله يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم:17] يأتيه الموت من الطعام الذي يأكله، والشراب الذي يشربه، والفراش الذي يفرش له، وكل شيء.وبعد ذلك وفوق هذا، هناك حيّات، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن في جهنم حيات كالجمال، وعقارب كالبغال) الحية مثل الجمل والعقرب مثل البغل، تلسع تارك الصلاة على ترك الصلاة، وبعد ذلك السلاسل والأغلال والأنكال والقيود، وبعد ذلك ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:36-37].بعد ذلك يصيحون يطلبون الله؛ لأنهم لا يرون الله، ومن الذي يرى الله؟ يرونه أهل الجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.أما هؤلاء فما يرون إلا الملائكة الغلاظ الشداد، والزبانية ينقلونهم من غرفة إلى غرفة، ومن طبقة إلى طبقة يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:44] مرة في جهنم، ومرة في لظى، ومرة في سقر، ومرة في زمهرير، والعياذ بالله.جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيم ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حرٍ مستعر جهنم سبع دركات: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44] كل واحد يأتي ويدخل منها، فالمتخصص في النظر الحرام يدخل على دركة الحرام؛ لأن بعض الناس شغلته منذ أن يخرج إلى أن يرجع وهو ينظر في أعراض الناس، والمتخصص في سماع الحرام أيضاً كذلك، والمتخصص في أكل الحرام كذلك، والمتخصص في الزنا كذلك: لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44].. فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [طه:74] وقدم الموت؛ لأنه أمنية لأهل النار، الآن وهو في العذاب هذا يتمنى الموت، لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] لكن لا يوجد موت ولا حياة، فهو ليس بحي، كيف يحيا وهو يعيش هذه الحياة! العذاب من فوقه ومن تحته ويأتيه من كل مكان، هل يحق لك بعد هذا أن تأتي مجرماً؟! تضيّع صلاتك، وترتكب مساخط ربك، لا والله يا أخي!قد تقول: إن الصلاة متعبة، صحيح أن الصلاة متعبة لكن الأتعب منها هذا العذاب، قد تقول: إن التوبة متعبة، صحيح متعبة لكن الأشد تعباً منها هذا العذاب، أجل. قارن بين تعب العبادات وترك المعاصي وبين عقوبات المعاصي، تجد أن لا نسبة ولا تناسب في أي حالٍ من الأحوال، يتمنى الشخص من أهل الأرض أن يرجع إلى الدنيا ليعبد الله وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27].. وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12] لكن لا توجد رجعة، لماذا لا نفعل الآن العمل الصالح؟! لماذا لا نتوب الآن قبل الغد؟ كما نستقيم على خطا الحياة ودرب الإيمان حتى نلقى الله. هذا المجيء الأول.
هيئة قدوم المرء المؤمن على الله
المجيء الثاني: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً [طه:75] اللهم اجعلنا يا رب ممن يأتي مؤمناً، وأبشركم -أيها الإخوة- إن شاء الله بالإيمان؛ لأن للإيمان علامات ومن علامات أهل الإيمان حبهم لهذه المجالس، كونك تترك عملك وشغلتك وأولادك ومصالحك وتأتي من أجل مجالس الذكر، لا يقودك إليها إلا الله، ليس هناك أي دافع يدفعك، لأنه ليس عندنا نقود نقسمها، ولا عندنا عشاء نعشيكم في هذه المحاضرة، وإنما عندنا هذه الجلسة، وعندنا مائدة الله عز وجل، في آخر الجلسة ينادي منادٍ من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات، ويباهي بكم الله في الملأ الأعلى، ويقول للملائكة وهم يصعدون إلى الله وهو أعلم: (كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يسبحونك ويهللونك ويقدسونك ، فيقول: ماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة! قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا. قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا حرصاً عليها وطلباً لها، فيقول الله: وبم يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون بك من النار - اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار- فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا. فيقول الله عز وجل: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً وبُعداً، فيقول الله عز وجل: أشهدكم أني قد غفرت لهم) اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين، والحديث في الصحيحين، يقول أحد الملائكة: (يا رب! إن فيهم فلان بن فلان ليس منهم، ليس من أهل الذكر ولكن أتى لحاجة فجلس -مر من عند المسجد ورأى الناس مجتمعين وقال: لنر ماذا هناك، ما هو من أهل الذكر حتى تغفر له يا رب- قال الله: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
 لا يدخل أحد الجنة بعمله
الجنة -يا إخواني- لا تنال بالعمل فقط، ولكن العمل ليس إلا سبب فقط، أما هي فتنال بالرحمة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! -لأنهم يعلمون أن عمل الرسول عمل عظيم- قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) ولهذا ورد في الأثر يقول الله: (ادخلوا الجنة برحمتي، واكتسبوها بأعمالكم) الدرجات داخل الجنة بالأعمال، وأما دخول الباب برحمة الله؛ لأن الله عز وجل لو آخذنا على أعمالنا وقال: عليها الجزاء، لضاعت أعمالنا قبل أن تضيع النعم علينا، عملك هذا كله لا يساوي نعمة البصر عندك، الآن تصور أن ليس عندك بصر عافاك الله، أغلق عينيك قليلاً، ما رأيك لو تجعل هذه التغميضة ثابتة لا تفتحها؟ كيف تتحول الحياة بالنسبة لنا؟ من يسوق السيارات الآن إلى البيوت؟ سنكون مثل القطط العمي كلنا، كل واحد يقول: يا ولد أمسكني، أين أذهب؟ أين بيتنا؟ كلنا عمي لا نشاهد شيئاً، فمن الذي أعطاك البصر؟ أمك ركبته في رأسك!! أنت اشتريته من البقالة أو الورشة؟! أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد:8] من الذي ركبها لك؟ (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً [الأحقاف:26] لماذا أعطاك الله العين؟! لكي تنظر بها إلى الفيديو، وتركب دشاً وطول الليل تقفز من قناة إلى قناة، لا. بعضهم يأخذ (الريموت كنترول) ويتنقل في السماء المليئة بالشر، وتراه يبحث، يطاردها من قناة إلى قناة، كلما غلق مسلسل ينتقل إلى مسلسل، وكلما غلق شر انتقل إلى آخر حتى تيبس عيونه، شخص تركه وتاب إلى الله يقول: والله إني آتي أنام وعيوني لا تغمض، تتعب عيونه فهي يابسة، يقول: فأعود أغصبها إلى أن تنام يقول: فإذا نمت شفت الدش من داخل يقول: وأنا نائم وهناك دش من داخل، مناظر داخلية قد خزنها دش داخلي والعياذ بالله، أصبح دشاً مدشوشاً نعوذ بالله من هذه الحياة.فالله يعطيك عيوناً -يا أخي- من أجل أن تقرأ بها كتابه، وتنظر بها مصالحك، فتخصصها للشر!! هذه نعمة -يا أخي- نعمة البصر لو سلبها الله عز وجل كيف تعيش؟ ولهذا يقول الله: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس:66] من يعرف الطريق الآن لو طمست أبصارنا الآن، عافانا الله جميعاً؟! نعمة السمع -يا أخي- هذه، وتصور أن ليس عندك أذن الآن، ما تسمع وتذهب البيت، كيف تعيش مع الناس؟! تقول لك امرأتك: أريد أشياء، فلا تسمع كلامها، السمع هذا نعمة من نعم الله، ولهذا الله قدمه، وهو وسيلة التعليم الأولى، وإذا لم يكن موجوداً فلن تعرف شيئاً: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً [الأحقاف:26] يمكن للإنسان الأعمى أن يتعلم؛ لأنه يسمع، لكن واحد ليس عنده سمع ما يتعلم، وإذا تعلم معلومات بسيطة تكون عن طريق الإشارة.من أعطاك اللسان؟ لا إله إلا الله تتكلم باللسان ترجمان عما في قلبك، لو ما عندك لسان تصبح مثل الكرتون جالس في البيت لا تتكلم ولا بكلمة واحدة، لكن تحدث الناس وتتكلم معهم، تعبر عما في قلبك بلسانك أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9] هاتان الشفتان من أعظم نعم الله على الإنسان، لو قطعت لما عرفت أن تتكلم كلمة واحدة، ولأصبح شكلك مفجعاً، لا إله إلا الله!!اليد.. الرجل.. الجوارح كلها هذه، فلو حاسبك ربي على أعمالك من يوم خلقت إلى الآن ووزنها مع نعمة البصر، تضيع صلاتك كلها، ويضيع صيامك، وجهادك ما قد غلقنا حتى البصر لماذا؟ لأنك عبدت الله ببصر من الله، وبجسد من الله، وبأرجل من الله، كل شيء من ربي ماذا عندك أنت؟ أصلاً ما عندك شيء، أجل: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتغمدنا جميعاً برحمته، وأن يجعلنا من أهل جنته، وأن يعيذنا جميعاً من ناره.هذه هيئة وقد قلت لكم: إني سأحدثكم عن هيئات للناس وهم يمشون إلى الله وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:95]. الهيئة الأولى: يأتون فرادى.الهيئة الثانية: يأتون مؤمنين أو مجرمين.
هيئة قدوم صاحب القلب السليم
الهيئة الثالثة: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] هذه الآية تدل بالمعنى والمفهوم أن أناساً يأتون بقلوبٍ غير سليمة، إما قلب سليم أو قلب غير سليم، أصحاب القلب السليم يدخلون الجنة؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا صاحب قلب سليم مائة في المائة. آدم عليه السلام أكل في الجنة فبدت له سوءته وأخرجه الله من الجنة؛ لأنه غير سليم، وإبليس كان طاوس الملائكة، الله أمر الملائكة بالسجود فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، أجل. فليس سليماً بالمعصية، قال الله: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:77-78] فلا يدخل الجنة إلا من جاء بقلب سليم، يقول الله عز وجل إن إبراهيم يقول: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:87-91] فتزلف الجنة للمتقين أصحاب القلوب السليمة.
 كيفية سلامة القلب وعلاماته
كيف يكون قلبك سليماً؟ بثلاثة أشياء: سليم من الشبهات المتعلقة بالعقائد: لا يكون عندك شكوك.سليم من الشهوات المحرمة: شهوة الجنس بالزنا، والسرقة في المال وأي شهوة محرمة.سليم من الغفلة التي تصدك عن ذكر الله.يقول ابن القيم رحمه الله: سليم من شبهة تورد شكاً في دين الله، أو شهوةٍ تورد تقديم الهوى على أمر الله، أو غفلة توجب نسيان العبد لأمر الله.كثير من الناس الآن غافل عن الله، كل شيء له في برنامجه مسافة ومساحة وموعد إلا الله، تجده يحدد للدوام وقتاً، وللغداء وقتاً، وللتمشية بعد العصر وقتاً، وللتسوق بعد المغرب وقتاً، وللسهرة بعد العشاء وقتاً، وللنوم وقتاً، وفي الصباح فطور يعني: هذا برنامج أكثر الناس، لكن لا يحدد وقتاً للعلم، ولجلسة الأسرة، أو لمحاسبة النفس، أو للذهاب إلى الفقراء وتفقد المساكين والمحتاجين، أو للإنفاق، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الدعوة إلى الله، مشغول. أشغل نفسه بما لم يشغله الله به، بل بعضهم صلته بالحمام أكثر من صلته ببيت الله، يدخل الحمام في اليوم والليلة أربع خمس مرات، وإذا جاء يستأجر شقة أول ما يشير على الحمام لا يسأل عن المسجد، كم في الشقة حمامات؟ فإذا قالوا له: واحد، قال: لا يكفي، نريد ثلاثة أو أربعة، يريد حماماً له، وواحد للمرأة، وواحد للضيف، وواحد للأسرة، ما هذا؟! أعوذ بالله من هذه الحياة، وإذا تورط وسكن في شقة بجانب مسجد انزعج قال: لا. دوروا لنا عن مكان بعيد لا نسمع به إزعاجاً، يزعجه الله أكبر، يريد أن تستحوذ عليه الشياطين، فتنسيه ذكر الله، كما قال الله: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19].فيا أخي في الله! لا يكن قلبك سليماً إلا بهذه الثلاثة الأمور، أن يكون سليماً من شبهة وشهوة وغفلة.فما علامة سلامة قلبك؟ قال العلماء: ثلاثة علامات:العلامة الأولى: الإقبال على الطاعة: مثل إقبال الإنسان المتعافي على الطعام.العلامة الثانية: النفرة من المعاصي: صاحب القلب السليم لا يحدث معاصي.العلامة الثالثة: حب مجالس الخير، وكراهية مجالس الشر.هذا الذي قلبه سليم مائة في المائة، إذا وجدت في نفسك حباً للمعاصي وكراهية للطاعات ففي قلبك مرض، عالجه قبل أن يكون العلاج في النار؛ لأنه في الآخرة لمن يأتي وقلبه ميت أو مريض لا مستشفى إلا النار، يخلطون في جهنم من أجل أن يعالجوا، فالذي مرضه مستعصي مشرك بالله يخلد في النار ليس له خروج، والذي مرضه معاصي تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، هذه الهيئة الثالثة أن يأتي سليم القلب.
هيئة قدوم أهل الغلول على الله عز وجل
الهيئة الرابعة: وهي مختصة بالذين غلوا شيئاً من بيت مال المسلمين، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].
 صور من الغلول المغلف
ويدخل في الغلول هدايا المسئولين؛ الهدايا التي تقدم لمن يلي مسئولية، مدير أو رئيس من أجل العمل، هذا يهدون له إما الموظفين عنده أو مراجعين له، ورد في الحديث: (هدايا العمال -يعني: المسئولين- غلول) لأنها هدية وهي في الحقيقة رشوة، لكنها تلبس ثوب الهدية، والدليل على حرمتها حديث عبد الله بن اللتبية الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الزكاة فجاء بعد الزكاة ومعه شملة، وقال: (هذه أهديت لي، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً عظيماً حتى لكأنه يفقع في وجهه حب الرمان، ثم نادى بالصلاة ولم تكن وقت صلاة، وقال وهو يخطب في خطبته المشهورة: ما بال أقومٍ نستعملهم على الزكاة فيعودون ويقولون: هذا لبيت مال المسلمين وهذا أهدي لنا، أفلا قعدوا في بيوت أمهاتهم أكان يأتيهم شيء) قال العلماء: فلا يجوز قبول الهدية ممن يهدي لك من أجل الوظيفة إلا أن يكون بينك وبين هذا الرجل الذي يهدي لك صلة قبل الوظيفة وأنت وهو تتهادون قبلها، أما هدية فقط من أجل الوظيفة فهذه رشوة، وهي محرمة، وعلى المسلم أن يكون طاهراً نظيف البطن لا يدخل في بطنه ولا في بيته شيء، لماذا؟ لأن الدولة جزاها الله خيراً ما جعلت لأحد حاجة، كل مسئول يستلم رواتب ضخمة تكفيه إذا كان عفيفاً وشريفاً يريد الحلال.هذه -أيها الإخوة- بعض المشاهد والصور التي يأتي بها الإنسان إلى الله يوم القيامة، بقي أشياء لكن ضاق الوقت عنها، وأسأل الله عز وجل أن يمد في العمر والأجل حتى نكملها في فرصة أخرى، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يبقى فينا ولا معنا ولا منا ولا إلينا شقياً ولا محروماً. اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرها من ديار المسلمين بسوء أو شرٍ أو كيد أو مكرٍ فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.اللهم وفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا ومشايخنا إلى خدمة هذا الدين، وانصرهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ووفقنا لما تحبه وترضاه إنك ولي ذلك والقادر عليه.
الأسئلة
.
 خطر السحر والسحرة وضرورة الرقى الشرعية
السؤال: أرجو التنبيه إلى خطر السحر والذهاب إلى السحرة، وكيف يفرق بين الراقي والساحر؟الجواب: السحر كفر وليس بسهل، أنا أسمع أنه ينتشر عند كثيرٍ من الناس، السحر كفر.. تعاطيه أو تعلمه أو الإتيان إلى أصحابه، والله يقول في القرآن الكريم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] انتبه! لا تعمله ولا تذهب إلى صاحبه، بل لو وقع لك سحر فإن حل السحر بالسحر كفر في أرجح أقوال العلماء ولا يجوز، وكيف تحله؟ تحله بالرقية الشرعية من كتاب الله، وقد تقول: كيف الرقية؟ الرقية تقرأ القرآن، وقد يقول شخص: قرأت ولم يذهب، أجل عجيب! إما أن تقرأ ويذهب السحر أو تذهب تشرك، فتجعل ربي مجال اختبار لك، لا. الله قادر أن يحل سحرك، الله يقول: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] ولكن يبتليك الله ويختبرك هل أنت مؤمن؟ وقد يستمر معك أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين، وبعضهم سنين، ولكن اصبر على الرقية الشرعية.أما كيف يفرق بين الساحر والراقي؛ فالراقي أولاً رجل معروف بسلامة المعتقد، يقرأ القرآن أمامك، ليس عنده طلاسم ولا همهمات ولا تعويذات ولا شيء، ولا يأخذ على عمله أجراً إلا من الله عز وجل، وإن أخذ شيئاً من غير سبب أو من غير طلب منك فلا بأس؛ لأنه يجوز، أما الساحر فمعروف بفسقه وبالطلاسم التي يكتبها والتعاويذ والشعوذات، ومعروف بالهمهمة، وبعد ذلك يتكلم بكلام لا تسمعه، ويكتب لك كتاباً يقول: لا تقرؤه، ولا تفتحه يقول: كيف؟ يقول: يبطل مفعوله؛ لأنك إذا قرأته لا ترى شيئاً، أنا فتحت كتاباً لواحد والله ما فيه حرف -يا إخواني- إلا شخاميط قلم من أوله إلى آخره، وقال: خذه وعلقه، يقول للناس: لا تفتحوه؛ لأنهم يعلمون أنك إذا فتحته لا تجد شيئاً، لا تلقى إلا كلاماً فارغاً، هذه كلها من السحر فلا يجوز، ولا يجوز للمرأة كذلك؛ لأننا نسمع أن بعض النساء تذهب إلى بعض الساحرات أو السحرة لتصرف قلب زوجها؛ خاصة إذا كان زوجها متزوج بأخرى، فتقول: والله أجعله لا يطالع فيها ولا يراها، فتذهب عند الساحر تعطيه مائة أو ألفاً تقول: أريده، فماذا يحصل لها؟ يعاقبها الله بنقيض قصدها فيكرهها ويحب الأخرى؛ لأن الله يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23] فلما بغت على المؤمنة بالله عز وجل صرف قلبه عنها؛ لأن قلوب العباد بيد من؟ بيد الساحر أم بيد الله؟ بيد الله، أي نعم. فلما أرادت أن تسحر وتصرف قلبه عن زوجته الحلال؛ الله عز وجل عاقبها بنقيض قصدها فجعلها مكروهة عنده، وجعل زوجها يحبها مائة في المائة، وهي ما عاد يريدها، فالسحر باطل ولا يجوز فعله. وإذا أردت أن يحفظك الله من السحر فعليك بالاستعاذة والتحصن بأذكار الصباح والمساء، إذا أصبحت في الصباح تقرأ آية الكرسي وأذكار الصباح، وإذا أمسيت تقرأ آية الكرسي وأذكار المساء، هذه لا يستطيع أي شيطان ولا أي ساحر في الدنيا أن يضرك بأي شيء بإذن الله.ونكتفي بهذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net