اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما هي رسالتك أيها الإنسان؟ للشيخ : سعيد بن مسفر


ما هي رسالتك أيها الإنسان؟ - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
إن رسالة الإنسان في هذه الحياة عظيمة جداً، وحقيقة وجوده في هذه الحياة إنما هي لغاية كبرى، وهي عبادة الله وحده سبحانه، ولذا ترى كثيراً من النظريات الغربية المنحرفة في فهم حقيقة هذه الحياة مبتورة، لا يمكن بها الوصول إلى الغاية التي من أجلها وجدت الحياة؛ لأن هذه النظريات ابتكرها أناس بعقولهم القاصرة، بسبب البيئة التي عاشوا فيها وأرادوا أن يفرضوها على العالم، لكن سرعان ما تصرّمت وانحلت، ولم يثبت في هذه الحياة إلا ما شرعه الله تعالى في كتابه وسنة نبيه.
حقيقة الحياة في هذه الأرض
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الضيوف الأعزاء: أنتم ضيوف على الجميع، ليس على المعهد فقط، وإنما على المنطقة بأسرها، حياكم الله ومرحباً بكم.أيها الإخوة الأفاضل من المدرسين، وأيها الأبناء الكرام من الطلبة: أشكر بالدرجة الأولى الشيخ محمد بن أحمد بارك الله فيه، والإخوة المشرفين على برنامج التوعية الإسلامية في المعهد المبارك، أشكرهم على إتاحة هذه الفرصة التي ألتقي فيها بكم، وإن كنتُ حقيقةً لا أقول هذا تواضعاً، وإنما هي الحقيقة التي أعرفها من نفسي، قد أنفع في مجالات في بعض المساجد وأمام بعض المستويات التعليمية، ولكن أمام طلاب العلم في المستويات المتقدمة، في الثانوية، وفي المعاهد العلمية، وأمام العلماء، لا أجد لديَّ شيئاً أستطيع أن أقوله، وليس لدي بضاعة أستطيع بيعها؛ لأن بضاعتي مزجاة، وباعي قصير، ومتاعي قليل، ولكن قد أرغمت على النزول في هذا الميدان، فكان لا بد من النزول عند رغبة الإخوة، رغم علمي -مقدماً- بأن الفائدة محدودة، ولكن نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل البركة فيما نقول ونسمع.أيها الإخوة: ما هذه الحياة؟ من الذي ألبسنا ثوبها؟ ومتى سنخلع هذا الثوب؟ ولماذا جئنا إليها؟ هذه الحياة سرٌ غامض، ولغزٌ محير، حارت في فهمه العقول والألباب في القديم والحديث، ولم تجد الإجابة الصحيحة عليه، وظلت البشرية حائرة، وستظل حائرة إلى أن تجد الجواب الصحيح الذي يجيب على تساؤلاتها، تلك التساؤلات التي تتردد في ذهن كل إنسان.. من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعد أن يتم دوري على مسرح الحياة؟ ولماذا جئت؟ وما هي رسالتي؟ وما هي مسئوليتي؟ وما هو دوري؟ هذه الأسئلة -أيها الإخوة- أسئلة محيرة في الحقيقة، وحينما يطلب من البشرية أن تجيب عليها من ذاتها فإنما يُطلب منها المستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجد الإجابة الصحيحة من عندياتها ومن ذاتها، إلا بتلقٍ آخر من عند الذي خلق هذه الحياة وأوجد هذا الإنسان، وهو الله الذي لا إله إلا هو. وكما يقول العلماء: العقل لوحده ليس كافياً لإدراك العلوم والمعارف. العقل والذكاء والعبقرية والتفرد والنجابة، هذه لا تكفي فقط لإدراك العلوم والمعارف إلا عن طريق معلم، فلو جئنا بطفلٍ صغير، أو شابٍ من الصحراء، أو من أغوار تهامة ، أو من شعث الجبال، وهو لا يعرف مفردات اللغة العربية، وطلبنا منه أن يقرأ رسالة بعقله وبذكائه وعبقريته، هل يستطيع؟ لا يستطيع ولو كان ذكياً، لا بد أن يتعلم الحروف الأبجدية، ولا بد أن يتعلم كيف يفك الكلمة، وكيف يحللها إلى مفرداتها، ثم بعد ذلك سوف يقرأ. وعلى هذا قس كل العلوم، إذا أتيت بمسألة رياضية من المعادلات ذات المجهول أو المجهولين، وطلبت من إنسان لا قرأ الرياضيات ولا درسها أن يحلها بذكائه، فلن يستطيع، وإذا أتيت برسالة باللغة الإنجليزية، وطلبت من مدرس اللغة العربية الذي يعرف أسرار اللغة العربية كلها وقواعدها ومشتقاتها، وقلت له: اقرأ لي هذه الرسالة باللغة الإنجليزية، لقال لك: لا أستطيع، وإذا قلت له: أنت أستاذ في اللغة العربية، أنت ذكي وتفهم، اقرأها، لقال: لا أعرف؛ لأني ما درست هذا العلم! أجل، نصل إلى نتيجة وهي: أن العلوم لا تدرك بالعقل لوحده، بل لا بد من معلم، وما هذه المنجزات الحضارية التي تعيشها البشرية اليوم إلا وليدة مراحل متعددة من التجارب، مر بها الإنسان من بدايته إلى يومنا هذا، وأدخل بعض التحسينات على هذه المراحل، حتى وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من العلوم والمنجزات والمخترعات، لكن علم الآخرة؛ علم ما بعد هذه الحياة، علم لماذا جئت أنت لهذه الحياة؟ رسالتك ووظيفتك، هل يمكن أن تهتدي إليها بالعقل لوحده؟ لا. لا بد من وجود معلم يعلمك ويقول لك: أيها الإنسان! أنت جئت لغرضٍ هو هذا، وأنت بعد هذه الحياة سيحصل لك شيء هو هذا، ومن الذي يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؟ لا يستطيع أن يجيب عليها إلا الذي أوجد الحياة، والذي خلق الإنسان وأرسل الرسل، وبين للإنسان مهمته ووظيفته على هذه الحياة، وبين له ما سيكون بعد هذه الحياة في الدار الآخرة.وإذا أرغم إنسان على أن يجيب إجابةً على علمٍ لا يعلمه، فإن الإجابة بالطبع ستكون خطأ، أليس كذلك؟ إذا أرغم إنسان على الإجابة على شيء لا يعرفه وعبر هو عن عجزه وقال: والله لا أعرف أن أقرأ الإنجليزي، قلنا: إما أن تقرأ وإلا ذبحناك، لا بد أن تقرأ الإنجليزي، فماذا سيكون الجواب؟ سيقرأ، لكن هل سيقرأ إنجليزي؟ سيأتي برطانة من عند نفسه، ويشعر فيها السامع أنها ليست عربية ولا هي أي نوع آخر، وإنما كلام ملفق، وستكون الإجابة خطأ، والنتائج تبعاً لذلك ستكون غلطاً وخطأ، وهذا هو الذي حدث للبشرية يوم أن طلب منها أن تجيب على أسرار هذه الحياة: ما هذه الحياة؟ من أين جاء الإنسان؟ وإلى أين سيكون بعد أن يموت؟ ولماذا جاء؟ لا تدري البشرية لماذا، ولكن لما أرغمت على الإجابة أجابت من عندياتها بإجاباتٍ خاطئة؛ وترتب على هذه الأخطاء أن بقيت النتائج كلها خطأ، وأصبحت البشرية تئن من ويلات تلك الأخطاء، وتعاني منها رغم تطورها المادي، فإنها وإن استطاعت أن تسبح في الفضاء، وأن تخوض في غمار العلم، وتغوص في الماء، وتخترع كل هذه الإنجازات، إلا أنها لم تستطع أن تسير شبراً واحداً أو خطوة واحدة في طريق الخير والنفع العام والصالح للبشرية، بل كل خطواتها من أجل تدمير البشرية، أجل. كيف حصلت الإجابات الخاطئة؟
 حقيقة وجودنا في الحياة الدنيا
أما لماذا جئنا؟ فقد أخبرنا الله عز وجل بقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هذا هو الهدف.هناك عالمٌ من علماء أوروبا ، وهو بروفيسور، لكن في علم الآخرة لا يعرف شيئاً، أجهل من ثور أهله، قيل له: لماذا خلقت؟ قال: لآكل، ولماذا تأكل؟ قال: لأعيش؛ لأنه لو لم يأكل سيموت، قيل له: أنت تأكل لتعيش، لكن لماذا تعيش؟ لا بد لعيشك هذا من هدف، قال: لآكل، ولماذا تأكل؟ قال: لأعيش، وإذا به من آكل لأعيش، وأعيش لآكل، قال: وبعدما تأكل وتعيش، وتعيش وتأكل، وتصبح وتمسي من أجل أن تعيش وتأكل، وفي النهاية أين تذهب؟ قال: أموت. تموت!! الله خلقك لأجل أن تموت؟ لو أن الهدف من أن الله خلقك من أجل أن تموت، فإنك كنت ميتاً، وليس هناك حاجة ليوجدك وتمر عبر هذه المرحلة في بطن أمك، وبعدها ولادة وطفل ودراسة .. من أجل أن تموت؟! أجل كل موجود هنا فهو ميت، ولكن أنت وجدت لهدف: ما هو؟ قال: لا أدري، يعرف كل شيء في علم الدنيا، لكنه لا يعرف شيئاً في علم الآخرة، لا يدري! حتى قال شاعرهم: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيتوسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتكيف جئت؟كيف سرت؟كيف أبصرت طريقي؟لست أدريولماذا لست أدري؟لست أدري هذا منتهى الضلال والضياع، لا يدري لماذا جاء، ولو أنك وقفت مرة -مثلاً- على العقبة المتجهة إلى جيزان، ووقفت مع العسكري وهو يسمح للسيارات بالصعود والهبوط، وجاء صاحب سيارة وأوقفه العسكري، قال له: أين ذاهب؟ قال: لا أدري. من أين جئت؟ قال: لا أدري والله. ولماذا نازل؟ قال: والله لا أدري. ما رأيكم في هذا العسكري أيوفقه أم يتركه؟ يوقفه مباشرةً، ويقول: هذا أخبل ومجنون، لا يعرف إلى أين هو ذاهب، ولا من أين جاء، ولا يعرف لماذا نازل، هذا سكران سيعمل كارثة أو مجنون! ولا يسمح له بقيادة سيارة في رحلة مدتها ساعتان إلى جيزان أو ثلاث ساعات.لكن البشرية اليوم العاقل الكبير لا يدري من أين أتى، ولا يدري إلى أين هو ذاهب، في رحلة طويلة، ستون أو سبعون سنة يعيشها على ظهر هذه الأرض وهو لا يدري، ونقول: إنهم عقلاء ومفكرون، وإنهم أصحاب حضارة وإنجاز، وهم مفلسون، والله تعالى يقول: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] غفلوا عن الحقائق الأزلية التي من أجلها خلقوا، ولا يعرفون إلا ظاهراً من هذه الحياة، قال الله تعالى قبلها: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:6]، ثم أثبت لهم علماً ظاهراً لا يغني عنهم شيئاً إذا قدموا على الله عز وجل.فالإيمان أيها الإخوة! هو الذي يجيب على هذه التساؤلات.
طرق تعرف البشرية على الإيمان الحقيقي
.
 إثبات الإيمان بقضية حسابية تجارية
ومنهم من مارس القضية على أساس أنها قضية حسابية تجارية، فقالوا: نحن في الإيمان نكسب ولا نخسر شيئاً، ونحن بالكفر نخسر ولا نكسب شيئاً، حتى قال فيلسوف غربي اسمه باسكال : إن عليك قبل أن تقرر بين أن تؤمن أو لا تؤمن، عليك أن تقيس وتفكر فيما يمكن أن تربحه في الإيمان وما يمكن أن تخسره، وما يمكن أن تربحه بالكفر وما يمكن أن تخسره، ثم قال: إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، وإنك بالكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، بالإيمان ماذا تكسب؟ تكسب الصدق، والعفة، والوفاء، والكرم، والشجاعة، وتكسب كل شيء، وتخسر ماذا؟ تخسر الزنا، والزنا خسارة إذا لم تزنِ؟ العقول بدون دين ترفض الزنا، وتخسر الخمور، وهل الخمور مكسب؟ هي خسارة. كيف يسعى في جنون من عقل تخسر الكذب، والجبن، والخصال الرذيلة، فهذه ليست خسارة، بل تركها كسبٌ لك أيها الإنسان. وقال أبو العلاء المعري ؛ وهو فيلسوف ملحد، قادته فلسفته إلى الإلحاد والكفر -والعياذ بالله- يقول بيتين من الشعر: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما يقول: أنا سأموت، فإن جاء في الآخرة بعث ونشور فأنا لم أخسر شيئاً، لكن لو جاء يوم القيامة وليس هناك بعث ولا نشور فأنت الخاسر، أنا ما خسرت شيئاً، وطبعاً نحن لا نأخذ إيماننا من هذه النظرية القائمة على الاحتمال، هذه نظرية أبي العلاء المعري الذي يقول: أنت خاسر وأنا سأكسب مباشرة، وليس عنده يقين، ولذلك ألحد.لكن. نحن نأخذ إيماننا عن طريق الجزم والحق الذي نجزم بأنه هو الحق، وأن ما عداه فهو الباطل، وأن دين الله الذي شرعه الله، وأنزله الله تبارك وتعالى، هو دين الله الذي يصلح لكل حياة، والمؤمن -أيها الإخوة- حينما يهتدي لا يخاطر بدنياه من أجل أن يربح في آخرته، بل هو يربح دنياه ويربح آخرته؛ لأن هذه الحياة ستبقى شقاءً، وستبقى غايةً في الضلال إلا أن يعمرها الإنسان بطاعة الله عز وجل.
حال المجتمعات بدون إيمان
أيها الإخوة: إن هذه الحياة لا يمكن أن تهدأ فيها النفس البشرية، ولا يمكن أن تعيش سويةً إلا في ظل الإيمان بالله تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، والإيمان -أيها الإخوة- من الضروريات لسعادة الإنسان في هذه الحياة، سواءً كان فرداً أو كان مجتمعاً، فإن الإنسان بغير دينٍ في ظل الكفر -والعياذ بالله- سيعيش ريشةً في مهب الريح، تتقاذفه الأمواج، وتتلاطمه الشبهات، وتستحوذ عليه الشهوات، ولا يدري من يجيب، ولا يدري من يستمع له، فسيكون في ضلالٍ وحيرةٍ، حتى يرجع إلى الله تبارك وتعالى، وكذلك ستبقى هذه التساؤلات في نفسه، فهو حيوان شرسٌ، وسبع ضارٍ، لا تستطيع الثقافات ولا النظم ولا المراقبات أن تحد من شراهيته، أو أن تحد من طغيانه، بل إنه يدور فقط مع مصالحه وفي فلك منافعه والعياذ بالله.أما على مستوى المجتمع؛ فإن المجتمع بغير دين سيتحول إلى مجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة؛ فإنه مجتمع غابة، بل والله إن في مجتمع الغابات رأفةً ورحمةً أعظم مما في مجتمع الإنسان بغير الدين.وأنتم ترون الآن كيف تمارس أفظع أنواع الوحشية مع المسلمين في فلسطين في القرن العشرين، أنا ما رأيت المنظر لكن أحدهم أخبرني به، والله إني ما استطعت أن أنام الليل، يقول: جاء اليهود باثنين أو ثلاثة من الشباب المسلمين، وأوقفوهم وأخذوا الحجارة يدقون بها على أكواعهم، ويدقون أكتافهم، ويدقون ركبهم، تكسير، وما يمارس هذا التعذيب مع تيس، إذا أردت أن تذبح تيساً كيف تفعل به؟ تريح ذبيحتك عندما تذبحه، فلو ذبوحهم وأطلقوا النار عليهم لكان هيناً، لكن يرضونه على مرأى من العالم كله، ولا أحد يتحرك، لا مسلم يغار، ولا كافر يرحم، أين الإنسانية؟ يقول الشاعر:عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وغرد إنسان فكدت أطير المجتمع بغير دين مجتمع غابة حقيقةً، ولو لمعت فيه بوراق الحضارة.. الحياة فيه للأقوى لا للأتقى، مجتمع تعاسة حقيقةً وإن توفرت فيه أسباب الرفاهية، مجتمع تافه؛ لأن اهتمامات أهله تدور فقط في فلك شهوات البطون وملذات الفروج فقط، ولذا لم تتحقق السعادة للناس في ظل الكفر في أوروبا، وقد وفروا لأنفسهم أكثر الإمكانات البشرية والمادية فعاشوا عيشة البهائم.إن في العالم من الشباب من له وظيفة وتجده في الأخير يأخذ حبوباً ويشربها ليموت! أو يذهب إلى قمة جبل ويلقي بنفسه منه، أو يأخذ المسدس ويقتل نفسه؛ لأنه تعيس، يبحث عن السعادة في كل شيء فلم يجدها؛ لأن السعادة لا يمكن أن تكون إلا في ظل الإيمان بالله عز وجل.المجتمع بغير دين -أيها الإخوة- هو مجتمع ضلال، ومجتمع حيرة وانتكاسية؛ لأنه طوَّر المادة لكنه دمر الإنسان. وهل الإنسانية الآن مطورة أم مدمرة؟! إنها مدمرة، يقول أبو الحسن الندوي وقد سافر إلى أمريكا وعاد وكتب كتاباً، يقول: زرت أمريكا فوجدت فيها ناطحات السحاب، ووجدت فيها الشوراع الفسيحة، والموانئ العظيمة، وسمعت فيها هدير المصانع والآلات، ووجدت فيها كل شيء، غير الإنسان ما وجدته. يقول: ما رأيت الإنسان بإنسانيته ومبادئه، وبغايته الكريمة، يقول: وجدت مسخاً يمشي على قدمين وفي يده كلبٌ يأكل معه في صحفة واحدة. فالمجتمع بغير الدين مجتمع ضلال وحيرة؛ لأنه طوَّر المادة، ودمر الإنسان، فهو وإن استطاع أن يحقق شيئاً من الماديات إلا أنه لم يحقق شيئاً من سعادة البشر، إلا من أجل تدميره ومن أجل -والعياذ بالله- القضاء عليه، وما حرب النجوم عنا ببعيد، تسمعون الآن وقبل فترة مشاريع ضخمة ترصد لها المليارات من الدولارات من أجل المسابقة إلى غزو الفضاء، وإلى السيطرة على العالم الأرضي من خلال حرب النجوم، هذه ملايين تؤخذ من البشر ولو قسمت عليهم لما كان في الأرض شقي ولا فقير، لكن لما كانت البشرية بغير دين أصيبت بهذه الويلات والنكبات.هذه أيها الإخوة! بعض اللمحات عن الإيمان وأهميته وأثره في حياة الفرد والمجتمع، وقد يقول قائل: ما هو الإيمان الذي نعنيه؟ ما هو الإيمان الذي نريده؟ أهو مجرد تصورات، أو سلوك، أو عبادات؟ ما هو الإيمان الحقيقي الذي ينفع؟ ثم ما أسباب زيادة الإيمان؟ وما أسباب ضعف الإيمان؟ وما أسباب إحباط الإيمان؟هذه الأسئلة الأربعة تحتاج إلى وقتٍ مثل الذي قضينا فيه، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يعين وأن يوفق على اللقاء بكم مرة أخرى للإجابة عليها؛ لأن الوقت محدد لي من قبل الشيخ فقد حدده بالدقيقة، قال: لا تزد ولا تنقص، هذه حصة، وليست فلتة، قال: لك خمسة وأربعون دقيقة، فأظن أني أخذت أكثر من خمس وأربعين دقيقة، فأستميحه عذراً وأستسمحكم أيضاً.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 إثبات الإيمان بقضية حسابية تجارية
ومنهم من مارس القضية على أساس أنها قضية حسابية تجارية، فقالوا: نحن في الإيمان نكسب ولا نخسر شيئاً، ونحن بالكفر نخسر ولا نكسب شيئاً، حتى قال فيلسوف غربي اسمه باسكال : إن عليك قبل أن تقرر بين أن تؤمن أو لا تؤمن، عليك أن تقيس وتفكر فيما يمكن أن تربحه في الإيمان وما يمكن أن تخسره، وما يمكن أن تربحه بالكفر وما يمكن أن تخسره، ثم قال: إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، وإنك بالكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، بالإيمان ماذا تكسب؟ تكسب الصدق، والعفة، والوفاء، والكرم، والشجاعة، وتكسب كل شيء، وتخسر ماذا؟ تخسر الزنا، والزنا خسارة إذا لم تزنِ؟ العقول بدون دين ترفض الزنا، وتخسر الخمور، وهل الخمور مكسب؟ هي خسارة. كيف يسعى في جنون من عقل تخسر الكذب، والجبن، والخصال الرذيلة، فهذه ليست خسارة، بل تركها كسبٌ لك أيها الإنسان. وقال أبو العلاء المعري ؛ وهو فيلسوف ملحد، قادته فلسفته إلى الإلحاد والكفر -والعياذ بالله- يقول بيتين من الشعر: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما يقول: أنا سأموت، فإن جاء في الآخرة بعث ونشور فأنا لم أخسر شيئاً، لكن لو جاء يوم القيامة وليس هناك بعث ولا نشور فأنت الخاسر، أنا ما خسرت شيئاً، وطبعاً نحن لا نأخذ إيماننا من هذه النظرية القائمة على الاحتمال، هذه نظرية أبي العلاء المعري الذي يقول: أنت خاسر وأنا سأكسب مباشرة، وليس عنده يقين، ولذلك ألحد.لكن. نحن نأخذ إيماننا عن طريق الجزم والحق الذي نجزم بأنه هو الحق، وأن ما عداه فهو الباطل، وأن دين الله الذي شرعه الله، وأنزله الله تبارك وتعالى، هو دين الله الذي يصلح لكل حياة، والمؤمن -أيها الإخوة- حينما يهتدي لا يخاطر بدنياه من أجل أن يربح في آخرته، بل هو يربح دنياه ويربح آخرته؛ لأن هذه الحياة ستبقى شقاءً، وستبقى غايةً في الضلال إلا أن يعمرها الإنسان بطاعة الله عز وجل.
الأسئلة
.
 نصيحة للشباب الغير متزوج
السؤال: نريد منكم يا فضيلة الشيخ! نصيحة للشباب المسلم غير المتزوج الذين طغى عليهم الجنس وممارسته بطرق غير مشروعة؟الجواب: الجنس غريزة موجودة في كل كائن، والله شرع لنا وسيلة لتفريغ هذه الغريزة عبر مسار نظيف اسمه: مسار الزواج، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -أي: النفقة والقدرة على الزواج- فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) هذا الزواج، (ومن لم يستطع) فعليه بيده! مثل ما يفعلونه الآن ويسمونها العادة السرية، أي: نكاح اليد؛ لأن العصاة والمجرمين قدموا المعاصي في قوالب مقبولة بتسميات مختلفة، فيسمون نكاح اليد: عادة سرية، التي بها لعنة الله ورسوله، والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي يوم القيامة ويده حبلى له؛ يبعث يوم القيامة ويده مثل الجبل فيها ستمائة أو سبعمائة ولد، ما هذا؟ قال: هؤلاء عيالك في الدنيا، لا إله إلا الله!! نكاح اليد محرم، وفيه فتوى صادرة من هيئة كبار العلماء، نحتفظ بها، وهي موقعة من كبار العلماء، ولا تنظروا لمن قال لكم: إنها أهون من الزنا، الباطل لا يحارب بباطل، والبديل لا يكون منكراً، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (فعليه بالصوم) فقط، وقال الله في الآية الكريمة: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المعارج:29-30] فقط، زوجتك أو ملك يمينك، ثم قال فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المؤمنون:7] أي شيء حتى ولو يده: فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] أي: المعتدون على حرمات الله عز وجل، فأنت أيها المسلم! إن استطعت أن تتزوج فالحمد لله، وإن لم تستطع أن تتزوج فعليك وسائل تتبعها حتى تقلل من لهيب الجنس ولوعته في قلبك:أولاً: غض بصرك ولا تفتح عينك؛ لأن الشاعر يقول: والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها في أعين الغير موقوف على الخطر غض البصر؛ لأن غض البصر هذا من أعظم وسائل الحماية للإنسان.ثانياً: لا تستمع للأغاني؛ لأنها تهيج الشهوة إلى جانب كونها محرمة؛ لأن الغناء كله يتحدث عن الحرام، ليس فيه كلام إلا: يا ليل، ويا عين، ويا حبيبة، ويا طولها، ويا عرضها فقط، كلام فاضٍ، فلا تسمع الأغاني بأي حالٍ من الأحوال. لا تنظر إلى النساء، وغض بصرك، وكذلك لا تنظر إلى المسلسلات والروايات والمسرحيات؛ لأنها تحرض على الجنس والحب والغرام والعشق والهيام.أيضاً: لا تقرأ في كتب الروايات، ولا تشترِ المجلات؛ لأن فيها أصحاب الصور العارية الرخيصة. أيضاً: لا تفكر في هذه الأمور تفكيراً يستغرق عليك وقتك، وإنما إذا جاءك التفكير قم إلى القرآن، خذ المصحف واقرأ القرآن، أو قم إلى الصلاة، وبعد ذلك عليك بالصوم وهو أول وأفضل دواء، كما قال عليه الصلاة والسلام، وإذا كنت تقول: كيف أصوم؟ فلتصم الإثنين والخميس من كل أسبوع، أو تصم ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه -إن شاء الله- يعينك إذا قصدت بذلك وجه الله تعالى، والاستعانة على كبح الشهوة في نفسك، فهذا دواء ناجع بإذن الله تعالى، وإذا ابتليت بحكم جاهليتك في الماضي بالتعرف على فتاة، ووقع في قلبك ميلٌ نحوها، فابحث من الآن إمكانية الزواج بها، قبل أن تتخرج، دع أهلك يتقدمون لها، أو يعقدون لك عليها، فإن كانت الطرق مهيأة، والسبل ممكنة، وأهلها موافقون، فحاول أن تعقد، وإذا صارت زوجتك فأحبها كثيراً، لا نقول لك: لا؛ لأن الحب الحلال حلال، واذهب وتكلم واجلس معها.وإن كنت بحثت عن الطريق الموصل إلى الزواج بهذه البنت وقالوا لك: لا. والله لا نزوجك، رفض أبوها أو رفضت أمها، أو رفض أبوك أو رفضت أمك، وطبيعي أنك لن تتزوج بفتاة غصباً عن أبيها وأمها، أتأخذها غضباً؟! لا، لا بد من رضا الولي: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين)، فإذا عرفت أن الطريق مسدود إلى الزواج بها، فإن البقاء في العلاقة معها لا طائل تحته، لماذا؟ لأنك تلهب قلبك وليس هناك طريقة للحل؛ لأن أصل الحب هو ميل المرأة إلى الرجل، ولا يمكن أن يطفئه إلا اللقاء بها، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق الزواج، وإذا تم اللقاء بها من غير زواج يزيد النار لهيباً.. هل هو حلال أن تزني بها؟ أو أن تجلس معها؟ بل هو حرام وليس بحلال، صحيح أنه يغضب الله، ومعصية من معاصي الله، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكن إلى جانب ذلك مشكلة عليك أنت، لا تنحل المشكلة، لا يحل مشكلتك من حب الفتاة إلا الزواج بها، فإن كان الزواج ممكناً فالحمد لله، وإن كان غير ممكن فقف واقطع طريق الرجعة عليها وعلاقتك بها، وافصلها بحزم الرجال وقوة الأبطال، ولا تفكر في شيء حتى تتزوج، ثم إذا تزوجت كما مال قبلك إلى الأولى سيميل قلبك إلى زوجتك؛ لأن بعض الناس يقول: لا والله إني لو أخذت مائة امرأة أني ما أحب إلا تلك، نقول له: لا والله إنك تحب زوجتك أكثر منها، وشيء مجرب، أول شيء كيف أحببت هذه وأنت كنت لا تعرفها؟ من طريق تعرفك عليها، أو رأيتها وكلمتها، وكذلك زوجتك الجديدة إذا تزوجت بها، إذا رأيتها وجلست معها ستحبها أكثر من تلك إن شاء الله. وبعضهم يقول: كيف أفعل؟ نقول: أنت رجل مؤمن وعاقل، تعرف أنك بهذا الكلام والاتصال والمراسلة، أو بأي اتصال مع المرأة، تعرف أنك لا يمكن أن تلتقي بها عن طريق الزواج، إنما تدمر نفسك وعرض مسلم وعرضها، وبعد ذلك النهاية فشل في فشل، فمن الآن كن قوي الإرادة، عظيم النفس، عالي الهمة، أعلن التمرد القوي على نفسك وعلى عاطفتك وقل لها: والله لا يمكن، وقد وضعت هذا الجواب لشخص من الشباب، وكان رجلاً حقيقةً بارك الله فيه ووفقه، والآن عنده ولدان من زوجته الجديدة، فقد جاءني وهو يبكي من لوعة الحب في قلبه تجاه بنت رفض أبوها أن يزوجه إياها، وقال له: والله لا تنكحها وأنا حي، فجاء الولد يقول: ماذا أفعل؟ رفض أن يزوجني، قلت: ماذا تريد؟ تريد أن تغصبه على ابنته، لو أن عندك بنتاً ورفضت أن تزوجها لشخص، هل يغصبك أحد على ابنتك؟ هذا يكون في غير الإسلام، يكون في الشيوعية ، أما نحن فمسلمون، هذه ابنتي لا أزوجها إلا ممن أريد، وكذلك هذا الرجل هو حر في اختيار زوج ابنته، أنت لا تصلح لها، ولهذا هو ما يريدك يا أخي! قال: ماذا أفعل؟ قلت: الآن اتصل بها. فاتصل من مجلسي وأنا أمليه الكلام في ورقة، كلاماً شديداً قوياً، وعندما أكمل قلت له: ابصق في وجهها، فبصق في التلفون في وجهها، فهي وضعت السماعة؛ لأن عندها كرامة عندما تكلم عليها وقال: أنتِ خبيثة، وأنتِ مجرمة، وأنا لا أريدكِ، وأنا أعلن قطع الصلة بكِ، ومن الآن لا تكلميني ولا أكلمكِ، ووضع السماعة وذهب الرجل، وبعد يومين جاءني وقال: اتصلت بي، قلت: ماذا فعلت؟ قال: تفلتها، قلت: وهي ماذا صنعت؟ قال: بكت، قلت: فما موقفك أنت؟ قال: والله يا شيخ! يوم أن بكت تألم قلبي، قلت له: أنت ضعيف، أنت لا تصلح للجنة، تريد الجنة وأنت عبد شهوتك! كيف تعلن عبوديتك لله ثم تصير عبداً لامرأة، حرامٌ عليك! ثم قلت له: ارفع السماعة، فرفع السماعة وقال لها مثل كلامه الأول، فردت عليه وقالت: الله لا يردك، ولعن الله أباك وأمك، قالتها له، ويوم لعنت أمه وأباه، يقول: والله إن الله أخرج حبها من قلبي كما تخرج الشعرة من العجين، قلت: اذهب وابحث لك عن امرأة الآن، فذهب وتزوج بامرأةٍ، وبعد ما عقد عليها ودخل بها أحبها، وصار عنده ولدان منها، يقول لي: والله إني من أسعد الناس بهذه الزوجة.فقضية الجنس ولهيبه لا تعالج بأنك تبكي، فإنك إذا أتيت على نار مشتعلة هل تطفئها أم تؤججها؟ إذا أججتها التهبت، وإذا أطفأتها خمدت، فإذا كان عندك شيء في قلبك كبشرٍ فأخمد هذه الشهوة بعدم سماع الغناء، والنظر إلى النساء، وقراءة المجلات والخزعبلات، والنظر إلى المسرحيات، وقراءة الروايات، وبعد ذلك صم، والله يوفقنا وإياكم، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما هي رسالتك أيها الإنسان؟ للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net