اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات قرآنية في سورة الأنعام [1] للشيخ : سعيد بن مسفر


تأملات قرآنية في سورة الأنعام [1] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
اختص الله الإنسان من بين كل المخلوقات بخصائص كثيرة، ومن هذه الخصائص والصفات التي وهبها الله إياه ملكة التأمل في كل ما يحيط به، وذلك حتى يتسنى له الإطلاع على حقائق الأشياء، ومن ثم الاقتناع بها دون حيرة أو شك.ومن أجلِّ ما يُمكن للإنسان تدبره القرآن الكريم بما فيه من الحقائق الواضحات، والآيات الباهرات.وقد تناولت سورة الأنعام الكثير من القضايا التي يجدر بالمرء التوقف عندها، ومن أهم هذه القضايا قضية الإيمان والعقيدة الصحيحة، حيث تناولت السورة مناقشة هذه القضية مع عقل الإنسان، طارحة له الأدلة والبراهين التي لا يسعه أمامها إلا التوقف والتسليم.
ضرورة التدبر لمعاني آيات القرآن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبقِ فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، وارزقنا تلاوته، والتأمل والنظر فيه، والعمل بأحكامه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، يا أرحم الرحمين!هذا الدرس يلقى في مدينة جدة بمسجد (الأمير متعب) في مساء يوم السبت، الموافق: (23/جمادي الثاني/1415هـ)، وهو بعنوان: (تأملات قرآنية)، ليس تفسيراً، وإنما هو وقفات وتأملات ونظرات، تتبعتُها وجمعتُها من كلام بعض المفسرين، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينفعني وإياكم بها، وأن يرزقنا النظر والتأمل والتفكر والاعتبار في هذا القرآن العظيم.إن من أعظم المصائب التي مُنِيت بها الأمة أيها الإخوة: أن حيل بينها وبين كتاب ربها، تقرأه ولكنها لا تعيه ولا تفهمه، تجد الرجل يقبل على القرآن ويتناول المصحف ويهذُّه هَذَّ الشعر، وينثره نثر الدَّقْل، وينتهي من آخر سورة، وتسأله: ما الذي فهمت من خلال هذه القراءة؟! فلا تكاد تجد أنه قذفهم شيئاً، وإنما يقرأ وهمه آخر السورة.إن القرآن ما أنزل لهذا أيها الإخوة! لقد طلب الله منَّا أن نتأمل القرآن ونتدبره، قـال تبـارك وتعـالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].ويقول عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].إذا وجدت أنك لا تعي ولا تتدبر ولا تتأمل ولا تعتبر فلتعرف أنَّ على قلبك قفلاً أو أقفالاً، فحاول أن تفتح هذه الأقفال، وأن تزيلها حتى تدخل في ميدان النظر والتأمل في كتاب الله عز وجل، إنَّ على القلوب أقفالاً كثيرة أيها الإخوة؛ أقفال الشبهات، والشهوات، والماديات، والمشاغل.. كلها تحول بين الإنسان وبين فهم كلام الله عز وجل؛ ولكن إذا أزال الإنسان هذه المعوقات، وأبعد هذه الحواجز، ودخل بنية خالصة لوجه الله ليقرأ وليتأمل كلام الله، وليشعر مَن هو هذا المتكلم بهذا الكلامَ؟ وما هو هذا الكلام؟ أي عظمة لك يا أخي! أن يخاطبك الله من فوق سبع سماوات؟ أي عزة أن ينزل الله عليك قرآناً؟ أي كرامة أن تخاطَب من الملك الجليل تبارك وتعالى؟ إنه فخرٌ عظيم، ومقامٌ جليل، لكن لمن عرفه وقدره.والتأملات في هذه الدروس إن شاء الله ستكون من خلال النظر في سورة الأنعام.
 

سورة الأنعام وما تحتويه من معالم عقدية سامية
سورة الأنعام من السور المكية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة المكرمة، وهي كغيرها من السور المكية تحمل معاني غرس العقيدة في قلوب ذلك الرعيل الأول.
 ما تهدف إليه سورة الأنعام
تطوف هذه السورة بالقلب البشري، وتحلق به في الآماد والآفاق، والأغوار والأعماق؛ ولكنها تمضي كلها على منهج القرآن، إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية العقيدة، ولا إلى جدل يشغل الذهن والفكر؛ ولكن تهدف إلى تقرير حقيقة .. إلى تعريف الناس بربهم الحق؛ لتصل بهم من خلال هذا التعريف إلى العبودية الحقة لربهم الحق، فلا يعبدون الهوى، ولا الشهوات، ولا الأهواء والنفعيات، وإنما يعبدون الله .. يعبدونه بضمائرهم، وقلوبهم، وأرواحهم، يعبدونه بسعيهم وحركتهم، يعبدونه بشعائرهم، يعبدونه في واقعهم، فكله لله؛ لأنه السلطان الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء، هذا هو هدف السورة.ويكاد اتجاه السورة يمضي إلى هذا الهدف من أولها إلى آخرها: الله هو الخالق، وتلـمس هذه القضيـة من أول آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام:1] وماذا بعد ذلك؟ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] جعل الظلمات ثم جمعها ووحد النور، النور واحد، والظلمات كثيرة: ظلمات الكفر، والنفاق، والشُّبَه، والضلالات، والأهواء، والشهوات ... كثيرة؛ لكن طريق الله واحد، ولهذا يقول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ [البقرة:257] أي: الظلمات الكثيرة، إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].فمِن أول وهلة وأنت تقرأ السورة تجد ثناءً على الله. لِمَ هذا الثناء؟! لأنه أهل الثناء والمجد؛ لأنه الخالق.الْحَمْدُ لِلَّهِ [الأنعام:1]، وليس الحمد لِهُبَل، ولا للشيطان، ولا لِلاَّت، ولا للنفس، ولا للرغبات، بل لله، لماذا؟! الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] نور تكشف به.يقول العلماء: إن النور مهما كان ضئيلاً يبدِّد الظلمات مهما كانت معتمة، إذا دخلت مجلساً أو صالة وقد انطفأت الكهرباء وخيَّم الظلام حتى لا ترى يدك، وأردت أن تبدد الظلمة من هذا المكان، ماذا تصنع لتبديد الظلام؟ تأخذ العصا؟! تلاكم؟! تضارب؟! لا، لا تفعل شيئاً، عليك أن تشعل النور، أي نور كان، مهما كانت نسبته، ولو صفراً، هذه (السهَّارية) نور، لو أن القوة فيها صفر أو (5) وات، أو (5) شمعات، لو أنرتها فإن الظلام الذي يملأ الغرفة أين يذهب؟! سوف يخرج من الباب، ولن يبقى، لماذا؟! لأنه دخل الذي يخرجه، وهو النور.فإذا كان في قلبك ظلمة فكيف تخرجها؟! أشعل النور، بعض الناس في قلبه ظلمة، فيحاول إخراج الظلمة فيضيف ظلمة، عنده هم وغم فيقال له: أنت غضبان؟فيقول: نعم.فيقال: هيا نتمشى، نرى منظراً جميلاً.فيخرج إلى السوق ليرى منظراً محرماً فتزداد الظلمات في قلبه.أو يقول: هيا لنشتري شريطاً فيه أغنية، فيسمع الأغنية من أجل أن يزيل الظلمة، فيزيدها ظلمة على ظلمة.أو يشتري شريط فيديو، أو يركِّب فوق سطح بيته صحناً فضائياً من أجل أن تنصبَّ عليه حمم الظلمات من كل أرض، ما عاد يريد ظلمة واحدة، بل يريد ظلمات العالم كله فوق رأسه، تخرخر على رأسه وامرأته وعياله، وكلما انتهت ظلمة انتقل إلى ظلمة، يعيش على الظلمات، هذا مظلم -والعياذ بالله- ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40].والذي يعيش في ظلمات هنا يموت وهو مظلم القلب، ويتحول قبره إلى ظلمات، ويُحشر يوم القيامة في الظلمات.
بين نور الإيمان وظلمات الكفر
يقول الله تبارك وتعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد:12] ما هو نورهم؟! كهرباء؟! كشاف؟! إنه نور القرآن، والإيمان، والدين، واليقين، معك نور في الدنيا، وكذلك عند الموت والقبر والصراط فالنور ملازم لك، وفي دار الأنوار النور كله، يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12]، أما أهل الظلمات، الذين كانوا في ظلمات الدنيا، وما تعرفوا على أنوار الله، وما حاولوا أن يدخلوا هذا النور في قلوبهم؛ فإنهم أدخَلوا كلَّ أنوار الدنيا إلا نور الله، وسمعوا كل كلام الناس إلا كلام الله ما سمعوه، وقرءوا كل كتب وجرائد الناس ولم يقرءوا كتاب الله، واهتدوا بكل هدي، ولم يهتدوا بهدي رسول الله، فعاشوا في الظلمات، تركوا مصدر النور؛ لأن القرآن سماه الله نوراً، يقول الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174].وسَمَّى رسوله نوراً: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:45-46].وسمى الله نفسه نوراً تبارك وتعالى، ومن أسمائه الحسنى: النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور:35].فإذا اكتسبت الأنوار من عبوديتك للجبار، وقراءتك لكلام الله، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم عشت في النور، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ [الحديد:28] ماذا ؟! نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد:28].ويقـول الله عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] وهل هذا مثل هذا؟! ما رأيكم برجل في ليلة مظلمة كُلِّف أن يعبر الطريق من قرية إلى قرية، وليس معه شيء، فكيف يصل هذا المسكين؟! لن يصل إلا وقد جرحته الحجارة، وأصابته الأشواك، وربما يقع في الحفر، ويسقط ويتعثر في (المطبات)، ويصطدم في الجدران، مسكين، ليس عنده نور.وآخر كُلِّف بالمشي في نفس الطريق، وقالوا له: خذ (الكشاف)، ثم مشى، إذا رأى حفرة أو جداراً تجنبه، وإذا رأى شوكة تعداها، ويصل إلى المكان الذي قصده سليماًيسألونه: ماذا رأيتَ؟!لا شيء.لماذا؟معي نور؛ الحمد لله.وهذه الدنيا هكذا، أنت مكلف أن تعبر هذه الدار إلى الله، وتمر وتجوز من هذه الدنيا إما إلى الجنة وإما إلى النار، فكيف تمشي بدون نور؟ إذا كانت الرحلة ساعة أو ساعتين فإنك تتعثر فيها إذا كنت بغير نور، فكيف تعيش ستين سنة بدون نور؟! أين هذا النور؟! تذهب إلى شركة الكهرباء؟! لا، هذا نور الدنيا، ينوِّر لك البيت فقط؛ لكن تريد نوراً ينور لك الدنيا والآخرة فبتمسكك بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحصل على النور.
 مواضع التماس الإيمان في الدنيا
أتريد أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟!تريد أن يكون معك نور في القبر يضيء لك، وهي الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة نور) فأنت إذا أردت هذا النور اشغل نفسك به، راجع محطات النور .. هذه المساجد هي محطات النور الربانية، اجعل لك علاقة بها، بحيث أنك لا تغادرها في اليوم خمس مرات، في الفجر والظهر والعصر وأنت الأول، تكتسب الأنوار من محطة النور، ثم اجعل لك ورداً مع القرآن الكريم، اجعل لك ورداً مع السنة المطهرة، اجعل لك موعداً مع العلماء، الآن جلستكم في هذا المجلس هي نور لكم، ليس مني هذا النور؛ ولكنه من الله؛ لأنكم ما جلستم تريدون مالاً، ولا ثَمَّ عشاء بعد الجلسة، وإنما جلستم من أجل الله، والله ما أتى بكم إلا الله تبارك وتعالى، ولا نزكي على الله أحداً، هذه الجلسة نور، وستشعرون وأنتم تخرجون من المجلس كيف هي قلوبكم؟! هل هي مثلما دخلت، أم أنها ازدادت نوراً، إن شاء الله تزداد نوراً.عندما تجلس في محطات النور، وتجلس عند العلماء والدعاة يزيدك الله تبارك وتعالى نوراً، إي نعم، قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد:13] الذي من جهة أهل الإيمان -اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين- وما أفقرنا أيها الإخوان! وما أحوجنا إلى رحمة الله في الدنيا والآخرة -اللهم ارحمنا برحمتك في الدنيا والآخرة. الملائكة تدعوا لكم يا إخواني! وأنتم في هذا المجلس، ملائكة الرحمن، وحملة العرش، يقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] أي: لكم رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ [غافر:7] لأهل صفتين: لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7] ثم ماذا؟ وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر:7].أول شيء: التوبة، بعض الناس يتبع سبيل الله وهو على المعاصي، ما نَصَح؛ لأنه يبني ويهدم، تراه يصلي ويذهب ليغني، يصلي ويذهب ليطارد النساء في الشارع، يصلي ويذهب ليدخن عند باب المسجد .. هذا ما تاب.أول شيء: (التَّخْلِية) كما يسميها العلماء، إذا كان عندك كوب مملوء بالتراب، وأردت أن تشرب في هذا الكوب لبناً أو ماءً فماذا تعمل؟ وماذا ينبغي لك أن تفعله؟! العقل يقول لك: صُب التراب من الكوب، ونظِّفه، ثم ضع فيه ماءً أو حليباً واشرب؛ لكن لو قال لك واحد: اغسل كوبك من التراب؛ لكي نصب لك فيه حليباً أو ماءً، فقلتَ: لا، ما يهمك، يصلح، ضع الحليب على التراب، ماذا يحصل؟! هل تشرب بعد ذلك؟! هل تنتفع بالحليب؟! لا، رغم أنه حليب؛ لكن وضعته على تراب، كذلك بعض الناس يضع طاعةً، وصياماً، وصلاةً؛ لكن يضعها على تراب في قلبه، قلبه مملوء بالزيغ والضلال، نظف قلبك، ولهذا الملائكة تقول: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر:7] أي: أقلعوا عن الذنوب وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر:7-9] هذه دعوة من الملائكة، اللهم استجبها يا رب! فينا وفي إخواننا المسلمين، تدعوا لك الملائكة أن الله يقيك السيئات، أي: يحميك من الذنوب، ثم قالت: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر:9] أنت تعرف الآن هل أنت ممن رحمك الله، أم لا؟ إذا رأيت نفسك وعرضتها على المعاصي والسيئات، فإن كنت صرفت نفسك، أعانك الله، فقد رحمك الله، وإن كنت وقعت فمسكين، ابحث عن رحمة الله، وهذه في يديك، وأنت تمر على مؤشر المذياع على أغنية سيئة، إذا أبعـدتها فقد رحمك، وقاك السيئة وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9]. هذا هو الفوز، هذه هي العزة، هذا هو الانتصار أن تنتصر على نفسك وشهوتك، وإن من ينتصر على نفسه سيكون حرياً بالنصر في كل ميدان؛ لكن المهزوم داخل نفسه كيف ينتصر على غيره؟! ولهذا تجد بعض الناس مهزوماً أمام سيجارة، أو منظر امرأة، يقف في الشوارع والطرقات، ويخرج إلى الأسواق ويتلصص بعين سقيمة مريضة إلى محارم الله، تراه مثل الكلب يُشَمْشِم، هذا مهزوم، لا يصلح؛ لكن ذاك المنتصر إذا رأى امرأة يقول: صحيحٌ أنه منظرٌ جميل، لكن طاعة الله أحلى، عذاب الله أقوى، أنا أقارن بين لذة المعصية وبين عقوبتها فأجد أن لذتها بسيطة، وعقوبتها طويلة عظيمة، إذا كان (مَن ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله مِن جمر جهنم) و(من استمع إلى الغناء صبَّ الله في أذنيه يوم القيامة الآنك -أي: الرصاص المذاب-) إذاً كيف تعمل؟! صعب جداً عليك أيها الإنسان.إذاً: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر:9] اللهم قنا السيئات يا رب العالمين.هكذا أيها الإخوة: السورة من أولها إلى آخرها تبدأ وتطوف وتحدد هذه المعاني العظيمة:فأولها: يدلك على الخالق: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام:1] وهو الرازق، يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:14] رزق العباد كلهم عليه، نفقة العباد كلهم عليه، ثم إنه مالِك؛ صاحب قدرة، الناس كلهم في قبضته، مَن الذي يستطيع أن يخرج عن قبضة الله؟! مَن الذي يستطيع أن يمتنع عن الله؟! والله لا غني يمتنع بغناه، ولا قوي يمتنع بقوته، ولا ملك يمتنع بمُلكه، ولا صاحب مال يمتنع بماله، وإنما الناس كلهم ضعفاء أمام قوته، فهو المالك المتصرف في الكون ومن فيه، بيده مقاليد الليل والنهار، بيده ملكوت السماوات والأرض، يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون:88]، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:6] وهو العليم بالغيوب والأسرار، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] لا إله إلا الله! ولو كانت ورقة من شجرة في صحراء تنزل وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ [الأنعام:59] لا إله إلا الله! هل يُعْصى هذا الرب؟! أين أنت يا إنسان؟! إذا كانت الملائكة لا تعصي الله لأنها عرفت الله، عرفته المعرفة الحقيقية، يقول عليه الصلاة والسلام: (أطَّت السماء -أي: احدودبت وانحنت- وحُقَّ لها أن تئط، فما فيها موضع قدم إلا وملك راكع أو ساجد، يسبحون الليل والنهار) مِن الملائكة مَن هو راكع من يوم أن خلقه الله إلى يوم القيامة، وإذا بُعِثَ ونُفِخ في الصور بُعِث وهو يسبح ويقول: سبحانك! ما عبدتك حق عبادتك.يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، يقول صلى الله عليه وسلم، وهو يتحدث عن ملك من حملة العرش، والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه الألباني ، يقول: (أُذِنَ لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقة مسيرة سبعمائة عام) هذا رقبة الملك وما بين شحمة الأذن إلى العاتق مسيرة سبعمائة سنة، إذاً: كيف الباقي؟ لا يعلمه إلا الله.وجاء في الحديث الصحيح عن وصف جبريل أنه: (جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فَرَد اثنين من أجنحته، فسَدَّ ما بين الخافقين) ما بين المشرق والمغرب، اثنان فقط، بقي بعدهما خمسمائة وثمانية وتسعون جناحاً، له ستمائة جناح، اثنان سَدَّا ما بين المشرق والمغرب.
العلم بالله يورث الخشية والتأدب مع الله عز وجل
فهذه الملائكة رآها الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى جبريلَ عند العرش وهو كالحِلْس البالي من خشية الله ومخافته، ومن الذين عرفوا الله: الأنبياء؛ الأنبياء عرفوا ربهم معرفة حقيقية، ولهذا يتأدبون معه، لا يعصونه، وحتى في الخطاب عندما تسمع وتتأمل في القرآن الكريم، تجد خطابات الأنبياء لله تبارك وتعالى عظيمة جداً.
 أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه وتحمله لأذى قومه
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وقد رجمه أهلها، وأغروا به السفهاء، وأدموا عقبيه، وطردوه، وبعد أن طردوه صار يمشي في طريق وعرة، يطلع جبلاً، وينزل وادياً، حتى يصل إلى وادي نخلة، وإذا به في الطريق ينزل عليه ملك الجبال بعد أن قال هذا الدعاء: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني-إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس بسبب غضبٍ منك يا رب! فلا أبالي (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة؛ أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى) هذا هو الدعاء العظيم.فالذين يعرفون الله تبارك وتعالى؛ الملائكة، والأنبياء، والصالحون، يعرفون الله فلا يعصونه، وإذا وقعوا في معصية رجعوا إلى الله تبارك وتعالى.فالله عز وجل هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار، هو الحاكم في الكون، الأمر أمرُه، والنهي نهيُه، والشرع شرعُه، والحكم حكمُه، لا تحليل لما حرم، ولا تحريم لما أحل، هذا كله من خصائص الرب وخصائص الإله، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] ما دام أنه الخالق لوحده فلا بد أن يكون هو الآمر لوحده، ولا يجوز أن يمارس أحدٌ هذه الأشياء مع الله تبارك وتعالى، أو مِن دون الله؛ لأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يمنح ولا يمنع إلا الله، فلا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف ينافس الله في خصائص الألوهية، ما دام أن كل هذه الخصائص لله إذاً فله الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
عظمة سورة الأنعام ومكانتها
هذه السورة لما نزلت لم تنزل كغيرها من السور، وإنما نزلت بهيئة عظيمة، يروي ابن مردويه بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزلت سورت الأنعام ومعها موكبٌ من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض ترتج بهم، ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم) نزلت هذه السورة ومعها موكب من الملائكة نزل مع السورة عددهم سبعون ألف ملك، لهم زجل؛ ولهم صوت بالتسبيح، والأرض بهم ترتج من عظمة هذا الشيء الذي نزل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم!) ينزه الله تبارك وتعالى.هذا الموكب من الملائكة، وهذا الارتجاج في الأرض واضح في السورة، كما يقول بعض المفسرين: إنها هي نفسها ذات موكب، وموكبها ترتج له النفس، ويهتز له القلب، إنها مملوءة بالمواقف، وبالإيحاءات، وبالمشاهد، وبالمعاني، فما جاء في هيئة الملائكة من المعاني موجود فيها.وتبدأ السورة بمواجهة المشركين؛ الذين يتخذون آلهة ويسوونها بالله، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] أي: يسوون، حتى إنهم من فرط جهلهم ساوموا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، يعني: مبادلة، القضية تجارية، سنة بسنة، فقال الله عز وجل حاسماً للقضية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6]، دينكم باطل فكيف أتبعه، آلهتكم مزيفة باطلة لا تملك، لا تخلق، لا تعطي، لا جزاء عندها، ولا جنة، ولا نار، فكيف أعبدها، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] مفاصلة؛ ولذا جاءت السورة: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] يتخذون آلهة من دون الله، بينما دلائل التوحيد تجبههم وتواجههم وتحيط بهم في الآفاق، والسماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، بل تلامسهم في أنفسهم وكل ما حولهم، وكل ذرة من ذراتهم، وكل خلية من خلاياهم شاهدة على أن الله واحدوفي كل شيء له آيـةٌ تدل على أنه واحدُ ولكن ما الذي يحملهم على الشرك؟!إنه الجحود والإنكار، ولهذا يقول الله في السورة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].تبدأ السورة بثلاث سمات ترسم الوضع كاملاً:أول سمة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] وفي هذه اللحظة تبدأ تعرض: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:1-2] أعندكم شك بعد كل هذه الآيات؟! وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3] ثلاث آيات تغطي الوجود الكوني كله.الأولى: في خلق السماوات.الثانية: في الوجود الإنساني كله.الثالثة: في إحاطة معاني الألوهية كلها.أي إعجازٍ وأي روعة في كلام الله عز وجل!! إنه كلام الله، لا يمكن ولا يتصور أن هذا الكلام كلام بشر، إنه كلام الله الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].ثم تعرض السورة بعد ذلك موقف المكذبين الذين يرون آيات الله مبثوثة في الكون والحياة مِن حولهم، بل مع أنفسهم، ومع هذا العرض ينكرون، فيأتي التهديد بعرض مصارع الأمم التي كذَّبت، ويتجلى السلطان القاهر الذي أوقع بهم هذه المصارع والقوارع، فيبدوا عجباً موقف هؤلاء المنكرين، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4]، والآية هنا تعني: العلامة والدلالة، ما تأتيهم دلالة، ولا حجة، ولا علامة مِن العلامات التي تدلهم على الله إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4] فماذا ينفع فيهم هؤلاء؟!قال الله: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:5] هؤلاء الذين كذبوا بالحق المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزءوا بالحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يأتيهم الخبر.تروي كتب السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم بدر على أهل القليب، وفيهم أبو جهل ، وأمية بن خلف ، ومجموعة من صناديد قريش، ثم قال لهم: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ ثم سكت، ثم قال: أمَّا أنا فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً) قال الصحابة: يا رسول الله! كيف تخاطب قوماً قد جيَّفوا؟! -كفار ماتوا، وانتفخت بطونهم، كيف تكلمهم؟!- قال: (والذي نفس محمدٍ بيده! إنهم أَسْمَع لكلامي منكم) يسمعون كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر مما يسمعه هؤلاء؛ فهو على سبيل التقريع والتوبيخ. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ [الأنعام:5] إذا قال الله: سوف يأتيهم؛ فمن الذي يرد حكم الله؟! فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا [الأنعام:6] أما عندهم نظر؟! أليس هناك تأمُّل؟! أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام:6] الأمم السالفة مكن الله لهم من القدرات، وأعطاهم من القوى والإمكانات ما ليس لكفار قريش كعاد قوم هود إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:7-8] وقوم صالح هم هؤلاء بجانبنا هنا في مدائن صالح، كانوا ينحتون الجبال -بدون جرافات- بأصابعهم، يحفرون الجبال وتحفر لهم، ويبنون في الجبال بيوتاً، ثم يدخلون في الجبل، ويخرِّمونه من الداخل، ويعملون مجالس، وغرفاً، ومستودعات داخل الجبل، ولهذا الذي يمر منها ويراها يبكي، ويمر وهو مسرع -كما جاءت به السنة- لأنها منازل القوم الظالمين، ظلموا أنفسهم، فالله يقول لكفار قريش: أَلَمْ يَرَوْا [الأنعام:6]، أما رأوا هذه الأشياء؟! أما سمعوا بعاد، وثمود، والأمم السالفة الذين أفناهم الله؟! أين هم؟! ألم يأخذوا العبرة منهم؟! أليس الذي أفنى أولئك قادر على أن يفني هؤلاء؟! أَلَمْ يَرَوْا [الأنعام:6] في هذا لفت نظر قوي: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ [الأنعام:6] فماذا حصل؟! فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأنعام:6] وكما أهلكناهم بذنوبهم سوف يهلك الله كل صاحب معصية وذنب ويؤاخذه فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [الأنعام:6] عملية تجديد للبشر، يأتي أناس ويذهب آخرون، والذي يذهب يذهب بما عمل، والذي يأتي يأتي ليجد ما يعمل، وكلٌّ يمر واللقاء عند الله تبارك وتعالى.
 أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه وتحمله لأذى قومه
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وقد رجمه أهلها، وأغروا به السفهاء، وأدموا عقبيه، وطردوه، وبعد أن طردوه صار يمشي في طريق وعرة، يطلع جبلاً، وينزل وادياً، حتى يصل إلى وادي نخلة، وإذا به في الطريق ينزل عليه ملك الجبال بعد أن قال هذا الدعاء: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني-إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس بسبب غضبٍ منك يا رب! فلا أبالي (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة؛ أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى) هذا هو الدعاء العظيم.فالذين يعرفون الله تبارك وتعالى؛ الملائكة، والأنبياء، والصالحون، يعرفون الله فلا يعصونه، وإذا وقعوا في معصية رجعوا إلى الله تبارك وتعالى.فالله عز وجل هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار، هو الحاكم في الكون، الأمر أمرُه، والنهي نهيُه، والشرع شرعُه، والحكم حكمُه، لا تحليل لما حرم، ولا تحريم لما أحل، هذا كله من خصائص الرب وخصائص الإله، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] ما دام أنه الخالق لوحده فلا بد أن يكون هو الآمر لوحده، ولا يجوز أن يمارس أحدٌ هذه الأشياء مع الله تبارك وتعالى، أو مِن دون الله؛ لأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يمنح ولا يمنع إلا الله، فلا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف ينافس الله في خصائص الألوهية، ما دام أن كل هذه الخصائص لله إذاً فله الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
كن مع الله كما يحب؛ يكن الله معك كما تحب
يقول الله تبارك وتعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل:89] مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ [النمل:89] مَن عمل في الدنيا حسنات وجاء بها، فله خير من هذه الحسنات، وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل:89-90] وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ [النمل:90] كيف تريد أن يعطيك الله جائزة حسنة وأنت جئت بسيئة؟! لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا [النجم:31] أي: بالسوء، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] إذا أردت أن يكون الله لك كما تريد، فكن أنت لله كما يريد.إذا أردت أن يكون الله لك كما تريد:رحيماً. غفوراً. ودوداً. يدخلك الجنة. ينجيك من النار. يجعل قبرك روضة من رياض الجنة. يجعلك في درجات عالية. يعطيك النعيم؛ فكن أنت له كما يريد. ماذا يريد منك أن تكون؟ يريدك أن تكون:عبداً. طائعاً. تواباً. منيباً. خائفاً. وجلاً. مشفقاً. في قلبك مثل النار. كأن النار ما خلقت إلا لك. ترى كل حسنة تعملها تقول: ربما لن يقبلها ربي. ترى أي معصية تعملها كأنها جبل. هذا هو المؤمن، يرى الحسنات العظيمة يقول: هذه بسيطة، ماذا فعلتُ؟! ويرى السيئة البسيطة يقول: الله! أنا أعملها؟! أأنظر إلى النساء؟! أأسمع أغنية؟! أأنا آكل ريالاً حراماً؟! أأنا أنام عن صلاة مفروضة؟! أأنا أعق والدتي؟! أأنا أرفع صوتي على أبي؟! أأنا أقطع رحمي؟! أأنا أخون؟! أأنا أكذب؟! أأنا أغش؟! أأنا ألعن؟! أأنا أغتاب؟! أأنا أنم؟!حاسب نفسك، أنت بهذا الوضع تكون لله كما يريد، فيكون الله لك كما تريد، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89] وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ [النمل:89] ليس معه إلا الذي جاء به، ماذا تريد من الله أن يعطيك؟ غير الذي جئت به؟! فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90]، الآن كل واحد منا يأتي بشيء، واحد يأتي بذهب، وواحـد جـاء ببَعَر -أكرم الله السامعين-، ذهب إلى زريبة الغنم وجمع البعر وملأ حقيبته، ونزل إلى السوق، ماذا سيلقى هذا؟! يلقى بَعَراً، وذاك عندما أتى بالذهب فإنه سيلقى ذهباً.
 أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه وتحمله لأذى قومه
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وقد رجمه أهلها، وأغروا به السفهاء، وأدموا عقبيه، وطردوه، وبعد أن طردوه صار يمشي في طريق وعرة، يطلع جبلاً، وينزل وادياً، حتى يصل إلى وادي نخلة، وإذا به في الطريق ينزل عليه ملك الجبال بعد أن قال هذا الدعاء: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني-إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس بسبب غضبٍ منك يا رب! فلا أبالي (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة؛ أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى) هذا هو الدعاء العظيم.فالذين يعرفون الله تبارك وتعالى؛ الملائكة، والأنبياء، والصالحون، يعرفون الله فلا يعصونه، وإذا وقعوا في معصية رجعوا إلى الله تبارك وتعالى.فالله عز وجل هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار، هو الحاكم في الكون، الأمر أمرُه، والنهي نهيُه، والشرع شرعُه، والحكم حكمُه، لا تحليل لما حرم، ولا تحريم لما أحل، هذا كله من خصائص الرب وخصائص الإله، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] ما دام أنه الخالق لوحده فلا بد أن يكون هو الآمر لوحده، ولا يجوز أن يمارس أحدٌ هذه الأشياء مع الله تبارك وتعالى، أو مِن دون الله؛ لأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يمنح ولا يمنع إلا الله، فلا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف ينافس الله في خصائص الألوهية، ما دام أن كل هذه الخصائص لله إذاً فله الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
خبر وتعليق
أريد أن أعلِّق على الدرس الذي أعلن عنه فضيلة الشيخ حامد حفظه الله مدير مركز الدعوة والإرشاد بـجدة ، والذي سيلقيه الشيخ الدكتور أحمد بن عبد اللطيف العبد اللطيف ، وموضوع الدرس: الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية .هذه أيها الإخوة! بشرى حقيقية لأهل جدة ، وهي فضل من الله ورحمة ونعمة؛ أن يأتي العلماء من أماكنهم ليلقوا الدروس عليكم في هذه المدينة الطيبة الطاهرة إن شاء الله، وخصوصاً أصحاب الاختصاص؛ الدكتور أحمد معروف لدى طلبة العلم، ومعروف لديَّ أنا شخصياً، ولا أزكِّي على الله أحداً، معروف بالفضل والعلم والنبوغ، فقد كان أحد المناقشين لي في رسالتي للماجستير، وقد عرفت منه العلم والغزارة والاطلاع والعمق.وهذه الرسالة رسالة الإمام ابن تيمية كتبها لأهل تدمر ، تتحدث في مضمونها عن مجمل اعتقاد السلف؛ العقيدة الصحيحة لسلف هذه الأمة تضمنتها هذه الرسالة، فبناها على ثلاثة أشياء:على مَثَلَين.وعلى أصْلَين.وعلى سبع قواعد.من أدرك المَثَلَين، وعرف الأصْلَين، وعرف السبع القواعد عَرَفَ مجمل اعتقاد السلف.وهذه الرسالة ليست سهلة، فهي من أصعب الكتب لطالب العلم، وقد مرت بي أنا؛ كانت مقررة علينا في السنة الأولى، في كلية الشريعة، سنة: (1396هـ)، يعني: قبل عشرين سنة، لكن الجامعة فيما بعد -جامعة الإمام محمد بن سعود- غيرت المنهج، وجعلتها بعد أن كانت مقررة على السنة الأولى جعلتها مقررة على السنة الرابعة، وكنا نسميها ونحن في السنة الأولى شريعة: إنجليزي الكلية؛ لأنها مثل الطلاسم، مبهمات، ما ندري ماذا يقول الأستاذ؛ لأن ابن تيمية ألَّفها بأسلوب المناطقة، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلام قوي، كأنما يَفْصُل من جبل؛ ولكن إذا وجدتْ هذه الرسالة العالم -ولا نزكي على الله أحداً- مثل الشيخ أحمد ، فسيبسطها إن شاء الله وتفهمونها بإذن الله.ولذا أدعو كل من في المجلس هذا أن يخصص يوم الثلاثاء من كل أسبوع من المغرب إلى العشاء، ساعة لعقيدتك، ساعة لسلامة قلبك من الضلالات، تعرف كيف هي العقيدة، إذا عرفت هذه العقيدة - الرسالة التدمرية - تستطيع أن تقف في أكبر مكان في الدنيا، وأمام أكبر عالم في الدنيا، وتُثْبِت عقيدة السلف؛ لأن عندك قواعد؛ عندك أصلان، ومثلان، وسبع قواعد تبني عليها العقيدة.أرجو من الإخوة الكرام! طلبة العلم، أن يأخذ كل واحد منهم دفتراً، ويشتري الكتاب -والكتاب موجود في السوق، وله طبعة خرَّجها أحد طلبة العلم، ونال عليها درجة الماجستير- ويحضُر إلى المجلس بعد صلاة المغرب، ثم يعرف أن يوم الثلاثاء هذا اسمه: يوم التدمرية، إن كان معزوماً، فليقل: أنا معزوم من قبل، وإن كان سيسافر، فليجعل السفر يوم الأربعاء، لا يسافر يوم الثلاثاء، مهما كان، استمر مع الشيخ في جلساته، وستجد بإذن الله مصلحة ومنفعة كبيرة، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نسمع وبما نقول.
 أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه وتحمله لأذى قومه
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وقد رجمه أهلها، وأغروا به السفهاء، وأدموا عقبيه، وطردوه، وبعد أن طردوه صار يمشي في طريق وعرة، يطلع جبلاً، وينزل وادياً، حتى يصل إلى وادي نخلة، وإذا به في الطريق ينزل عليه ملك الجبال بعد أن قال هذا الدعاء: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني-إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) يقول: إن كان ما يأتيني ليس بسبب غضبٍ منك يا رب! فلا أبالي (غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة؛ أن ينزل بي سخطك، أو يحل بي عقابك، لك العتبى حتى ترضى) هذا هو الدعاء العظيم.فالذين يعرفون الله تبارك وتعالى؛ الملائكة، والأنبياء، والصالحون، يعرفون الله فلا يعصونه، وإذا وقعوا في معصية رجعوا إلى الله تبارك وتعالى.فالله عز وجل هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار، هو الحاكم في الكون، الأمر أمرُه، والنهي نهيُه، والشرع شرعُه، والحكم حكمُه، لا تحليل لما حرم، ولا تحريم لما أحل، هذا كله من خصائص الرب وخصائص الإله، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] ما دام أنه الخالق لوحده فلا بد أن يكون هو الآمر لوحده، ولا يجوز أن يمارس أحدٌ هذه الأشياء مع الله تبارك وتعالى، أو مِن دون الله؛ لأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا يمنح ولا يمنع إلا الله، فلا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف ينافس الله في خصائص الألوهية، ما دام أن كل هذه الخصائص لله إذاً فله الأمر، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير.
الأسئلة

 الحجاب ستر وعفاف وعبادة
السؤال: مِن أسباب فتنة بعض النساء للرجال: جهلهن بصفة الحجاب الشرعي وحكمه، فنأمل من فضيلتكم بيان ذلك؟الجواب: الحجاب أيها الإخوة! كما سبق وأن قلنا: هو دين وشريعة، تعبَّد الله المرأة به، كما تعبَّدها بالصلاة وبالزكاة وبالصيام وبالحج، أيضاً تعبَّدها بالحجاب، فالذي شرع الحجاب هو الذي شرع الصلاة، والذي أمر بالحجاب هو الذي أمر بالزكاة، فالمرأة تمارسه لا على أنه عادة، أو أنه تقليد، أو أنه نوع من الكبت، لا، بل تمارسه لأنه مأمور به شرعاً، تلبس الحجاب وهي تستشعر وقوفها بين يدي الله، فإذا استشعرت هذا، وجدت لذة وأنساً وطعماً لهذا الحجاب، الذي تنفِّذ فيه أمر ربها وخالقها.الحجاب أيها الإخوة! الحجاب ليس جلباباً فحسب، بل الحجاب عقيدة ودين، مَن الذي أمر أيها الإخوة! أيها الأخوات! يا من تسمعون كلامي في المسجد أو في خارج المسجد! مَن الذي أمر بالحجاب؟!إنه رب الأرباب، إنه الله، يقول الله للنساء: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ [النور:31] بدأ الحجاب هنا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ [النور:31] الخمار هو: الغطاء الذي تغطي به رأسها، تضرب المرأة بخمارها على جيبها وَلْيَضْـرِبْنَ بِخُـمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] أي: مروراً بوجهها، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا [النور:31] لثمانية أصناف من الأقارب، وأربعة من غير الأقارب، إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] البعل، وهل يحتاج الأمر إلى بيان هذا، معروف أن المرأة تبدي زينتها لبعلها؛ لكن لماذا الله يذكرها؟! لبيان أن غيره حرام، إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] أبوها؟! ينص الله على أنها تكشف وجهها له حتى يكون على غيره حراماً، أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أبو بعلها، أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] أولادها، أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] ولد زوجها من غيرها، وهي عمَّته، أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] إخوتها، أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أبناء أخيها، أَوْ بَنِي أَخَوَاتِـهِنَّ [النور:31] أبناء أختها، فقط، وقُفِلَ الطريق، لم يعد هناك أحدٌ من الأقارب.أما ولد العم، وولد الخال، والجماعة؟!لا، (الحمو الموت)، فأخو الزوج هو الموت؛ لأنه أجنبي، لو مات الزوج لتزوجها بعده، ما الذي يمنع؟! فلا يجوز.أما الأربعة من غير الأقاربأَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] المرأة تكشف على المرأة، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور:31] امرأة غنية وعندها عبد مملوك ملك اليمين فهي تكشف عليه؛ لأنها سيدته؛ ولكن لا تكشف عورتها، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31] التابع للزوج، كالخادم، والسائق، والعامل، وأي واحد يتبع الزوج، تحت كفالته، أو تحت سيطرته وهيمنته؛ لكن بشرط أن يكون هذا السائق أو هذا العامل مَخْصِيَّاً، هذا كلام الله، أَوِ التَّابِعِينَ [النور:31] ماذا؟! غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ [النور:31] يعني: مَخْصِيَّاً، ليس معه ما مع الرجال؛ لكن إذا كان السائق ليس مَخْصِيَّاً، وتجعله يوصل المرأة؟! أين الغيرة يا إخواني؟! لا إله إلا الله! إنا لله وإنا إليه راجعون! والله مصيبة! أشهد بالله أنَّا نضحك مما يُبْكى منه يا إخواني! ثم قال بعدها: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ [النور:31] الطفل؟! الطفل له قيود؟! نعم، ولو كان طفلاً، بشرط: أن يكون الطفل هذا لم يظهر على عورات النساء، أما لو كان رجلاً بالغاً فهذا ليس فيه خلاف سواءً ظهر أم لم يظهر؛ وإذا كان طفلاً عمره ست سنوات، ويعرف كيف يميز الجميلة من القبيحة فإن المرأة تحتجب منه؛ لأن بعض الأطفال ولو كان عمره خمس سنوات تجده ذكياً مميزاً، يدخل البيت ويرى المرأة ويصورها كلهاماذا بك؟!دخلت البيت وفيه امرأة جميلة.فهذا يجب أن تحتجب منـه؛ لأنه يعرف الجميلـة من القبيحـة، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31].هذا كلام الله يا إخواني!فالمرأة المؤمنة تمارس الحجاب على أنه طاعة، ولذا تلبسه وتهتم به، بأن تغطي كل شعرة، وظفر وبشرة منها، لا يظهر منها شيء، تلبس القفازين في يديها، وتلبس (الشراب الأسود) في رجليها، وتلبس الحذاء العادي الذي ليس بكعبٍ؛ لكي لا يرفع عجيزتها، وتلبس الغطاء المتين الذي لا يصف ولا ينمُّ عن وجهها، وتلبس العباءة المسيطرة والمهيمنة على كل جسمها، ثم إنه ليس هناك عباءة مزركشة، في لبس المرأة المسلمة سمعنا الآن أن هناك -وقد رأينا- عباءات مطرَّزة، هذه لم تعد عباءة، ولم تعد حجاباً، هذا الحجاب أصبح فتنة. وسمعنا الآن أن نساءً يلبسن كاباً، ما هو الكاب؟! الكاب: مثل ثوب الرجل، ترى صدر وثدي المرأة، وكتفيها، ورقبتها، ومؤخرتها، لا يصلح هذا، لا بد من عباءة من رأسها إلى قدميها، بحيث لا يدري الناس ماذا تحته ، فقط يرون شكلاً أسوداً؛ لكن الكاب يفصِّل المرأة، وترى كل شيء في المرأة، بدلاً من أن تلبس الثوب الأحمر، أو الأخضر، فلتلبس الثوب الأسود، هذا هو الأصلح، وبعضهنَّ تلبس شيئاً مثل البِشْت على رقبتها كأنها رجل، لا بد أن تلبس العباءة من فوق رأسها إلى أسفل قدميها وتسحبها؛ لأن بعض النساء الآن بدأن يرفعن العباءات إلى نصف الساق، ونخاف من أن ترتفع إلى الركبة، الرجل يرخي ثوبه، والمرأة ترفع ثوبها، بالعكس، الله يأمرنا بأن نرفع ثيابنا، والنساء تسحب ذيلها؛ لكن نحن بالعكس؛ الرجل يرخي، والمرأة ترفع، لا حول ولا قوة إلا بالله!ولا تتبرج بعطر ولا برائحة، وتلزم جانب الطريق، إذا خرجت المرأة في أي طريق لا تلتفت، لا تطالع إلا في موضع قدمها؛ لأن الالتفات دليل الرغبة في التفات الغير، فإذا رأى الناس واحدةً تتلفت هنا وهنا قالوا: والله إنها تبحث عن شيء؛ لكن عندما يرونها ماشية في الطريق، لا تلتفت لا يميناً ولا يساراً؛ فإن الرجل يعرف أن هذه ماشية مستقيمة، هذه (لا تعرف اللف ولا الدوران). فلا تلتفت، ثم تلزم جانب الطريق، وتلتصق بالجدار، ولا تسلم على أحد، ولا ترد السلام، لماذا؟ لأن صوتها فتنة.هذا هو الحجاب الشرعي، وما سوى ذلك فهو مغالطة وكذب. والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات قرآنية في سورة الأنعام [1] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net