اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حوار مع منتكس للشيخ : سعيد بن مسفر


حوار مع منتكس - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الانتكاسة وهي: حالة مرضية تصيب بعض الملتزمين، كما عرفها الشيخ، وقد تكلم الشيخ في إطار هذا الموضوع عن الوسائل المعينة على الثبات، ثم ذكر أسباب الانتكاسة مبيناً الوسائل التي يمكن بها علاج هذه الظاهرة، والتي تعد من أخطر الظواهر المؤثرة على مسيرة التزام الشباب.
ظاهرة الانتكاسة: (أسبابها وعلاجها)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.وبعد:أيها الأحبة في الله: تلقيت قبل موعد أذان المغرب بنصف ساعة فقط، وبالتحديد في الساعة السادسة إلا ربع، مكالمة هاتفية من الشيخ/ جابر المدخلي الأمين العام للتوعية الإسلامية بـمكة ، يطلب مني أن ألقي هذه المحاضرة بديلاً عن الشيخ/ محمد المختار الشنقيطي وذلك لظروف مرضه، نسأل الله عز وجل أن يكتب له الشفاء العاجل.والحقيقة لقد ترددت -بل اعتذرت- والسبب أن البديل دائماً يكون ثقيلاً مهما كان، الناس جاءوا وهم متهيئون لسماع رجل بعينه، فإذا جاء الغير كان هذا الغير ثقيلاً لا يريد أحد أن يسمعه، وما أود أن أكون ثقيلاً على إخواني.فقلت للشيخ: سوف آتي وأشاورهم فإن رأوا أنني سأصبح ثقيلاً عليهم اعتذرت، وخرجنا وذهب كلٌ إلى بيته، والسلامة كرامة كما يقولون، وإن قبلوا بشرط ألا أكون ثقيلاً عليهم فلا مانع من الاستمرار معهم إلى العشاء، وأنا أعرض عليكم هذا الرأي فما رأيكم، هل تودون الاستمرار ولا أكون ثقيلاً عليكم؟ بارك الله فيكم.البديل ثقيل لماذا؟هناك حكاية: رجل جاءه ضيوف ولا يود أن يكرمهم -يعني: ضيوف ثقلاء- ولكن لابد له من أن يقدم لهم وجبة الطعام، فنزل إلى المرعى الذي فيه الأغنام وأخذ واحدة من الأغنام وأخذ السكين وبدأ يذبح الذبيحة، فصاحت الذبيحة من ألم حرارة الموت، فقال لها يخاطبها يقول: اصبري فوالله إنكِ مغصوبة وأنا مغصوب، يقول: أنتِ مغصوبة لا تريدين الموت وأنا مغصوب لا أريد أن أذبح، وأنا أقول لكم: أنتم مغصوبون وأنا مغصوب فاصبروا على ما واجهتم.موضوع المحاضرة: "الانتكاسة أو الانتكاس أسبابه وعلاجه"، كنت قبل فترة ألقي درساً في جدة ووعدت أهل جدة بمحاضرة بعنوان: "حوار مع منتكس" ولما كان هذا الموضوع هو موضوع هذا الدرس فأنا أقدم هذا الموضوع الذي كنت سألقيه في جدة بعد أيام وليالي؛ لأنه موضوع جاهز.الانتكاسة: حالة مرضية تصيب بعض الملتزمين الذين وفقهم الله عز وجل للاستقامة على دين الله، وهي والحمد لله في مجتمعنا لا تشكل ظاهرة عامة، بحيث نخاف منها أو ننظر إليها بنظرة شؤم، لا. هي حالة نادرة تقع في أفراد بسطاء بدليل استقامة الآلاف المؤلفة، واستمرارية العاملين والحمد لله في سلك استقامتهم، فهذه ليست مثار خوف عندنا، ولكننا ننبه عليها للتحذير منها من باب الوقاية؛ لأن مسألة الثبات على الدين حتى الممات شيء لابد منه، إذ أن العبرة والمعوَّل على الخواتيم -الخاتمة- إنما الأعمال بالخواتيم، وأنت يقاس لك عملك على آخر أداء تؤديه قبل الوفاة، فلو ثبتَّ طوال حياتك وزللت قبل الوفاة بلحظات، لم تعد لك كل سابقة حياتك، ولو انحرفت طوال الحياة ثم ثبتَّ عند الممات لختم الله لك على هذا الثبات وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)هذا الحديث له مغزى وله هدف، والمثبطون والمنهزمون أمام شهواتهم يستدلون به على غير وجهه الشرعي فيقول أحدهم وهو منغمس في الذنوب، يقول: أنا أعمل بعمل أهل النار حتى إذا كان بيني وبين النار ذراع عملت بعمل أهل الجنة، هذا كلام غير صحيح؛ لأنك لا تملك الهداية، لا. ليس هذا هو مقصد الحديث.مقصد الحديث: بيان أن على المسلم الذي يلتزم بالدين أن يتمسك ويثبت إلى أن يموت، حتى لا يعمل عملاً من عمل أهل النار فيختم عليه به ويدخل النار.والثاني: أن على العاصي الفاجر البعيد عن الله أن يسارع بالتوبة وألا يؤجل ولا يسوف، حتى يعمل عملاً صالحاً؛ لأنه قد يموت بعد هذا العمل الصالح فيدخله الله الجنة، هذا هو هدف الحديث؛ لأن العبرة بالخواتيم.ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الثبات ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك) ويخبر الله عز وجل عن عباده المؤمنين بأنهم يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] يدعون الله عز وجل أن يثبتهم وألا يزيغ قلوبهم بعد أن هداها، ويطلبون من الله رحمة وهذه الرحمة يقول عنها المفسرون: هي رحمة التثبيت. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
 

وسائل الوقاية من الانتكاس: (عوامل الثبات)
وقبل ذكر أسباب الانتكاس هناك وسائل للوقاية من الانتكاس -وسائل للثبات- أبدأ بها؛ لأنها المهمة:
 الدعاء
المثبت الرابع: الدعاء في كل وقت وفي كل لحظة وفي سجودك وفي ليلك وفي نهارك: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، هذا من أعظم وسائل التثبيت حتى تثبت على دين الله تبارك وتعالى، وهذه هي أسباب الوقاية من المرض.
أسباب الانتكاسة
أما أسباب الانتكاس أو لماذا ينتكس الإنسان؟ فهي كالتالي:
 ارتكاب المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب
التاسع: من أسباب الانتكاس: مقارفة المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب: يقول الله عز وجل: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين:14] أي: غطى القلوب: مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] تستهين بنظرة أو بأغنية أو بكلمة أو بخاطرة أو بمعصية فتنكت في قلبك، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح مسلم قال: (تعرض الذنوب على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أُشربها -أي: قبلها- نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب ردها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض كالصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض)فأنت اجعل في قلبك حاجزاً ضد الذنوب، كلما جاء ذنب رده، لماذا؟ حتى لا ينكت في قلبك نكتة سوداء ثم تتراكم هذه النكت السوداء ثم يصير راناً، فيكون قلبك مرباداً ثم ينكسر القلب وينتهي، وهذه الردة -والعياذ بالله- والكفر.
علاج الانتكاس
أما العلاج من أجل أن تثبت في الطريق؛ لأن الطريق إلى الجنة ليس سهلاً، أشعر نفسك أنك تريد الجنة، عمير بن الحمام لما قال عليه الصلاة والسلام: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخٍ بخ، قال: ما حملك على هذا؟ قال: أريد أن أكون من أهلها ثم رمى تمرات كانت في يده وقال: إنها والله لحياة طويلة أن أمكث حتى آكل التمرات وقام وقتل في سبيل الله) هذه طريق جنة حافظ على نفسك من الآن؛ لأن الطريق هنا صعب، والأصعب منه الصراط، والأصعب منه العرصات، والأصعب منه تطاير الصحف، والأصعب منه الطرد من الحوض، والأصعب منه خفة الميزان، والأصعب من ذلك السحب على الوجه إلى النيران.اضبط نفسك الآن وداوم واصبر وقل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، وقل: يا رب سلِّم سلِّم، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، توقع أنك سوف تموت ذلك اليوم، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، توقع أنك تموت في الليل، وإذا صليت فصل صلاة مودع، فقد تصلي العشاء ولا تستطيع أن تصلي الفجر، هكذا المؤمن خطوة خطوة، إلى أن يقف عند جدار الموت وينزل إلى الجنة بإذن الله، وعلاج هذه الظاهرة بتسعة أمور:
 محاسبة النفس ومراقبتها
تاسعاً: محاسبة النفس ومراقبتها على فترات: إما يومياً أو أسبوعياً أو كل ليلتين، فلابد من جلسة مع النفس، محاسبة كما تحاسب الغريم، فتشارطها وتحاسبها وتتابع سيرها، تحاسب عينك، أين أنت يا عين؟ أين نظرتي ؟ أين الإيمان؟ نظرت اليوم تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، يا أذن ماذا سمعتي اليوم؟ سمعت غيبة أستغفر الله وأتوب إليه، يا لسان تكلمت اليوم في موضوع ما كان لي أن أتكلم فيه وليس لي علاقة به، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهكذا .. هذه المحاسبة لها أصل في الدين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] هذه -أيها الإخوة- مجمل الوسائل التي يستطيع المسلم بها أن يثبت على دين الله، ومن حصلت له انتكاسة أو ضعف أو تراخٍ أو كسل في الدين يستطيع بالأسباب التسعة الأخيرة أن يعالج ضعفه وتراخيه وكسله، وأن يعود إلى الجدية والاستمرارية في طريق الله، وأن يسأل الله الثبات ويصبر على هذا الطريق، فإنه وإن كانت فيه صعوبة فإن نهايته مشرقة وهي الجنة.نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها، وأن ينجينا وإياكم من النار، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، وأن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع الدعاء، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حوار مع منتكس للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net