اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب الهداية [1،2] للشيخ : سعيد بن مسفر


أسباب الهداية [1،2] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن نعمة الهداية مبيناً أنها من أجل النعم التي أنعم الله بها على عباده؛ لأنها هي التي تنفع في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كما تحدث عن بعض النعم التي سماها بالنعم المؤقتة مثل المال والولد والوظيفة، وختم حديثه بذكر عشرة أسباب من أسباب الهداية.
من نعم الله على خلقه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره واتبع منهجه وسنته، وعنا وعن جميع المسلمين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
 نعمة الوظيفة والمنصب
الوظيفة نعمة إذا استعنت بها على طاعة الله، والرتبة أو المنصب نعمة إذا سخرتها لدين الله.أولاً: ما تعاليت بها على الناس ولا تكبرت، كما يصنع بها بعض الموظفين، أو رؤساء الأقسام، أو مدراء الإدارات؛ إذا دخل الإدارة فإنه من عند الباب يرفع (بشته) ويكون رأسه في السماء، وإذا مر على الناس أخذ ينظر فيهم ولا يسلم، فإذا قيل له: لماذا لا تسلم؟ قال: السلام ينقص من شخصيتي، ويضعف هيبتي أمام الناس، فأنا أريد أن أحتفظ بشخصية قوية من أجل أن يخاف الناس مني، ويسيرون العمل بشكل مضبوط، فتجده لا يسلم على الفراشين ولا الموظفين الصغار، وإذا دخل عليه أحد وهو جالس على الطاولة، رفع عينيه دون أن يرفع رأسه، كأنه يريد أن ينطحه، وإذا سلم عليه أحد لا يرد عليه السلام إلا همساً، وإذا أعطوه المعاملة، ما قبلها ولا مد يده لها، بل يقول: ضعها على الطاولة، ماذا تريد؟ الله أكبر! ما هذا الكبرياء والتغطرس بالوظيفة، فلو أن الوظيفة بقيت لغيرك ما وصلت إليك، والكرسي كما يقولون دوار. فكرسي الحلاق كل يوم عليه شخص، فلم يبق لغيرك حتى يبقى لك، إذاً لماذا تنتفخ؟ لماذا تتكبر على عباد الله بهذه الوظيفة وهي عارية عندك؟! لماذا لم تستخدمها في طاعة الله؟ فإذا دخلت إدارتك فلا تأت عند الباب إلا وقد بدأت بالسلام: السلام عليكم .. السلام عليكم ورحمة الله .. صبحكم الله بالخير .. كيف حالكم؟ فإذا دخلت المكتب فسلم على الفراش، وإذا جاءك أي شخص مراجع له عمل عندك، فعليك أن تقطع عملك وأن ترفع رأسك إليه، فتقوم إذا حياك، لا تحيه وأنت جالس، بل حيه على الهيئة التي هو عليها، إن كان هو جالس فأنت جالس، وإن كان هو واقف فأنت واقف، كن مثله، وبعد ذلك تصافحه وتقول له: أي خدمات يا أخي، ماذا تريد؟ أي غرض، غرضك اعتبره منتهياً، ولو ما انتهى، وإذا لم ينته تقول له: الله يوفقك ويبارك فيك ويرزقك ويكثر من أمثالك.هكذا تكون عابداً لله عز وجل بالوظيفة، وبعد ذلك إذا أذَّن المؤذِن للظهر وفي يدك أعظم معاملة، أو في أذنك أعظم مكالمة، أو كان عندك أهم اجتماع، فعندها تقفل القلم، وتضع السماعة، وتلغي الاجتماع وتقول: إلى الله، دعانا الله.لكن بعض المدراء لا يعقد الاجتماعات إلا في وقت الصلاة، وهذا اجتماع يخيم عليه الشيطان؛ لأنه ضاعت من أجله فريضة الله عز وجل، فالوظيفة هذه نعمة إذا سخرتها في طاعة الله، فنصرت بها الضعيف، أو أقمت بها الحق، أو قدمت بها خدمة للمسلمين، فخدمتهم فيما يتعلق بعملك، فبششت لهم، وقضيت حوائجهم، وسعيت في مصلحتهم، عندها تكون هذه الوظيفة رحمة عليك في الدنيا وعزة وسعادة في الآخرة. لكنّ هذه الوظيفة تكون فقط إلى الموت، وأما القبر فإنك لا تدخله بوظيفتك، هل سمعتم أن ضابطاً دخل القبر بنجومه على كتفيه؟ أو مديراً دخل ببشته أو طاولته؟ أو تاجراً دخل بشيكاته وصناديقه؟ لا. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] أي: يخرج الغني والفقير، والقوي والضعيف، والأمير والمأمور، والملك والمملوك، كلهم يقوم في البدلة الرسمية الموحدة، وهي الكفن: الإزار والرداء واللفافة: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94] أي: ما جئتم بشيء، فقط جئتم بالعمل، والعمل من أين أخذتموه؟ من النعمة التي أرسلت لكم وهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].هذا هو الدين وهذه هي الهداية، فمن أخذ بها نفعته في الآخرة، ومن تركها ضل في الدنيا وشقي في الآخرة، يقول ابن عباس: [تكفل الله عز وجل لمن عمل بالقرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة] فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) أي: من سار على هذه الهداية فلا يضل ولا يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ [طه:123-124] أي: الذي لا يريد الهداية، والطريق الواضحة أمامه، فأعلامها واضحة، وأماراتها واضحة، كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد ولا يزيغ عنها إلا هالك، فهذا قد أعرض أو رفض.قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] هذا الذي أعرض لابد أن أعطيه الفطور في الدنيا والعشاء في النار، ما هو الفطور؟ قال تعالى: إِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] هذا الفطور وهو الوجبة العاجلة، ثم ماذا قال جل ذكره: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] وهذا هو العشاء.تصوروا أن شخصاً يُحشر أعمى، ويؤمر بالسير على الصراط وهو أعمى، فكيف يمشي على الصراط؟ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [طه:125] نعم. فالجزاء من جنس العمل: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا [طه:126] أي: هناك في الدنيا: فَنَسِيتَهَا [طه:126] تعاميت عنها.. تجاهلتها.. فكل شيء له في ميزانك وفي برنامجك مكان إلا القرآن والدين والهداية لا تريدها، فللمباريات وللتمشيات مكان، وللبلوت والكيرم وللدوام وللنوم وللطعام مكان، ولكن للعلم .. للقرآن .. للصلاة .. لهداية الله .. لا. عندما تأتي هذه الأشياء يصبح البرنامج مزحوماً ولا فيه فراغ، فتجده يقول: والله أنا مشغول، حسناً! تعال ندوة، قال: أنا مشغول، ماذا عندك؟ ليس عنده شيء، أشغل نفسه بما لا يشغله الله به، أشغل نفسه بما يضره في الدنيا والآخرة والعياذ بالله، قال عز وجل: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:126].
أثر الهداية في النجاة من عذاب الله ودخول الجنة
نعمة الهداية -أيها الإخوة- نعمة عظيمة جداً، وجديرة والله بكل اهتمام، ويكفينا أنك بالهداية تنجو من عذاب الله في النار، يقول الله عز وجل: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:74-77] هذه هي أمنيتهم! يقولون: نريد الموت! فلا يريدون الفكاك؛ لأنهم يعلمون أن الفكاك ممنوع، فقالوا: نريد الموت وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] لماذا ماكثون؟ قال: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ [الزخرف:78] أي: القرآن والدين والهداية الربانية لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:78-80] كانوا تاركين مضيعين؟ ولم يعلموا أن سرهم ونجواهم فضلاً عن أن ظاهرهم مسجل عند الله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80].فكل شيء مسجل عليك: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثـية:29].. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14].. وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].. وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15-17]. هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19] أي: أن الثياب هناك من النار، وليست كثياب الدنيا، بل من النار، فتصور كيف تكون حالتك! فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:19-21] إذا أعيوا من العذاب جيء بالمقامع: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22].إخواني! من نار جهنم وما فيها من العذاب والأنكال؟!أما تعتبرون بهذه الأحوال؟!أما تحذرون من سلاسلها والأغلال؟!فواعجباً والله لمن يقرع سمعه ذكر السعير وهو بالله من عذابها غير مستجير!أفيك جَلَدٌ على الحميم والصديد والزمهرير؟!أفيك جَلَد على نار وقودها الناس والحجارة، أم قد رضيت لنفسك بهذه الخسارة؟!فيا ويح من كانت هذه الدار داره!ألا إنها نار وقودها الناس والحجارة!والنار منزل أهل الكفر كلهم طِبَاقُها سبعة مسودة الحفر جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيم ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حر مستعر فيها غلاظ شداد من ملائكة قلوبهم شدة أقسى من الحجر لهم مقامع للتعذيب مرصدة وكل كسر لديهم غير منجبر سوداء موحشة شعثاء مظلمة دهماء محرقة لواحة البشر فيها العقارب والحيات قد جمعت جلودها كالبغال الدهر والحمر لها إذا ما غلت زور يقلبهم ما بين مرتفع منها ومنحدر فيا إخواني! انجوا بأنفسكم من عذاب الله! فوالله الذي لا إله إلا هو، ألا نجاة في هذه الدار ولا فوز في دار القرار إلا بطاعة الله، والتمسك بهدي رسول الله والسير على دين الله.فإذا فعلنا ذلك أيها الإخوة! وتمسكنا بالدين، وعملنا العمل الصالح، ماذا سيكون جزاؤنا؟ ما هو الجزاء أيها الإخوة؟ هل هي وظيفة كما نشتغل الآن؟ إن هؤلاء الطلاب الذين ترونهم أيام الامتحانات لا يذوقون الطعام، ولا يهنأون بالمنام، ويجلسون في المساجد والطرقات وعلى الشوارع وهم يقرءون الكتب بالليل والنهار من أجل أن ينجحوا -وهذا حسن- لكن ماذا عملوا للآخرة؟! ماذا عملوا للجنة؟! إن الجنة -أيها الإخوة- سببها الهداية والعمل الصالح، والتوفيق من الله الذي لا إله إلا هو. إن الجنة ريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مضطرد، وثمرة ناضجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام أبدي في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، ومحلة عالية بهية، أرضها وترابها المسك والزعفران، وسقفها عرش الرحمن، وملاطها المسك الأذخر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، ثمارها ألين من الزبد وأحلى من العسل، وأنهارها من خمر لذة للشاربين، ومن ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن عسل مصفى، وفاكهتها مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، غلمانها وخدمها ولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون، واسمع لزوجاتها يا من تريد الزوجات: فكن أيماً لما سواها فإنها لمثلك في جنات عدن تأيم وكن مبغضاً للخائنات بحبها لتحظى بها من دونهن وتسلم فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر والمقدم يا من تحبون النساء، يا من تريدون الجمال والعفة والشوق والحب العظيم، أخروه إلى أن تتزوجوا بالحلال، ثم التزموا لتجدوا الكواعب والأتراب في جنات رب العالمين. زوجاتها الكواعب الأتراب، اللاتي جرى فيهن ماء الشباب، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا ضحكت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً، إذا رأوها قالوا: لا إله إلا الله! من عظمة هذه المرأة الحورية، ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كل عين، -أي: خمارها- نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لا تزداد بطول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً.فليست نساء الآخرة كنساء الدنيا، نساء الدنيا تكون معها مدة تُسمى شهر العسل، وبعد ذلك تتحول الدنيا إلى بصل، ثم ولادة وحمل ونفاس وأطفال ومشاكل، لكن هذه لا. لا تزداد مع طول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً، ولا يزيد طول المدى معها إلا محبة ووصالاً، مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من البول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلق ثوب جمالها، ولا يمل طيب وصالها، لم يطمثها قبله إنس ولا جان، كلما نظر إليها ملأت قلبه نوراً، وكلما حادثته -أي: كلمته- ملأت أذنه لؤلؤاً منظوماً ومنثوراً، إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها، وإذا انتقلت من غرفة إلى غرفة أو من قصر إلى قصر، فكأنما هذه الشمس تنقلت في بروج فلكها.هذا وأعظم نعمة يمن الله بها على أهل الجنة: أن الله عز وجل يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً، ويحادثهم ويتجلى لهم، ويرونه من فوقهم سبحانه، فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة العيون بالنظر إلى وجه الله بالدار الآخرة، ويا خيبة العصاة المحرومين الراجعين بالصفقة الخاسرة.وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ [القيامة:22-25].فاسمع إذاً أوصافها وصفاتها:تيك المنازل ربة الإحسان هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باق وليس بفان أو ما سمعت بأنه سبحانه حقاً يكلم حزبه بجنان ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يُرى القمران ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد ومنابر الياقوت والمرجان هذا وخاتمة النعيم نعيمهم أبداً بدار الخلد والرضوان فنسأل الله وإياكم من فضله، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم، يا فارج الهم، يا كاشف الغم، يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تجعلنا وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين من أهل هذه الدار، وأن تنجينا من دار الخزي والبوار برحمتك يا أرحم الراحمين.هذه أيها الإخوة! آثار الهداية، فإذا بقي أحد يقول: لا أريد الهداية! عندها نقول له: جعلك الله لا تريد، أبعدما رأيت الطريق لا تريد؟! فقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] ويقول: ومَنْ كَفَر فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [لقمان:23] ويقول: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25-26] وكانت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم تتقطع وتذوب ألماً وحزناً حينما يُكذَّب وهو صادق، فقال الله له: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] أي: اتركهم وما عليك إلا أن تبين لهم الطريق: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].فهذه هي الهداية جعلنا الله وإياكم من المهتدين.
 نعمة الوظيفة والمنصب
الوظيفة نعمة إذا استعنت بها على طاعة الله، والرتبة أو المنصب نعمة إذا سخرتها لدين الله.أولاً: ما تعاليت بها على الناس ولا تكبرت، كما يصنع بها بعض الموظفين، أو رؤساء الأقسام، أو مدراء الإدارات؛ إذا دخل الإدارة فإنه من عند الباب يرفع (بشته) ويكون رأسه في السماء، وإذا مر على الناس أخذ ينظر فيهم ولا يسلم، فإذا قيل له: لماذا لا تسلم؟ قال: السلام ينقص من شخصيتي، ويضعف هيبتي أمام الناس، فأنا أريد أن أحتفظ بشخصية قوية من أجل أن يخاف الناس مني، ويسيرون العمل بشكل مضبوط، فتجده لا يسلم على الفراشين ولا الموظفين الصغار، وإذا دخل عليه أحد وهو جالس على الطاولة، رفع عينيه دون أن يرفع رأسه، كأنه يريد أن ينطحه، وإذا سلم عليه أحد لا يرد عليه السلام إلا همساً، وإذا أعطوه المعاملة، ما قبلها ولا مد يده لها، بل يقول: ضعها على الطاولة، ماذا تريد؟ الله أكبر! ما هذا الكبرياء والتغطرس بالوظيفة، فلو أن الوظيفة بقيت لغيرك ما وصلت إليك، والكرسي كما يقولون دوار. فكرسي الحلاق كل يوم عليه شخص، فلم يبق لغيرك حتى يبقى لك، إذاً لماذا تنتفخ؟ لماذا تتكبر على عباد الله بهذه الوظيفة وهي عارية عندك؟! لماذا لم تستخدمها في طاعة الله؟ فإذا دخلت إدارتك فلا تأت عند الباب إلا وقد بدأت بالسلام: السلام عليكم .. السلام عليكم ورحمة الله .. صبحكم الله بالخير .. كيف حالكم؟ فإذا دخلت المكتب فسلم على الفراش، وإذا جاءك أي شخص مراجع له عمل عندك، فعليك أن تقطع عملك وأن ترفع رأسك إليه، فتقوم إذا حياك، لا تحيه وأنت جالس، بل حيه على الهيئة التي هو عليها، إن كان هو جالس فأنت جالس، وإن كان هو واقف فأنت واقف، كن مثله، وبعد ذلك تصافحه وتقول له: أي خدمات يا أخي، ماذا تريد؟ أي غرض، غرضك اعتبره منتهياً، ولو ما انتهى، وإذا لم ينته تقول له: الله يوفقك ويبارك فيك ويرزقك ويكثر من أمثالك.هكذا تكون عابداً لله عز وجل بالوظيفة، وبعد ذلك إذا أذَّن المؤذِن للظهر وفي يدك أعظم معاملة، أو في أذنك أعظم مكالمة، أو كان عندك أهم اجتماع، فعندها تقفل القلم، وتضع السماعة، وتلغي الاجتماع وتقول: إلى الله، دعانا الله.لكن بعض المدراء لا يعقد الاجتماعات إلا في وقت الصلاة، وهذا اجتماع يخيم عليه الشيطان؛ لأنه ضاعت من أجله فريضة الله عز وجل، فالوظيفة هذه نعمة إذا سخرتها في طاعة الله، فنصرت بها الضعيف، أو أقمت بها الحق، أو قدمت بها خدمة للمسلمين، فخدمتهم فيما يتعلق بعملك، فبششت لهم، وقضيت حوائجهم، وسعيت في مصلحتهم، عندها تكون هذه الوظيفة رحمة عليك في الدنيا وعزة وسعادة في الآخرة. لكنّ هذه الوظيفة تكون فقط إلى الموت، وأما القبر فإنك لا تدخله بوظيفتك، هل سمعتم أن ضابطاً دخل القبر بنجومه على كتفيه؟ أو مديراً دخل ببشته أو طاولته؟ أو تاجراً دخل بشيكاته وصناديقه؟ لا. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] أي: يخرج الغني والفقير، والقوي والضعيف، والأمير والمأمور، والملك والمملوك، كلهم يقوم في البدلة الرسمية الموحدة، وهي الكفن: الإزار والرداء واللفافة: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94] أي: ما جئتم بشيء، فقط جئتم بالعمل، والعمل من أين أخذتموه؟ من النعمة التي أرسلت لكم وهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].هذا هو الدين وهذه هي الهداية، فمن أخذ بها نفعته في الآخرة، ومن تركها ضل في الدنيا وشقي في الآخرة، يقول ابن عباس: [تكفل الله عز وجل لمن عمل بالقرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة] فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) أي: من سار على هذه الهداية فلا يضل ولا يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ [طه:123-124] أي: الذي لا يريد الهداية، والطريق الواضحة أمامه، فأعلامها واضحة، وأماراتها واضحة، كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد ولا يزيغ عنها إلا هالك، فهذا قد أعرض أو رفض.قال الله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] هذا الذي أعرض لابد أن أعطيه الفطور في الدنيا والعشاء في النار، ما هو الفطور؟ قال تعالى: إِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] هذا الفطور وهو الوجبة العاجلة، ثم ماذا قال جل ذكره: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] وهذا هو العشاء.تصوروا أن شخصاً يُحشر أعمى، ويؤمر بالسير على الصراط وهو أعمى، فكيف يمشي على الصراط؟ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [طه:125] نعم. فالجزاء من جنس العمل: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا [طه:126] أي: هناك في الدنيا: فَنَسِيتَهَا [طه:126] تعاميت عنها.. تجاهلتها.. فكل شيء له في ميزانك وفي برنامجك مكان إلا القرآن والدين والهداية لا تريدها، فللمباريات وللتمشيات مكان، وللبلوت والكيرم وللدوام وللنوم وللطعام مكان، ولكن للعلم .. للقرآن .. للصلاة .. لهداية الله .. لا. عندما تأتي هذه الأشياء يصبح البرنامج مزحوماً ولا فيه فراغ، فتجده يقول: والله أنا مشغول، حسناً! تعال ندوة، قال: أنا مشغول، ماذا عندك؟ ليس عنده شيء، أشغل نفسه بما لا يشغله الله به، أشغل نفسه بما يضره في الدنيا والآخرة والعياذ بالله، قال عز وجل: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:126].
من أسباب الهداية
أولاً: اعلم أن الله هو الهادي وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد:27].. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] ولكن لهذه الهداية وسائل وأسباب، مثل الرزق.الآن: أليس الله هو الرزاق ولكن للرزق أسباب أيضاً، فالله هو المطعم لكن للإطعام أسباب، والله هو المعافي والمشافي ولكن الشفاء والعافية لها أسباب، فالله هو الهادي ولكن للهداية أيضاً أسباب.ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ومن أسباب الهداية عشرة، أو من أسباب الهداية عشرة، فلا نقول كل أسباب الهداية؛ لأن هناك الكثير غيرها.
 السبب العاشر: الابتعاد عن رفقة السوء
عن المرء لا تسَلْ وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي يقول الإمام علي رضي الله عنه: فلا تصحب أخ الجهل وإياك وإياه فكم من فاسق أردى مطيعاً حين ماشاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللناس على الناس مقاييس وأشباه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) والذي يحب السيئين سيئ، والذي يحب الطيبين طيب، والقرآن قد أعطانا في هذا دليلاً واضحاً في قصة ذلك الرجل؛ وهو عقبة بن أبي معيط عليه من الله ما يستحق، فقد كان رجلاً حليماً رقيق القلب وأراد أن يسلم، لكن لما كان له صاحب خبيث منعه هذا الخبيث من الدين، فقد سافر هذا الخبيث إلى الشام فجاء عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلس في مجلسه، واستمع إلى القرآن ورق قلبه وأراد أن يسلم، فلما وصل زميله ذاك في الليل سأل زوجته فقال: ما فعل خليلي؟ قالت: صبأ. -أي: اهتدى وأسلم- فترك البيت وذهب إليه وطرق عليه الباب وقال: سمعت أنك صبأت؟ فقال: أبداً ما صبأت، أنا معك، أنا رفيقك، فقال له: والله لا أرضى عنك حتى تذهب إلى محمد فتبصق في وجهه، فقال: أبشر -وليته ما بشر- فخرج وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له من يحميه آنذاك، كان وقتها الغلبة والدولة للكفر، وكان المسلمون قلة مستضعفون في الأرض، فخرج إلى النبي وهو جالس في مكة عند الكعبة، فجاء إليه ودعاه قائلاً: يا محمد! فلما التفت تفل في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يستطع الرسول أن يفعل شيئاً، لماذا؟ لأن عقبة هذا من صناديد قريش، ومن عظماء مكة ، لا يستطيع أحد أن يقول له كلمة.فمات عقبة -قتل في غزوة بدر - ولقي الله فأدخله الله النار، فتذكر ما الذي أهلكه، وإذا به زميله هذا، فقال الله عز وجل: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] أي: عقبة وغيره ممن كان على شاكلته، ولم يقل الله في الآية: يعض على إصبعه، بل قال: على يديه، أي: يأكلها كلها: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً [الفرقان:27] أي: يا ليتني اتخذت مع الرسول طريقاً، يا ليتني مشيت وراءه يَا وَيْلَتَى [الفرقان:28] يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:28] وهنا يقول المفسرون: إن فلاناً هنا نكرة، والتنكير للتعميم، وهو مقصود، إذ أن كل من أضلك عن الله يدخل في فلان سواء كان شريطاً أو كتاباً أو زميلاً أو مدرساً أو أخاً أو أي شخص أضلك عن الله، وسوف يقول الضال يوم القيامة: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً [الفرقان:28-29].كما أن هناك كثير من الشباب اليوم يهتدي لشهر أو شهرين أو ثلاثة، ثم لا يجلس جلسة واحدة على أغنية أو فيلم إلا وقد غُسل مخه من الدين وعاد ألعن مما كان عليه في السابق! ينتكس والعياذ بالله! قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المنافقون:3] أي: أن الله قد ختم على قلبه؛ لأنه ذاق طعم الإيمان ثم انتكس، بصَّره الله بالطريق وأقامه على السبيل ثم بعد ذلك رجع، فهذا لا يهديه الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3] أي: لا يعلمون عن الله شيئاً والعياذ بالله.هذه هي العشرة الأسباب، وكل واحد منها يحتاج إلى ندوة أو ندوتين، لكن نحن نتكلم على سبيل التعميم، وإذا أمد الله في العمر، وهيأ فرصة مناسبة؛ فإن شاء الله نكملها، ولها توابع أخرى، فأسباب الهداية عشرة، وعلامات الهداية عشرة، وهناك موانع الهداية أو عوائق الهداية، وهذه أيضاً عشرة، فهناك عشرة موانع أو حواجز وسدود بين الإنسان وبين الهداية، لا يهتدي حتى يبتعد عنها كلها، إذاً كيف يهتدي وأمامه عشرة سدود؟! نقول: لابد أن يتجاوزها واحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى الهداية، وهذه يراد لها عشرة أوقات.لكن نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا إلى سواء السبيل .
الأسئلة

  كلمة توجيهية لاستغلال ليالي رمضان
السؤال: فضيلة الشيخ! لم يبق على شهر رمضان المبارك سوى أيام قليلة، ولكن وللأسف كثير من الشباب هداهم الله، يستعدون لقضاء لياليه الكريمة في السهرات الباطلة، والبعض الآخر يستعد للسفر لبلاد الكفر في آخر الشهر لقضاء إجازة العيد بين الفاجرات وارتكاب المعاصي، فما هي نصيحتكم لإخواننا هؤلاء؟ وما هو توجيهكم لاستغلال مثل هذه الليالي المباركة؟ الجواب: شهر رمضان موسم من مواسم الخير، وفرصة من الفرص الربانية التي يتيحها الله عز وجل للمؤمنين للدخول عليه من أوسع باب ومن أسهل طريق، وكان السلف يسألون الله عز وجل أن يبلغهم رمضان، يقولون: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. يقول الناظم:يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان أتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني ومعجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان حتى متى يعمر الإنسان مسكنه؟ مصير مسكنه قبر لإنسان ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح برغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، عندما صعد المنبر فقال: (آمين آمين آمين، قال الصحابة: لم يا رسول الله تقول آمين؟ قال: جاءني جبريل فقال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له) شهر رمضان تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغل فيه مردة الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! وتضاعف فيه الحسنات، وبعد ذلك تسهر للشر؟ يقولون: نحييه، أتشكل لك جماعة شر من أجل أن تحيي ليالي رمضان؟! أهكذ يكون إحياء رمضان؟! لا. إنما أحياؤه بالقيام وبالعلم، وبتدبر وتلاوة كتاب الله، أما إحياؤه بالورق والبلوت والجراك والشمة والدخاخين والسهرات القاتلة، فهذا إماتة لرمضان والعياذ بالله.فإذا جاء رمضان شكل لك جماعة، لكن جماعة إيمانية، كل ليلة عند شخص على شيء من علم، اليوم تفسير، وغداً حديث، وبعده فقه، وبعده توحيد، وهكذا .. أما اليوم على البلوت، وغداً على الورق، وبعده على الكيرم، فهذا لا يجوز.وأما من يذهب إلى خارج المملكة ليأخذ عمرة؛ لأنه ورد في صحيح البخاري : (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) فالعمرة إلى مكة ، لكن من يأخذ عمرة ويخرج خارج المملكة، ليقضي على دينه في الخارج! هذا لا يأخذ عمرة، بل يبيع عمره .. يضيعه والعياذ بالله، نقول له: اتقِ الله في نفسك! واتقِ الله يا ولي أمره! وإذا لم تخرج أنت وخرج ولدك فالمال الذي خرج به ليزني أو ليسكر والله إن إثمه كله في رقبتك.وقد أتانا في رمضان الماضي أحد الأثرياء في أبها ودخل معنا في المسجد يصلي، وبعد الصلاة دعاني فقال لي: هيا معنا، قلت له: وأين تسكن؟ قال: أسكن في شقة من الشقق التي للمصيفين، قلت له: الحق أن تأتي معي، قال: ما في حق ولا حقوق، نحن جيران المسجد، فدخلت عنده من باب الإكرام له، وكنت غير مشغول في تلك الليلة، وإذا جماعته الذين معه كلهم أصحاب دنيا، ملايين، فضاق صدري، وأصبحت مثل الطائر في القفص، أريد ذكر الله وهؤلاء ليس عندهم إلا الأراضي والعقارات، قلت: يا أخي. قال: نعم. قلت له: أنت من أهل الملايين؟ قال: نعم. قلت: أحسن الله عزاك في حياتك! وأين ملايينك؟ قال: الحمد لله في خير، قلت: كم بنيت من مساجد؟ قال: لا شيء. قلت: كم أرسلت للمجاهدين؟ قال: لا شيء إلا الزكاة، كم.. كم.. وأخذت أسأله، ثم قلت له: أين أولادك؟ قال: عندي أولاد في الرياض وأولاد في فرنسا . قلت: ما يفعلون؟ قال: يصيفون. قلت: ومن أين لهم المال؟ قال: المال مني. قلت: وزودتهم أيضاً بالمال، والله لا يعصون الله في شيء إلا وهي في رقبتك يوم القيامة، انتبه! لا تعط ولدك ريالاً واحداً ليخرج خارج هذه البلاد، وولاة الأمر حريصون على ألا يعطوا أحداً جواز سفر إلا بموافقتك أنت، كيف ترسل ولدك إلى الأماكن الموبوءة القذرة المنتنة، وتزوده بالمال وتقول له: اذهب، ثم تريده أن يرجع ومعه دين، لا. لا يمكن أبداً بأي حال من الأحوال. أما ما يصنعه الناس اليوم في استقبال شهر رمضان على أنه موسم من مواسم الأكل، فهذا خطأ وضد شريعة الصوم، وإنما شرع الصوم من أجل أن نعرف ألم الجوع ونعاني معاناة الفقير، ونصبر عن الطعام، لكن حولنا وقلبنا المسألة! أصبح رمضان شهر طعام ومطاعم، يقضي الرجل سحابة نهاره من الصباح إلى العصر وهو متنقل بين البقالات، بل رأيت أحد أقاربي وهو يريني كشف الطلبات وفيه كرتون شربة! كرتون شعيرية! قلت: كرتون! لماذا كرتون؟! قال: رمضان كريم! قلت: رمضان كريم لتأكل فيه؟! رمضان كريم لتشتري فيه كرتوناً وتوزعه على الفقراء الذين ليس لديهم شيء، ليس لكي تملأ مخازنك، وتأكل حتى تمتلئ كل أجزاء بطنك. تصوروا أن بعضهم لا يستطيع أن يقوم من السفرة؛ لأنه لا يفطر على تمرات، وإنما يفطر على تمرة وشربة وسنبوسة وحلوى، وشراب، وعصيرات، ولو أن جملاً أكل هذا الفطور كله لمات، ثم يذهب ليصلي فيبحث عن أقرب مسجد وأسرع إمام، ثم يرجع بعد المغرب إلى العشاء والسفرة ممدودة، ولا بد أن يعمم عليها كلها، كيف يترك هذه، بل يأكل من هذه وهذه ومن هذه، ولو أكل من كل نوع لقمة لامتلأت بطنه وانفقع، ولكن يأكل من هذه قليلاً ومن هذه قليلاً، وإذا انتهى قال: ائتوا بالماء لأغسل يدي، وبعد ذلك إذا أذَّن العِشاء لا يستطيع أن يقوم من مكانه، إذا أراد أن يقوم فاتته الفريضة. فكثير من الناس يدركون التراويح ويضيعون الفريضة، والتراويح سنة مؤكدة والفريضة فريضة، ويأتي يصلي النافلة ويترك الفريضة، فهذا منكوس -والعياذ بالله- وبعضهم يبحث عن إمام يصلي صلاة حسنة خفيفة، يعني: يريد أن يصليها في غمضة عين، وإذا وجد شخصاً مؤمناً يرتل كلام الله، ويخشع في كلام الله، قالوا: هذا مُعقد مُشدد! والله إن أرجلي قد تكسرت! ولماذا تكسرت رجلاك هنا ولم تتكسر في السوق وأنت من الصباح إلى المغرب هناك، في البقالات والأسواق المركزية، وعند الحنيذ والحلويات والمشويات والمقليات؟ لكن عندما تكون بين يدي الله في ركعتين أو أربع أو ست ركعات تتكسر أرجلك، وإذا بك متعب هنا ونشيط هناك، فهذا قلب فاسد والعياذ بالله.وأقول لكم يا إخواني: استقبلوا شهر رمضان بتلاوة كتاب الله، وبمدارسة العلم، ولا تشتر شيئاً جديداً، بل اترك رمضان مثل شعبان تماماً.وأنا شخصياً قلت لأهلي: والله لا آتي بشيء زائد عن شهر شعبان، بل أُنقص، لأننا كنا نفطر ونتغدى ونتعشى في غير رمضان، وفي رمضان ماذا جرى؟ هو سحور وفطور فقط، أي: وجبتين، إذاً أُنقص الثلث؛ لأنه لا يوجد غداء. وبعد ذلك اجعل أهلك يصنعون لك نوعاً أو نوعين من الطعام فقط، ثم أفطر على تمرات أو ماء، ثم قم إلى المسجد وارجع على نوعين من الطعام، وبعد ذلك صل، وبعد الصلاة ارجع إلى أهلك فإن كان هناك شيء خفيف تأكله وإلا فاصبر حتى تتسحر (تسحروا فإن السحور بركة).والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب الهداية [1،2] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net