اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثالثة] للشيخ : سعيد بن مسفر


سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثالثة] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن من أركان الإيمان التي لا يتم إيمان المرء بدونها الإيمان باليوم الآخر.وقد أخفى الله عن عباده وقت قيام الساعة وذلك لحكم جليلة، ولكن وضع لها علامات تدل على قرب مجيئها لكي يستعد المسلم لذلك اليوم، وفي هذه المادة تكلم الشيخ حفظه الله عن الساعة ومجيئها، وما أعد الله للمؤمنين وما توعد به المكذبين، كما ذكر بعض العلامات الدالة على قرب الساعة.
الساعة آتية لا ريب فيها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.وبعــد:أيها الإخوة في الله: الحديث عن الساعة وأهوالها، وعن ذلك اليوم المهول الذي تحدث فيه تلك الأحداث الصعبة، والقضايا المذهلة، حديث ترتعد منه القلوب، وتقشعر منه الأبدان، إذا تصوره الإنسان التصور الحقيقي، وتخيله التخيل الإيماني. والله عز وجل يؤكد قضية الإيمان بالبعث وبالجزاء والنشور تأكيداً عظيماً بما يقسم به تبارك وتعالى من مخلوقاته، فإن له عز وجل أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للعبيد أن يقسموا إلا به، ومن أقسم بغير الله فقد عظمه، ومن عظم غير الله فقد أشرك بالله، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
 تساؤل الكافرين عن كيفية البعث
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ [المرسلات:38] لأن الكفار يقولون: إذا أمكن بعثنا فكيف نصنع بالأولين؟: أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الواقعة:48] يقولون: أين ذهبوا، قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:53-56]. وتعجبوا من إمكانية الإعادة لهذه الأجساد التي بليت وتفتت، وذهبت شذر مذر، قالوا: كيف يعيدها؟ فهذا الذي قد بلي منذ زمن كيف يأتي به رب العالمين؟ فأجابهم الله وقال لهم: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28] إذا كان هذا صعباً عليكم فإن خلقكم وبعثكم كله لا يساوي عند الله جهد خلق نفس واحدة، ويقول لهم: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57] كيف تتعجبون من قدرة الله على إعادة الناس ولا تتعجبون من قدرة الله العظيمة في خلق هذه السماوات والأرض، إن الأولين ما ضاعوا وما ذهبوا، إنهم موجودون في سجل الله الخالد الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ [المرسلات:38] من آدم إلى آخر شخص كلهم موجودون.ثم: فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [المرسلات:39] تحدٍ.. أتستطيعون أن تصنعوا شيئاً؟ كيدوا، وماذا يصنعون والملك الواحد من الغلاظ الشداد يأخذ بيده هكذا فيلقي سبعين ألفاً في النار؟ والملائكة: غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] وجهنم يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ولو تركت لأتت على أهل الموقف برهم وفاجرهم: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14] تشهق عليهم كما تشهق البغلة على الشعير: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12].قالوا للرسول: كيف تراهم جهنم ألها عينان؟ قال: أما سمعتم قول الله: إذا رأتهم.. نعم لها عينان، تراهم وتعرفهم، وأنهم غرماؤها؛ وأنهم الذين سوف تتولى تعذيبهم: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً [النبأ:21-25] وأهل الإيمان يقولون: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:65] .. فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [المرسلات:39] هل يستطيع أحد أن يعمل شيئاً ذلك اليوم؟! لا.
صفة المتقين في الدنيا وابتعادهم عن معاصي الله
ثم يصف الله عز وجل حالة أهل الإيمان وأهل التقوى -جعلنا الله وإياكم منهم- أنهم صدقوا المرسلين، وآمنوا بالكتاب المبين، وساروا على النهج القويم، وخضعوا وأذعنوا واستسلموا لله رب العالمين، لا يرفعون رءوسهم على الله، بل إذا أمروا قالوا: سمعنا وأطعنا، ولو على قطع الرقاب، يقول عبد الله بن سلام لما نزل قول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء:66] قال: والله لو كتبها لقتلناها، وها هم -الآن- أهل الإيمان يقتلون أنفسهم في سبيل الله عز وجل، فالذين خضعوا لله، وسلموا أنفسهم وقيادهم لله، عيونهم راضخة لأمر الله فلا ينظرون إلا إلى ما أحب الله، أسماعهم مستسلمة لله فلا يسمعون إلا ما أحل الله، ألسنتهم رطبة بذكر الله، لا يمكن أن تتكلم بكلمة تغضب الله، يزنون الكلام قبل خروجه، فإن كان خيراً نطقوا به، وإن كان شراً ردوه، وإن كان شبهة سكتوا، والسلامة كرامة.فروجهم محفوظة عن الوقوع فيما حرم الله، وأيديهم مكفوفة عن الامتداد إلى ما حرم الله، وأقدامهم قاصرة عن أن تحملهم إلى معصية الله، هؤلاء رضخوا لله، ثم أعملوا البدائل: بدل النظر المحرم النظر المباح والحلال، النظر في كتاب الله، النظر في ملكوت الله، بدل السماع المحرم والكلام الخبيث أتوا بالكلام الطيب وهو تلاوة كتاب الله، ذكر الله، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بدل الزنا المحرم أتوا بالبديل وهو الزواج الحلال، وهكذا استخدموا أنفسهم في الطريق الصحيح الذي رسمه الله لهم، يقول فيهم تبارك وتعالى في نفس الآية قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:41] -نسأل الله من فضله- ظلال: ظلال أشجار الجنة، وعيون جارية: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ [الأعراف:43].
 الدنيا سجن المؤمن، والآخرة فيها جنته
هذه دار ابتلاء ليس فيها جزاء، ولهذا لما ركب الإمام ابن حجر العسقلاني وكان قاضي القضاة في مصر؛ ركب على خيله وخرج ومعه حاشيته، فاعترضه يهودي، وأمسك بالخطام وقال: يا شيخ! قال: نعم. قال: تزعمون أن رسولكم يقول: (إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فأي سجنٍ أنت فيه وأي جنة أنا فيها؟! وكان اليهودي فقيراً مقطع الثياب فقال: أي سجن أنت فيه وأنت على الخيول ومعك هذه الأشياء وأي جنة أنا فيها؟ فرد عليه ابن حجر رحمه الله قال: ما ينتظره أهل الإيمان إذا قيس على ما أنا فيه فإنهم في سجن، وما ينتظرك وينتظر أهل الكفر إذا قيس على ما أنت فيه فأنت في جنة. أنت في بسطة إذا قيس على ما في النار.قال تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المرسلات:43]. والمفسرون يقولون: لِمَ لم يقل الله عز وجل كلوا واشربوا وانكحوا واسكنوا والبسوا؟ لماذا لم يذكر إلا الأكل والشرب فقط رغم أن في الجنة أكلاً وشرباً ولباساً ونكاحاً وسكناً؟ قالوا: للأغلبية، فإن غالبية نعيم أهل الجنة أكل وشرب، يتلذذون بمطاعمها ومشاربها، ولهذا أربعة أنهار من تحت بيتك، هذه أربعة أنهار من أجل ماذا؟ من أجل أن تشرب من العسل، ومن الخمر، ومن اللبن، ومن الماء.أما الأكل: فمن لحم طير مما يشتهون، والفواكه متعددة ذكر الله منها نوعين في سورة الرحمن في الجنة الأولى: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52] وفي الجنة الثانية قال: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن:68] فيقول الله: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [المرسلات:43-44] يعني هذا شأننا، وهذا عدلنا، وهذه مشيئتنا؛ أننا نجزي أهل الإحسان بما هم أهله هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن:60] كيف تحسن ولا يحسن إليك المحسن؟ كيف تكون محسناً في هذه الدنيا في تصرفاتك ولا يجزيك المحسن العظيم؟ قال: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [المرسلات:44]. ثم يقول عز وجل وهو ملتفت إلى الكفار وهم في النار في طبقات جهنم يقول: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:46] أي في الدنيا، يقول: كلوا واشربوا وتمتعوا قليلاً ستين سنة أو سبعين سنة، وهي لا تساوي لحظة من لحظات يوم القيامة؛ لأن اليوم الواحد من يوم القيامة يساوي خمسين ألف سنة.. من أيامنا في الدنيا.فيقول الله: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:46] أولئك محسنون والله يجزيهم، وهؤلاء كانوا يتمتعون في الدنيا: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات:46-48].إذا قيل لهم اعبدوا الله، خافوا الله، والتعبير بالركوع على العبادة للتغليب أيضاً؛ لأنها أشرف عبادة، أشرف عبادة على وجه الأرض الصلاة، أقدس موقف تقفه بين يدي الله هذا الموقف: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [المرسلات:46-48].بعد كل هذه النذر، وبعد كل هذه المحاذير، وبعد كل هذا الوصف (وصف النار)، وبعد كل هذه الأيمان بالمرسلات، والعاصفات، والفارقات، والناشرات، والملقيات، يهدد ويتوعد ويبين مصير أهل النار ومع هذا كله يرفضون ولا يركعون، قال الله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:50] بماذا يؤمنون بعد هذا كله؟ إذاً لا فائدة، لا يؤمنون إلا إذا قيل لهم: انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المرسلات:29] وقيل لهم: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14].
بعض علامات الساعة
وقد كان الكلام في الماضي ولا يزال عن علامات هذا اليوم (يوم القيامة) العلامات التي تسبق وجوده، وقلنا إن العلامات منها ما انقضى وانتهى، ومنها الذي لا يزال مستمراً ولا نزال فيه، وهذه الليلة سنذكر لكم بعض تلك العلامات التي لا تزال مستمرة الحدوث وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
 من علامات قرب الساعة أن يفيض المال فلا يقبله أحد
ومن علامات قرب الساعة المنتظرة أو التي تسير الآن ونحن فيها: كثرة المال حتى أن الرجل ليعطى الزكاة فلا يقبلها، ويردها ويقول: هذه قليلة، ويبحث صاحب المال عن فقيرٍ يقبل صدقته فلا يجد، وقد قال صلى الله عليه وسلم لـعوف بن مالك والحديث في صحيح البخاري وكان آنذاك في غزوة خيبر : (اعدد ستاً بين يدي الساعة -أي: عد ست علامات قبل الساعة- ذكر منها: استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار ويظل ساخطاً) وهذا الكلام لا نتصوره الآن؛ لأنك لو أعطيت شخصاً فلوساً لا يردها، بدليل أننا في الماضي قبل ثلاثين أو أربعين سنة ما كنا نتصور أن أحد يُعطى كسرة عيش ويردها أبداً، بل الذي يُعطى كسرة عيش يعتبر وجد كنزاً كبيراً، كان إذا هب ضيف وأعطوه كسرة وهو ضيف ولا أحد يأخذ كسرة إلا الضيف ثم قسمها نصفين وأكل منها نصفاً والباقي وضعه في جيبه، ليذهب به لأطفاله، فإذا دخلوا نظروا إلى يديه، أمعه شيء؟وكانوا إذا ذبحوا الذبيحة لا يضعونها على الصحن المفطح ويقولون: كُلْ كيف شئت، لا. الذبيحة الواحدة للقرية كلها، يمكن فيها مائة رجل، وتوضع الذبيحة في إناء مطبوخة ويوضع المرق وقليل من العيش والعصيد بجانبه ويقوم الكبار ليأكلوا، وكانوا يقدرون الطعام على قدر الموجودين، وعلى قدر أهل البيت والجيران، فإذا أكلوا لقمتين لقمتين قام الكبير، فقاموا كلهم، لماذا؟ حتى يقولون له: عاد فوق البطن لحية، أي أن الشخص يستحي أن يأكل ولا يدع للذي بعده، فيقومون قبل أن يشبعوا، وتأتي المجموعة الثانية يأكلون قليلاً ثم يقومون، وتأتي المجموعة الثالثة كذلك، فإذا أكملوا وبقي شيء لأهل البيت، وبقي شيء يوصل للجيران من المرق والعيش، أما اللحم فلا يأتي إلا وهم مجتمعون كلهم، وأتوا بالمقسم فيقطع اللحم بالشفرة، ثم يجمع قليلاً وينفخ يده ويقول: الزم بعضها -ليس فيها إلا عظم- فيقول الآخر: اسلم! وهكذا..، والقسم لا يعلم صاحبه هو جميل أم قبيح، يأخذ الشخص قسمه ويأكله، ولكن لا يأكله كله، يأكل جزءاً بسيطاً، والباقي يضعه بين ثوبه وجلده ويذهب به لأهله، وإذا بقي معه قطعة من الشحم فهذه كرامة ما بعدها كرامة، الذي نسميها اليوم (زفر) أو زهومة، لكن في الماضي كانت عندهم مثل العطر، إذا قام في الصباح يقول: شم! ما هذا؟قال: على كرامة البارحة أبشرك، على شحم ولحم. قال: الله يهنيك! وإذا بقي معه قطعة من هذا الشحم فإنه يحتفظ به ويضعه في شنطته لماذا؟ من أجل أن يكون دهاناً لأقدامه المتشققة من البرد والتعب والحفى والشوك والحجارة، لا يوجد أحذية ولا جوارب، ولا نوم إلى الساعة الثامنة، ثم تغسل بالمغسلة بالماء الحار وتلبس الحذاء وتذهب لتداوم على طاولة وكرسي دوار وتركب سيارة، بل تقوم قبل نصف الليل تشد على الثور وتذهب إلى البئر لتعمل، وتذهب لجمع الحطب، وتكد وتكدح والذي لا يكد فإنه يموت، لا يقعد شخص في البيت أبداً، كل شخص في البيت له وظيفة، من الطفل الصغير إلى الرجل الكبير، والمرأة تذهب لتحتطب وتستقي، والبنت تذهب لترعى، والصغير يقعد مع البهائم، كل شخص لديه عمل، والذي ليس معه عمل يطردونه يقولون: اذهب! لي فيك خير، فقط تأكل وتنام بعده، فكلٍ يقوم بدور. ما كنا نتصور ولا كنا نصدق أن أحداً يعطى رغيفاً ويقول: لا أريده، الآن يأتيك فقير فتفتح له الباب وتقول: هذا قرص، وهذا أرز، وهذا لحم، وهذا إدام، فيقول: شكراً أريد أموالاً، فهو تاجر يريد رصيداً، لا يريد أكلاً، تقول: أعطيك أرزاً يقول: لا. أعطني عشرة ريالات أو خمسة ريالات، ومستقبلاً ومن علامات الساعة أن يفيض المال حتى تعطيه منه فيقول: شكراً. وهذا قد وقع -أيها الإخوة!- ولكنه ربما يتكرر، فقد ذكروا في التاريخ أنه في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كانت الزكاة تخرج ولا يوجد من يقبلها، وكان يقول: [اجعلوا هذا حيث ترون من الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله] يبحث عمن يأخذ فلا يجد، فيرجع بالزكاة لا يجد لها أحداً يأخذها، وهذا سيكون في هذا الزمان أو في الأزمنة المقبلة والله تعالى أعلم.
الأسئلة
.
  علامة قبول التوبة عدم العودة إلى الذنب
السؤال: شاب له علاقة مع امرأة -والعياذ بالله- وقد عمل بها جريمة الزنا، فيتوب ويرجع، والآن هو تائب، فهل توبته الأخيرة مقبولة؟ وهل التوبات السابقة مقبولة؟ وهل يحاسب على ما فعله قبل التوبة الأخيرة؟ وهل هناك مكفرات لذنبه؟الجواب: أما توبته الأخيرة إذا تاب بالشروط الخمسة المذكورة سابقاً فهي مقبولة -إن شاء الله- وتوبته السابقة ما دام رجع منها فهي غير مقبولة، إذ لو قبلت لاستمر، لكن دليل عدم قبولها أنه رجع وانتكس -والعياذ بالله- أما أنه يحاسب عليها فإذا تاب توبة صحيحة صادقة نصوحاً فلا يحاسب؛ لأن الله يغفر الذنب العظيم، ويقبل التوبة، ويعفو عن السيئة بشرط الصدق مع الله.أما هل هناك مكفرات فالمكفرات هي زيادة الحسنات؛ لأن الله يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:114-115].وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتوب علينا جمعياً، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثالثة] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net