اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثانية] للشيخ : سعيد بن مسفر


سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثانية] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن هذا الدين عظيم؛ لأنه من وضع خالق البشر الذي يعلم ما يصلح عباده، وما يضرهم، وما ينفعهم، وهو دين كامل شامل لا يعتريه النقص والتناقض، وسعادة البشرية تكمن في الالتزام به وتطبيقه في كل جوانب حياتها العملية. وفي هذه المادة ستجد استطراداً في هذا الموضوع نافعاً؛ كما ستجد حديثاً عن علامات الساعة الواقعة في زماننا هذا، فقد ذكر المؤلف علامتين مهمتين حادثتين، مستنداً في ذلك إلى أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما عليك إلا أن تفتش ثنايا هذا الموضوع وستجد فوائد جمة، كما ستستفيد من الأسئلة وإجاباتها.
عظمة الإسلام وكماله وشموله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعــد:
 سعادة البشرية تكون في تطبيق دين الله
ولقد طبقت البشرية فترةً من الزمن هذا النظام فسعدت وطابت الحياة، حتى مكث عمر بن الخطاب قاضياً لـأبي بكر الصديق عامين كاملين وما قدمت له قضية واحدة، لأنه ليس هناك ما يرفع للحكام، فالناس منصفون، والناس يخافون الله، فعندما أختلف أنا وأخي ونصل إلى القاضي وأنا أعرف أن الحق عندي أو أن الحق عنده، إن كان الحق عندي أعطيته بدون حكم القاضي، وإن كان الحق عنده أعطاني بدون قاض، لكن إذا فسدت الذمم النفوس صعبت مهمة القضاة.يقال: لو أنصف الناس لاستراح القاضي؛ لأن القاضي لا يعلم كيف يحكم بين اثنين أصحاب دعاوى طويلة عريضة، وأصحاب حجج قوية، والحق واحد.وأيضاً العاطفة لا تحكم الكون، والأهواء لا تسيطر على نظام الحياة، ولو دخلت العواطف في نظام الكون لفسدت الحياة، يقول الله عز وجل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ [المؤمنون:71] ماذا يحصل؟ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [المؤمنون:71] تفسد مباشرةً، لماذا؟ لأن أهواء الناس تختلف ورغباتهم تتنوع، وما يرضي زيداً لا يرضي عمراً، وما يصلح لهذا البلد لا يصلح للبلد الثاني، وبالتالي تبدأ الصراعات وتبدأ الرغبات والمنافسات، ويفسد نظام الحياة، أما النظام الواحد الموضوع من قبل الله، فيطبق على الكبير والصغير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى العربي والأعجمي، فالناس أمام أحكام الله سواسية كأسنان المشط.ولهذا كان الجاهليون يستصعبون أن يقام الحد على العظماء والوجهاء، فحين سرقت المرأة المخزومية قالوا: لا يمكن أن تقطع يدها، لا بد أن نرى لها حلاً، وصعب عليهم الأمر، وما تجرءوا أن يشفعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: ابحثوا عن أحب رجل عند رسول الله، فوجدوا أن أحب رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أسامة بن زيد ، وكان يسمى حِب رسول الله، فجاءوا إليه وكلموه، فقام وتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ! والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) لا تدخل هنا العواطف، وقال: (إنما أهلك من كان قبلكم -الذي أفسد نظام الحياة قبلكم في اليهودية وفي النصرانية وفي الجاهلية- أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد). أما في ظل دين الله فلا، وهذا معنى الكمال في هذا الدين العظيم، أنه نظام عظيم، وإن من ضمن ما شرع الله عز وجل في كتابه الكريم: الحدود الشرعية التي تضمنت العقوبة الرادعة والعلاج الناجع لقطع دابر الفساد واستئصاله من أساسه؛ لأن الإسلام لا يعرف حلولاً نصفية.إذا كان في جسمك الدودة الزائدة وهناك علاج يسكنها لكن يحتمل أن تثور عليك في أي وقت ثم تنفجر وتموت، فماذا يقول الأطباء؟ يقولون: نجري لك عملية، ظاهرها شيء صعب، ولذا يأخذون عليك إقراراً قبل العملية، ويوقعونه من قبل شاهدين بأنك إذا مت فلا تعويض لك بريال واحد فتقول: لا مانع عندي سأوقع، أقرر أنا فلان بأنني راضٍ وموافق على إجراء العملية الجراحية لي، ومتحمل كل ما يحدث عنها من نتائج. وتدخل غرفة العملية وتسلم نفسك، وتتناول البنج وأنت تعرف أن بعد البنج المشاريط والسكاكين سوف تبدأ تقطع في جسمك وفي بطنك، وتغرق أمعاءك، ويبحثون عن شيء في بطنك يستأصلونه، لماذا؟ أليست هذه قسوة؟ أليست هذه وحشية؟ لماذا الأطباء قساة؟ ليسوا قساة ولكنهم عندهم رحمة بالجسد الكامل فقطعوا هذا العضو الفاسد لئلا يفسد الجسم كله، فتضحي بعضو في سبيل صلاح الجسد.
تطبيق الحدود .. ضرورته وثماره
شرع الله عز وجل هذه الحدود وهو أعلم تبارك وتعالى بما يصلح العباد، شرع الحدود بما يقضي على دابر الفساد. القاتل يُقتل، والسارق تقطع يده، هذه اليد في الدين كم ديتها؟ نصف الدية لكنها تقطع في ربع دينار، إذا سرق رجل ما قيمته ربع دينار من حرز وتوفرت شروط القطع تقطع اليد، ولهذا يقول المعترض على حكم الشرع: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار أي: كيف تقطع في ربع دينار وثمنها خمس مئين ذهب، قال له الناظم الآخر:عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري هي غالية إذا كانت أمينة، لكنها رخيصة إذا خانت.وأيضاً: الزاني يجلد جَلدَ الحمار، يخرج في السوق ويمسك ويبطح ويضرب بما يضرب به الحمار في ظهره إذا كان بكراً، وإذا كان ثيباً فإنه يرجم ليوزع الألم والموت على كل جزئية من جزئيات جسمه، لماذا؟ لأنه تلذذ بالزنا في كل جزئية من جزئيات جسمه، ولذا يرجم ويموت مائة موتة، يموت مع أول حجر ويموت مع الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وكم يأتيه من الموت، هذا عذاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشد، لماذا؟ لأنه ما عرف حرمة أعراض المسلمين.والمحارب لله ورسوله يقتل أو يصلب أو تقطع يده ورجله من خلاف أو ينفى من الأرض بحسب جريمته وبحسب تقدير ولي الأمر لنوع هذه الجريمة، وما يقضي عليها وما يمنع فشوها وانتشارها، هذه أحكام -أيها الإخوة- من الذي سن هذه الأحكام؟ إنه أرحم الراحمين.يقول النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من غزوات الإسلام -في غزوة ثقيف- وكان جالساً يقسم المغانم، إذ جاءت امرأة من النساء وهي تبحث في المعركة عن ولدها، فلقيت ولدها مع السبي وهو رضيع ضائع، وهي مسكينة تبحث عنه، فلما رأته انطلقت عليه مثل السهم ما فكرت في موت أو في حياة، ثم أخذته من الأرض وألقمته ثديها وحنت عليه وجلست تبكي، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه تلقي ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها) ومن رحمة الله أن شرع هذه الحدود، مثل الطبيب -ولله المثل الأعلى- يرحم المريض فيستأصل هذا العضو منه، ولكن ما ظنكم لو أن الطبيب قال: هذه قسوة وهذه وحشية، لكن خذ هذه الحبوب وهذا الشراب وهذا المرهم من فوق الجلد، أين الألم يا ولد؟ قال: بطني يا دكتور من الداخل، قال: هذا المرهم فقط مسكن وأعطاك مرهماً من فوق الجلد، ماذا يصير بعد أسبوع؟ تنفجر الزائدة ويموت هذا المريض، ما رأيكم في هذا الطبيب رحيم أم عدو للإنسانية؟ عدو، إذ كان بإمكانه أن يقطع هذا الداء؛ لكنه عنده رحمة سطحية محدودة قضت هذه الرحمة على هذا الجسد، ولله المثل الأعلى.
 تشريع الحدود رحمة
ثم نسمع بعض الناس يقول: إنها قسوة، وأقول: إن من يرحم هؤلاء مجرم؛ لأن أرحم الراحمين هو الذي سن هذه الشريعة، فهذه الشريعة سيقت لهم، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33] وليس أن يقتَلوا بل يُقَتَّلُوا بتقطيعهم قطعة قطعة حتى يذوقوا وبال أمرهم، والرسول صلى الله عليه وسلم وهو أرحم خلق الله بخلق الله، حتى قال الله فيه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] لكنه في حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم. قدم مجموعة من العرنيين عليه صلى الله عليه وسلم وكأنهم اجتووا المدينة ، يعني: ما ناسبتهم المدينة، انتفخت بطونهم وصار فيهم وباء، رحمهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأشفق عليهم فأخذ مجموعة من الإبل وأعطاها لراع من الصحابة وقال: اخرج بهم في طرف المدينة لتأكل هذه الإبل من أشجار البادية ويشربون من ألبانها وأبوالها لعلهم يسلمون، وفعلاً شربوا من لبن الإبل فذهبت الأمراض عنهم، وانتفخت أجسادهم بالقوة والعضلات، وبعد ذلك قلبوا ظهر المجن وقتلوا الراعي وساقوا الإبل وسرقوها وسملوا عينيه، أخذوا حديداً وأحموه في نار وأدخلوه في عينيه بعدما قتلوه، فبلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل في طلبهم مجموعة من الصحابة منهم علي وعمار وجيء بهم، ولما جيء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حكَّم فيهم شرع الله فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم سمل أعينهم، ثم تركهم في الشمس حتى ماتوا عقوبة لهم وردعاً لأمثالهم، ولهذا يقول الله: ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33] هذه وجبة الإفطار والعشاء في جهنم، فنحمد الله الذي لا إله إلا هو الذي يسر للقائمين في هذه البلاد أمر القبض على هؤلاء واكتشافهم، وهذا من نعم الله، ودليل على أن الله يرعى هذه البلاد إذ لو لم تكن هناك إعانة ورعاية من الله فمن يكشفهم وسط هذه الجموع وهذه الملايين، لكن ربك بالمرصاد، ثم نشكر المسئولين على تنفيذ أمر الله بدون مجاملة؛ لأنه والله لو لم يقتل هؤلاء لجاءنا السنة الآتية أكثر منهم وبالتالي يكثر الفساد، لكن اقطعها تبرأ، ولن ترى مجرماً -بإذن الله- لأنه يعرف أن رأسه سيرمى به مثل الكرة، والله يقول: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً [الإسراء:8].فنسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يديم علينا وعليكم وعلى المسلمين في جميع ديار المسلمين أمننا واطمئناننا واستقرارنا، وأن يوفق حكام المسلمين للعمل بشريعة الله عز وجل وتحكيمها في شعوبهم، كما نسأله أن يوفق حكام هذه البلاد لزيادة التمسك والعمل بدين الله عز وجل وإعلاء كلمة الله؛ فإنهم في ذلك إنما يحققون ما أمر الله به من العدل والإنصاف والحياة المستقيمة على وجه هذه الأرض.
من علامات الساعة
أما الدرس فلا زال في علامات الساعة المستمرة.قلنا في الماضي: إن العلامات التي تدل على قرب الساعة منها ما وقع وانقضى، ومنها ما يقع ولا يزال يقع، ومن ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من فشو الفساد، وأنه مؤشر وعلامة من علامات الساعة؛ لأنه إنما يتحقق الرقي للأمم والسؤدد والتقدم والرفعة، بمقدار ما يكون فيها من أفراد صالحين يتحلون بالقيم الفاضلة، والعقائد السليمة، والأخلاق الحميدة والمعاملات الحسنة، ويسعون إلى إقامة العدل في الأرض وتقويم المعوج وإصلاح الفاسد، وهؤلاء هم الذين حملوا الأمانة يوم أن تخلت عنها السماوات والأرض: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] والأمانة هي كل ما اؤتمن عليه العبد من الإيمان والعمل الصالح، وليست الأمانة محصورة في الودائع، فالودائع جزء من الأمانة، لكن كل ما كلفك الله به وائتمنك عليه فهو أمانة، صلاتك أمانة عندك من يحاسبك عليها إلا أنت، قد تقول: صليت، لكن الله يعلم أنك ما صليت، فهذه أمانة خنتها. وضوءك أمانة، فقد تصلي بدون وضوء خوفاً من مدير المدرسة، لكن الله يعلم أنك لست متوضئاً فقد خنت الأمانة، صيامك أمانة .. غسلك من الجنابة أمانة .. عينك أمانة .. أذنك أمانة .. فمك ولسانك أمانة .. بطنك وفرجك أمانة .. يدك وقدمك أمانة، كل ما أتمنك عليه الشرع وجعل أمره في عنقك أمانة عندك إن أديتها فأنت من أهل الإيمان، وإن خنتها فأنت من أهل الخيانة -والعياذ بالله- ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].
 تداعي الأمم على الأمة الإسلامية
ومن علامات الساعة التي وقعت ولا تزال مستمرة: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية، والتداعي يعني: التكالب، حتى غدا المسلمون كالأيتام على موائد اللئام، ونعني بالأمم: أمم الكفر الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، والذين يتعادون في كل شيء إلا في حرب المسلمين فهم أصدقاء فيما بينهم، ويتحدون من أجل القضاء على المسلمين، ومن أجل ألا تقوم لهم قائمة، ولذا يحاربون المسلمين، ولا يريدون أن تقوم لهم قائمة في أي بيئة أو أي بقعة وفي أي زمان أو مكان، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بمجموع طرقه صحيح، وقد أخرجه الإمام أبو داود وابن عساكر والإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم في الحلية ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ، والحديث عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها) ترون القصعة التي في وسط السفرة كل شخص يمد يده إليها وكذلك تصبح الأمة الإسلامية. وقد مر زمن على الأمة الإسلامية تداعت عليها دول الكفر وتقاسموها جزءاً جزءاً، فجزء أخذته بريطانيا ، وجزء أخذته فرنسا ، وجزء أخذته أمريكا ، وجزء أخذته روسيا ، وجزء أخذته ألمانيا ، وجزء أخذته إيطاليا ، أي: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وبعدما تقاسموها صبغوا المسلمين في بلاد المسلمين بالكفر والضلال وخرجوا وسلموهم القيادة وقد صاروا مثلهم، وأصبح المسلم يتشبه بأخلاق الكفار، -ولا حول ولا قوة إلا بالله!- إلا في قليل من بلاد المسلمين، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال قائل: أومن قلة يومئذ نحن يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) وغثاء السيل: هو الذي يأتي في أول السيل ترونه كثيراً، لكنه بعر وعيدان وشوك، تمسكه بيدك وإذا به ينتهي وكأنه لا شيء، وهكذا أكثر المسلمين -إلا من رحم الله- غثاء كغثاء السيل: (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم) اليهود شراذم مبعثرة في كل أطراف الأرض، قال الله فيهم: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61] وهم أصلهم أولاد الخنازير، وفي نفس الوقت قال الله فيهم: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ [الحشر:14] لا يقدر اليهودي أن يبرز لك بسكين أو بعصا إلا من وراء جدار أو من وراء دبابة أو من فوق طيارة: إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14] هؤلاء هم اليهود؛ لكن في زماننا ثار اليهود واستأسدوا، واحتلوا المقدسات، وأصبحوا يرعبون المسلمين، بينما كان المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ينصر بالرعب لمسيرة شهر، مسيرة شهر أماماً ومسيرة شهر وراءً ومسيرة شهر يميناً ومسيرة شهر شمالاً كل من يسمع بالمسلمين يدخل في قلوبهم الرعب ويخافون، والآن هزمنا بالرعب مسيرة سنين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.ولن يعود لهذا الدين ولهذه الأمة مجدها إلا بما عاد لأولها كما في الأثر: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، صلاح أولها بالزهد واليقين، وأيضاً يكون صلاح آخرها بالزهد واليقين، وهو إن شاء الله كائن بإذن الله عز وجل.قال: (وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) وقد وقع هذا كثيراً حينما تداعت الأمم الصليبية على المسلمين وغزوا الأمة، وحينما تداعت الأمم المغولية في عهد التتار؛ خرجوا وهم قبائل متوحشة من منغوليا ومن أواسط آسيا ، وخرجوا يسلبون ويقتلون وينهبون، وأشاعوا الرعب والفساد في الأرض حتى وصلوا إلى بلاد المسلمين، ودخلوا بغداد وقتلوا الخليفة وقضوا على الخلافة الإسلامية، وقتل في بغداد أكثر من ستمائة ألف نسمة، وقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: مليون، حتى ورد في كتب التاريخ أن المرأة من المغول كانت تأتي على المجموعة من المسلمين فتقول لهم: ناموا فينامون، فتقول: مكانكم فتذهب وتأتي ومعها الحجر وترضخ رأس الأول وذاك جالس بجواره وهكذا، فتضرب ثمانية أو تسعة، تهشم رءوسهم كما يهشم الحبحب، واختبأ الناس أربعين يوماً في الأقبية والبيوت حتى انتشرت الروائح وتسمم الجو ومات خلق لا يعلمهم إلا الله، وخرجوا من بغداد وجاءوا إلى الشام، ولكن وقف لهم المسلمون، وخرج الجيش المسلم من مصر في عين جالوت بقيادة قطز ومعه العلماء، ومن ضمن من معه العز بن عبد السلام ، وأحمد بن تيمية يقول المؤرخون: فما استقر؛ لأنهم اختاروه، قالوا: نريد الحرب يوم الجمعة ونريدها ساعة الخطبة والأئمة على المنابر يدعون الله بالنصر للمسلمين، نريد أن نبدأ في تلك اللحظة، وبدءوا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى رفع الله عن الكفار يده وأسلموا ظهورهم، وقتلهم المسلمون قتل رجل واحد بسبب الإسلام الصحيح.ولكن ما الذي يعصم الأمة من هذا التداعي؟ فهناك شيء يمنعها من التداعي ألا وهو دينها الذي يقف حاجزاً دون مطامع أعدائها، فمهما مكر الأعداء ومهما كانت قوتهم؛ فإنهم لن ينالوا من هذه الأمة نيلاً إذا كانت متمسكة بعقيدتها ودينها، وأقرب دليل: ما يعيشه إخواننا في أفغانستان، فدولة الروس العظمى، وهي القوة العظمى الثانية في العالم، فهي وأمريكا سواء، يتسابقون في مجال العلم وفي مجال القوة، اجتاحوا المجر في ست ساعات، ودخلوا أفغانستان وكانوا يتصورون أنها نزهة ست ساعات أو ثمان ساعات، لكنهم مكثوا بها تسع سنوات ولعقوا الدم من أجسادهم، ثم خرجوا يجرون أذيال الهزيمة بعد أن ركعوا، أمام من؟ أمام دول؟ لا، بل أمام مؤمنين مساكين ليس معهم سلاح إلا من أيدي أعدائهم. لما سألوا سيافاً: من الذي يمدكم بالذخيرة والسلاح؟ قال: سلاحنا من الروس نذبح الروسي ثم نأخذ سلاحه ونذبح إخوته.وقال لي أحد الإخوة: إن من الشباب المؤمن الذي ذهب من هذه البلاد شخص من المنطقة الشرقية من الثقبة يسمونه أسد الليل، وهو لا يعرف البندق، لا يعرف إلا (الساطور)، فكان إذا ناموا سرى في الليل مثل الأسد، ولا يأتي إلا ومعه رأس أو رأسان يسحبها، من الذي ربى الإيمان في قلبه، بينما هو من قبل كان مغنياً، لكن لما دخل الإيمان في قلبه أصبح أسداً يرعب جيشاً، مثل القعقاع بن عمرو ، لما أرسل أحد القادة إلى عمر يطلب النجدة، قال: أرسلت لك القعقاع بن عمرو ، وإن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم. الذي يعصم من هذا -أيها الإخوة!- ويحفظ للأمة دينها ومقدساتها وبلادها هو دين الله، علينا بالدين فقط نتمسك به ولن يجعل الله لأحد علينا سبيلاً: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141] لكن يوم أن نتخلى عن الدين يسلط الله علينا الأعداء: (من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني) قبل عام (67) كان الناس يقولون في أغانيهم: (الميج يتحدى القدر). ويقول آخر: نحن على موعد مع أم كلثوم لتغني لنا في تل أبيب : (أنت عمري، جينا راحة الدنيا كلها). لا تل أبيب ولا غيرها، والله المستعان. لماذا؟ لأنا تركنا الله، ويوم جربوا في عام (73) الإيمان والدين والعلم؛ رد الله الكفار وقطعوا القناة وحطموا خط (برليف) الأسطوري الذي قالوا عنه: لا يمكن لأحد أن يتخطاه، قطعه الرجال بالماء وبالعزيمة، وهم يقولون: الله أكبر، ولو زاد الناس هداية لزادهم الله نصراً.وهكذا كن مع الله يكن معك، دين الله عز وجل هو الذي تكفل الله عز وجل أن ينصرنا به، وفي الحديث الذي يرويه ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والحديث في صحيح مسلم قال: (إني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها الله بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) لما تسمعون الآن تصريحات سياف وتصريحات قلب الدين حكمتيار ، يعني تصريحات شخص رأسه في السماء، يطلبون منه أن يقابل وزير الخارجية الأمريكي يقول: لا نقابله، ما هؤلاء الرجال؟! قوة الإيمان والعقيدة، يقول هنا: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً) إذا كان بعضهم يقتل بعضاً نزع الله عنهم يده، وتخلى عنهم وبالتالي يحصل عليهم الفساد والدمار.ولذا -أيها الإخوة- فلا أمن ولا أمان ولا نصر ولا سؤدد لهذه الأمة إلا في ظل دينها.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يردنا إلى ديننا رداً قويماً، وأن يصلح شباب المسلمين، وجميع المسلمين، وحكام المسلمين في جميع ديار المسلمين، وأن يردهم إلى دينه القويم رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة
.
 برنامج يومي نافع في تربية النفس والأهل
السؤال: طالب علم تزوج حديثاً يريد جدولاً ونظاماً ناجحاً يمشى عليه، بحيث يكون هذا البرنامج نافعاً في تربية نفسه أولاً، وتربية أهله، ودعوة الناس إلى الله؟الجواب: هذا الموضوع يحتاج إلى محاضرة كاملة وليس هذا مكانه، وإنما أدل الأخ الكريم على شريطين أو شريط واحد اسمه: رسالة إلى كل عروسين بالإخراج الجديد.وبعض الإخوة كتب لي رسالة جزاه الله خيراً يقول فيها: نلاحظ أنك تدل الناس على أشرطتك، وهذا شيء لا نقبله؛ لأنه جزء من الدعاية للنفس.وأنا يعلم الله لو أعلم أن هناك شريطاً لغيري ينفع لدللت عليه، لكن مصيبتي أنني لا أسمع أشرطة غيري، والسبب: عدم وجود الوقت عندي، إلى درجة أنني لا أجد فرصة أجلس مع أهلي أو آكل أو أشرب معهم، فأنا بين عمل ودعوة، وبين سفر والتزامات ومجتمع، فما عندي فراغ لأسمع شريطاً لأدل الناس عليه، فإذا أحد سألني: ما هو أحسن شريط؟ فلا أعرف إلا أشرطتي فقط، فأقول: خذ الشريط هذا، ليس معنى ذلك أنه دعاية لي؛ لأني لا آخذ عليها فلوساً حتى أعمل دعاية لنفسي، أما لو أني أبيع الشريط بفلوس وأن المحلات يعطوني شيئاً كان يقال: إنها دعاية، لكن أشهد الله أني لا آخذ ريالاً؛ لأن الله أغناني من فضله، فإذا كنت أعرف شريطاً فيه مصلحة للمسلمين وقد سمعت أن الناس استفادوا منه، فما المانع أن أدل الناس عليه ولو كان لي، هل في هذا مانع يا إخوان؟ إن كان هناك مانع فلن أقول كلمة! قولوا بصراحة يا إخواني، بارك الله فيكم.وهناك شريطان: واحد اسمه: حقوق الزوج وواحد اسمه: حقوق الزوجة، وهذا يكفل للرجل أن يعرف حقوق زوجته عليه فيؤديها، وتعرف المرأة حقوق زوجها عليها فتؤديها، وبالتالي إذا قام كل بحقه وواجبه، وأعطى الحق الذي عليه انتصف الناس وعاشوا في سعادة، والمشاكل تحصل الآن من عدم الإنصاف، المرأة لا تقبل الظلم والرجل لا يقبل التقصير، إذا قصرت ضربها، وإذا ظُلمت قامت عليه، لكن إذا قام بحقوقها وقامت بحقوقه فكل واحد منهما يسير بالخط الصحيح من أجل أن يسعدوا إن شاء الله.أما هذا الموضوع فإنني إن شاء الله أطلب من الله أن يمكنني من إعطاء ندوة كاملة عن البرنامج الإيماني للمؤمن من أول يومه إلى آخره.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلسلة اليوم الآخر: علامات الساعة المستمرة [الحلقة الثانية] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net