اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علاقة الروح بالجسد للشيخ : سعيد بن مسفر


علاقة الروح بالجسد - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
علاقة الروح بالجسد تأتي على أربعة أوجه، فهي تبدأ بعلاقة الروح بالجسد في بطن الأم، ثم في الحياة الدنيا، ثم في حياة القبر والبرزخ، ثم بعد ذلك في الحياة الآخرة. هذا ما تكلم عنه بالتفصيل فضيلة الشيخ حفظه الله.
السنن الرواتب وأهميتها في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.قبل البدء في الموضوع الذي سنتكلم فيه، أحب أن أشير إلى السنن الرواتب وأهميتها في الإسلام، ففي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى في يومٍ اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة). وهذه الاثنتي عشرة ركعة أخبر بها أهل العلم نقلاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هي: أربع ركعات قبل صلاة الظهر، واثنتين بعدها، واثنتين بعد صلاة المغرب، واثنتين بعد صلاة العشاء، واثنتين قبل صلاة الفجر، فيصبح المجموع اثنتي عشرة ركعة.وابن القيم رحمه الله تعالى يقول في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد : "إن من يطرق باب ربه في كل يوم أربعين مرة لجدير أن يفتح له".المعروف أن عدد ركعات الفرائض الخمس هي: سبع عشر ركعة، اثنتين في الفجر، وأربع في الظهر، وأربع في العصر، وثلاث في المغرب، وأربع في العشاء: سبعة عشرة ركعة هذه ركعات الفريضة، وعلى فرض أن الإنسان أدى اثنتي عشرة ركعة يكون مجموعها مع الفرائض: تسعاً وعشرين ركعة، وثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في صلاة الليل في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة). فإحدى عشرة ركعة لقيام الليل مع الوتر، واثنتا عشرة ركعة الرواتب، وسبع عشرة ركعة فرائض، فيكون المجموع: أربعين ركعة، وفي كل ركعة ركن من أركانها، وهي قراءة سورة الفاتحة.
 أهمية السنن الرواتب يوم الحساب
أخي المسلم! إنك لا تعلم يوم القيامة هل تقبل منك فريضتك أم ترد؟ وكما جاء في الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن ردت رد سائر عمله) أيضاً: إذا حاسب الله العبد وردت عليه بعض فرائضه ونقصت عليه قال الله تعالى: (انظروا هل لعبدي من نوافل، فإن كان له نوافل أخذت ثم أكملت بها فرائضه، فإن لم يكن له نافلة طرح في النار)والعياذ بالله.ومن منا يضمن أن يأتي بفريضته كاملة، هل أحد يضمن؟ أعطيكم مثالاً في يومنا هذا: صلينا المغرب ثلاث ركعات، من منا يضمن أنه صلى المغرب ثلاث ركعات ولم تخطر له خاطرة، أي: ولم يحصل له وسواس في شيء من أمور الدنيا؟ الجواب: لا أحد. ليس هناك أحد أبداً .. مستحيل. هل قال شخص: والله إني كبرت تكبيرة الإحرام وسلمت تسليمة الختام، وما خطر في قلبي من التكبيرة حتى التسليم شيء إلا الله والجنة والنار والدار الآخرة والقبر والعذاب، ولم أفكر في زوجة ولا عشاء ولا ولد ولا دراسة ولا سمرة ولا مباراة ولا لعبة ولا سهرة، هل يستطيع أحد أن يقول هذا؟ لا.ولذا إذا أردنا أن نجري امتحاناً عملياً ونكتب في ورقة ونقسمها على الحاضرين في هذا المجلس -وأنتم الصفوة إن شاء الله- ونقول لكم: السؤال الأول: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى؟ السؤال الثاني: ماذا قرأ الإمام في الركعة الثانية؟ كل واحد يجيب ويطبق الورقة ويأتي بها لنجري هذا الاستفتاء لنعرف من هم الذين عرفوا قراءة الإمام، وقد أكون وأنا الإمام نسيت ماذا قرأت؛ لأني ربما أقرأ وقلبي ليس معي، ولو سألنا هذا العمود الموجود في المسجد، وقلنا: يا عمود، يا مسلح، يا أسمنت، ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى؟ هل تظنه يرد؟ ماذا يقول العمود؟ يقول: لا أعلم، فلو أتينا بعمود ثان بشري من الموجودين وقلنا: يا عمود يا بشري يا متحرك: ماذا قرأ الإمام؟ وقال: لا أعلم، فما الفرق بين العمودين؟! هل يوجد فرق؟ الفرق هو: أن هذا ثابت وهذا متحرك، ولكن الثابت أكثر وجوداً من المتحرك في المسجد؛ فالمتحرك جلس ربع ساعة وهذا جلس أربعاً وعشرين ساعة، نعم. فالعمود قد يكون أفضل، فالخشوع في الصلاة الآن مفقود عند كثير من الناس .. سواء المتكلم أو السامع إلا من رحم الله عز وجل!!فإذا أتيت يوم القيامة وصليت المغرب ثلاث ركعات؛ لكن الله لم يكتب لي منها إلا ركعة واحدة؛ لأنه جاء في الحديث: (للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، يكتب للعبد من صلاته: نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها، سدسها، ثمنها تسعها، عشرها، وبعضهم لا يكتب له من صلاته شيء) فإذا جِئتُ يوم القيامة وقد كُتب لي -إذا كنت من الخاشعين- ثلثها أو ثلثين، أو ركعتين؟! قال: أين هي؟ قال: هذه ركعتين في العشاء ، وركعتين في السمرة، وركعتين في العمارة، وركعتين مع الأولاد، والذي لله بقي لله وسجل لك، والذي ليس لله ذهب للناس، يقول الله تعالى: (انظروا هل له شيء؟)، أي: يكمل به صلاته .. فإذا جئت وما عندك ما ترقع به فمن أين ترقع يوم القيامة؟ لم يبق إلا النار، لا إله إلا الله! فالرواتب مهمة -يا إخواني- جداً جداً.بعض الشباب يلعب عليهم الشيطان، ويأتيهم من باب ما يحبون، فعندما يشم في قلوبهم الرغبة في فعل الخير يقول لهم: قد سمعتم في الحديث الصحيح (إن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) فيقول للإنسان: أنت صليت الفريضة من أجل أن تصير صلاتك فضيلة فصل النافلة في البيت، فإذا دخل الإنسان البيت نسي الله، ونسي الصلاة، فأول ما يدخل والعشاء أمامه، هل سيفكر في صلاة والسفرة موجودة؟ وبعد أن يتعشى أو يتغدى إذا كان بعد صلاة الظهر يغسل يديه وبعدها يدخل غرفته ليسمع أو يقرأ جريدة أو كتاباً أو ينام .. وذهبت السنن! ويأتي الشيطان ليضحك عليه، يأتي إليه ويتلفت فيه وقد ضيع الصلاة وضيع الفريضة فيأتي إليه ويضحك عليه ويقول: مغفل! تريد الفضيلة؟! ضيعناك منها كلها، لا فضيلة ولا غيرها.فإن كنت من أهل الحرص الشديد وتعرف أنك بمجرد أن تدخل البيت تصلي النافلة، أو عندك ترتيبات خاصة لا تنام إلا بعد أداء الراتبة فأمر حسن، وإلا فصلها في المسجد؛ لأن حفظها خير من ضياعها .. نريد الربح مثلما يقولون، نريد أن نذهب إلى البيت لنصلي صلاة النافلة لنحصل على فضيلة فنضيعها ولا نصليها أصلاً، فاحرص عليها في مسجدك وعود نفسك باستمرار عليها حتى تصبح شيئاً طبيعياً، انظروا الآن آبائنا وكبار السن فينا والعوام منا الذين لم يطلبوا العلم ولم يعرفوا كثيراً من الأحكام الشرعية، ولكنهم لما ألزموا أنفسهم بالرواتب، فهم من يوم أن خلقوا لا يستطيعون تركها، وكثير من كبار السن معنا في هذا المسجد وفي كثير من المساجد إذا صلى لا يمكن أبداً أن تقول له: هيا، يقول: لم أصل السنة، طيب .. هذه نافلة، قال: لا يا شيخ! هذه سنة الرسول صلى الله عليهم وسلم، فأصبحت جزءاً من صلاته التي يصليها، بينما شبابنا إلا من عصم الله يصلي الفرض ويخرج، ماذا بك؟ قال: هذه سنة يا شيخ! ماذا بالسنة، والرسول يقول: (من رغب عن سنتي فليس مني) السنة أي: الطريقة، هذه طريقة النبي صلى الله عليه وسلم! أسنها لك وأمرك بها لتتركها، وتفرط فيها؟! هذه مصيبة أيها الإخوة!أما موضوعنا فلا يزال امتداداً للمواضيع السابقة عن الروح ورحلتها العظيمة منذ أن تستقر في الإنسان وحتى تستقر في الجنة أو في النار.
مراتب تعلق الروح بالجسد
الروح لها تعلقات بالجسد ذكر العلماء أنها أربع تعلقات:
 تعلق الروح بالجسد بعد الموت
والروح هي: مادة شفافة لا ترى ولا تمس ولا تُعلم لها كيفية، وليس لها صفة إلا صفة العلو والدخول والخروج، وقد ثبتت بالكتاب والسنة ولا يعلم كنهها إلا الله، ولما سأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، قال الله تعالى: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] ولو أن الروح شيء مادي يمكن الوصول إليه لما كان خافياً على البشر هذا اليوم، فقد استطاعوا أن يعرفوا كل شيء: استطاعوا أن يغوصوا في الأعماق، وأن يسبحوا في الفضاء، وأن يذهبوا إلى العوالم الأخرى ويرجعوا كما تسمعون الآن من الرحلة الأخيرة التي ذهبت ورجعت ونزلت يوم أمس، وكذلك استطاعوا أن يروا أدق شيء في الكون حتى الفيروس؛ والفيروس: نوع من الميكروبات والجراثيم؛ لكنه أدق من الجرثوم، فالجرثوم يمكن أن يرى بالعين المجردة، لكن الفيروس ربما لا يرى حتى بالمجهر؛ وقد لا يرى بأدق المجاهير؛ المجاهير الإلكترونية التي تكبر ملايين المرات، وبها يمكن أن يرى.والروح لا ترى، وقد أجرى أحد العلماء الأمريكيين بحوثاً ودراسات على الروح، كيف تدخل، وكيف تخرج؟ وجاء برجل يحتضر ووضعه في صندوق وأجرى له جميع وسائل الحياة -صندوق زجاجي- وأخذ يرصد كل حركة وكل شيء يدخل هذا الروح، وبينما هو يرصد وإذا بالإنسان يموت، مات الإنسان داخل الصندوق دون أن يرى شيئاً دخل أو خرج!هذه الروح تخرج كما جاء في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها) فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك قال: (ويقول أهل السماء: روح طيبة، جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربها عز وجل، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل) والحديث في صحيح مسلم عن حماد قال صلى الله عليه وسلم: (أما الكافر إذا خرجت روحه .. فذكر الراوي من نتنها) -والعياذ بالله- والنتن والطيب هنا شيء معنوي، يتحول عند الموت إلى شيء مادي، وهو الآن مادي .. فوالله إننا لنشم رائحة الإيمان ورائحة الطيب في الرجل الصالح، وإننا لنشم رائحة الخبث في الرجل الخبيث، ولو اغتسل بماء الأرض كله .. إنه لخبيث مثل الخنزير.بعض المؤمنين تجده طبيعياً في اغتساله لكن فيه رائحة جميلة؛ وهذه الروائح عرفت الآن في الشهداء في الأفغان، ومن أراد أن يرى المزيد فليراجع كتاب: آيات الرحمن في جهاد الأفغان للشيخ الدكتور عبد الله عزام ، وذكر من الآيات الكثيرة ومن ضمن ما ذكر: أن القتلى من المؤمنين تجد لهم ريحاً مثل ريح المسك، والدم مثل ريح المسك، وبعضهم إذا حمل الشهيد وجاءوا يغسلون أيديهم من الدماء تبقى الرائحة أياماً، بل بعضهم قال: بقيت الرائحة في يدي بعد أن غسلتها شهوراً، إنها رائحة المسك من دم هذا الشهيد.قال: (فيخرج من نتنها وخبثها وقذرها، ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض جاءت، فيقال: انطلقوا به إلى الأجل) وقد ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث البراء بن عازب وهو صحيح في سنن أبي داود وأخرجه أحمد في مسنده : ذكر التكريم الذي يكون لروح العبد الصالح عند خروج روحه من جسده حيث تصلي عليها الملائكة، وتفتح لها أبواب السماء، وتجعل في كفن من الجنة، وفي حنوط من الجنة، وتخرج منها روائح طيبة تفوق رائحة المسك، ثم تأخذها الملائكة في رحلة علوية كريمة مباركة، وتفتح لها أبواب السماء، أما الروح الخبيثة فتلعنها الملائكة -والعياذ بالله- عند عروجها، وتغلق أبواب السماء دونها، ويدعو كل فريق من الملائكة على باب ألا تعرج من عنده -يقول: اللهم لا تأت من عندي هذه الخبيثة- وتجعل تلك الروح الخبيثة في حنوط من النار ومسوح من النار، وتفوح منها الروائح الخبيثة التي تؤذي الملائكة، ويعرج بها إلى السماء فلا يفتح لها باباً، فتلقى روحه من السماء. وفي حديث البراء يصف الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الرحلة من الموت إلى البرزخ، فيقول: (حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفُتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها -يعني ملك الموت- لم يدعوها في يده طرفة عين -قال الله عز وجل: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61] ويخرج منها كأطيب ريح وجد على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان؛ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين -وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:19-21] أي: يحضر كتابته المقربون من الملائكة- فيكتب كتابه في عليين -نسأل الله وإياكم من فضله- ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى).أما الكافر والفاجر -والعياذ بالله- فقد تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث فقال: (إذا نزعت روحه من جسده لعنته الملائكة بين السماء والأرض، وتغلق دونه كل أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في ذلك المسوح) والمسوح هو الشعر الغليظ الذي مثل المسحل أو المبرد، ليس فيه نوع من النعومة وإنما قاسٍ وشديد توضع فيه الروح فتتأذى الروح قبل أن تصل إلى الأذى العظيم في النار لا حول ولا قوة إلا بالله. (ويخرج منها ريح جيفة كأنتن ريح على وجه الأرض؛ فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: هذا فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا فتستفتح أبواب السماء فلا تُفتح، ثم قرأ: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]).يقول المفسرون: إن تعليق دخولهم الجنة على دخول الجمل في خرق الإبرة تعليق على المستحيل، هل من المعقول أن يدخل البعير في خرق الإبرة؟! ليس معقولاً، وفيه تفسير آخر مشهور: إن الجمل ليس الجمل البعير، الجمل: الحبل الغليظ الذي تربط به السفن في مراسيها، ولعلكم رأيتم السفن في الموانئ إذا وقفت ألقت حبالاً غليظة، وربطت بها في طرف الميناء حتى لا تسحبها الأمواج، وقالوا: إن الدليل على أن المقصود أن الجمل هنا الحبل؛ لقول الله عز وجل: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات:32]* كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات:33] أي: كأنه حبال صفر طويلة، فالشرر إذا امتدت كأنه حبل طويل، والقول الأول أرجح، وهو أن المقصود: أنه إذا دخل الجمل، أي: البعير؛ إذا دخل البعير في خرق الإبرة دخلوا هؤلاء في الجنة .. وهذا مستحيل.ثم يقول الله عز وجل: (اكتبوا كتابه في سجين) هذا فاجر؛ لأن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7] وما سجين؟ كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:9] ما هذا المرقوم؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:10] هذا المكتوب في هذا الكتاب. (وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتطرح روحه من السماء إلى الأرض، ثم قرأ قول الله عز وجل: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]) أعاذنا الله وإياكم من ذلك!وروى ابن ماجة في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد الميت تحضره ملائكة، فإذا كان صالحاً قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء؛ فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزالون كذلك، أما الرجل الفاجر -الرجل السوء- فإنه يقال لروحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميمٍ وغساق). الحميم: الماء الذي بلغ درجة متناهية من الحرارة، والغساق: هو القيح والدم الذي أحمي حتى أصبح في درجة الغليان وهو خبيث، وإذا كان بارداً وهو قيح ودم ليس جيداً، فكيف إذا كان قيحاً ودماً وصديداً وهو يفور، إذ لابد أن يشرب، من أين يشرب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم:17] (وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج؛ فإذا عرج بها إلى السماء؛ قفلت أبواب السماء، فيقال لها: لا مرحباً بالروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث) لأن الخبث والطيب -أيها الإخوة- إنما يكتسب من الدين، الخبث يكتسب من المعاصي، والطيب يكتسب من الطاعات، فالجسد الذي غذي بالحلال واستعين به في طاعة الله، وما رئي إلا في الأماكن الطيبة، فتجد عينه، وأذنه، ولسانه، ويده، ورجله، وفرجه كلها طاهرة، وسلوكه عامر .. وعبادة وصلاة .. هذا هو الطيب، وكل سلوكه طيب. أما الخبيث الذي عينه خبيثة فلا يمكن أن ترضى إلا بالحرام، وأذنه خبيثة لا تستمع إلا للحرام، ولسانه خبيث لا يسمع ولا يتكلم إلا بالحرام، ويده خبيثة تبطش بالحرام، ورجله، وفرجه، وبطنه كلها خبيثة -والعياذ بالله- وعمله خبيث .. هذا كله خبيث! ويظهر الخبث والطيب عند الموت.قال: (كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة؛ فإنها لا تفتح لك الأبواب؛ فترسل من السماء)، أي: يلقى بها حتى تصير إلى الأرض.
الأسئلة

 حكم ترك قراءة الفاتحة في الصلاة عمداً
السؤال: إذا ترك إنسان قراءة الفاتحة عمداً في الركعة الأولى، فهل تبطل صلاته كلها؟ أم تبطل الركعة التي ترك فيها القراءة فقط؟ وهل ينطبق عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)؟الجواب: يقول العلماء: إن من ترك ركناً عامداً أو ساهياً بطلت صلاته، فإن ترك قراءة الفاتحة عامداً وقرأها ثانيةً قبل أن ينتقل إلى ركن آخر فإن صلاته صحيحة، أي: كبر ويريد أن يقرأ ولم يقرأ، وقبل أن يركع تذكر أنها ركن فقرأها فصلاته صحيحة، أما إذا استمر في تركها حتى انتقل إلى ركن آخر وهو الركوع فقد بطلت صلاته وعليه أن يعيد الصلاة.أما المأموم فقد اختلف أهل العلم في حكم قراءة الفاتحة للمأموم على ثلاثة أقوال: قول للإمام الشافعي وهو أرجحها وأقواها وأقربها إلى الدليل وهو: إن من ترك قراءة الفاتحة إماماً كان أو مأموماً فإن صلاته باطلة.والدليل حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري وصحيح مسلم ، قال عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي حديث آخر في صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ وكان بعده من الصحابة من يقرأ فقال لما انصرف من الصلاة: (من الذي ينازعني القرآن؟) فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله، قال: (لا. إلا بفاتحة الكتاب) أي: لا تنازعني، ولا تقرأ ورائي إلا بفاتحة الكتاب.فدلت الأدلة هذه على أن قراءة الفاتحة ركن في حق المأموم والإمام والفرد.والقول الثاني للإمام أحمد ومالك وهو: أن الفاتحة تجب على المأموم في القراءة السرية، وتسقط عنه في القراءة الجهرية؛ لأن قراءة الإمام قراءة له، فإذا سمعت قراءة الإمام وأنت في الجهرية فإنك لا تقرأ؛ لأنك سمعت، أما في السرية فإنك تقرأ، وهذا قول الإمام أحمد ورجحه ابن تيمية .أما الأول رجحه الإمام البخاري وبوب عليه باباً وألف فيه كتاباً وانتصر له انتصاراً عظيماً، وقال: لا يمكن أبداً أن نضع -أو أن نضيع- حديثاً صحيحاً في صحيحي البخاري ومسلم لا تنهض لمقاومته الأحاديث التي في السنن والتي فيها قراءة الإمام قراءة للمأموم، لا. هذا لا يقاوم ولا يعضد ولا يستطيع أن يصل إلى درجة صحيحي البخاري ومسلم . القول الثالث: وهو من الأقوال التي لا دليل عليها، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لا في السرية ولا الجهرية، أي: ابق واقفاً بعد الإمام، ولا دليل له غير أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ورد عليه بأنه يؤتم بالإمام في الحركات، أما في الأقوال فإنه مطلوب من المسلم أن يكبر ويقرأ الفاتحة ويقول أيضاً: سبحان ربي العظيم، والذي يرجحه أهل العلم أن تقرأها إماماً أو مأموماً، أين تقرأها؟ إن كانت سرية تقرأها في سرك، وإن كانت جهرية ففي سكتات الإمام، أي: إذا قال: ولا الضالين، آمين. تقرأ، وإن كان لا يسكت، أي: بعض الأئمة يقول: ولا الضالين آمين ويقرأ مباشرة، عندئذٍ اقرأ وهو يقرأ؛ لأنه مطلوب منك؛ ولأن هذا لا ينافي قول الله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف:204] لأن هذه الآية عامة وهذه لها دليل مخصص والمخصص مقدم على العام، والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , علاقة الروح بالجسد للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net