اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , انشراح الصدر [1،2] للشيخ : سعيد بن مسفر


انشراح الصدر [1،2] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
الهداية نعمة عظيمة يمنحها الله لمن يريد من عباده، وهي ضمان لجلب السعادة وانشراح الصدر.وقد شرح الله صدور أنبيائه، فقاموا بالدعوة على وجهها الأكمل، وامتن الله بهذه النعمة على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.وقد حوت هذه المادة بياناً لعاقبة الإعراض عن الله، مع إيراد قصة أسئلة قريش التي أخذوها من اليهود، ووجهوها للرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى الحديث عن أسباب انشراح الصدر.
نعمة الهداية وانشراح الصدر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالصحة والعافية في الأبدان، ولك الحمد بالأمن والطمأنينة والاستقرار في الأوطان، ولك الحمد بالأرزاق التي تُجلَب رغداً لنا من كل مكان، اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا، من قديم أو حديث، أو شاهد أو غائب، أو حي أو ميت، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضا، ولا حول ولا قوة إلا بك.أيها الإخوة في الله! إن من أجلِّ النعم ومن أعظم المنن على العبد في هذه الحياة، أن يشرح الله صدره للإسلام، نعمة ليست كسائر النعم، لأن جميع النعم تؤدي دوراً ثم تنتهي آثارها، أما نعمة شرح الصدر للإسلام فهي نعمة تلاحقك آثارها في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وفي عرصات القيامة حتى تدخل الجنة.فالمال نعمة -ولا أحد ينكر هذا- وهو مما حبب إلى الناس، ولكن ينفع فقط إلى أن يموت الإنسان فإذا مات فلا مال له، والمال للورثة من بعده.والمنصب نعمة، الأمر والنهي والتكريم والتبجيل نعمة، وكل إنسان يحبها، ولكنها نعمة تنتهي بانتهاء المنصب، فإذا انتهى المنصب انتهت النعمة.والعافية نعمة، والأولاد نعمة، والزوجات نعمة، وكل متع هذه الحياة في الغالب نعم، ولكنها نعم وقتية زائلة تنفع ثم تنتهي، ولكن النعمة الكبرى هي النعمة التي لا تنتهي، ولا تنقطع آثارها، هي: (نعمة شرح الصدر لهذا الإسلام).
 إكرام الله للرسول صلى الله عليه وسلم برفع ذكره
وينزل الفرج بعدها بقوله تبارك وتعالى: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3].سبحان الله! كيف العذر؟! وما أعظم هذا الرسول عند الله! يقسم الله تعالى له بالضحى، والليل إذا سجى: أي: غطى الأكوان كلها، والضحى: حين شروق الشمس وانتشار الضياء، والليل إذا سجى أي: تسجى به الأرض -أي: مثل الغطاء- ما ودعك أي: ما تركك ولا قلاك ولا هجرك، ولكن هناك شيء محذوف فما هو؟هو أن يربيك الله سبحانه وتعالى حتى لا تغلط فتقول غداً أفعل... ولكن قل: إن شاء الله؛ لأنك لا تعلم ما يكون غداً، قال الله تعالى له: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] الأمر بيد الله وليس بيدك، اربط كل شيء في حياتك بمشيئة الله، أما أن تكون لك مشيئة خاصة منفردة عن مشيئة الله فلا، ولهذا قال واحد من الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم: (ما شاء الله وشئت يا رسول الله! قال: أجعلتني لله نداً، بل قل: ما شاء الله وحده) ما لي مشيئة إلا تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، فقل: ما شاء الله وحده، وهذا من ضبط العقيدة، ومن سد ذرائع الشرك، فلا تقل لأحد: ما لي إلا الله وأنت! أو أنا متكل على الله وعليك! تعتقد أنه يضر وينفع؛ فلا ضار ولا نافع ولا معطي ولا مانع إلا الله. وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:1-5] ثم امتن الله تعالى عليه بالنعم فقال له: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى:6-8] ثم بعد ذلك تنزل سورة الشرح يقول الله تعالى له: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:1-4] ليس على وجه البسيطة -ولن يكون إلى يوم القيامة- أعلى ذكراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فأكرم أهل الأرض وأكرم الخلق أجمعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهل يوجد الآن في الأرض أعظم ذكراً منه؟ فالمسلمون اليوم عددهم ألف مليون مسلم على وجه الأرض، وكل المصلين يصلون عليه كل يوم، وكل فرد منهم يصلي عليه ويشهد أنه رسول الله عدة مرات في الأذان والتشهد وغيرها، ولا تقبل صلاته إلا إذا قال في تشهده: (التحيات لله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).وكم مؤذن يرتفع صوته ويشق عنان السماء في كل يوم! وهو يقول في أذانه: (أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله) فهل هناك أعظم من هذا الذكر؟ وهل هناك في الخلق أعظم ذكراً من محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا يوجد، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يذكر حياً ويذكر ميتاً وكلما صلي عليه -صلوات الله وسلامه عليه صلاةً دائمةً متتابعة ما تتابع الليل والنهار- امتن الله عليه بالرفعة والمكانة العظيمة.
أهمية انشراح الصدر في قيام الأنبياء بالدعوة
وقد سأل هذه النعمة -وهي انشراح الصدر- نبي الله موسى عليه السلام، وهو نبي من أولي العزم، وورد في فضله آيات كثيرة وأحاديث، منها قول الله عز وجل: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144].. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] ومنها قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] وهو رسول نبي من أولي العزم من الرسل، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (إني أبعث فإذا بموسى آخذ بساق العرش، فما أدري أبُعِثَ قبلي أم أنا قبله) وذلك من فضله، ولكن الصحيح أن أول من يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب اللواء يوم العرض صلى الله عليه وسلم.وهو صاحب الشفاعة العظمى، حتى أن موسى يوم القيامة يأتي إليه الناس، ويقول لهم: (نفسي نفسي، إن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً).فيقول: أذنبت ذنباً، ولي سابقة لا أستطيع أن أقابل ربي بها، ولا أستطيع أن أتكلم شافعاً لديه، وكذلك إبراهيم يقول: (لا أستطيع) وعيسى يقول: (لا أستطيع، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم) قال: (فآتي فأسجد تحت العرش، وأثني على الله، فيقال: يا محمد! سل تعطه واشفع تشفع...).موسى عليه السلام كلفه الله تعالى بحمل رسالة عظيمة، وهي دعوة طاغية من طغاة الأرض طغى وبغى وتجبر وادعى أنه الرب الأعلى، وقال لأهل مصر : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فهل هناك أعظم من هذا؟وبعد ذلك يقول: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51].. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] وهو -والله- المهين.خرج موسى من مصر هارباً بعد أن قتل نفساً، خرج وفرعون غاضب عليه لفعلته! ثم يقول الله له: اذهب إلى فرعون -فيا لله ما أعظمها من مهمة! اذهب إلى فرعون ..- هذا الذي يقول بأنه رب، وأَخْبِرْه أنه عبد، وادعه إلى عبودية الله وحده؛ فشقت عليه المهمة، ولكن لا خيار له في أمر الله، فاعتذر وقال: يا رب! أخي أفصح مني لساناً: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ [الشعراء:13] فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:34] وبعد أن كلفه الله بالرسالة قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] أي: أعطني مؤهلات أستطيع بها أن أمارس هذه المهمة العظيمة، إن أعظم وسيلة تعينك على القيام بمهمة الدعوة أن يشرح الله صدرك للإسلام: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:25-32].أذلك من أجل أن نبني عمارة أو ننشئ مؤسسة؟ كما يقول الواحد منا: أنت أخي وأنا أخوك، تعال نتعاون على الدنيا، نشتري مزرعة ونجعل فيها (رشاشات مياه)، وعشرين برجاً، ونعمل مؤسسة، ونشاطاً متعدداً، ولوحةً طولها عشرون متراً، من بداية العمارة إلى نهايتها (مؤسسة التجارة والمقاولات والمواد الغذائية والملبوسات والعطر والسباكة) ما ترك للمسلمين شيئاً، أخذ الدنيا كلها في راحة يده، لا يريد أحداً أن يُرزق معه -والعياذ بالله- إذا قيل له: دع الناس يربحون معك، فسيقول: لا؛ أريدها كلها، تدخل دكانه من باب، وتخرج من الباب الثاني، تجد الدنيا كلها في دكانه (سوبر ماركت) سوق مركزي، حتى أغلق أصحاب الدكاكين الصغيرة دكاكينهم، كان الناس يُرزقُ بعضُهُمْ من بعض، دكان بجوار دكان، وألف دكان يستفيد منها ألف بيت، الآن ألف دكان أصبحت في دكان واحد يستفيد منها بيت واحد، يدخل الزبون من باب ويخرج من الثاني، كما يقولون: من الملعقة إلى ... كل شيء، واللوحة العريضة في الواجهة يريد الدنيا بأجمعها.لكن موسى يقول: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:31-32] لماذا؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى... [طه:33-37] إلى نهاية القصة.فشرح الله تعالى صدره للقيام بهذه المهمة العظيمة.وأنت تدرك -يا أخي- مدى وعظم أهمية الرسالة والدعوة، مثلاً يوم تجد نفسك عاجزاً عن هداية أهلك في بيتك، تمارس كل وسائل الدعوة، مع أمك وأبيك، وأختك وأخيك، وابنتك وزوجتك، وشخص يستجيب وعشرة لا يستجيبون، وهذا نبي يقول الله له: اذهب إلى فرعون ويقول: قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا [طه:45] فهذا طاغية ملعون، كيف نقول له: أنت عبد وهو يدعي أنه رب؟ كيف يقبل منا الكلام؟ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] فجاءهم الأمان من الله قال: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46].اذهبا فقط والمظلة الربانية تحميكما، والعناية الإلهية معكما، فلا تخافا: إِنَّنِي مَعَكُمَا [طه:46] ومن كان الله معه فلا يخاف.وإذا العناية لاحظتك عيونهـا نم فالمخاوف كلهن أمان
 انشراح صدر الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة
وشرح الله صدر النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام وهو يخرج من مكة مهاجراً مهدداً بالقتل: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] وبعد ذلك يعمي عليهم الله أمره، ويخرج وهم جلوس عند البيت محيطون به يريدون أن يذبحوه، فيذر على رءوسهم التراب وهم نائمون، ويأتي إلى الغار ويجلس مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويجعل كفار مكة مائة بعير جائزة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وتنتشر قبائل قريش في آفاق الجزيرة تبحث عن هذا الرجل لعلها تنال هذا الجُعْل العظيم، فأين المائة البعير، كأن تقول الآن: مائة سيارة (مرسيدس) فهي بمثابة البعير في ذلك الزمان، وهو سفينة الصحراء، وكل شخص يضرب الأرض يريد أن يحصل عليه.في أثناء تتبعهم وصلوا إلى الغار الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، فيقول أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا) يقول: هم الآن فوقنا لو خفض أحدهم رأسه لرآنا مباشرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40].من أين جاء هذا الكلام؟ هذا من شرح الصدر: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] وهذه نعمة لا تعدلها نعمة، وفي ضدها نقمة ومصيبة، وهي قسوة القلب.
الإنسان بين انشراح الصدر وقسوة القلب
يقول الله عز وجل: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22] فهما صورتان متقابلتان متضادتان:
 حال من قست قلوبهم
2/ والصورة الثانية: صورة معتمة وصورة مشوهة: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22] فأولئك في ضلال مبين: حسي ومعنوي.ويل لهم ثم ويل لهم ثم ويل لهم!!ويل لهم في هذه الحياة قبل الممات، فهم يتجرعون مرارة الكفر والمعصية، ومرارة البعد عن الله، أتتصورون أن هؤلاء الذين هم على الكفر وعلى المعاصي والذنوب ليسوا في عذاب الآن؟ والله! إنهم في عذاب الآن قبل الآخرة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] ويقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً [طه:124] فوالله! إنهم لفي عذاب.ويل لهؤلاء الذين يعرضون عن الله، وتقسو قلوبهم عن ذكر الله، وتعيش قلوبهم في ضلال مبين، فويل لهم اليوم وويل لهم غداً عند الموت، يوم تأتي أحدهم الملائكة وتقول له: (يا أيتها الروح الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب).وويل لهم يوم يدخلون في قبورهم وتأتيهم الملائكة وتقول لكل منهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه هاه لا أدري، لا يعلم الجواب، فقد ضيع حياته في معصية الله، فتقول له الملائكة: (لا دريت ولا تليت...).وويل له يوم يأتيه عمله الذي عمله في الدنيا، فيتمثل له ذلك العمل في صورة رجل، ويأتيه على هيئة العمل الذي صنعه، إن كان عمله سيئاً فيأتيه، فيقول له: (أبشر بالذي يسوءك، فيقول: من أنت فوجهك الذي يأتي بالشر، يقول: أنا عملك السيئ).ويل له وهو يوقد عليه القبر جمراً أحمر يتقلب عليه ليلاً ونهاراً.ويل له والقبر يضغطه حتى تختلف أضلاعه وتلتقي أضلاع اليمين بالشمال، والشمال باليمين.ويل له ثم ويل له يوم القيامة يوم يبعث من في القبور: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:43-44] والذلة ذلة المعصية والكفر ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44]. ويل لهم يوم يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:7-8].ويل لهم يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:13-16] يعني: سواء صبروا أم لم يصبروا، فهل هناك أحد يصبر على النار؟ لا والله لا أحد يصبر على النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.ويل لهم بعد ذلك: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48].ويل لهم يوم ينادون لأخذ كتبهم وأخذ شهاداتهم، إذ هي شهادات ملطخة بجرائمهم؛ لأنه يوجد شهادات مشرفة، وهي الشهادات المملوءة بدرجات عليا مشرفة، فترى في الدنيا الطالب يأخذها ويقول لأهله: انظروا، أما الساقط البليد الذي شهادته كلها دوائر حمراء فلا يعطيها لأهله خجلاً وخوفاً، ولا يذهب لأخذها من مدرسته، وإذا سأله أهله: هل خرجت النتيجة يقول: لا. وهي قد خرجت، ولكن لا يريد أن يعلمهم بالفضيحة، يقول لأهله: قالوا بعد غد، حسناً.. وبعد غد يقولون له: طلعت النتيجة؟ يقول: نعم طلعت، قالوا: بشرنا، قال: قرأوا الأسماء قبل أن أحضر، وقد سمعوا اسمي، وهو يريد أن يأتي بها بالتقسيط كي لا يأتي بالخبر المهول، ولكن غداً إن شاء الله أتأكد، وجاء يوم الغد، قالوا: بشّر، قال: الحمد لله ثلاث مواد فقط، الحمد لله، هناك مجموعة من الزملاء منهم من سقط في ثمان وفي تسع وفي عشر مواد، أما أنا فالحمد لله .. لك الحمد يا رب، ثلاث مواد فقط أعيدها، ولكن ما يهمكم..!أيها الساقط في الدنيا! معك دور ثانٍ وفصل ثانٍ وعلم ثانٍ، وإذا لم تدرس فيمكن أن تعمل.لكن هؤلاء ويل لهم يوم يعطون كتبهم بشمائلهم؛ لأنهم يوم القيامة يريدون أن يغالطوا الله ويأخذوا الكتب باليمين، يرون أهل الإيمان يأخذون كتبهم، يريد أن يكون في الآخرة كذاباً كما كان في الدنيا، يقول الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ [المجادلة:18] فيرفعون أيمانهم فتضربهم الملائكة بمقامع من حديد على مناكبهم فتسقط أيمانهم، فما يبقى معه إلا الشمال، فيأخذ كتابه بشماله ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27].ثم يتذكر ما الذي غره؟ ما يغر الإنسان في الدنيا إلا أمران: المال والسلطان، فيقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] ما نفعني مالي، فأين السلطة والوظيفة إذ لم ينفع المال؟ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] فلا مال ينفع ولا وظيفة تنفع، وإذا به يقول بلسان حاله: أنا الآن في موقف صعب جداً، ثم بعد تلك الحسرة والندامة قال الله تعالى: خُذُوهُ [الحاقة:30] أي: خذوا هذا المجرم الكذاب: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] والغل: هو وضع القيد والسلاسل في الرقبة: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً [الحاقة:31-32] في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أن حلقة من حلق هذه السلسلة وضعت على الأرض لأرفضتها) سَبْعُونَ ذِرَاعاً فاسْلُكُوهُ [الحاقة:32] والسلك: أنها تُدخل من فمه وتُخرج من دبره، من أجل أن يتقلب كالدجاجة في الشواية إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] كان قلبه قاسياً عن ذكر الله، وكان يعيش في ضلال مبين، لم يشرح الله صدره للإسلام لأنه ما طلب الهداية ولا عمل بمقتضاها، فقلبه مغلق عن الدين، مفتوح على كل شيء إلا طاعة الله، يحب كل شيء إلا الصلاة، ويطرب لكل شيء إلا القرآن، ويألف كل شيء إلا المساجد، ويحب الناس كلهم إلا أهل الخير منهم، هذا عبدٌ شيطاني ما نور الله قلبه، ولا شرح الله صدره، وإنما قلبه قاسٍ مقفول عن محبة الله تبارك وتعالى وطاعته، فويل له ثم ويل له ثم ويل له: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22].
أسباب انشراح الصدر وهدايته
كيف نحصل على هذه الهداية وهذا الشرح؟يقول الله عز وجل: فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] فكيف يشرح الله صدرك للإسلام؟هذه تأتي بمبادرة منك وبإجابة من الله، فالله هو الهادي وأنت طالب الهداية، والله هو الشارح للصدور وأنت طالب شرح صدرك، تأتي منك فإن طلبت جاءك الطلب، وإن أعرضت فالله غني عن العالمين.
 أصناف الذكر
الذكر خمسة أصناف:الأول: ذكر الله عند ورود أمره، يعني: إذا كنت جالساً في البيت، وسمعت المؤذن وقمت إلى الصلاة فأنت ذاكر؛ لأن الله تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه، أنت ماشٍ في الشارع وإذا امرأة كاشفة متبرجة والشيطان يدعوك للنظر إليها، والله أمرك بالغض من بصرك عنها فغضضت خوفاً من الله، أنت بذلك تعد ذاكراً لله؛ لأن الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] فأنت إذا عرضت عليك المعصية وصرفت نفسك عنها، فقد ذكرت الله، وهذا ذكر عظيم، ذكر عملي.الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات، أن تتعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكل عمل ومناسبة وحالة ذكرها، فإن الشرع رتب للمسلم أذكاراً في كل حال، ابتداءً من الاستيقاظ حتى تنام، إذا استيقظت قبل أن تفتح بصرك وقبل أن تشاهد أي شيء تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) كأنك تقول: يا ربِ أعطيتني فرصة أخرى كي أعبدك فلك الحمد، أعطيتني فرصة من أجل أن أصحح الخطأ وأعمل العمل الصالح فلك الحمد يا ربِ! لو أردت لجعلتها موتةً واحدةً، وبعد ذلك كيف أصلي؟ كيف أستغفر؟ كيف أعمل؟ ولكن من فضلك ورحمتك ومنتك أن أعدتني إلى الحياة فأقول أنا: (الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) وبعد ذلك تخرج إلى الحمام وتقدم رجلك اليسرى وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم. وتقضي حاجتك، ثم تخرج وتقدم رجلك اليمنى، وتقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك. وبعد ذلك تلبس الثوب وتذكر الله، وتنظر إلى المرآة أمامك وتذكر الله، تخرج إلى المسجد وتذكر الله، هناك أذكار معينة إذا دخلت المسجد، وإذا خرجت من المسجد، وإذا عدت إلى البيت، وإذا أتيت زوجتك، وإذا أكلت طعامك، وإذا رأيت البرق، أو سمعت الرعد، أو نزل المطر، كل حال من أحوالك عليها خاتم الذكر، ويجب أن تتعلم هذه الأذكار، وهذه يسمونها: أذكار الأحوال والمناسبات.الذكر الرابع: الأذكار العددية، التي عدها الشرع وحدها بعدد معين، وتعبدنا بعددها مثل: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده؛ غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج أو مثل زبد البحر) وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) وهذا الحديث في صحيح مسلم وهو حديث صحيح، والعاملون به قليل؛ لأن الشيطان يأتيك وأنت تصلي ويذكرك ويقول: قم .. الحق .. امش، من أجل ألا تقعد دقيقتين فقط تذكر الله فيها.شخص من الإخوان بدأ يقولها: سبحان الله .. سبحان الله بأحسن أداء، وحسبنا الوقت فوالله ما أخذت دقيقتين، لكن الشيطان يخرجك من هنا ويجعلك تضيع وقتك فتجلس مع رفاقك عشر دقائق في السوق، لكن هنا لا تجلس دقيقتين! فلا بد أن تقول هذا الدعاء عقب كل صلاة، كما في الحديث: (من قال عقب كل صلاة...) لأنه ليس في العشاء فقط، وفي الفجر تتركها ولا تقولها، وفي الظهر ترجع من الدوام ولا تقولها، وفي العصر تذهب لكي تنام، لا، بل عقب كل صلاة لا تقم -ولو احترقت الدنيا، وأنت في المسجد- إلا بعد أن تكملها، دقيقتين -يا أخي- وبعد ذلك قلها بأداء صحيح وقلبك حاضر، ليس كما يفعل أكثر الناس، نرى الناس يُسبحون ولا ندري كيف يقلقل قلقلة؟ هل هذا تسبيح؟ متى سبح؟ ويتلفت في المسجد هل هذا تسبيح؟ .. هذا لعب! لا تتلفت انظر في أصابعك، تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، هذه -والله- إنها كالذهب.فالآن عندما تستلم راتبك كيف تعده، هل تعده وأنت تتلفت أم أن عينك في النقود وتفحصها؟ ولو أن واحداً جاء يسلم عليك وأنت تعد الفلوس هل تسلم عليه؟ لا، والله! ما ترد السلام عليه، وإذا بك بعد ما تنتهي تقول له: آسف -والله- كنت أعد الفلوس، هذه فلوس ما هي لعبة! فالفلوس لا نضيعها، لكن التسبيح كم سبحت قال: لا أعلم، نسأل الله أن يتقبل! لا -يا أخي- عدها إن (سبحان الله) أعظم من الدنيا وما عليها.يُحكى أنه في ذات مرة مرَّ سليمان بن داوُد هو وحاشيته وجنده على بساط تحمله الريح، البساط الذي يسره الله له وسخر له الريح تمشي بأمره رخاءً حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، الغدوة مسيرة شهر، والروحة مسيرة شهر، ثم هي بأمره إذا قال: انزلي .. أنزلته، بلا مطارات، وبلا وقود، سفينة ربانية!فمر على مدينة من المدن فحجب البساط ضوء الشمس عن الأرض، وكان هناك فلاح في الأرض يعمل فرفع رأسه وقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً. فسمعه سليمان عليه السلام وهو على البساط، فأمر الريح أن تُنزِله فأنزلته وجاء إليه وقال له: ماذا قلت؟ قال: ما قلت شيئاً، فخاف؛ لأن سليمان ملك ونبي، قال: لم أقل شيئاً، قال: بلى قلت، فماذا قلت؟ قال: قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فقال سليمان: والذي نفسي بيده! إن الكلمة التي قلتها أعظم عند الله مما أوتي آل داود.سبحان الله! تعظيم لله وتنزيه لله، فعليك أن تسبح عقب كل صلاة وقد ورد أيضاً حديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم وفيه أيضاً عدد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان كمن أعتق عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة وحط عنه مائة خطيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلاً قال مثل ما قال أو زاد، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذاك) فهذه خمس كيف تضبطها بالعدد بأن تعد، وهذه هي الأذكار العددية.النوع الخامس: الذكر المطلق، أن تذكر الله على كل حال وفي كل حين، وأفضل ما يذكر الله به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذ هن الباقيات الصالحات، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح قال: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وغربت).كم أشياء طلعت عليها الشمس وغربت من المزارع والمباني والبنوك والعمارات، ولكن هذه الأربع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل ذلك.فهذان عنصران هما: قراءة القرآن وذكر الله.
ضرورة تلاوة القرآن وتدبره والعمل بمقتضياته
قراءة القرآن أرجو ألا يتصور بعض الناس أنها فقط مجرد التلاوة، بل هي التلاوة والعمل بمقتضاها، إذ مجرد التلاوة بدون عمل لا تغني ولا تنفع، فلو أن لك -ولله المثل الأعلى- ولداً يدرس في أبها وأنت في مكة وأرسل لك ورقة من أبها كتب فيها إليك: يا أبي إن البرد القارس يقطع أوصالي ويفتت عظامي، وأنا أعيش في غرفة وليس معي مدفأة أتدفأ بها ولا معطف ألبسه، والناس من حولي معهم المعاطف و(العبي) وأنا لا أملك نقوداً، ولهذا أطلب منك يا والدي أن ترسل لي بألف ريال أشتري بها مدفأة وملابس، ولما وصلت الرسالة إلى والده في مكة وهو جالس في الحر والدفء تأثر حقيقة، فقرأها فبكى، وقرأها على أمه فبكت، ولكن ما أرسل نقوداً، وبعد ذلك جاء الولد وقال: يا والدي أرسلت لك رسالة فهل وصلتك؟ قال: نعم. بلغتني، والله لقد أثرت فيَّ هذه الرسالة، وبلغت مني كل مبلغ، وقرأتها وتقطع قلبي لما بها، وبكيت، قال: يا أبي أنا ما أرسلتها لكي تبكي، أرسلتها لكي تعطيني ألف ريال، ما رأيكم بهذا الأب هل هو صادق في تأثره؟ لا بل كاذب في تأثره، ولو أنه متأثر حقيقة فمن يوم قرأها يمشي إلى البنك ويحول لولده بألف ريال من أجل أن يستدفئ ولله المثل الأعلى.الله أنزل هذا القرآن لنعمل به وليس لنقرأه فقط، فالآن لو أنك موظف وجاءك تعميم من الوزارة أو من الإدارة وقال لك مدير الإدارة: الإخوة الموظفون! للإطلاع والتوقيع بالعلم، وطلب منك أن توقع في التعميم بالعلم، ماذا يتطلب منك الأمر? يتطلب منك أن تقرأ التعميم، فمن الذي يوقع قبل القراءة؟ ولو أن شخصاً وقع قبل القراءة ماذا نسميه؟ نقول: هذا مغفل وأحمق، توقع على تعميم أتى من الوزارة وما قرأته، افرض أن فيه قرارات .. افرض أن فيه شيئاً.والتعميم الرباني من الله، تقرأ القرآن ولا تعلم ماذا هناك، تقرأ قول الله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] وأنت تسمع الأغاني، كم مرة سمعت أن الأغاني حرام، وكم مرة قرأت هذه الآية، وما انتهيت عن الأغاني، فما معنى هذا?معناه: إصرارك على أن تعصي الله على علم، يكفي -يا أخي- أنت عبد الله، بمجرد أمر واحد أو فتوى واحدة أن الأغاني حرام فتمتثل ولا تستمع، هي قرآن الشيطان ووحي إبليس وهي ضد القرآن، فلماذا تعاند ربك وتستمر عليها وأنت تعلم أنها حرام، وأنت تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول والحديث في صحيح البخاري : (ليكونن في آخر الزمان أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وهناك حديث مرفوع وقيل موقوف على ابن مسعود: [الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل] وفي بعض الآثار: [من استمع إلى مغنية صب الله في أذنيه يوم القيامة الرصاص المذاب] وفي سنن ابن ماجة حديث عن عمرو بن قرة الجهني قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: (يا رسول الله! ما أراني أُرزق إلا من دفي بكفي -فهو لديه دف يضرب به على أولاد المدينة فيعطونه تمراً فيأكل، فهو يقول ليس عندي عمل- فرخص لي يا رسول الله -سهل لي فيها أمراً في غير ما فاحشة، يقول: ما أريد أن أغني بفاحشة- قال صلى الله عليه وسلم: قم يا عدو الله كذبت، والله لولا أنك سبقت بالتقدمة لحلقت رأسك ولجعلت مالك نهبة لصبيان المدينة ) فقام وبه من الذل ما لا يعلمه إلا الله، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إن هذا ومن هو على شاكلته يبعثون يوم القيامة عرايا لا يستترون بهدبة كلما قاموا صرعوا) هؤلاء أهل الفن، يخلده الفن في النار، ولهم عواء كعواء الكلاب في جهنم -والعياذ بالله- فلا تقترب منهم -يا أخي- ولا تكن مشجعاً لهم ولا تكن من جمهورهم.كن من أهل القرآن ومن المشجعين لكتاب الله، كن من أهل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول ابن القيم رحمه الله:برئنا إلى الله من معشـر بهم مرض من سماع الغنا فعشنا على سنة المصطفى وعاشوا على دندنا دندنا و(يا عين) و(يا ليل) وبعد ذلك يتجرع نتائجها يوم القيامة فلا حول ولا قوة إلا بالله! فيا أخي المسلم! العبرة من التلاوة أن تعمل بالتلاوة: إِنَّ السَّمْعَ [الإسراء:36] عرفت هذا، فلا تستمع إلى غيبة، ولا نميمة، ولا قول زور.وَالْبَصَرَ [الإسراء:36] لا تنظر إلى الحرام، ولا تملأ عينك الحرام (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) ما معنى أن الله تعالى يقول لك: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ [النور:30] من هم المؤمنون؟ أهل روسيا أو بريطانيا ؟ لا. بل أنت الذي ولدت في بلد الإسلام ومن أهل الإيمان: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30].ولكن بعض الناس يقرأ الآيات ويسمع القرآن وإذا رأى امرأة نظر بعينيه وحركها بشرهٍ، يعني: يريد أن يبتلعها بعيونه، الله تعالى يقول: غضوا، وهو يقول: فتحوا، أعوذ بالله! هذه العين ما علاجها إلا من جهنم؛ لأن (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه ابتغاء مرضاة الله أبدله الله إيماناً في قلبه يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) كما ورد في الحديث.وَالْفُؤَادَ [الإسراء:36] فلا تفكر ولا تسر إلا فيما يرضي ربك، فلا تمش بقدمك إلى حرام، ولا تمدَّ يدك إلى حرام، ولا تتكلم بلسانك في حرام، وقيد نفسك بتعاليم القرآن، وكن قرآناً متحركاً، وكن قرآناً حياً كما قالت عائشة لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان خلقه القرآن) والحديث صحيح.تريد خلق النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى عنه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] فخلقه القرآن، وتعاليم القرآن كلها انعكست وتمثلت في شخصه صلى الله عليه وسلم.فاقرأ القرآن، واعمل بالقرآن، واستشف بالقرآن، واحتكم إلى القرآن، وتدبر القرآن، تعلم القرآن، احفظ القرآن، كن قرآناً؛ لأنك إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في قلبك، فإن كان للقرآن منزلة في قلبك فاعلم أن لك منزلة عند الله، وإن كان لا يوجد للقرآن منزلة في قلبك فاعلم أنه لا منزلة لك عند الله.ومن الناس -والعياذ بالله- من إذا حرك مؤشر المذياع وسمع قرآناً كأنك ضربته على وجهه، لا يريد ريح القرآن، فإذا وجد أغنية استقر عليها وانبسط، فيعرض عن الله ويبتعد -والعياذ بالله- وهذا مدبر ولا خير فيه. والله أسأل في هذه الساعة المباركة ولعلها ساعة إجابة، أن يشرح صدورنا وإياكم إلى الإسلام، اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واغفر لنا في دنيانا وآخرتنا، واجمعنا وجميع أحبائك إخواناً في الله في دار كرامتك، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 أصناف الذكر
الذكر خمسة أصناف:الأول: ذكر الله عند ورود أمره، يعني: إذا كنت جالساً في البيت، وسمعت المؤذن وقمت إلى الصلاة فأنت ذاكر؛ لأن الله تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه، أنت ماشٍ في الشارع وإذا امرأة كاشفة متبرجة والشيطان يدعوك للنظر إليها، والله أمرك بالغض من بصرك عنها فغضضت خوفاً من الله، أنت بذلك تعد ذاكراً لله؛ لأن الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] فأنت إذا عرضت عليك المعصية وصرفت نفسك عنها، فقد ذكرت الله، وهذا ذكر عظيم، ذكر عملي.الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات، أن تتعلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكل عمل ومناسبة وحالة ذكرها، فإن الشرع رتب للمسلم أذكاراً في كل حال، ابتداءً من الاستيقاظ حتى تنام، إذا استيقظت قبل أن تفتح بصرك وقبل أن تشاهد أي شيء تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) كأنك تقول: يا ربِ أعطيتني فرصة أخرى كي أعبدك فلك الحمد، أعطيتني فرصة من أجل أن أصحح الخطأ وأعمل العمل الصالح فلك الحمد يا ربِ! لو أردت لجعلتها موتةً واحدةً، وبعد ذلك كيف أصلي؟ كيف أستغفر؟ كيف أعمل؟ ولكن من فضلك ورحمتك ومنتك أن أعدتني إلى الحياة فأقول أنا: (الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور) وبعد ذلك تخرج إلى الحمام وتقدم رجلك اليسرى وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم. وتقضي حاجتك، ثم تخرج وتقدم رجلك اليمنى، وتقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك. وبعد ذلك تلبس الثوب وتذكر الله، وتنظر إلى المرآة أمامك وتذكر الله، تخرج إلى المسجد وتذكر الله، هناك أذكار معينة إذا دخلت المسجد، وإذا خرجت من المسجد، وإذا عدت إلى البيت، وإذا أتيت زوجتك، وإذا أكلت طعامك، وإذا رأيت البرق، أو سمعت الرعد، أو نزل المطر، كل حال من أحوالك عليها خاتم الذكر، ويجب أن تتعلم هذه الأذكار، وهذه يسمونها: أذكار الأحوال والمناسبات.الذكر الرابع: الأذكار العددية، التي عدها الشرع وحدها بعدد معين، وتعبدنا بعددها مثل: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده؛ غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج أو مثل زبد البحر) وقال صلى الله عليه وسلم: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) وهذا الحديث في صحيح مسلم وهو حديث صحيح، والعاملون به قليل؛ لأن الشيطان يأتيك وأنت تصلي ويذكرك ويقول: قم .. الحق .. امش، من أجل ألا تقعد دقيقتين فقط تذكر الله فيها.شخص من الإخوان بدأ يقولها: سبحان الله .. سبحان الله بأحسن أداء، وحسبنا الوقت فوالله ما أخذت دقيقتين، لكن الشيطان يخرجك من هنا ويجعلك تضيع وقتك فتجلس مع رفاقك عشر دقائق في السوق، لكن هنا لا تجلس دقيقتين! فلا بد أن تقول هذا الدعاء عقب كل صلاة، كما في الحديث: (من قال عقب كل صلاة...) لأنه ليس في العشاء فقط، وفي الفجر تتركها ولا تقولها، وفي الظهر ترجع من الدوام ولا تقولها، وفي العصر تذهب لكي تنام، لا، بل عقب كل صلاة لا تقم -ولو احترقت الدنيا، وأنت في المسجد- إلا بعد أن تكملها، دقيقتين -يا أخي- وبعد ذلك قلها بأداء صحيح وقلبك حاضر، ليس كما يفعل أكثر الناس، نرى الناس يُسبحون ولا ندري كيف يقلقل قلقلة؟ هل هذا تسبيح؟ متى سبح؟ ويتلفت في المسجد هل هذا تسبيح؟ .. هذا لعب! لا تتلفت انظر في أصابعك، تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، هذه -والله- إنها كالذهب.فالآن عندما تستلم راتبك كيف تعده، هل تعده وأنت تتلفت أم أن عينك في النقود وتفحصها؟ ولو أن واحداً جاء يسلم عليك وأنت تعد الفلوس هل تسلم عليه؟ لا، والله! ما ترد السلام عليه، وإذا بك بعد ما تنتهي تقول له: آسف -والله- كنت أعد الفلوس، هذه فلوس ما هي لعبة! فالفلوس لا نضيعها، لكن التسبيح كم سبحت قال: لا أعلم، نسأل الله أن يتقبل! لا -يا أخي- عدها إن (سبحان الله) أعظم من الدنيا وما عليها.يُحكى أنه في ذات مرة مرَّ سليمان بن داوُد هو وحاشيته وجنده على بساط تحمله الريح، البساط الذي يسره الله له وسخر له الريح تمشي بأمره رخاءً حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، الغدوة مسيرة شهر، والروحة مسيرة شهر، ثم هي بأمره إذا قال: انزلي .. أنزلته، بلا مطارات، وبلا وقود، سفينة ربانية!فمر على مدينة من المدن فحجب البساط ضوء الشمس عن الأرض، وكان هناك فلاح في الأرض يعمل فرفع رأسه وقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً. فسمعه سليمان عليه السلام وهو على البساط، فأمر الريح أن تُنزِله فأنزلته وجاء إليه وقال له: ماذا قلت؟ قال: ما قلت شيئاً، فخاف؛ لأن سليمان ملك ونبي، قال: لم أقل شيئاً، قال: بلى قلت، فماذا قلت؟ قال: قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فقال سليمان: والذي نفسي بيده! إن الكلمة التي قلتها أعظم عند الله مما أوتي آل داود.سبحان الله! تعظيم لله وتنزيه لله، فعليك أن تسبح عقب كل صلاة وقد ورد أيضاً حديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم وفيه أيضاً عدد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان كمن أعتق عشر رقاب، وكتب الله له مائة حسنة وحط عنه مائة خطيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلاً قال مثل ما قال أو زاد، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذاك) فهذه خمس كيف تضبطها بالعدد بأن تعد، وهذه هي الأذكار العددية.النوع الخامس: الذكر المطلق، أن تذكر الله على كل حال وفي كل حين، وأفضل ما يذكر الله به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذ هن الباقيات الصالحات، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح قال: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وغربت).كم أشياء طلعت عليها الشمس وغربت من المزارع والمباني والبنوك والعمارات، ولكن هذه الأربع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل ذلك.فهذان عنصران هما: قراءة القرآن وذكر الله.
الأسئلة

 حكم التغيب عن العمل بدون عذر شرعي
السؤال: يقول: أعمل في إحدى الإدارات الحكومية وأنا شاب مستقيم ولله الحمد، وهذا من فضل الله علي، ولكني إذا تغيبت من غير عذر شرعي، وأردت أن أطلب من رئيسي أن يخصم من مرتبي عن ذلك اليوم الذي غبت عنه؛ لأنه حرام أن أتقاضى راتب ذلك اليوم الذي غبت فيه، ولكن الناس يقولون: خذ أجر ذلك اليوم ولا حرج عليك?الجواب: لا يجوز للإنسان أن يتغيب بغير عذر شرعي؛ لأنه مسموح له بقوة النظام أن يأخذ إجازة من الإجازات العادية أو الإجازات الاضطرارية، أو إذناً من رئيسه إذا كان يملك صلاحية في هذا، فلا يجوز له إلا بإذن أو يقدم خطاباً: سعادة مدير الإدارة تغيبت يوم كذا وكذا أرجو خصم راتب ذلك اليوم. إذا جاء المدير وقال: لا يا شيخ، فضل الحكومة واسع. قل له: صدقت، الحكومة فضلها واسع، أمدها الله ووفقها وبارك فيها، لكن ظهري لا يتحمل العذاب، وأنا أجير عند الدولة، فأنا آخذ اليوم راتباً وآخذ بدلاً عنه عذاباً في النار، يحوله إلى شئون الموظفين لخصم راتب ذلك اليوم، وإذا رفض فارفعها للمدير العام من أجل يخصم عليك يوماً مثل يومك؛ لأنه مدير متساهل وأخبره بذلك. والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , انشراح الصدر [1،2] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net