اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معوقات الهداية [2.1] للشيخ : سعيد بن مسفر


معوقات الهداية [2.1] - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن معوقات الهداية، وقد بدأ حديثه بمقدمة لهذا الموضوع، فبدأ بالحديث عن نعمة الهداية ثم تحدث عن ثمرة الهداية، كما تحدث عن أهمية محاسبة النفس في سيرها إلى الله عز وجل، مبيناً الأسباب التي تعوق تحقق الهداية للمرء وقد فصل فيها تفصيلاً نافعاً.
فضل نعمة الهداية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفْجُره.اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ بالكفار مُلْحِق.ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلوات ربي عليه صلاة دائمة متتابعة ما تتابع الليل والنهار، وسلَّم تسليماً كثيراً.أما بعد:أيها الإخوة في الله: الإيمان ولزوم طريق الإيمان نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده، ونور يقذفه الله عز وجل في قلب من يشاء من عباده، نعمةٌ لا ككل النعم، ونور يختلف عن جميع الأنوار، يقول الله عز وجل في وصـف هذه النعمـة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] أي: ديني.ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:1-2].ويقول عز وجل في سورة يوسف على لسان يعقوب: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف:6] اللهم أتمم علينا نعمة الدين والإيمان والهداية؛ لأن الإنسان بغير دين لا معنى له، ولا قيمة لوجوده، بل هو سَعفة في مهب الريح، ذرة هائمة من ذرات هذا الكون، حشرة تافهة من حشرات هذا العالم، لكنه بالدين والإيمان والهداية عنصرٌ فريد، إنسانٌ كريم، الله أكرمه، أنزل عليه كتابه، أرسل إليه رسوله، بيَّن له الطريق، أعدَّ له الجنة، كرامات إثر كرامات، متى تستحقها؟ إذا سرت في الطريق، إذا رُزِقت نعمة الهداية.نعمة الهداية نعمة تفسِّر لك هذه الحياة، وتقدِّم لك التفسير الحقيقي لِلُغْزِها، وتدلُّك على الطريق الصحيح الموصل إلى الله عز وجل، وتسكب في قلبك الأمن والطمأنينة والسرور والانشراح، وتطمئنك على المستقبل، وتبيِّن لك أن ما أمامك سيكون خيراً لك مما أنت فيه إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ .. [فصلت:30-31] لما كنتم أولياء لله كانت الملائكة أولياء لكم؛ لأن الملائكة توالي من والى الله، وتعادي من عادى الله: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ... [فصلت:31] منذ كنتم في الحياة الدنيا وفي الآخرة نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:31-32].
 

ثمرة الهداية
نعمة الهداية نعمةٌ ثمرتها الجنة، والحديث عن الجنة تُشرق له النفوس، دون أن تعلم حقيقة الحديث، فإن كل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، كل ما تتصور، اذهب بخيالك واسرح ببالك في آفاق الخيال، وتصور كل ما يمكن أن يهديك إليه بالك وخيالك، ولكن أغلى الأماني عندك وأعظم الخيالات لديك تقف دون أن تصل إلى حقيقة ما في الجنة، يقول الله عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]..يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:17-22] جاء الوصف مترتباً بعضه على بعض إلى أن جاء كمال النعمة بزوجات الجنة، غذاء، وطعام، وشراب، وفاكهة، وبعد ذلك لحوم، وبعد ذلك لا بد من شيء بعد هذا، حتى يتم السرور كله، قال الله: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22] كيف هُنَّ يا ربِّ؟ قال: كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:23] الحورية كاللؤلؤة المكنونة جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:24-26]. نسأل الله وإياكم من فضله.يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71] وفوق هذا كله طمأنينة، لا خروج وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71].هذه نعمة الجنة، ثمرة من ثمار الهداية والإيمان والدين.وثمرة أخرى، لا تقل عن هذه أهمية، هي: النجاة من النار، والله لو ما في الهداية إلا النجاة من النار لكانت السلامة كرامة، لو أمرك الله أن تخر ساجداً منذ خلقك إلى أن تموت من أجل أن تنجو من النار، وبعد ذلك يصيرك الله تراباً، لكان من حقك ألا تعصي الله طرفة عين؛ من أجل أن تنجو، أو لو أن الله أمرك منذ خلقك إلى أن تموت أن تخر له ساجداً من أجل أن تدخل الجنة وإذا عصيت يصيرك تراباً؛ لكان من حقك أن تطيع الله، فكيف إذا أطعته أدخلك الجنة ونجاك من النار؟! هل بقي لك مسوغ عقلي أن تعصي الله من أجل شهوة طاغية، ومن أجل لذة زائلة، ومن أجل شُبهة مضللة؟! لا والله.كذلك النار، كلما يمكن أن تتصوره من العذاب مهما سرحت في الخيال، وتصورت في البال فإن ما أعد الله لأهل النار في العذاب لا يخطر على بال، يقول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] بدا لهم من العذاب ومن النكال والدمار ما لم يكن يخطر لهم على بال وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:71-72].يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت:55].لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16].إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ.. [القمر:47-48] على وجهه، أغلى ما في المرء وجهه، تود أن تُسحب على كل شيء إلا على وجهك أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ [الزمر:24]، لكن: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]..يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49].إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ.. [غافر:71] أغلال، الغل هو: القيد الواسع، الذي يوضع في الرقبة، ثم إن الغل مربوط بسلسلة (..وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:71-72].إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46] إذا بلعه فلا ينـزل من حلقه إلا بتعب، زقومٌ، ينشف لا يطلع ولا ينـزل، ثم إذا نزل فإنه ينـزل بدافع الماء الحميم، يشرب الماء فينزله، فإذا نزل اشتعل في بطنه، نفس الطعام إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ [الدخان:43-44] وما هو نوعه؟ قال: كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:45] يشتعل في بطنه، لا إله إلا الله! كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47] أي: إلى وسط النار ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان:48] لماذا؟ قال: ذُقْ.. [الدخان:49] ذُقْ يا شخصية! ذُقْ يا عظيم! ذُقْ يا ثري! ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49] كنتَ عزيزاً في الدنيا وكريماً في الدنيا؛ لكن ما كنتَ عزيزاً على الله، ما كنتَ كريماً لدى الله، عزيزاً في الدنيا، في المادة والدرهم والمنصب والجاه والسلطة، ولكن لا وزن لك عند الله، لا قيمة لك عند الله عز وجل ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49] هذا عذاب ذكره الله، وذكر غيره كثيراً في القرآن.فيا إخواني! من يصبر على هذا العذاب؟! الذي لديه إمكانية يرفع إصبعه ويقوم، وما نذهب به إلى نار مثل هذه النار، نُشعل في يده عود الثقاب فقط -عود كبريت- ونقول له: يا بطل الأبطال! ويا متحدي النيران! أشعل هذا الثقاب واصبر عليه حتى يصل إلى إصبعك، وكن شجاعاً، اصبر لنرى كم تتحمل من نار هذا الثقاب! مهما كانت شجاعتُه، ومهما كانت بطولته، والله لا يستطيع أن يصبر على نار عود الثقاب، ولهذا يقول الله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [البقرة:175] ما أصبرهم على عذاب الله، وقد كان بإمكانهم ألا يطئوا النار وألا يدخلوها، من يصبر على هذا العذاب؟! ومن يصبر أن يفوته النعيم الذي ذكره الله في الجنة؟!
 

وقفة محاسبة
إخواني! ما هذه الغفلة، وإلى البِلى المصيرْ؟! وما هذا التواني والعمر قصيرْ؟! وإلى متى هذا التمادي في البطالة والتقصيرْ؟! وما هذا الكسل في الطاعة، وقد أنذركم النذيرْ؟! وإلى متى تُماطلون، وتعِدُون، وتكذبون، والناقد بصيرْ؟! انتبهوا -رحمكم الله- فالأمر والله شديد، وبادروا بقية العمر، فالندم بعد الموت لا يفيد!وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].أين أحبابكم الذين سلفوا؟! أين أترابكم الذين رحلوا وانصرفوا؟! أين أرباب الأموال والمناصب وما خلَّفوا؟! ندموا على التفريط، يا ليتهم عرفوا!حول مقام يشيب من هوله الوليدْ ! وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. واعجباً لك -يا أخي!- كلما دُعيت إلى الله توانَيتْ! وكلما حرَّكتك المواعظ إلى الخيرات أبَيتَ وماطلتَ وتمادَيتْ! وكلما حذَّرك الموت ما انتهيتْ! يا من جسده حي وقلبه مَيْتْ! ستُعايِن والله عند الحسرات ما لا تريدْ! وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. كم أزعج المنون نفوساً من ديارها؟! فَيَبْنِي الإنسانُ العمارة، والفيلة، وغرف النوم الواسعة، والدواوين، والصوالين العريضة، والسيارات الفارهة، فيأتي الموت يُخرجه منكوس الرأس، يُخرجه من القصر إلى القبر، ومن النور إلى الظلام، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن الأهل إلى الوحدة.كم أزعج المنون نفوساً من ديارها؟! وكم أباد البِلى من أجساد منعَّمة ولَمْ يُدارِها؟! وكم نقل إلى القبر أرواحاً بأوزاها؟! أما علمت أن الموت لك بالمرصادْ؟! أما صاد غيرك ولك سيصطادْ؟! أما بلغك ما فعل بسائر العبادْ؟! أما سمعتَ قول الملك المجيدْ: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]؟إخواني! أين مَن بنى وشاد وطوَّلْ؟!أين مَن تأمَّر على العباد وساد في الأوَّلْ؟! أين مَن ظن أنه لا يتحوَّلْ؟! لم يدفع عنه المال ولا العبيدْ؟! وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].كأنك -يا أخي!- بالموت وقد اختطفكْ! فيهرب منك الأخ وينسى إخاءكْ! ويُعرض عنك الصديق ويرفض ولاءكْ! وتذهل عن أولادك وعن نسائكْ! ويرجعون يقتسمون مالك ومتاعكْ! وأنت في اللحد فريد وحيدْ! وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].والله لقد رُميت القلوب بالقسوة والغفلة، فلا تنتفع بوعظ ولا تخاف من تهديدْ! فإلى الله نشكي قسوة قلوبنا ونفوسنا الظالمة، إنه يفعل ما يريدْ، ونسأله العفو والعافية. فإنه نعم المولى ونحن بئس العبيدْ.إخواني في الله: لا مجال لنا في المماطلة، ولا مصلحة لنا من تأخير التوبة، إن الخيار الصحيح والبديل الأمثل أن نستجيب لله من أول لحظة، ثم نلزم الطريق ولا ننتكس، فإن العبرة بالخواتيم، لو صمتَ إلى قبل الغروب بلحظة ثم أفطرتَ بطل صيامُك، ولو صليتَ العشاء إلى قبل السلام بلحظة ثم انتقض وضوءُك بطلت صلاتُك، لا تنتفع بشيء إلا مع حُسن الخاتمة، فلا تطل عليك المدة، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].سر في طريق الإيمان والزمه، وعض عليه، واثبت عليه، ولو خالفك العالم كله، إذا عرفت فالزم؛ لكن متى يرجع الإنسان وينتكس؟ إذا لم يعرف، وهو ما سنتكلم عنه في سؤال نجيب عنه إن شاء الله في الأسئلة.
 

معوقات الهداية
أما الهداية، والموانع والمعوقات التي تمنع الناس منها، فهي كثيرة جداً، طريقٌ لاحِدٌ طويل، وعقبةٌ شاقةٌ كَئود، جنة عالية، سلعة غالية.تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يخطب الحسناء لَمْ يغلها مهرُ الجنة سلعة الله الغالية، في طريقها عقبات، ودونها موانع، ومن بينك وبينها معوقات، إذا استطعت أن تزيح هذه الموانع، وأن تقتحم هذه المعوقات وصلت إلى الهداية، وإن قصُرت بك الهمة، وضعُفت بك النفس، ووقفتَ أمام هذه المعوقات موقف العاجز الضعيف، وتقهقرت إلى الوراء، خسرتَ الدنيا وخسرتَ الآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].ما هذه المعقوقات؟ وما هذه الموانع؟هي كثيرة جداً، نذكر منها هذه الليلة ستة موانع:
 الكذب
المعوق السادس -وهو من أخطرها-: الكذب:-وأنا جعلتُه الأخير، لأنه مرض منتشر في أكثر الناس.الكذاب لا يهديه الله أبداً، مستحيل أن يهديه، قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28] فهو كذاب، كيف يهدي الله رجلاً كذاباً دجالاً متلوناً، كل يوم له صبغة، وكل يوم له لون، وكل يوم له فكرة؟ لن يهديه الله.ويقول النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً) وإذا كتبه الله كذاباً قال الله فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28] لا يمكن أن يهديه الله، ولهذا ترون أن الكذاب من الناس هو أحط درجة في المجتمع، أسفل رجل، وأنقص رجل، لا قيمة له، حتى عند نفسه، فلو سألت الكذاب عن شيء، ستجده في نفسه يعرف أن خبره ليس صدقاً، حتى زوجته لا تثق في كلامه، وأولاده لا يثقون في كلامه، وجيرانه لا يثقون في كلامه، وكل الناس لا يثقون فيه، إذا نُقل خبر قيل: من قائل هذا الكلام؟ فإذا قيل: فلان، قيل: فلان كذاب، فلا يوثق في كلامه، حتى وإن كان صادقاً فسيقال عنه: كذاب؛ لأن الله قد كتبه كذاباً.فـإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]-والعياذ بالله، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ويقول: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21]، وأيضاً في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما) الكذاب الذي يبيع سلعته، ويخفي العيب فيها، ويكتم، ويكذب في استعمال السلعة، هذا يمحق الله بركته، لكن انظروا إلى التاجر الصادق، إذا جئت إليه، وقلت له: ماذا في السيارة؟ قال: السيارة فيها الماطور لا يعمل جيداً، هذا الذي أعرف فيها، وغير ذلك لا أدري، نقصت قيمة السيارة، بدل أن كان سيبيعها بعشرين أصبح يبيعها بعشرة، لكن يبارك الله في العشرة.وكم من بائع يبيع سيارة بثلاثين ألف ريال، ويقول: ليس فيها أي شيء، فيقال له: أمصدومة هي؟ فيقول: أأبيع لك سيارة مصدومة؟! أتصدق هذا الكلام؟! فلا يعطيه كلمة لا وكفى، بل يعطيه شيئاً أعظم من لا، يقول: وهل تصدق أني أبيع لك السيارة مصدومة؟ أبداً، هذه ليس فيها أي شيء، وإذا سأله عن الكيلو كيف هو؟ قال: الكيلو؟ لم يقف لحظة واحدة. وهو واقف منذ سنتين، وإذا سأله: كم مشت؟ قال: خمسة آلاف فقط. من البيت إلى الدوام، لا أذهب إلى أي مكان آخر. ثم باعها بقيمتها وربما أكثر، لكن محق الله البركة.قال: (فإن كذبا)أي: في السعر (وكتما) أي: العيب، (محقت بركة بيعهما) وكم رأينا كثيراً من الحالات، أن الكذاب يمحق الله بركة بيعه.أيضاً: الكذب من علامات النفاق، روى البخاري ومسلم في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فالذي يكذب في المواعيد وفي الأقوال هذا -والعياذ بالله- منافق ولا يهديه الله إلا إذا تاب.وأيضاً في الحديث الصحيح عند البخاري ، حديث سمرة بن جندب ، حديث الرؤية الطويل، أنه صلى الله عليه وسلم انطلق مع اثنين من الملائكة في رحلة طويلة، ومن ضمن أحداث الرحلة أنه قال: (انطلقنا فأتينا على رجل مستلقٍ على قفاه، وآخر معه كلُّوب من نار، فيُشَرْشِر شِدْقه من فمه إلى مسمعه، ثم يُشَرْشِر الثاني، ثم يعود لهذا، فيكون كما كان، قلت: من هذا؟ قال: هذا الرجل يخرج من بيته، فيكذب الكذبة، تبلغ الآفاق). كذاب، يصنف الكذبات، يصنع ويصدر الكذب، لا يسمع شيئاً إلا ويضيف عليه كذبة، هذا -والعياذ بالله- عذابه في النار، أعاذنا الله وإياكم.وأيضاً عند البخاري ومسلم حديث صحيح: يقول عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: -منهم- رجل باع سلعة، فحلف بالله أنه اشتراها بكذا، فصدَّقه ذاك وهي على غير ذلك) هذا -والعياذ بالله- لا يكلمه الله يوم القيامة، فتأتي عنده في الدكان، فتقول: هذه السلعة بكم يا أخي؟ فيقول: نعطيك برأس مالها، فتقول: كم رأس مالها؟ فيقول: والله أنها عليَّ بأربعين، تفضل خذها بأربعين. ماذا ينتظر من الزبون أن يفعل له؟ أيعطيه ثلاثين، وهو يحلف له بالله أنه أخذها بأربعين؟ أينوي أن يخسره؟ بل يعتبره ما قصَّر وتجمل فيه أنه أعطاه برأس ماله، وما ربح عليه، ولكن عندما يخرج من عنده ويذهب إلى الدكان الآخر يجد السلعة بثلاثين، أي: أنها بعشرين، ذاك أقنعه وصدقه بيمينه، ولكن باع السلعة واشترى النار، واشترى غضب الجبار.لا تحلف بالله كاذباً ولا باراً، لا حول ولا قوة إلا بالله!!
هل تريد الهداية؟
هذه الستة المعوقات التي تعيق المسلم إذا أراد أن يهتدي، فتقف هذه المعوقات حجر عثرة في طريق هدايته.هل تريد الهداية يا مسلم؟ إن قلت: نعم، فعليك أن تشغِّل دَرَكْتَرات القوة، ودَرَيْدَرات العزيمة الرجولية، وتزيح هذه المعوقات من طريقك، وتلزم طريق الإيمان.أولاً: لا تصاحب الفسقة والعصاة، واختر الزملاء الصالحين.ثانياً: لا تتبع الهوى، ولكن اتبع الشرع.ثالثاً: لا تعرض عن دين الله، ولكن أقبل على الله، وتعلم واعمل بدين الله.رابعاً: لا تتكبر بل تواضع واخضع؛ تواضع دائماً في ملبسك، وفي مأكلك، وفي مشربك، وفي مركبك، حتى السيارة التي تركبها وأنت ماشٍ امشِ متواضعاً، كيف تمشي متواضعاً؟ أولاً: اركب أي سيارة.ثانياً: إذا ركبتَ فسم الله؛ إذا شغلت السيارة سم الله واذكر الله.ثالثاً: اجلس جلسة المتواضع.رابعاً: شغل السيارة بهدوء.خامساً: حركها بأدب.سادساً: راعي آداب الطريق، إذا رأيت أحداً ماراً في الطريق يريد أن يقطع فقِفْ له.سابعاً: إذا رأيت أحداً يريد أن يسبق بسيارته بعد أن كان محبوساً، ولم يسمح له أحد، فقف له وأشر له، ودعه يمشي، وبعض الناس يعاند، تأتي من هنا يعاند، وتأتي من هناك يأتيك، وينظر، يريد أن يقطع عليك، لماذا هذا الحجز دعه يمشي.هذه كلها من علامات التواضع.لكن من علامات الكبرياء: أن يأتي الرجل إلى سيارته، ويفتح الباب بأنفة، برأس إصبعه، وبعد ذلك يضع المفتاح دون أن يذكر الله ودون أن يسمي، وبعد ذلك يضبط المراية التي أمامه، وبعد ذلك يشغل ورقبته منحنية هكذا، ثم عندما يحرك السيارة لا يحركها بهدوء، بل يدوس إلى آخر ضغطة في البنـزين وينـزع رجله من آخر قوة من الكَلَتْش، فتعمل السيارة لفة، يسميها أصحابُها تفحيطة، يريد أن يفحط في النار، فيلف لفة قوية، فإذا كانت هناك حجارة أو تراب أو شيء فإنه يَحْثُوه على وجوه الناس، وعلى وجوه السيارات التي وراءه، ثم يدخل على هذا من هنا، ويأتي من هنا، ويأتي من هنا، وإذا رأى مارَّاً من هناك أتاه يريد أن يخيفه ويلف عليه، وإذا رأى سيارة أمامه اقترب منها..وهكذا.هذا متكبر ومتغطرس، هذا ستأتيه مصيبة في الدنيا أو في الآخرة، وكل من رآه قال: الله أكبر عليه، الله ينتقم منه، جعلها الله في وجهه، فيدعو الناس عليه.لكن ذاك المؤمن إذا مشى مشى متواضعاً؛ لأن الله يقول: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63]، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً... [الإسراء:37]، حتى بالسيارة، انتبه! (..إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء:37] لا. لا تمشِ في الأرض مرحاً، ولا تتكبر.إذاً: فهذا الكبرياء، وهو المعوق الرابع من معوقات الهداية.الخامس: لا تعاند في الحق بعد وضوحه، إذا جاءك نهر الدليل، وإذا جاءك الأمر من الله ومن رسوله، فمباشرة لا تعاند، انتبه! أتعاند خالقك؟! أتعاند الذي بمشيئته يقبض عليك؟! أتعاند الذي مصيرك إليه، وناصيتك بين يديه؟! أتعاند الذي لا يمنعه منك شيء، وهو يمنعك من كل شيء؟! فانتبه!السادس والأخير: لا تكذب. بل كن واضحاً صادقاً في كل أمورك، وفي كل تصرفاتك، مع مديرك، أو مع أستاذك، أو مع والدك، أو مع والدتك، أو مع زوجتك، أو مع أولادك، أو مع جيرانك، قل الحق ولو كان مرَّاً، لا تكذب ولو حمَّلك الصدق جزءاً من المسئولية والمعاناة؛ لكن لو قارنت بين آلام الصدق، وآلام الكذب، لوجدتَ أن آلام الصدق أخف بمليون مرة من آلام الكذب.هناك رجل توفي والده وهو طفل صغير، أرسلته أمه مع قافلة إلى بلد ما ليتعلم العلم، وقالت له وهي تقبله: يا بني! أوصيك بتقوى الله، وعليك بالصدق، وإياك والكذب. فقط، تقوى الله، والصدق، وإياك والكذب، وأعطته مائة وخمسين ريالاً، وركب مع القافلة لينتقل إلى قرية فيها عالم يطلب العلم على يديه، وفي الطريق اقتطعت القافلةَ مجموعةٌ من قُطاع الطريق، وهم السرق، وقد جاءوا بالرجال وكتَّفوهم، وسلبوا الأموال، ثم فتشوا الرجال واحداً واحداً، ولما أتوا إلى الولد وهو جالس، قال سيدهم: لا تفتشوه، فليس عنده شيء، قال الولد: لا. عندي مائة وخمسين ريالاً، قال: فتشوه، ففتشوه فوجدوا معه مائة وخمسين ريالاً، فأخذوها منه.أما زعيم اللصوص فقد استرعى انتباهه هذا الموقف، قال: يا ولدي! لماذا قلت هذا الكلام، ونحن قلنا: ليس عندك شيء؟ قال: إن أمي أوصتني بتقوى الله، والصدق، وحذَّرتني من الكذب، فإن الصدق يوصل إلى الجنة، وإن الكذب يورد إلى النار، فأنا خشيت أن أكذب وأدخل النار. هذا الموقف هز الرجل هزة عنيفة، وقال: سبحان الله! طفل صغير يخاف من الكذب، حتى على ماله الذي هو له، حتى لا يدخل النار، ونحن ما نخاف من الله عز وجل، ثم التفت إلى رجاله وقال: ما أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا وفحلنا، قال: كلامكم وطعامكم وشرابكم عليَّ حرام إلا أن تشيروا معي فيما أشير به، قالوا: معك -في الخير أو الشر؛ لأنه فحل وبطل- فقال: إلى أين أنت ذاهب يا ولد! قال: أطلب العلم عند العالم الفلاني، أرسلتني أمي، قال: ونحن معك، ثم أمر بفك الرجال كلهم، وأرجعوا مال كل واحد إليه، وأرجعوا مال الولد إليه، وتابوا توبة إلى الله، وأصبح هذا الرجل من خيار الصالحين، هذا بسبب ماذا؟ هذا كله بسبب الصدق.الناس الآن يقولون: اكذِبْ تَنْجُ! لا. بل اصدُق تَنْجُ، أما الكذب فليس بجميل بأي حال من الأحوال، كن صادقاً ولو في أحلك الظروف، وفي أحرج المواقف فإن الله سيجعل لك فرجاً إذا صدقتَ؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يدلني وإياكم على طريق الهداية، وأن ييسر لي ولكم أسبابها، وأن يعيذنا وإياكم من موانعها ومعوقاتها.ثم إنني أدلكم على شيء قبل هذا كله، وقبل الهداية، ألا وهو: القناعة، فالذي ليس لديه قناعة أن يكون من المهتدين فإنه لا يريد أن يمشي في هذا الطريق كله، لكن إذا اهتديت، وحوَّلت الموجة إلى الله، وسلكت السبيل إلى الله، فالله سيفتح لك الأمور كلها؛ لأن الله يقول: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [الرعد:27].فتُب وارجع إلى الله عز وجل، وصحِّح الوضع، وثق بأن الله كريم، ولن يردك، فالله عز وجل يقول في الحديث القدسي الصحيح: (أنا مع عبدي ما تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة، وكنتُ إليه بكل خير أسرع).أكرر سؤالي ورجائي إلى الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً.اللهم كما جمعتنا عليه من أجل طاعتك، فاجمعنا من أجله في دار كرامتك، ووالدِينا ووالدِي والدِينا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
 الكذب
المعوق السادس -وهو من أخطرها-: الكذب:-وأنا جعلتُه الأخير، لأنه مرض منتشر في أكثر الناس.الكذاب لا يهديه الله أبداً، مستحيل أن يهديه، قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28] فهو كذاب، كيف يهدي الله رجلاً كذاباً دجالاً متلوناً، كل يوم له صبغة، وكل يوم له لون، وكل يوم له فكرة؟ لن يهديه الله.ويقول النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً) وإذا كتبه الله كذاباً قال الله فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28] لا يمكن أن يهديه الله، ولهذا ترون أن الكذاب من الناس هو أحط درجة في المجتمع، أسفل رجل، وأنقص رجل، لا قيمة له، حتى عند نفسه، فلو سألت الكذاب عن شيء، ستجده في نفسه يعرف أن خبره ليس صدقاً، حتى زوجته لا تثق في كلامه، وأولاده لا يثقون في كلامه، وجيرانه لا يثقون في كلامه، وكل الناس لا يثقون فيه، إذا نُقل خبر قيل: من قائل هذا الكلام؟ فإذا قيل: فلان، قيل: فلان كذاب، فلا يوثق في كلامه، حتى وإن كان صادقاً فسيقال عنه: كذاب؛ لأن الله قد كتبه كذاباً.فـإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]-والعياذ بالله، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ويقول: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21]، وأيضاً في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما) الكذاب الذي يبيع سلعته، ويخفي العيب فيها، ويكتم، ويكذب في استعمال السلعة، هذا يمحق الله بركته، لكن انظروا إلى التاجر الصادق، إذا جئت إليه، وقلت له: ماذا في السيارة؟ قال: السيارة فيها الماطور لا يعمل جيداً، هذا الذي أعرف فيها، وغير ذلك لا أدري، نقصت قيمة السيارة، بدل أن كان سيبيعها بعشرين أصبح يبيعها بعشرة، لكن يبارك الله في العشرة.وكم من بائع يبيع سيارة بثلاثين ألف ريال، ويقول: ليس فيها أي شيء، فيقال له: أمصدومة هي؟ فيقول: أأبيع لك سيارة مصدومة؟! أتصدق هذا الكلام؟! فلا يعطيه كلمة لا وكفى، بل يعطيه شيئاً أعظم من لا، يقول: وهل تصدق أني أبيع لك السيارة مصدومة؟ أبداً، هذه ليس فيها أي شيء، وإذا سأله عن الكيلو كيف هو؟ قال: الكيلو؟ لم يقف لحظة واحدة. وهو واقف منذ سنتين، وإذا سأله: كم مشت؟ قال: خمسة آلاف فقط. من البيت إلى الدوام، لا أذهب إلى أي مكان آخر. ثم باعها بقيمتها وربما أكثر، لكن محق الله البركة.قال: (فإن كذبا)أي: في السعر (وكتما) أي: العيب، (محقت بركة بيعهما) وكم رأينا كثيراً من الحالات، أن الكذاب يمحق الله بركة بيعه.أيضاً: الكذب من علامات النفاق، روى البخاري ومسلم في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فالذي يكذب في المواعيد وفي الأقوال هذا -والعياذ بالله- منافق ولا يهديه الله إلا إذا تاب.وأيضاً في الحديث الصحيح عند البخاري ، حديث سمرة بن جندب ، حديث الرؤية الطويل، أنه صلى الله عليه وسلم انطلق مع اثنين من الملائكة في رحلة طويلة، ومن ضمن أحداث الرحلة أنه قال: (انطلقنا فأتينا على رجل مستلقٍ على قفاه، وآخر معه كلُّوب من نار، فيُشَرْشِر شِدْقه من فمه إلى مسمعه، ثم يُشَرْشِر الثاني، ثم يعود لهذا، فيكون كما كان، قلت: من هذا؟ قال: هذا الرجل يخرج من بيته، فيكذب الكذبة، تبلغ الآفاق). كذاب، يصنف الكذبات، يصنع ويصدر الكذب، لا يسمع شيئاً إلا ويضيف عليه كذبة، هذا -والعياذ بالله- عذابه في النار، أعاذنا الله وإياكم.وأيضاً عند البخاري ومسلم حديث صحيح: يقول عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: -منهم- رجل باع سلعة، فحلف بالله أنه اشتراها بكذا، فصدَّقه ذاك وهي على غير ذلك) هذا -والعياذ بالله- لا يكلمه الله يوم القيامة، فتأتي عنده في الدكان، فتقول: هذه السلعة بكم يا أخي؟ فيقول: نعطيك برأس مالها، فتقول: كم رأس مالها؟ فيقول: والله أنها عليَّ بأربعين، تفضل خذها بأربعين. ماذا ينتظر من الزبون أن يفعل له؟ أيعطيه ثلاثين، وهو يحلف له بالله أنه أخذها بأربعين؟ أينوي أن يخسره؟ بل يعتبره ما قصَّر وتجمل فيه أنه أعطاه برأس ماله، وما ربح عليه، ولكن عندما يخرج من عنده ويذهب إلى الدكان الآخر يجد السلعة بثلاثين، أي: أنها بعشرين، ذاك أقنعه وصدقه بيمينه، ولكن باع السلعة واشترى النار، واشترى غضب الجبار.لا تحلف بالله كاذباً ولا باراً، لا حول ولا قوة إلا بالله!!
الأسئلة
.
 حكم العادة السرية
السؤال: أنا شاب مُبتَلىً بالعادة السرية، وبعضُهم يُجيز لي أن أفعلها باعتبار الضرورة، فما هو الحُكم؟ وبماذا تنصحُني؟الجواب: الذي يُجيزها ليس له دليل، والفتوى صادرة من هيئة دار الإفتاء اللجنة الدائمة للإفتاء، بتوقيع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بأنها محرمة، وهي أخت الزنا -والعياذ بالله-، وأدلة تحريمها من كتاب الله ومن سنة رسول الله.فأما من كتاب الله: فقوله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ [المؤمنون:5-6] ماذا؟ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6] زوجتك أو الأمة التي عندك، ملك يمينك، فقـط، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المؤمنون:6-7] فمن ابتغى شيئاً غير هذين الأمرين، بيده أو بغير ذلك فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7].وأما من سنة رسول الله: فقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ما قال: فعليه بيده، (فإنه له وِجاء).ووردت بعض الآثار في التحذير والنهي عن هذه المعصية المحرمة والعياذ بالله.فتُب إلى الله، واعلم أن الذي يقودك إلى الوقوع فيها هو الشيطان، فإذا رأى منك صلابة في الموقف وقوة في العزيمة انصرف عنك، أما إذا رأى منك ضعفاً وخَوَراً وحباً لهذه الشهوة المحرمة، قادَكَ إليها فتهلك.وقد قرر الطب الحديث أن الممارسة لهذه العادة السرية الخبيثة -واسمها العادة السرية تلطيفاً لاسمها، وإلا فإن اسمها: نكاح اليد- قرروا أنها سبب لإصابة الإنسان بأمراض خطيرة، منها: العُقم، الذي يُمارس العادة السرية إذا تزوج يكون عقيماً؛ لأن الحيوانات المنوية ذات الحياة والقوة تُستهلك وتُستنفذ عن طريق العادة السرية، فإذا تزوج لم يبقَ له شيء، قد صرَّف كل بضاعته في يده -والعياذ بالله- فلا تحمل زوجتُه، ثم قالوا: أنها تحدث له أمراضاً نفسية، وتجعله إنساناً هابط النفس، ليس لديه من شُغل إلا يده -والعياذ بالله- لم يخلقك الله يا أخي! لهذه المعاناة، لكن اصبر، وتمسك بطاعة الله، وابتعد عن المهيجات، لا تنظر إلى النساء، ولا تسمع الأغاني، ولا تقرأ القصص الجنسية، ولا تنظر إلى المسلسلات والأفلام الجنسية، ولا تجلس مع العُصاة الذين يذكرونك بالبنات والنساء، وإنما إذا قامت عندك الشهوة، واستطاع الشيطان أن يقنعك بشيء من هذا، فاغتسل، وصلِّ ركعتين أو أربع ركعات، أو اقرأ القرآن، أو اسجد لله، والله سوف يصرف عنك هذا الشر بإذن الله عزَّ وجلَّ.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , معوقات الهداية [2.1] للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net